الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن الملك الرحيم عاد إلى بلاده الموصل متوليا من قبل هولاكو، وقرر عليه مالاً يحمله1.
بل زاد مستوى العلاقة بين الملك الرحيم وأسرته وبين التتر حتى بلغ المصاهرة فقد تزوج ولده الملك الصالح إسماعيل ابنة هولاكوا، لكن ذلك لم يدم طويلا إذ أغضب الصالح إسماعيل ابنة هولاكو وأغارها، فنازلت التتر الموصل واستمر الحصار عشرة أشهر ثم أخذت، وخرج إليهم الصالح بالأمان فغدروا به واستباحوا الموصل2.
وتلك عاقبة المواطأة مع الكفار، ونتيجة معجلة لممالأة الفجار، ممن لا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
1 سير أعلام النبلاء: 23/357.
2 سير أعلام النبلاء 23/357.
جـ-
الوزير ابن العلقمي:
هو أبو طالب مؤيد الدين محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي1.
خفف من رافضيته "الصفدي" حين قال: أظهر الرفض قليلا. وبالغ في تسنن خصمه الدوادار حين قال: إنه كان يتغالى في
1 المصدر السابق 23/361، 362 وفيه محمد بن محمد بدل محمد بن أحمد كما في البداية والنهاية 23/201.
السنة 1 فخالف في ذلك غيره – كما سيتضح.
قال السبكي: كان شيعيا رافضيا في قلبه غل على الإسلام وأهله2.
تولى الوزارة للخليفة العباسي "المستعصم" مدة أربع عشرة سنة أفشى خلافها الرفض فعارضته السنة فكبت فتنمّر3.
وكان – كما قال ابن ثير – رافضيا خبيثا رديء الطوية على الإسلام وأهله4.
وقال في موضع آخر: "كان شيعيا جلدا ورافضيا خبيثا"5.
مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وهلك في أوائل سنة سبع وخمسين وست مائة6.
1 الوافي بالوفيات 1/184.
2 طبقات الشافعية ص262.
3 سير أعلام النبلاء 23/362.
4 البداية والنهاية 13/202.
5 البداية والنهاية 13/194.
6 الوافي بالوفيات 1/185 – وبهذا يتبين أن عمره ست وستون سنة كما نص عليه الذهبي: سير أعلام النبلاء 23/362، خلافا لما ذكره ابن كثير أن عمره ثلاث وستون سنة: البداية والنهاية 13/202.
موقف ابن العلقمي وخطواته:
أما عن موقفه مع التتر فهو موقف الخزي والعار؛ إذ سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد كما قال الصفدي1.
ومالأ على الإسلام وأهله الكفار حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله2. وهو الذي حفر للأمة قليبا فأُوقِع فيه قريبا – كما قال الذهبي -3.
المكاتبة:
لقد كاتب "هولاكو" وجسّره وقوى عزمه على قصد العراق ليتخذ عنده يداً وليتمكن من أغراضه3.
بل لقد جر هولاكو وقرر معه أمورا انعكست عليه4.
واستخدم في هذه المكاتبات شتى الحيل وبلغ نهاية المكر، قد حكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيّل مرة إلى أن أخذ رجلا وحلق رأسه حلقا بليغا وكتب ما أراد عليه بوخز الأبر كما يفعل بالوشم، ونفض
1 الوافي بالوفيات 1/184.
2 البداية والنهاية 13/202.
3 سير أعلام النبلاء 23/362.
4 الوافي بالوفيات 1/184.
عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب فجهزه وقال: إذا وصلت التتر مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه، وكان في آخر الكلام: قطِّعوا الورقة، فضربت رقبته، وهذا غاية في المكر والخزي – كما قال الصفدي1 -.
الخطوات السابقة:
ولم تكن سياسة المكاتبة مع التتر هي الأولى في هذا السياق، بل سبقتها خطوات مهَّدت لها وكانت بمثابة الأرضية والمقدمة لما بعدها؛ فقد اتخذ ابن العلقمي سياسة خبيثة – في إضعاف جيش الخلافة ساهمت في دخول التتر بغداد دون مقاومة تذكر، إذ اجتهد قبتل مجيء التتر في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان وصرفهم عن إقطاعاتهم، ونجح في ذلك إذ كانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف – منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر – فلم يزل ابن العلقمي مجتهدا في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف في أواخر أيام المستعصم2.
ويقول الذهبي: "استوزر "المستعصم" ابن العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل، وحسّن له جمع الأموال، وأن يقتصر على
1 الوافي بالوفيات 1/186.
2 البداية والنهاية 13/192.
بعض العساكر، فقطع أكثرهم"1.
وبلغت حالة الجيش وعساكر الخلافة بالذات مبلغا من الذل والهوان، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وحق للشعراء أن ينشدوا فيهم الشعر ويرثوهم بالقصائد، وينعوا على الإسلام وأهله2.
وكان ذلك بسبب سياسة هذا الرافضي المغرض الذي عبر عن سياسته وأثر وزارته على المستعصم ابن كثير حين قال: "إنه لم يعصم المستعصم في وزارته، ولم يكن وزير صدق ولا مرضي الطريقة"3.
وقال في موصع آخر: "إنه كان وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين"4.
فلما تحقق لابن العلقمي ما أراد، كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال5.
1 سير أعلام النبلاء 23/175.
2 البداية والنهاية 13/191.
3 المصدر السابق نفسه 13/157.
4 المصدر السابق نفسه 13/201.
5 المصدر السابق نفسه 13/192.
وهكذا تبدو سياسة ابن العلقمي بعيدة الغور سيئة القصد، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله – كما سيتضح بعد.
الخطوة الثالثة: الغدر بالقضاة والفقهاء وقتل الخليفة:
ولم تقف سياسة ابن العلقمي عند هذا الحد، فقد بادر بإتخاذ الخطوة العملية حين قدم التتار، وكان أول من برز إليهم فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بهولاكو ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤساء الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل هولاكو حُجِبو عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا خلص بهم الخليفة، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت، وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، ويقال إنه اضطرب في كلامه من هول ما رأى من الإهانات والجبروت، ثم أعيد إلى بغداد تحت الحوطة والمصادرة يحيط به الطوسي وابن العلقمي الرافضيان، ونهب من دار الخلافة أشياء كثيرة من الذهب والحلي والأشياء النفيسة، ثم أشار هؤلاء الرافضة على هولاكو بعدم مصالحة الخليفة وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان قبل ذلك، وحسنوا له قتله،
ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي، فلما عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله1.
ويقال إن الخليفة قتل رفسا وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه فيؤخذ بثأره وقيل بل خنق، ويقال إنه أغرق. والله أعلم2.
أسباب المؤامرة:
ويبقى بعد ذلك السؤال المهم: لماذا فعل ابن العلقمي ما فعل وأحل بدار الخلافة ما حل؟
وإجابة السؤال تتضح من خلال منظورين، عام، وخاص، وإليك البيان:
المنظور العام:
أما العام فخلاصته خبث طوية الروافض بشكل عام على أهل السنة وتظرف معتقدهم فيهم، وعدم تحرجهم من التعاون مع الكفار على إبادة المسلمين السنة، ويكشف لنا هذه الحقيقة بجلاء شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من كتاب، وفي أكثر من موضع في الكتاب
1 البداية والنهاية 13/191، وسير أعلام النبلاء 23/183.
2 البداية والنهاية: 13/192.
الواحد. وينقل من معتقداتهم أنهم يكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة أو ترضيّ عنهم كما رضي الله عنهم
…
ويستحلون دماء من خرج عنهم، ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور
…
ويرون في أهل الشام ومصر والحجاز والمغرب واليمن والعراق والجزيرة وسائر بلاد الإسلام أنه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم
…
ويرون أن كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود والنصارى لأن أولئك عندهم كفار أصليون وهؤلاء مرتدون
…
ولهذا السبب – كما قال ابن تيمية – يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين؛ فيعاونون التتار على الجمهور، وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكز خان ملك الكفار إلى بلاد الإسلام وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق، وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك بخبثهم ومكرهم لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم1.
وقال أيضا: "وهؤلاء – يعني الرافضة – من أعظم من أعان التتار على المسلمين باليد واللسان، بالمؤازرة والولاية وغير ذلك؛ لمباينة قولهم لقول المسلمين واليهود والنصارى، ولهذا كان ملك الكفار هولاكو يقرر أصنامهم "2.
1 الفتاوى 28/477، 478.
2 الفتاوى 28/484.
ونقل أيضا أن الرافضة – بشكل عام – من أهل الجبل، والجرد، والكسروان، وأهل جزين وما حواليها وسائر أهل هذا المذهب فرحوا بمقدم التتار إلى بلاد المسلمين1
…
ويربط ابن تيمية بين موقف الرافضة بشكل عام من أهل السنة وموقف ابن العلقمي وأمثاله بشكل خاص ويكشف عن عوامل ذلك فيقول:
"والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين وسبي حريمهم، وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس
…
وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك غصة عند الرافضة، وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان ذلك عيدا ومسرة عند الرافضة. 2
1 الفتاوى 28/400، 401.
2 المصدر نفسه 28/527، 528.
وفي "منهاج السنة" قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله "وكثير منهم – يعني الروافض – يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادته للمسلمين، ولهذا لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق وقتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها كانت الرافضة معاونة لهم على المسلمين، وكذلك الذين كانوا بالشام وحلب وغيرهما من الروافض كانوا أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين
…
إلى أن يقول: فهم دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم"1.
السبب الخاص:
فإذا اتضح المنظور العام أمكن فهم السبب الخاص في موقف ابن العلقمي مع التتر في إطاره ولم يفصل عنه، وقد ذكر المؤرخون أن الذي حمل ابن العلقمي على موقفه من التتر أن أبا بكر بن الخليفة المستعصهم والدويدار الصغير قد شدا على أيدي السنة حتى نهب الكرخ وتمّ على الشيعة بلاء عظيم، فحنق لذلك ابن العلقمي وأراد الثأر بسيف التتار من السنة2. وكاتب هولاكو، وطمّعه في العراق،
1 منهاج السنة 2/104.
2 سير أعلام النبلاء 23/362.
فجاءت رسل هولاكو إلى بغداد، وفي الباطن معهم فرمانات لغير واحد والخليفة لا يدري ما يتم1.
ونقل الذهبي – في إطار العلاقات السريّة المشبوهة أنه قدم إلى بغداد رسولان من التتر واجتمعا بابن العلقمي وتعمّت الأخبار2.
وقال الصفدي: فحصل عنده – بسبب ذلك – من الضغن ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور أنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره:
وزير رضي من بأسه وانتقامه
…
بطي رقاع حشوها النظم والنثر
كما تسجع الورقاء وهي حمامة
…
وليس لها نهي يطاع ولا أمر3
وقال ابن كثير: "ولما كان في السنة الماضية [يعني سنة خمس وخمسين وستمائة] كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير ابن العلقمي فاشتد حنقه على ذلك فكان هذا مما أهاجه على أن دبّر على
1 سير أعلام النبلاء: 23/180.
2 المصدر نفسه 23/177، وجاء في تاريخ الإسلام عبارة: وتعمت على الناس بواطن الأمور المصدر نفسه هامش 5.
3 الوافي بالوفيات: 1/184.
الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات"1.
وربما اجتمع إلى هذه وتلك الوعود الطيبة التي بذلها "المغول" وأغرت "ابن العلقمي"، والوفاق والتعاون مع نظيره في المعتقد والتعصب "الطوسي" والذي أصبح وزيرا لهولاكو2.
المكر السيء يحيق بأهله:
ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ودخل التتار وجندهم بغداد ووقع ما وقع من الظلم والفساد وسفك الدماء وهتك الأعراض، ولم يكن ابن العلقمي بعيدا عن ذلك كله ولا سالما منه ألبتة، وقد أحسن الظن الذهبي في تعبيره وكان دقيقا في وصف حالته حين قال: "وحفر للأمة قليبا فأُوقِع فيه قريبا، وذاق الهوان، وبقي يركب كديشا وحده بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب السلطان؛ فمات غبنا وغما، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيل3.
ونقل "الصفدي" ندم "ابن العلقمي" حيث لا ينفعه الندم – وكان كثيرا ما يقول: وجرى القضاء بعكس ما أمّلته – لأنه عومل
1 البداية والنهاية 13/191.
2 د. الصيد: المغول في التاريخ ص277.
3 سير أعلام النبلاء 23/362.
بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة؛ حكي أنه كان في الديوان جالسا فدخل بعض التتار ممن لا وجاهة له راكبا فرسه، فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده
…
1.
ولم تكن الشيعة بشكل عام – وهم أهل وعشيرته – بمنأى عن هذه الجرائم والمآثم، وعجيب أن يكون حنقه على أهل السنة، وحميته للشيعة تبيح له ذلك كله. ويروى أن بعض أهل بغداد قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه وحميت الشيعة حميّة لهم، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب من الفواحش مع نسائهم وفضّت أبكارهم مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقال: بعد أن قتل الدوادار ومن كان على مثل رأيه لا مبالاة بذلك2.
ويقول ابن الوردي: "أراد "ابن العلقمي" نصرة الشيعة فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع إليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضد ولكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنهم النعمة ونكبت الإمام والأمة، وسفكت
1 الوافي بالوفيات 1/184.
2 المصدر السابق 1/185.
دماء الشيعة والسنة"1.
وأخيرا ذهب ابن العلقمي ضحية ما اقترفته يداه، ومات بعد دخول التتر بغداد بثلاثة أشهر غما وغبنا. ويقال إن امرأة رأته وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتر برذونا وهو مرسم عليه، وسائق يسوق به ويضرب فرسه فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدا وغبينة وضيقا وقلة وذلة.2
وبلغ إذلال "التتر" له أن جعلوه تابعا لشخص يدعى "ابن عمران" كان خادما في دولة المستعصم.3 بل نقل "النويري" ما هو أشد من ذلك، إذ استدعاه "هولاكو" فلما مثل بين يديه سبّه ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذي نعمته، وأمر بقتله فقتل، وقيل لم يقتله4 وذكر "السيوطي" أنه صار معهم في صورة بعض الغلمان، وأنه مات كمدا5.
1 تتمة المختصر في أخبار البشر 2/196 عن د. الصياد: المغول في التاريخ ص274.
2 البداية والنهاية 13/202، الوافي بالوفيات 1/185.
3 عبد الله الشيرازي: تاريخ وصاف ص41،42 عن المغول في التاريخ ص274.
4 نهاية الأرب في فنون الأدب ج26 عن المغول في التاريخ ص275.
5 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص378.
إنكار الحقائق خلل في المنهج:
وعلى الرغم من وضوح الحقيقة، وتضافر المصادر على ذكر هذا الموقف المخزي لابن العلقمي، فثمة آراء غريبة لبعض الشيعة المعاصرين تحاول توهين الحقيقة، وتظن بذلك أنها تدفع عن الشيعة عار هذا الموقف وخزيه، ولكن الحقيقة فوق هذا التوهين، وهي من الثبوت في مصادر الشنة والشيعة أيضا بحيث لا تقبل النقض والإبرام، وإليك نموذجا لهؤلاء:
يقول الدكتور القفاري: "ومن الغريب أنه نبتت نابتة في هذا العصر من الروافض وحاول توهين القصة، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة، وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ت665هـ كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية"1.
يقول الدكتور القفاري: "ثم بحثت في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات:
1_
أن الشيعة يعتبرونه من رجالهم.
1 انظر: محمد الشيخ حسين الساعدي: مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية، عن مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 2/263 د. ناصر القفاري.
2-
أنه من بغداد.
3-
أنه متوفى سنة 674هـ؛ فهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي قال: "
…
وفي أيامه – يعني المستعصم – استولت التتار على بغداد وقتلوا الخليفة وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضيا
…
"1.
على أن إنكار الحقائق ليس سمة الشيعة المعاصرين فحسب بل سبقهم إلى ذلك شيعة آخرون؛ فهذا "ابن العلقمي" العلوي ألف كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" سنة 701هـ في الموصل، ودافع بحماس عن موقف ابن العلقمي، بل غالى في الثناء على دولة المغول بشكل مثير أبعده عن الإنصاف كما يقول الزركلي2.
ومما قاله في سبيل الدفاع عن موقف ابن العلقمي: "ونسبه الناس إلى أنه خامر، وليس ذلك بصحيح، ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة؛ فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى الوزير وأحسن إليه وحكَّمه، فلو كان قد
1 مختصر أخبار الخلفاء ص136-137، عن: د. ناصر القفاري مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 2/263.
2 الأعلام 7/174.
خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه"1.
ويظهر للمتأمل أن هذا الدليل من علائم التهمة والمواطأة لا من دلائل البراءة والنزاهة، ولكن "ابن الطقطقي" لا يقف عند هذا الحد، بل يسوق رواية تفيد أنه ظل وفيّاَ للمستعصم إلى آخر لحظة، وأنه لم يلبِّ دعوة هولاكوا إلا تحت ضغط الخليفة! 2.
وقد سبق بيان ما يكشف تهافت هذه الآراء والمرويات، ومع ذلك فقد تصدى الدكتور الصياد للرد على ابن الطقطقي ومما قاله:"إذا كان صاحب "الفخري" قد دافع بحرار عن موقف ابن العلقمي وسقى جاهدا لدفع تهمة الحيانة عنه، فما ذلك إلا لأنه شيعي مستنير حس بفداحة الجرم الذي أقدم عليه صاحبه إذ كان بتصرفه هذا عاملا هاما في ضياع دولة وذهاب شخصية لها مقام ديني كبير في نفوس المسلمين، خصوصا وأن هذا التحول الخطير قد تم على أيدي قوم من الكفرة، ثم أن النكبة لم تكن مقصورة على أهل السنة وحدهم بل كانت عامة شاملة قاسى منها أهل السنة وأهل الشيعة.."3.
1 الفخري في الآداب السلطانية ص295 عن د. الصياد: المغول في التاريخ ص273.
2 المصدر السابق، الصفحة نفسها.
3 المغول في التاريخ ص273، 274.
ويبقى بعد ذلك ردّ الشيعة بعضهم على بعض وتضارب آرائهم دليلا لا يستطيع الشيعة رفضه بحجة أنه من خصومهم أهل السنة؛ فهذا "الششتري" ت1019هـ القاضي – وهو مؤرخ شيعي كبير – يعترف صراحة بدور الرافضة في سقوط بغداد ويقول: "إن ابن العلقمي كاتب هولاكو، والخواجة نصير الدين الطوسي وحرضهما على تسخير بغداد للإنتقام من العباسيين بسبب جفائهم لعترة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم وآله"1.
وبمثل ذلك يمكن إسقاط محاولات الدفاع والتبرير الساذج عند "أغابزرك الطهراني" الذي قال: "
…
ولو لم يكن دهاء ابن العلقمي لما اختلف مصير بغداد عن مصير "تيسفون" التي انقطع عنا جل أخبارها"2.
وبهدا يتبين تهافت هذا الإنكار، وتضافر كتب الشيعة مع كتب السنة على إثبات دور ابن العلقمي في سقوط بغداد ودخول التتار. هذا فضلا عن ثبوته في المصادر الأوربية3.
1 مجالس المؤمنين ص 400 عن الدكتور الصياد: المغول في التاريخ ص276.
2 أغابزرك الطهراني: الأنوار الساطعة في المائة السابعة طبقات أعلام الشيعة ص152، وهل يريد هذا الكاتب لبغداد أكثر مما حصل!
3 أمثال: Lestrange: بغداد في عهد الخلافة العباسية، ترجمة بشر يوسف فرنسيس ص292، ونسيمان: تاريخ الحروب الصليبية ص 522 عن د. الصياد: المغول في التاريخ ص272، 275.