الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي مَجلسٍ آخر معه
سألتُهُ -عليه رحمةُ الله- عن رأيه فيما يزعمه أهلُ الغرب، من وصولهم للقمر.
فقال نَوَّر الله ضريحه: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأنْ لا تجعلوا لأهل الكفر والضلال سبيلًا إلى الإلحاد في كتاب الله، بتكذيبكم ما يدَّعونه -من أمور- بحجَّة أن القرآن ينفيها.
إنَّ القول الفَصْل في المسألة هو أنَّه لم يردْ في كتاب الله تعالى نَصٌّ في الموضوع لا يحتمل غيرَ ما يدلُّ عليه، وأنَّ ما في الكتاب مِمَّا يتعلق بالموضوع ظواهرُ، ومعلومٌ أنَّه يجبُ حَمْل ما يَرِدُ من ذلك في الوَحْي على الظَّاهر المتبادر منه، قال شيخ مشايخنا في مراقي السُّعود:
وما بهِ يعني بلا دَليلِ
…
غيرُ الذي ظَهَرَ للعُقولِ
وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ الكتاب العزيز يقول: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32]، ويقول:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} الآية [نوح: 15 - 16]، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا
وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61] ، إلى غير ذلك من الآيات التي يدلُّ ظاهرها على أن القمر في السَّماء بمعنى (في) المتبادر منها.
وإذا كان ذلك كذلك؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} الآية، وقال تعالى {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} الآية [الصافات: 7] ، ومعلوم أن من الإنس شياطين كما تكون من الجن، يتحصَّل منه أنَّ الواجب علينا حَمْلُ الوحي على الظاهر المتبادر منه، وهو أن القمر في السَّماء، وأن السَّماء محفوظة بحفظِ الله من أَنْ يصلها أيُّ شيطان كائنًا ما يكون إنسًا أم جِنًّا.
فإذا ثبَتَ -بما يثبت شرعًا- أنَّ هؤلاء وصلوا القَمَرَ فعلًا بوسائلهم الخاصَّة؛ قلنا: إنَّنا لم نفهَمْ ما يقوله القرآن على حقيقته!، فإنَّ أخباره صدق كلَّها، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} الآية [الأنعام: 115] ، هكذا يكون البحث الذي ينبغي في ذلك.
ثُمَّ قال: على أَنِّي اسْتَنْبَطْتُ من آيةٍ -من سورة ص- أَنَّ هؤلاء سوف يعترفون بعجزهم عن الوصول إليه.
وهو استنباطٌ لم يسبقني أحدٌ إليه، بل أكثر أهل التَّفسير على أنَّ المقصود به جُنْدُ الله يوم بدر، وهزيمته لأعداء الله تعالى.
والآية هي قوله تعالى في سورة ص: {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} [ص: 11].
والذي ظهرَ لي من هذه الآية أن ما بين السماوات والأرض عالمٌ لا يعلمه إلَّا الله تمدَّح الله بملكه؛ لأنَّ اللهَ لا يتمدَّحُ بملكِ لا شيء!
ومن قوله تعالى: {فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} فَهِمْتُ أنَّهُ تعالى يتحدَّى مَنْ لا يُسَلِّم ملكَهُ السَّماواتِ والأرض وما بينهما له وحده لا شريك له في ذلك فيأمُرُهُ بالارتقاء والصّعود في أسباب السَّماوات والأرض، والأسباب هي الطُّرق.
ومن قوله تعالى: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} فهمتُ أنَّه يريدُ -والله تعالى أعلم- أنَّ جندًا مَّا؛ أي: خَلْقًا من خَلْق اللهِ في آخر الدُّنيا، أبهمه بالاسم المبهم:(ما) الذي نعَتَه به، وقوله:{هُنَالِكَ} نَعت البعيد يُشير به إلى أنَّ هذا المتنطِّع يكون في آخر الدُّنيا.
وقوله تعالى: {مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} يظهر منه -والله تعالى أعلم- أنَ هذا المتنطِّع سوف يعترفُ بهزيمته.
قال عليه رحمة الله: وهذا الاستنباط لم يسبقني أحدٌ إليه في هذا الموطن، والله تعالى أعلمُ بمراده به، على أن جُلَّ المُفَسِّرين على أنَّ المراد به: هزيمة قريش يوم بدرٍ يوم الفرقان، والعلم عند الله تعالى.