المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب المسح على الخفين - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب المسح على الخفين

‌باب المسح على الخفين

الأصل في جوازه - مع ما سنذكره من الأخبار - ما روى مسلم عن جرير قال:

" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه" قال الترمذي: وكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن اسلام جرير كان بعد نزول"المائدة"؛ أي: فلا تكون آية

"المائدة" الدالة على إيجاب غسل الرجلين، ناسخة للمسح كما صار إليه بعض

الصحابة وغيرهم. ورواية مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم"صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه؛ فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن

تصنعه؟ قال:"عمدا صنعت يا عمر".

يدل على ذلك - أيضا - أن سورة "المائدة" نزلت سنة ست من الهجرة قبل

ص: 340

الفتح، وقد روى عن الحسن البصري أنه قال:" روى المسح على الخفين سبعون

رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقد ادعى الغزالي والمتولي أنه رخصة لم

ينكرها إلا الروافض، وأضاف الإمام إليهم من يعرف بالانتماء إليهم.

والقاضي الحسين نسب المنع إلى علي بن أبي طالب والشيعة.

وأبو الطيب نسبه إلى الخوارج، والإمامية، وأبي بكر بن داود، وأنها رواية عن

مالك؛ مستدلين بأن سورة "المائدة" ناسخة لها؛ فإنها تقتضي إيجاب غسل

الرجلين على قراءة، أو مسحهما على أخرى، وليس مسح الخف واحدا منهما.

وحجتنا عليهم: ما تقدم.

قال: ويجوز المسح على الخفين؛ لما ذكرناه، وفي لفظ"الجواز" تنبيه على أمرين:

أحدهما: أنه غير واجب، وغير مستحب، وغير مكروه، وهو المشهور.

لكن أبو الطيب حكى ها هنا عن الشافعي: أنه مكروه، وحكى القاضي الحسين عنه

في باب "القصر أنه قال:"وأحب للمسافر. أن يمسح على خفيه؛ إذا كان يغسل رجليه

رغبة عن السنة"، ومفهومه أنه إذا كان يغسلهما – لا رغبة عن السنة- لا يستحبه.

الآخر ثم القول بعدم وجوبه محمول على الغالب؛ وإلا فلو كان المحدث لابس

خف بالشرائط التي تبيح المسح، وقد دخل عليه وقت الصلاة، ووجد من الماء ما

ص: 341

يكفيه لو مسح على الخف، ولا يكفيه لو غسل الرجلين – فالذي يظهر وجوبه؛

لقدرته على الطهارة الكاملة، ولا [يأتي فيه] الخلاف الذي سنذكره في التيمم؛

لوضوح الفرق.

قال: في الوضوء؛ أي: ولا يجوز في الغسل؛ لما روى صفوان بن عسال قال:"كان

رسول الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين وروى من طريق آخر: إذا كنا سفرا- ألا ننزع

خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط [ونوم] " رواه

الترمذي، وقال: حسن صحيح. وقد جاء في رواية عن صفوان بعد قوله."من بول"-.

"من الحدث إلى الحدث" خرجهما القاسم بن زكريا المطرز بإسناده.

وسفر: جمع"سافر"؛ كركب: جمع "راكب".

ثم الفرق بين الوضوء والغسل من حيث المعنى: أن الوضوء يتكرر، والحاجة إلى

ص: 342

لبس الخف عامة، ولو كلف نزعه في كل وضوء لشق، ولا كذلك عند الجنابة؛

لأنها لا تتكرر كتكرره، ولأن الجنب لا يتمكن من المسح؛ لأن عليه غسل جميع

بدنه، ومع ذلك ينزل الماء في الخف؛ فيؤدي إلى الإضرار به، ولا كذلك في الوضوء.

قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة؛ لما روى مسلم عن علي -

كرم الله وجهه- قال:" جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".

وروى الشافعي بسنده عن أبي بكر أن" النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام

ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه – أن يمسح عليهما" وهذا

هو الجديد.

وعن القديم: أنه يتقدر لا بمدة؛ بل له المسح إلى أن تصيبه الجنابة؛ كما هي رواية

ص: 343

عن مالك؛ لما روى أبو داود عن أبي بن عمارة- وكان قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبلتين - أنه قال: يارسول الله، أأمسح على الخفين؟ قال:"نعم".قال: يوما؟ قال:

"ويومين". قال: ثلاثة؟ قال:"نعم، وماشئت"[ومن] طريق أخرى - قال فيه

حتى بلغ سبعا-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم، وما بدا لك"

ولأنه مسح بالماء؛ فلم يكن مؤقتا كمسح الرأس والجبيرة.

والصحيح الأول، بل قد حكى ابن الصباغ عن الزعفراني أنه قال: إن الشافعي

رجع عنه بـ"بغداد" قبل خروجه إلى" مصر"وكذا حكاه البندنيجي؛ وحينئذ فلا يكون

في المسألة إلا قول واحد؛ كما ذكر الشيخ.

والخبر المستدل به للقديم قد قال أبو داود: إنه اختلف في إسناده، وليس بالقوي،

ص: 344

وبعضهم يقول: في إسناده مجاهيل، ولو صح حملناه على مسحات يتخللها غسل

الرجلين في أوقاتها؟ كما يحمل قوله – عليه السلام:"التراب كافيك، ولو لم

تجد الماء [عشر حجج" على تيممات]؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث.

قال الإمام: والوجه عندي المعارضة بنصوص التأقيت، ثم الأصل غسل القدمين؛

فلا تثبت رخصة المسح إلا بثبت، والفرق بين ما نحن فيه والمقيس عليه: أما المسح

على الرأس؛ فلأنه أصل، وأما الجبيرة؛ فلأن الداعي إلى المسح عليها في الأصل

الضرورة، وهي موجودة في الدوام، والداعي إلى المسح على الخف الحاجة وهي

تزول غالبا في المدة المذكورة.

ص: 345

قال الأصحاب: وعلى هذا يتصور أن يصلي المقيم في مدته ست صلوات في

أوقاتها؛ بأن يحدث في وقت صلاة منها مضي ما يسعها، ويمسح ويصليها، ثم

يصليها في اليوم الثاني في أول وقتها.

ويتصور أن يوقع صلاة أخرى جمعا مع الأولى في وقتها إذا كانت الصلاة مما

تجمع؛ وذلك بعذر المطر.

ويتصور أن يصلي المسافر في مدته ست عشرة صلاة في أوقاتها، وأخرى

بالجمع؛ كما ذكرنا. أما إذا أجنب في أثناء المدة انقطعت [مدة المسح]؛ لوجوب

غسل الرجلين، وهكذا الحكم في المرأة إذا حاضت أو نفست، قاله الرافعي،

واستدل له بحديث صفوان. وفيه نظر؛ لأن حديث صفوان يدل على أن المسح على

الخف لا يقوم مقام غسل الرجلين في الجنابة، لا أنه تبطل مدة المسح.

نعم، إن كان لا يتأتى غسل الرجل في الخف فالنزع واجب؛ لأجل الغسل، فإذا

نزع بطلت به المدة، وإذا لم ينزع: هل نقول: تبطل؛ تنزيلا لوجوب النزع منزلته، أم

لا؟ هذا محل الاحتمال.

وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف ينبغي ألا تبطل مدة المسح؛ [بناء على أن

الوضوء لا يندرج تحت الغسل]، ويصير ذلك بمنزلة ما قاله الأصحاب فيما إذا

دميت رجله في الخف؛ إن أمكن غسلها فيه – لم تبطل المدة، والله أعلم.

ص: 346

واعلم أن الشيخ اتبع في إطلاق لفظ السفر الخبر، وهو محمول عند أصحابنا على

السفر الذي تقصر فيه الصلاة بلا خلاف؛ حتى تشترط فيه المسافة، وألا يكون

معصية. فلو كان قصيرا أو معصية، لا يستبيح به مدة المسافر، ويستبيح في القصير مدة

المقيم، وهل يستبيح في المعصية ذلك؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره في كتاب:

صلاة المسافر؛ إذ هناك تكلم الشافعي والأصحاب فيها-:

أحدهما- وهو ظاهر المذهب في " تعليق" القاضي الحسين، والأصح عند الغزالي

وغيره:- نعم؛ لأن المعصية صيرت السفر كالمعدوم، والحاضر يجوز له ذلك.

والخلاف جار في مقيم عاص بإقامته؛ كما إذا نوى القيام ببلدة؛ لفعل بعض

المعاصي.

والعبد إذا أمره سيده بالسفر فأقام، فإنه يجب عليه السفر؛ صرح به أبو الطيب في

الأولى، والإمام عن رواية الصيدلاني في الثانية. وحكى عن شيخه أنه قال: الحاضر

إذا كان [يدأب] في معصية، لا تتأتى إلا بإدامة الحركة [فيها]، ولو مسح على

الخفين، لكان ذلك عونا له على ما هو فيه – فيحتمل أن يمنع الترخص. قال: وما

ذكره حسن صحيح.

ص: 347

قال الأصحاب: والرخص التي تتعلق بالسفر ستة:

منها ما يختص بالطويل بلا خلاف وهي: المسح على الخفين، ةالقصر، والفطر.

ومنها ما يجوز في الطويل والقصير بلا خلاف، وهو: الصلاة على الراحلة

ونحوها، وفي هذا شيء ستعرفه إن شاء الله.

ومنها ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو: الجمع في السفر، والتيمم، منهم من

ألحقه بالقسم الأول، ومنهم من ألحقه بالقسم الثاني.

قال: وابتداء المدة – أي: في حق المسافر والمقيم – من حين يحدث بعد لبس

الخف؛ لما ذكرناه من رواية المطرزي عن صفوان، ولأنها عبادة مقدرة بوقت؛ فكان

أول وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة، وهذا دليل على من ادعى أن أول وقتها من

حين المسح، وهو أبو ثور، وأحمد. [و] على من قال: إنه من وقت اللبس، وهو

الحسن البصري.

ثم [هذا] الدليل يدل على امتناع تجديد [الوضوء] المشتمل على مسح

الخفين، ولا شك في أنه مكروه.

ص: 348

قال: فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام – أتم مسح مقيم؛

لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا اجتمع [فيها] الأمران غلب حكم

الحضر؛ كما في القصر، ولا فرق على هذا بين أن يقع كل المسح في الحضر أو

بعضه، حتى لو مسح إحدى رجليه في الحضر، ومسح الأخرى في السفر – أتم مسح

مقيم، وهو المذكور في"التتمة"، وعن القاضي الحسين أنه اختار في هذه الصورة أنه

يتم مسح مسافر؛ نظرا إلى تمام المسح.

وقد أفهمك قول الشيخ في جواب المسألتين:"أتم مسح المقيم"- أمرين:

أحدهما: أن الاعتبار في كون المدة مدة مقيم أو مسافر، بحالة وقوع المسح، لا

بوقت الحدث، وهو كذلك.

وعند المزني [أن] الاعتبار [في ذلك] بوقت الحدث؛ كما أنه الاعتبار في

ابتداء المدة، واستدل لذلك لو لم يمسح في الحضر حتى مضى يوم وليلة، لا

يمسح بعد ذلك، كذا حكاه الداركي عنه.

وقال أبو الطيب: إن هذه الحكاية عنه ليست بصحيحة، ومذهبه فيها كمذهبنا،

ووجهه أن المسح هو المقصود؛ فكان الاعتبار به؛ كما أن الصلاة لما كانت هي

المقصودة – كان الاعتبار في قصرها بحالة فعلها؛ إذا وقع في وقتها، وقد وافق

المزني على ذلك.

ثم لا فرق على هذا بين أن يخرج وقت صلاة وجبت عليه بعد الحدث أو لا عند

الجمهور.

وعند أبي إسحاق أنه إذا أحدث في الحضر، ودخل عليه وقت صلاة، ولم يصلها

حتى خرج الوقت وهو مقيم، وسافر ومسح في السفر – يتم مسح مقيم؛ لأنه كان

ص: 349

يجب عليه المسح في الحضر؛ فنزل منزلة فعله.

الثاني: أن الثانية مصورة بما إذا بقي من مدة المقيم شيء؛ كما إذا [كان] قد

مسح دون يوم وليلة؛ لأن فيه تنبيها على محل خلاف المزني.

أما إذا كان قد مسح [في السفر يوما] وليلة فأكثر، ثم أقام – استأنف وفاقا.

وإنما قلنا ذلك؛ لأن في"تعليق البندنيجي" أن أبا العباس – يعني ابن سريج -

حكى عن المزني أنه قال: إذا كان مقيما ثم سافر، أو مسافرا ثم أقام – بنى إحدى

المدتين على الأخرى، ويقسط ذلك على مر الزمان: فإن كان مقيما؛ فمضى من مدة

الإقامة ثلثها من حين الحدث، ثم سافر – له أن يمسح بعد أن حصل مسافرا يومين

وليلتين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقى من مدة الحضر وهو ثلثا يوم وليلة.

وإن كان مسافرا، فمسح يوما وليلة، ثم حضر – فقد مضى له ثلث مدة السفر؛

فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر، وقال: هذا هو القياس.

قال أبو العباس: ولسنا نناظره إذا وافقنا على المذهب، ولو قال هذا الحكم -

ناظرناه، وقلنا: إما أن يغلب حكم الحضر دون السفر، أو العكس، فأما الجمع بينهما

فمحال؛ لأنه يفضي إلى أن يصلي ركعة من الظهر، وهو مسافر، ثم إذا أقام يضيف

إليها ركعتين؛ فيصلي الظهر ثلاثا، وهو خلاف الإجماع. أو يصلي من الظهر ركعتين

في الحضر، ثم يسافر؛ فيصلي الظهر ثلاثا، وهو خلاف الإجماع.

قال: وإن شك في وقت المسح، أو في انقضاء مدة المسح – بنى الأمر على ما

ص: 350

يوجب الغسل؛ لأن الأصل وجوب الغسل، والمسح رخصة بشرط، فإذا وقع الشك

في الشرط، رجعنا إلى الأصل.

وصورة الشك في وقت المسح أن يتيقن أنه مسح في الحضر أو السفر، وشك:

هل أحدث وقت الظهر أو وقت العصر مثلا؟ ويلزم بهذا التصوير الشك في الانتهاء

أيضا.

وصورة الشك في انقضاء مدة المسح: أن يتيقن أنه أحدث وقت الظهر مثلا،

وشك: هل وقع مسحه في الحضر، فتكون آخر مدته ثاني يوم الظهر؟ أو في السفر؛

فتكون أخر مدته رابع يوم الظهر؟ وبهذا التصوير وقع الشك في الانتهاء دون الابتداء.

وقد صور بعضهم الأولى بالصورة الثانية، والثانية بالأولى، وليس بشيء.

وقد خالف المزني فيما إذا شك هل أحدث وقت الظهر أو العصر؟ فقال في

"الجامع الكبير" – كما حكاه البندنيجي-: إنه يبني الأمر على أنه أحدث وقت

العصر؛ لأن الأصل عدم حدثه وقت الظهر. وغلط فيه بما ذكرناه.

قال: ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة.

عنى بالكاملة: التامة، حتى [إنه] لا يجوز أن يمسح إذا تطهر، وغسل إحدى

رجليه وأدخلهما الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما الخف، والدليل على ذلك: قوله-

عليه السلام – في حديث أبي بكرة:"إذا تطهر فلبس خفيه – أن يمسح عليهما".

وقوله – عليه السلام – للمغيرة بن شعبة حين رام نزع خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وضوئه:" دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين" – كما أخرجه مسلم _[يدل على

اشتراط الطهارة.

وروى الشافعي بسنده عن المغيرة بن شعبة [قال]:قلت: يارسول الله، أأمسح

ص: 351

على الخفين؟ قال:"نعم، إذا أدخلتهما طاهرتين، ولفظ"إذا" شرط، والشرط

يقتضي العدم بعدمه].

فإن قيل: هذا يدل على أن الرجل لا تدخل في الخف إلاطاهرة، وإذا غسل

إحدى رجليه وأدخلهما في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما الخف _ صدق ذلك؟

قلنا: ماكانت الطهارة شرطا فيه – اشترط تقدمها بجملتها عليه؛ كالصلاة.

ثم خبر أبي بكرة يمنعه؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب والترتيب، وقام الدليل على

أن التعقيب هنا غير واجب؛ فبقى وجوب الترتيب على ظاهره.

ثم إن إطلاق الطهارة يقتضي الكمال؛ يدل عليه: أن من توضأ، ولم يغسل إحدى

رجليه – إذا حلف إنه غير متطهر لا يحنث؛ ولهذا قال الرافعي: إن لفظ"التمام" [في

"الوجيز"] لا حاجة إلى ذكره.

وجوابه: أنه أتى به؛ للتنبيه على محل الخلاف؛ فإن المزني وأبا ثور وأبا حنيفة

قالوا- فيما إذا غسل إحدى رجليه، ،أدخلهما الخف قبل غسلهما، وغسلهما فيه -

جاز له المسح. والمشهور عنه الأول.

ثم عندنا إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلهما في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها

الخف – إذا أراد أن يمسح عليهما – ينزع الأولى ثم يلبسها.

وعن ابن سريج: أنه لابد من نزعهما، ويستأنف لبسهما، لأن حكم كل واحدة

منهما يرتبط بالأخرى؛ ألا ترى أن نزع إحداهما بعد الحدث يوجب نزع الأخرى؟!

والمشهور الأول.

والفرق: أن اللبس هنا لم يقع في محله؛ فكان كعدمه، بخلافه.

ثم المراد باللبس الذي يشترط فيه الطهارة: إدخال القدم في موضع مقرها [من

الخف] مستقرة، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما،

ص: 352

وغسلهما في الساق، ثم أدخلهما موضع القدمين – جاز له المسح.

ولو أدخلهما الساق طاهرتين، ثم أحدث قبل استقرارهما في مقرهما – لا يستبيح

المسح، وعلى هذا نص في"الأم"، بخلاف مالو كانت القدمان مستقرين في محلهما

من الخف – حيث يجوز له المسح عليهما – فأخرجهما من مقرهما [إلى الساق، ثم

أعادهما إلى مقرهما]_: فإن له المسح؛ كما نص عليه. والفرق استصحاب الحال

في الموضعين.

وقد حكى في كل من الصورتين [الأخريين] وجه آخر، حكاه في الأخيرة

القاضي أبو الطيب قولا نسبه إلى الجديد، وصححه مع جزمه في التي قبلها

بالمنصوص فيها.

وفي "تعليق القاضي الحسين" حكاية الخلاف فيهما، فيما إذا كان بعض القدم في

مقره فيهما، ومثاره أن البعض هل يقوم في ذلك مقام الكل، أم لا؟

واعلم: أن بعض الناس كان يقول: [يحتمل أن يكون] الشيخ احترز بلفظة

"كاملة" عن طهارة المستحاضة ومن في معناها، والتيمم؛ فإن ذلك طهارة، لكنها غير

كاملة؛ إذ لا يستبيح بها سائر الفرائض.

قلت: ليس الأمر كذلك؛ لوجهين:

أحدهما: أن الكامل ضد الناقص، والضعيف ضد القوي، [وطهارة المستحاضة

والتيمم طهارة ضعيفة لا ناقصة،] والذي ذكره الشيخ:"الكامل"؛ فتعين أن يكون

قد احترز به عن الناقص.

والثاني: أن المحترز عنه يجب أن يكون ضد المدعي، وقد قال الأصحاب:

المستحاضة ومن في معناها إذا تتوضأ، ولم تصل، ولبست الخف، ثم أحدثت

الحدث المعتاد – يجوز أن تتوضأ وتمسح على الخف وتصلي فريضة واحدة، وما

شاءت من النوافل، وكذا إذا كانت قد صلت الفرض، ولبست الخف، ثم أحدثت -

ص: 353

تتوضأ وتمسح على الخف، وتستبيح النافلة؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب وابن

الصباغ.

والشيخ أبو علي حكى في ذلك وجهين عن تخريج ابن سريج. والقاضي الحسين

حكاهما قولين؛ بناء على أن المستحاضة، هل يرتفع حدثها بالنسبة إلى فريضة

واحدة والنوافل، أم لا؟ فإن قلنا: لا يرتفع، لم تمسح، وإلا مسحت وصلت، وهو

الأصح في "الرافعي".

ويقال: إن أبا بكر الفارسي حكاه عن نص الشافعي في "عيون المسائل"؛ لأنها

تحتاج إلى اللبس والارتفاق؛ كالطاهر؛ وعلى هذا إذا مسحت وصلت، ثم أحدثت -

يجب عليها إذا توضأت غسل الرجلين.

وعن الشيخ أبي حامد أن لها أن تستوفي مدة المسح يوما وليلة في الحضر، وثلاثة

أيام ولياليهن في السفر، لكن عند كل فريضة تعيد الوضوء، وتمسح على الخف،

ومال الإمام إلى هذا من جهة المعنى، وقطع بنفيه نقلا.

ثم محل الخلاف في جواز المسح لها، إذا لم ينقطع دمها قبل المسح، فإن

انقطع – فطريقان: منهم من قطع بوجوب النزع، والإتيان بالطهارة الكاملة؛ لأن

الطهارة التي ترتب عليها المسح قد زالت بالشفاء الطارىء؛ فيمتنع ترتيب المسح

عليها؛ وهذه طريقة ابن سريج.

قال الرافعي: ومنهم من طرد الوجهين.

والمتيمم – لأجل المرض – كالمستحاضة.

ص: 354

والمتيمم – لعدم الماء – لا يجوز له المسح أصلا؛ لأنه عند رؤيته يعود حدثه كما

كان عليه أولا؛ وهذا ما حكاه الماوردي وأبو الطيب. وقال ابن سريج:" يجوز له

المسح"؛ لأن التيمم عنده يرفع الحدث، ولا جرم أن القاضي الحسين سوى بين

[التيممين: للجرح] ولعدم الماء، والمستحاضة.

فإن قلت: المتيمم لعدم الماء [إذا رآه] بمنزلة المستحاضة إذا انقطع حيضها،

وقد حكيتم عن ابن سريج في المستحاضة القطع بمنع المسح عند الانقطاع، وقضيته

أن يقطع بمثله في المتيمم إذا رأى الماء؛ فلم خالفه؟

قلنا: قدذكر البندنيجي: أنه فرق بينهما بأن رؤية الماء أخف من انقطاع الدم؛ ولهذا

لو رآه المتيمم في الصلاة أتمها على النص، ولو انقطع الدم في أثناء الصلاة -

استأنفها على النص.

لكن لك أن تقول: هذا الفرق لا يحسن من ابن سريج؛ لأنه هو المخرج من مسألة

انقطاع الدم إلى المتيمم قولا: أنه تبطل صلاته برؤية الماء؛ كما خرج من المتيمم

قولا إلى المستحاضة إذا انقطع دمها في الصلاة: أنها لا تبطل؛ لاستوائهما عنده؛

وحينئذ تتعين التسوية؛ كما فعل القاضي الحسين.

وإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الصحيح جواز المسح للمذكورين – لم يحسن

الاحتراز عنهم.

لكن لهذا القائل أن يقول: هؤلاء يجوز لهم المسح ويختص بصلاة واحدة، ثم

ص: 355

ينزعون الخف بعدها؛ على الصحيح، وكلام الشيخ فيمن يجوز له المسح، ولا ينزع

الخف مدة المقيم والمسافر؛ فيحسن لذلك الاحتراز عنه.

وجوابه: أن الشيخ أبا حامد قائل باستيفاءالمدة له، وهذا الكتاب مختصر من

"تعليقه"؛ كما هو المشهور؛ وحينئذ لا يحسن معه هذا السؤال. والله أعلم.

قال: ولا يجوز إلا على خف [صحيح]، أي: فلا يجوز على المقطوع: قل

قطعه – بحيث لا يرى معه شيء من القدم – أو كثر وتفاحش أو لم يتفاحش؛ لأن

قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} إلى قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين}

يوجب على كل قائم إلى الصلاة؛ إذا توضأ أن يغسل رجليه.

وقام الإجماع [منا ومن الخصم] على تركه بالمسح على الخف؛ إذا كان

صحيحا، وبقى على ظاهره في المقطوع، ولأن ما منع كثيره من المسح على الخف،

وجب أن يمنع قليله منه؛ كترك لمعة من الرجل لم يصبها الماء.

وللشافعي قول في القديم اختاره أبو بكر بن المنذر: أن القطع اليسير لا يضر

كمواضع الخرز.

والمضر منه: ما تفاحش، وعلى هذا فما المتفاحش؟ قال الأكثرون، ومنهم

القاضي الحسين: ألا يتماسك في الرجل، ولا يتأتى المشي عليه.

وقال في" الإفصاح": ما يبطل معه اسم الخف عنه.

والصحيح ما ذكره الشيخ؛ لما ذكرناه.

والفرق عند القائلين به بين ما نحن به، ومواضع الخرز – أنه لا يخلو منها خف،

وهي تنسد بالخيط؛ فإن فرض انفتاح فيها بسقوط الخيط – لم يجز المسح عليها،

والقول القديم جار فيها من طريق الأولى، وفي "البسيط" قطع به.

وهذا إذا لم يكن الخف مبطنا، [أو كان مبطنا] وانقطع الخف [أي بحيث ترى

منه البشرة] وما قابله من البطانة، أما إذا كان مبطنا والقطع في الظهارة فقط، قال

ص: 356

البندنيجي: جاز له المسح عليه؛ لأن هذا خف كله.

وخصه الماوردي بما إذا كانت البطانة من جلود، وقال فيما إذا كانت من خرق: لا

يجوز المسح عليه.

وأبو الطيب قال: يعتبر في البطانة أن يمكن متابعة المشي عليها.

ويجيء من مجموع ذلك خلاف في مسألة، وقد حكاه الرافعي وجهين، وصحيح

الثاني.

ولو كان في الخف قطع، وفي البطانة قطع لا يقابله، والرجل مستورة، وكلا

القطعين في محل الفرض – جاز المسح عليه؛ كما حكاه الإمام عن الأصحاب.

واعلم أنه لا يوجد في كثير من النسخ لفظة "صحيح"، والاقتصار على ما

بعدها، وعليه جرى الشارحون، والموجود في بعض النسخ ذكرها، ولابد منها؛ إذ

لفظة"ساتر" لا تغني عن الاشتراط الصحة؛ فإن المقطوع قطعا يسيرا لا تبين منه القدم

مانع على الجديد؛ كما ذكرنا.

فإن قلت: لفظة"صحيح" تخرج ما إذاكان الخف مقطوعا وله شرج تحت

الكعبين، وكان إذا شرج لا يرى معه البشرة، ويمكن متابعة المشي عليه، ولا خلاف

عند العراقيين في جوازه؛ تمسكا بنصه عليه في"الأم" وإن حكى المراوزة فيه خلافا.

قلت: الشيخ أدخل بلفظ"الصحيح" ما لا يحتاج معه إلى تفصيل وتقييد، وأخرج

ما لا يجوز المسح عليه مطلقا، وما لا يجوز المسح عليه في حال، ومنه مسألة

الشرج؛ فإنه إنما يجوز المسح عليه إذا كان مشرجا، وإن لم تر الرجل منه قبل

تشريجه؛ لأنها عند المشي تظهر، وإذا كان كذلك فلا يرد على الشيخ.

والشرج: بالشين المعجمة، والراء المفتوحة، والجيم.

قال: ساتر للقدمين؛ للآية، وطريق الاستدلال منها ماتقدم.

ولأن ظهور إحدى القدمين مانع من جواز المسح على الأخرى؛ تغليبا لحكم

الغسل، فكان ظهور بعض الرجل بالمنع من مسح الباقي منها أولى، ولا فرق في

ذلك بين أن يكون ما ترى منه القدم [في] موضع الخياطة، أو غيره.

والمراد بالقدم: ما يجب غسله من الرجل؛ وبالستر: الستر من الجوانب، والأسفل

ص: 357

لا من الأعلى؛ كما صرح الإمام، والقاضي الحسين، وهو بالضد من ستر

العورة؛ فإن المعتبر فيه الستر من الجوانب والعلو لا من جهة السفل؛ كما ستعرفه.

وعلى هذا لا يضر سعة الخف؛ بحيث يرى من أعلاه القدم، أو بعضه.

وفي "الحاوي": أنه يشترط الستر من الأعلى أيضا ولو لم يجد غيره، وهو ما يفهمه

قول البندنيجي:"أو قطع الخف من فوق الكعبين؛ فإن كان واسعا فشده، جاز المسح

عليه"؛ فإنه يفهم أنه إذا كان واسعا، ولم يشده، لا يجزئه، وبه صرح الروياني في

"تلخيصه" وقال: إنه إذا كان ضيقا لا ترى منه القدم؛ يجوز المسح عليه، وإن لم يشده.

وهذا القيد احترز به الشيخ عن الخف الصحيح المتخذ من خروق خفيفة

النسج ترى بشرة القدم من خلاله.

وقد يحترز به – أيضا – عما إذا كان شفافا، برى من تحته لون البشرة؛ فإن

البندنيجي جزم بأنه لا يجوز المسح عليه، وهو المحكى في بعض التصانيف عن

الغراقيين.

وعند المراوزة يجوز المسح عليه.

والإمام نسبه إلى الصيدلاني، ولم يحك غيره [والله أعلم].

قال: يمكن متابعة المشي عليه؛ لأن المسح على الخف شرع رخصة لما تدعو

الحاجة إلى لبسه، وما يمكن متابعة المشي عليه، الحاجة داعية إلى لبسه، ويعسر قلعه

في كل وضوء، وما لا يمكن متابعة المشي عليه، ليس في معرض عموم الحاجة؛ فلم

تتناوله الرخصة؛ كاللفافة.

والمراد بإمكان متابعة المشي: أن يكون بحيث يمكن التردد عليه في المنازل؛

للاحتطاب والاحتشاش ونحو ذلك، لا أن تقطع به فراسخ ومراحل ومفازات؛ فإذا

وجد إمكان ذلك، جاز المسح عليه، سواء كان من جلود الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو

من اللبود، والشعر، والخرق الغليظة المتراكبة، والخشب الخفيف، نص عليه الشافعي.

وصور القاضي الحسين ذلك بما إذا كان مقطوع الرجل من أسفل من الكعبين؛

ص: 358

فجعل لها خفا من خشب، ونحوه، وأمكن مشيه عليه.

وما لا يمكن متابعة المشي عليه؛ لضعفه: كالمتخذ من الخرق الرقيقة ونحوها -

لا يجوز المسح عليه؛ وكذا ما لا يمكن متابعة المشي عليه؛ لقوته: كالمتخذ من

الحديد، والخشب الثقيل، والزجاج، ونحو ذلك عند العراقيين؛ صرح به البندنيجي،

وابن الصباغ، والمذكور في"الوسيط" جوازه.

ولو كان عدم إمكان المشي فيه؛ لضيقه، أو اتساعه – ففيه وجهان في"تعليق

القاضي الحسين":

أحدهما – وبه صدر كلامه-: الجواز، وهو الذي صححه في "التتمة"؛لأنه يمكن

متابعة المشي عليه لمن هو أصغر رجلا منه، أو أكبر.

وأصحهما – في "الرافعي"-: المنع، وبه أجاب بعضهم.

وكلام الشيخ يحتمل الوجهين، واحتماله للآخر ظاهر، وأما احتماله للأول فمن

حيث إنه خصص الجواز بإمكان متابعة المشي عليه، وهو يدل على المنع فيما لا

يمكن متابعة المشي عليه؛ وذلك يكون لضعفه، ولو أراد ذلك، لقال: يمكن متابعة

المشي فيه.

ومن هنا يمكن أخذ جواز المسح على الخف الحديد وغيره؛ كما قال الغزالي،

والله أعلم.

وقد أفهم كلام الشيخ أمورا:

أحدها: أنه لا يجوز المسح على ما يسمى خفا، وذلك يشمل صورا:

منها: إذا أخذ قطعة جلد، وأحكمها بالشد؛ بحث لا يرى معها بشرة القدم، ويمكن

متابعة المشي عليها؛ وهو ما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب؛ لأنه غير مخروز،

وأبدى جوازه احتمالا لنفسه.

ص: 359

ومنها: الزربون [الذي] إذا شدت سيوره لا يرى منه القدم، وهو ملحق بالخف

المشرج، وقد تقدم حكمه.

ومنها: الجورب إذا كان صحيحا، وساترا للقدم، يمكن متابعة المشي عليه، وهو

ظاهر ما نقله المزني؛ فإنه قال: قال الشافعي: ولا يمسح على الجوربين إلا أن يكون

الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين؛ حتى يقوم مقام الخفين. وقد قال بظاهر هذا

النص بعض الأصحاب؛ كما قال الماوردي، ومقتضى إطلاق الغزالي القول بأنه

لا يجوز المسح على الجورب واللفافة.

وبعضهم لم يشترط القول بأنه لا يجوز المسح على الجورب واللفافة.

وبعضهم لم يشترط في جواز المسح عليه أن يكون مجلد القدمين، بل إذا كان منعلا؛

بحيث يمكن متابعة المشي عليه، وهو صحيح، ساتر للقدم – يجوز المسح عليه

قال الماوردي: وهي رواية الربيع؛ فحصل في المسألة قولان.

ومنهم من قطع بالثاني، قال: إنما ذكلا الشافعي تجليد القدمين؛ بناء على أن

الغالب في الجورب الخفة، وعل هذا جرى أبو الطيب وابن الصباغ، والشيخ في

"المهذب".

والبندنيجي قال: إن ما ذكره المزني من عنده وليس بشرط.

واتفقوا على أنه لو كان غير منعل، لا يجوز المسح عليه؛ لعدم إمكان متابعة

المشي [عليه]، وحملوا رواية المغيرة بن شعبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين

والنعلين" على الحالة قبلها على أن أبا داود قال: إنه ضعيف، وقال الترمذي: إنه

صحيح.

الثاني: أنه لا يشترط وراء ما ذكره في الممسوح شيء آخر، ووراءه أمور:

منها: أن الماوردي شرط فيه أن يكون مانعا من نفوذ بلل المسح إلى القدم؛ فإن

وصل لخفة نسج أو رقة حجم لم يجز؛ وهذا حكاه الغزالي وجها، واستدل الإمام

ص: 360

لمقابله [وهو الصحيح في "الوسيط"] بما إذا كانت بطانة الخف مقطوعة في

ص: 361

[موضع، والظهارة] مقطوعة في آخر؛ فإنه يصل الماء من ظاهر الخف إلى القدم

من القطعين، ولا يمنع جواز المسح.

ومنها: أن صاحب "التلخيص": اشترط في الملبوس أن يكون حلالا؛ لأن

المسح على الخف رخصة؛ فلا تباح بالمعاصي، ويندرج في ذلك الخف المغصوب

والمسروق، والمتخذ من الذهب والفضة [عند من يجوز المسح على الحديد، وقد

ادعى بعضهم أنه الأصح في الذهب والفضة] واختاره في "المرشد" في

المغصوب. لكن الذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يشترط ذلك، وصححه الغزالي

[وابن الصباغ] ولم يحك البندنيجي في "باب: لبقصر" في المغصوب غيره؛

مستدلا بأن اللبس مستوفى به ما جعله الشرع للمقيم والمسافر، لا أنه السبب المثبت

للترخص؛ وبهذا خالف القصر في السفر؛ فإن نقس السفر الذي جوز القصر.

وبعضهم قاسه على الصلاة في الدار المغصوبة.

ومن رجع مقابله – قال: الفرق بينهما أن استعمال الخف يبليه، بخلاف الصلاة

في الدار، على أن في صحة الصلاة في الدار المغصوبة الخلاف في صحة المسح

على الخف المغصوب، حكاه القاضي الحسين معه.

ومنها: أن كافة الأصحاب اشترطوا أن يكون طاهرا؛ فلا يجوز على المتخذ من

جلد كلب، أو خنزير، أو ميتة لم يدبغ، أو دبغ لكن أصابته نجاسة؛ كما قاله في

"الذخائر" مالم يطهر؛ لأنه لا تجوز الصلاة معه، وعلى هذا يجيء – كما قال بعضهم

ص: 362

في جوازه على الخف الذي أزيلت النجاسة عنه بالمسح على الأرض خلاف مبني

على جواز الصلاة فيه.

ومنها: أن يستر ما يجب غسله من القدمين بما يجوز المسح عليه، فلو لبس الخف

في إحدى الرجلين، وأراد أن يمسح عليه، ويغسل الأخرى – لم يجز؛ وكذا لو

كانت إحدى رجليه مقطوعة، وبقى من محل الفرض شيء يجب ستره. نعم، لو قطع

محل الفرض بجملته، جاز أن يقتصر على لبس خف واحد، والمسح عليه؛ لأن ذلك

كالرجلين في حق غيره.

قال: وفي المسح على الجرموقين قولان. الجرموق – بضم الجيم-: خف كبير،

يلبس فوق خف صغير، سواء كان له ساق، أو لا، وفي معنى ذلك كما قال

البندنيجي: لبس الخف فوق الجبائر، وفي جواز المسح عليهما – كما قال – قولان:

أحدهما: يجوز؛ لما روى بلال"أنه – عليه السلام – توضأ، ومسح على عمامته،

وموقيه" والموق: هو الجرموق، وهو بالفارسية"موك" فعرب، وقيل: موق.

ولأن المسح على الخفين جوز رفقا وتخفيفا، وهذا المعنى موجود في الجرموق؛

فإن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء.

ولأن كل خف جاز المسح عليه إذا لم يكن بينه وبين الرجل حائل، جاز وإن كان

بينهما حائل، [أصله]: إذا كان الأسفل مخرقا، وهذا ماقاله في القديم،"والإملاء"،

واختاره المزني، ونص في "الأم" عليه؛ لأنه قال فيه – كما حكاه البندنيجي-: لو لبس

ثالثا على ثان مسح على الثالث، وهو مطرد فيما لو لبس رابعا، صرح به في

"التهذيب".

والثاني: لا يجوز؛ لأن الأصل غسل الرجلين، والمسح رخصة عامة وردت في

ص: 363

الخفين؛ لعموم الحاجة لبسهما، والحاجة إلى لبس الجرموقين خاصة؛ فلا

تلحق بالحاجة العامة وتثبت رخصة عامة.

ولأن ماجعل بدلا في الطهارة، لم يجعل له بدل آخر؛ كالتيمم.

ولأنه ساتر لممسوح؛ [فلم يقم في إسقاط الفرض مقام الممسوح] كالعمامة؛

وهذا ما نص عليه في الجديد و"الأم"؛ كما قاله أبو الطيب، وهو الأصح، وخبر

بلال لا يدل للأول؛ لأن الموق هو الخف نفسه، ألا ترى أن بلالا روى مرة أنه مسح

على خفيه، ومرة أنه مسح على موقيه، وقد حكى الماوردي أن الموق هو

الخف المقطوع من فوق الكعبين، واستدل بهذا الخبر على جواز المسح عليه.

والتعليل بمطلق الحاجة يبطل بالقفازين؛ فإن الحاجة تدعو إليهما، ولا يجوز

المسح عليهما.

والفرق بين مانحن فيه، وبين ما إذا كان الأسفل مخرقا – أن الرخصة تزول بزوال

الأعلى؛ كما تزول بزوال الخف إذا لم يكن تحته شيء، ولا كذلك هنا.

ولأنه لا مشقة عليه في هذه الصورة في المسح على الأسفل، وهناك لا يمكنه

ص: 364

المسح على الأسفل.

والقولان فيما إذا كان الأعلى والأسفل يجوز المسح على كل [واحد] منهما لو

انفرد؛ فلو كان كل منهما لو انفرد لا يجوز المسح عليه، فلا يجوز المسح قولا

واحدا؛ وكذا لو كان الأعلى لا يمكن المسح عليه، ويمكن على الأسفل. نعم: لو

مسح على الأعلى في هذه الصورة، فوصل البلل إلى الأسفل، فإن قصد المسح على

الأسفل أجزأه، وكذا لو قصد المسح عليهما، وقيل: إذا قصدهما لم يعتد به، وإن

قصد المسح على الضعيف لم يجزئه، وإن لم يقصد شيئا بل كان على نيته

الأولى، وقصد المسح في الجملة فوجهان، أظهرهما: الجواز؛ لأنه قصد إسقاط

فرض الرجل بالمسح، وقد وصل الماء إليه فكفاه.

ولو كان الأسفل لو انفرد لا يمكن المسح عليه، والأعلى لو انفرد أمكن المسح

عليه – جاز المسح عليه قولا واحدا.

التفريع: إن قلنا بالأول، ففي كيفية تنزيل الأسفل مع الأعلى ثلاثة معان عن ابن

سريج، حكاها البندنيجي وغيره:

أظهرها: أن الأعلى [بدل عن] الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل.

والثاني: أن الأسفل كاللفافة، والخف هو الأعلى.

والثالث: أن الأسفل بمنزلة طاقة من طاقات الخف والبطانة له.

وعلى هذه المعاني بنى المراوزة فروعا:

منها: إذا أراد أن يمسح على الأسفل، وقد لبسهما معا على طهارة كاملة، هل

يجزئه؟ إن قلنا بالأول، فنعم، وإن قلنا بالثاني والثالث، فلا؛ فأبو الطيب حكى

الوجهين من غير بناء، وقال: إنهما فيما إذا لم يمسح على الأعلى؛ فإن كان مسح على

الأعلى [لا يجوز على الأسفل.

ص: 365

ومنها: إذا لبس الأسفل على طهارة، دون الأعلى؛] فعلى الأول والثاني لا

يجوز المسح على الأعلى، وإن قلنا بالثالث جاز؛ كما لو لبس الخف على طهارة،

وأحدث، وألصق عليه طاقا، والماوردي وأبو الطيب قطعا في هذه الصورة بالمنع.

ومنها: إذا لبس الأسفل على الطهارة، ثم أحدث ومسح عليه، ولبس الأعلى – قال

الإمام: إن قلنا: إنه لو لبسه قبل المسح يجوز، فهاهنا أولى، وإلا انبنى على أن المسح

على الخفين هل يرفع الحدث، أم لا؟ فإن قلنا: يرفعه مسح [على] الأعلى، وإلا

فلا. وعندي أنا إن قلنا: لا يرفعه، كان على وجهين؛ كما في طهارة المستحاضة؛ فإن

طهارتها – عندي – لا ترفع الحدث أصلا، وهو ما كان شيخي يقطع به.

قلت: لكن قد سلف أن المستحاضة إذا جوزنا لها المسح على الخف وجب عليها

نزعه عند كل فريضة على المشهور، والظاهر أن ذلك لا يجري هنا، بل يستبيح

المسح مدة المقيم والمسافر؛ لأن طهارة المسح وإن قلنا: لا ترفع الحدث – تفيد

ذلك.

وقد سلك الرافعي في هذا الفرع طريقا آخر؛ فقال: إن منهم من بناه على المعاني؛

فقال: إن قلنا بالأول والأخير، فله المسح عليه؛ وإن قلنا بالوسط، فلا؛ وهذه طريقة

القاضي الحسين، وحاصلها وجهان، حكاهما أبو الطيب وغيره من غير بناء، وادعى

البندنيجي أن المذهب: المنع.

ومنهم من قال: إن قلنا بالوسط انبنى على أن المسح على الخفين هل يرفع

الحدث، أم لا؟ فإن قلنا: إنه يرفعه، جاز له المسح، وإلا فلا.

ومنهم من لم يبن هذا الفرع على المعاني، وبناه على أن المسح على الخفين يرفع

ص: 366

الحدث، أم لا؟ وليس في هذه طريقة توافق ما [حكيناه عن الإمام، ويكاد أن

يقال: إنالطريقة الأخيرة هي التي] حكاها الإمام، وليس كذلك؛ لأنه قال: إن قلنا

فيما إذا لبسهما قبل المسح على الأسفل: إنه يجوز، فهنا أولى.

وقد تقدم أنا إنما نجوز له المسح إذا لبسه بعد الحدث وقبل المسح، إذا نظرنا إلى

العلة الثالثة، ومن هنا يتنبه على المراد.

ثم حيث جوزنا المسح على الأعلى؛ فابتداء المدة من حيث الحدث الأول والله

أعلم.

ومنها: إذا لبس الأسفل محدثا، ثم غسل رجليه فيه، ثم لبس الأعلى على طهارة

كاملة – فلا يجوز المسح على السفل بلا خلاف، وهل يجوز على الأعلى؟ إن قلنا

بالمعنى الأول والأخير، لا يجوز، وإن قلنا بالوسط، جاز، كما لو لبس لفافة محدثا،

ثم غسل رجليه، ولبس الخف – فإنه يجوز.

ومنها: لو تخرق الأعلى من الرجلين، أو نزع منهما بعد المسح عليه.

فإن قلنا بالمعنى الأخير لا شيء عليه.

وإن قلنا بالأول، احتاج إلى المسح على الأسفل، وهل يستأنف الوضوء؟ فيه

خلاف يأتي.

ص: 367

وإن قلنا بالمعنى الأوسط احتاج إلى غسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء

قولان، ويرجع حاصل ما قيل إلى خمسة أوجه:

أحدها: لا يلزمه شيء.

والثاني: [يلزمه الوضوء، والمسح على الأسفل.

والثالث: [يلزمه المسح على الأسفل فقط].

والرابع: يلزمه الوضوء، وغسل الرجلين.

والخامس: يلزمه غسل الرجلين فقط.

وابن الحداد قال: إنه يلزمه مسح الأسفل، وهل يستأنف الوضوء؟ فيه قولان.

قال أبو الطيب: وهذا ليس بصحيح، بل هنا يجب عليه أن يجدد الطهارة فيغسل

وجهه ويديه، ويمسح رأسه، وعلى خفيه قولا واحدا؛ لأن هذا تفريع على القديم،

وفي القديم لا يجوز تفريق الوضوء، ونقض الطهارة لا يتبعض؛ فيحتاج [إلى

تجديد] الطهارة، ويمسح على الخفين قولا واحدا.

قلت: لو كان هذا تفريعا على القديم فقط، لزمه ما قاله القاضي، لكنه تفريع

[عليه] وعلى ما نص عليه في"الإملاء"، و"الإملاء"- كما قال الرافعي – معدود

من الكتب الجديدة، وحينئذ يحسن معه التخريج.

وابن الصباغ قال: إن ما قاله ابن الحداد أصح؛ لأنه لا يمتنع أن يرجع عن وجوب

استئناف الطهارة بنزع الجرموقين ولا يرجع عن جواز المسح على الجرموقين؛ فيصح

أن يخرج [فيه] القولان. وفي هذا الجواب نظر.

ولو كان التخريق أو النزع من أحدهما، فإن قلنا بالمعنى الأول، فهل يلزمه نزع

الثاني؟ فيه وجهان:

أصحهما: نعم، وهو ما حكاه القاضي الحسين؛ وعلى هذا يكون الحكم كما

في المسألة قبلها تفريعا على هذا المعنى.

والثاني: لا يلزمه نزعه؛ وعلى هذا هل يلزمه استئناف الوضوء، ويمسح على

ص: 368

الأسفل الذي ظهر والأعلى من الرجل الأخرى، أو يقتصر على مسح الأسفل الذي

ظهر؟ فيه خلاف.

وإن قلنا بالمعنى الأخير، لا يلزمه شيء.

وإن قلنا بالمعنى الأوسط، نزع مافي رجليه، وفي لزوم استئناف الوضوء القولان.

ومنها: لو تخرق الأسفل من إحدى الرجلين: فإن قلنا بالمعنى الأول – قال في

"التهذيب": نزع واحدة من الرجل الأخرى؛ كي لا يكون جامعا بين البدلوالمبدل،

وليس كما إذا تخرق الأعلى من إحدى الرجلين؛ حيث جرى في لزوم النزع من

الأخرى الخلاف الذي سلف؛ لأن مالاقاه المسح هنا باق، ولا كذلك ثم؛ فإنه

الذي نزع؛ فصار كالخف ينزع عن الرجل.

وإن قلنا بالمعنى الثاني والثالث، فلا شيء عليه.

ولا خلاف في أنه إذا تخرق الأسفل من الرجلين معا لا يضره على المعاني كلها.

ومنها: لو تخرق الأعلى والأسفل من موضع واحد من الرجلين، أو من

ص: 369

إحداهما - لزم نزع الكل بلا خلاف.

ولو تخرق من الأعلى من موضع، ومن الأسفل من آخر: فإن قلنا بالمعنى الأول

فكذلك الحكم. وإن قلنا بالثالث، فلا يلزمه شيء. وإن قلنا بالمعنى الثاني، فقد قال

القاضي الحسين: إن الحكم كذلك، وقال الرافعي يجب نزع الكل وهو الحق.

ومنها: لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من أخرى: فعلى المعنى الأول ينزع

المتخرق، وهل يستأنف الوضوء ويمسح على ما ظهر، أو يقتصر على مسح ما ظهر؟

فيه القولان.

[وإن قلنا بالمعنى الثالث، لا يلزمه شيء]. وإن قلنا بالمعنى الثاني، وجب نزع

ما في الرجلين.

وإن قلنا بالثاني، فهل يجوز أن يدخل يده بين الخفين، ويمسح على الأسفل؟

ظاهر النص أنه لا يجوز؛ فإنه قال: إذا قلنا: لا يجوز، ألقى الفوقاني، ومسح على

السفلاني. واختلف الأصحاب فيه:

فأخذ بظاهره الشيخ أبو حامد، ولم يحك البندنيجي غيره.

قال: وليس كما لو أدخل [يده] تحت العمامة، ومسح رأس؛ لأن مسح الرأس

أصل فقوي في بابه، وهذا بدل.

والذي ذهب إليه جمهور الأصحاب، وهو الصحيح في "الحاوي" وغيره -

جوازه، وحملوا قول الشافعي على الغالب؛ لأن الماسح لا يتمكن من مسح التحتاني

- في الغالب- إلا بطرح الأعلى.

وإذا تخرق الأسفل، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ ينظر: فإن كان عند التخريق

على طهارة الغسل، قبل اللبس- جاز؛ وإن كان محدثا في تلك الحالة، فلا، وإن كان

على طهارة المسح حيث جوزناه، [ففيه] وجهان؛ كما ذكرنا في التفريع على

القديم.

واعلم: أن فرض الشيخ القولين فيما إذا لبس الجرموقين احتراز عما إذا لبس

جرموقا واحدا؛ فإنا إذا قلنا: يجوز على الجرموقين- كان في جوازه في هذه الصورة

خلاف، مبني على المعاني: فعلى الأول لا يجوز المسح عليه؛ لأن إثبات البدل في

ص: 370

إحدى الرجلين ممتنع كما يمتنع المسح في إحدى الرجلين والغسل في الأخرى،

وعلى الثالث: يجوز، وعلى الثاني وجهان:

أحدهما: لا يجوز كما لو لبس خفا في رجله ولفافة في الأخرى.

وأصحهما – ولم يذكر في "التتمة" غيره-: الجواز؛ لأنه إنما ينزل منزل اللفافة؛ إذا

كان مستورا فأما إذا كان باديا فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل.

قال: والسنة أن يمسح أعلى الخف وأسفله، هذا الفصل غني عن التعليل؛ لأن

السنة إذا أطلقت كانت عبارة عما داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو أتم في الدلالة هذا هو المشهور.

وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي بكر الصيرفي: أن التابعي إذا قال: "السنة

[كذا" لا يتعين] حمله على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "من سن سنة

حسنة

" وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي

".

وعلى هذا فالحجة لما ذكره الشيخ ما عم وداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو أتم في

ص: 371

الدلالة، ويشهد لأنه عليه السلام كان يفعل ذلك- ما رواه المغيرة بن شعبة قال:

"وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك؛ فسح أعلى الخف، وأسفله" رواه ابن

ماجه، واحتج به الشافعي في "المختصر".

ويحتج له – أيضا- بأن ابن عمر كان يمسح أعلى الخف وأسفله، والمراد

بالأعلى والأسفل: ما يواري القدم.

وقد قيد في "الوجيز" استحباب مسح الأسفل بما إذا لم يكن عليه نجاسة؛

وهذا منه تفريع على جواز الصلاة في الخف الذي أزيل جرم النجاسة عنه؛ بمسحه

ص: 372

على الأرض، وإلا فقد تقدم أن الخف المتنجس، الذي لا تجوز الصلاة فيه لا يجوز

المسح عليه.

قال: فيضع يده اليمنى على موضع الأصابع، واليسرى تحت عقبه، ثم يمر اليمنى

إلى ساقه، واليسرى إلى مواضع الأصابع.

هذه الكيفية ليست منقولة عن فعله عليه السلام، ولكنها منقولة عن ابن عمر؛

فلذلك استحبها الشافعي؛ ولأنها أمكن من غيرها وأسهل.

وجعل اليمنى من الأعلى؛ لأنها لما علا، واليسرى من الأسفل؛ لأنها لما دنا،

والأسفل مظنة الخبث والأذى، قالت عائشة:" كانت يمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى".

ص: 373

وقد ذكرنا أن هذه الهيئة مستحبة في تحصيل مسح الأعلى والأسفل؛ فلو مسح

ذلك على غير هذا النحو حصل السنة، وإن أساء في الطريق.

ولا يشترط المسح باليد، بل بأي شيء مسح الخف من خرقة مبلولة، أو خشنة،

أوغير ذلك - أجزاءه. نعم، لو غمسه في ماء أوقطرة عليه، أو وضع يده عليه من غير

مد، ففي الاكتفاء به وجهان؛ كما في الرأس في الوضوء، ومختار القفال: أنه لا يكفي،

وسائر الأصحاب على خلافه.

وقد أفهم كلام الشيخ أن مسح العقب ليس بسنة، وهو كذلك؛ لأنه لم ينقل أنه -

عليه السلام فعله.

نعم، اختلف أصحابنا في استحبابة على طريقتين، حكاهما في " المهذب" وغيره.

إحداهما: القطع باستحبابه وعليه نص في"البويطي".

والثانية: حكاية قولين فيه؛ لأنه نص في "البويطي" على ما ذكرناه، وظاهر نصه في

"المختصر" يمنعه؛ فحصل فيه قولان؛ وهذه طريقة البندنيجي.

والأصح في "الشامل"، وغيره - وإن ثبت الخلاف - استحبابه؛ لأنه خارج ملاق

محل الفرض؛ فكان كالأعلى.

ومقابله موجه بأنه يضعف الخف ويبليه وما يفعل ذلك في الخف غير مستحب؛

ألا ترى أن استيعابه بالمسح وتكراره لما كان يفعل ذلك، غير مستحب، بل قال في

"الوسيط" في التكرار:"إنه مكروه"؛ وهذا لا يسلم من نزاع؛ فإن ابن كج حكى وجها:

أنه يستحب تكراره؛ كما في مسح الرأس، والرافعي وغيره من المتأخرين حكوا عن

"تعليق القاضي" أنه يستحب الاستيعاب؛ كما في مسح الرأس.

قلت: وهذا قد رأيته فيصدر كلامه، وفي "الإبانة" و"التتمة" أيضا، لكنهم فسروا

الاستيعاب بالهيئة التي ذكرها الشيخ؛ فلا خلاف فيه حينئذ. والله تعالى أعلم.

قال: فإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه - أجزاأه؛ لما روى [عن] المغيرة

بن شعبة قال: " رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخفين على ظهورهما"أخرجه

ص: 374

أبو داود، والترمذي، وقال: إنه حسن صحيح؛ ولأن التعميم غير واجب بالاتفاق،

والتقدير لا يهتدي إليه إلا بتوقيف، ولم يرد؛ فكان الواجب ما ينطلق عليه الاسم.

قال: فإن اقتصر على ذلك من أسفله – لم يجزئه على ظاهر المذهب؛ لأن الباب

باب رخصة، والرخصة يرجع فيها إلى ما ورد إذا لم يعقل معناه، ولم يرد الاقتصار

على مسح الأسفل، بل الوارد الاقتصار على مسح الأعلى، وروى عن على أنه قال:

"لو كان الدين بالرأي – لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه" رواه أبو داود. ولأنه موضع لا يرى-

غالبا – فلم يجز الاقتصار على مسحه؛ كباطن الخف الداخل.

والمذهب الذي أشار إليه الشيخ هو نصه في" المختصر"، [ولفظه]:"فإن مسح

على باطن الخف، وترك الظاهر – أعاد".

ومقابله: أنه يجوز؛ لأنه موضع من الخف، ساتر لمحل الفرض؛ فأشبه الأعلى؛

أو لأنه محل لأداء السنة؛ فجاز أن يقتصر على مسحه؛ كالأعلى؛ فهذا حكاه الإمام

عن رواية بعض الأصحاب قولا في المسألة، يوافقه قول القاضي الحسين والمتولي:

إنه نص في موضع آخر على أنه لا يعيد إذا فعل ذلك. وبه يحصل في المسألة قولان،

ص: 375

وقد قال بذلك ابن أبي هريرة.

وأبوإسحاق قال: إنه يجزئه قولا واحدا، وما نقله المزني لا نعرفه للشافعي.

ومنهم من وافقه في الجزم به، وأول ما نقله المزني على ما إذا مسح باطن الخف

الداخل، وهو الذي أشار إليه على، كرم الله وجهه.

والصحيح – باتفاق الأصحاب-: الأول، بل قال ابن سريج: إنه لا خلاف فيه بين

المسلمين، وما نقله المزني صحيح؛ لأن البويطي نقله، وهو في"الإملاء"أيضا.

وقد جعل الرافعي محل الخلاف فيما يحاذي أخمص القدمين والكعبين، وقال:

إنه لا كلام في أن ما يحاذي غير الأخمص وغير العقبين يجوز الاقتصار عليه.

فرع: لو اقتصر على مسح العقب هل يجزئه؟

قال بعضهم: إن قلنا لا يجزئه الاقتصار على الأسفل – فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.

والفرق: [أن] النص ورد في مسح أسفل الخف، ولم يرد في العقب.

ومنهم من عكس ذلك؛ فقال: إن قلنا: يجزئه الاقتصار على الأسفل – فهاهنا

أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن العقب إلى ظهر الخف أقرب.

حكى الطريقين القاضي الحسين.

والماوردي قال: إن قلنا: يستحب مسحه، أحزاه الاقتصار عليه.

وإن قلنا: لا يستحب، ففي إجزائه وجهان.

والمختار في "المرشد": الإجزاء.

والظاهر عند الأكثرين – كما قال الرافعي – المنع.

قال: وإن ظهرت الرجل، أي: من الخف، أو انقضت مدة المسح، وهو على طهارة

المسح؛ احترازا مما إذا ظهرت الرجل، أو انقضت المدة، وهو على طهارة الغسل؛

ص: 376

بأن كان بعد لبس الخف، والحدث- توضأ وغسل رجليه داخل الخف؛ فإنه في

هذه الصورة لا يجب عليه شيء. نعم، إذا أحدث، وأراد المسح، توضأ وغسل

الرجلين؛ ولبس الخف.

قال: غسل القدمين- أي: وحدهما في أصح القولين.

أما وجوب غسلهما؛ فلأنه الأصل، والمسح بدل؛ فإذا قدر على الأصل، زال

حكم البدل؛ كالتيمم بعد وجودالماء.

وأما الاقتصار على غسلهما فلأنه لم يترك بسبب الخف إلا غسل الرجلين؛ فلم

يلزمه غير غسلهما، كما أن المتيمم للحدث الأصغر إذا وجد الماء لا يلزمه إلا غسل

أعضاء الوضوء التي ناب التيمم عنها؛ وهذا ما نص عليه في"الأم"؛ كما قال أبو

الطيب، وهو المذكور في" البويطي" و"حرملة"؛ كما قال ابن الصباغ، واختاره

المزني، وابن الصباغ، والقاضي الحسين.

قال: واستأنف الوضوء في [القول] الآخر؛ لأنها عبادة يبطلها الحدث؛ فإذا بطل

بعضها – بطل كلها؛ كالصلاة؛ ولأن ذلك كالحدث بالنسبة إلى بطلان الطهارة في

القدمين، والحدث لا يتبعض عوده حكما؛ وهذا ما نص عليه في القديم وكتاب ابن

أبي ليلى، وقال ابن الصباغ: إنه نص عليه في"الأم".

قال أبو الطيب: وهذا القول هو الذي ننصره وهو الصحيح.

وهذان القولان قد اختلف الأصحاب في أن الشافعي [قد] بناهما على

غيرهما، أو هما أصلان بأنفسهما على طريقين، والذاهبون إلى البناء اختلفوا على ماذا

بنيا؟

فعن ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وجمهور البغداديين: أنهما

مبنيان على القولين في تفريق الوضوء، فإن قلنا: يجوز، اقتصر على غسل القدمين

وإلا استأنف، وضعف هذا البناء بأمور:

منها: أنهما جاريان مع قصر الزمان وطوله، والقولان في تفريق الوضوء عند طوله.

ص: 377

ومنها: أن القولين في تفريق الوضوء مخصوصان بما إذا كان التفريق بغير عذر،

وهو هنا بعذر.

ومنها: أن القولين هنا منصوصان في الكتب التي مذهبه فيها جواز تفريق الوضوء.

وعن الشيخ أبي حامد والقفال وأصحابهما أنهما مبنيان على أن المسح على

الخفين هل يرفع الحدث، أم لا؟ وفيه قولان مستنبطان من معاني كلام الشافعي:

أحدهما: نعم، كما في مسح الرأس؛ ولأنه يجمع به [بين] فرضين، ولو كان لا

يرفعه، لم يجز.

والثاني: لا؛ لأنه لو رفعه لما تقدر بمدة، ولا متد أثره إلى وجود الحدث.

فعلى هذا يقتصر، وعلى الأول يستأنف.

قال ابن الصباغ: وهذا ليس بالجيد؛ فإن مسح الخفين، وإن لم يرفع الحدث عن

الرجلين؛ فقد حلت به الطهارة؛ فإذا بطلت، فقد انتقض بعضها وجرى مجرى

انتقاضه في الرجلين.

قلت: وهذا الذي ضعف به هذه الطريقة يضعف به ما اختاره لنفسه، فيما إذا غسل

الصحيح، وتيمم عن الجريح، وصلى فريضة، ثم أراد صلاة فريضة أخرى؛ كما

ستعرفه.

وعن البصريين من أصحابنا أنهما مبنيان على أن بعض الطهارة هل يختص

بالانتفاض، أم يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل؟ وفيه قولان؛ فعلى الأول

يقتصر، وعلى الثاني يستأنف.

ص: 378

قلت: ولو عكس البناء؛ فقيل: إن انتقاض الطهر هل يتبعض، أم لا؟ ينبني على

أنه يقتصر هنا على غسل القدمين أو يستأنف الوضوء لكان أولى، ولو بني القولان في

مسألتنا على أن تفريق النية على أعضاء الوضوء هل يجوز، أم لا؟ فإن قلنا: يجوز،

اقتصر، وإلا استأنف – لم يبعد.

ولا يقال: إن الخلاف في تفريق النية وجهان ولا يمكن بناء قولين على وجهين؛

لأنا نقول: الوجهان لا بد لهما من أصل يخرجان عليه من أصول الشافعي والبناء على

ذلك الأصل. نعم، قد يقال: إن أصل الوجهين مانحن فيه، ولا يمكن بناء الشيء على

نفسه والله أعلم.

وقد سلك في"الذخائر" طريقا آخر؛ فقال: القولان في الموالاة مشهوران، وكذا

في أن المسح على الخف هل يرفع الحدث، أم لا؟ ولا وجه – عندي _ لهما إلا

التخريج على أن المسح هل يتأقت، أم لا؟ فإن قلنا: لا يتأقت، فهو رائع للحدث،

وإلا فلا.

وإذا كان الأصلان معلومين فلا بد من مراعاتهما، وذكر كيفية المراعاة، وفي

بعضها نزاع يظهر لمن أتقن ما قدمناه من الطرق. والله أعلم.

ص: 379