الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا تُغالِطْ يا أُستاذ
!!
قال الأستاذ أحمد محمَّد جَمَال في مجلَّة التَّضامن الإسلامي، وفي ما نشرهُ في جريدة النَّدوة، قال:"العطف لا يقتضي المغايرة دائمًا". . . إلخ.
وقد أوردتُ له مزيدًا من أقوال علماء اللُّغة في هذا الموضوع، ولكن الأستاذ أحمد جَمَال ما زال يردُّنا إلى "قلتُ"، ويُحيلنا إلى مطبوعاته، كأنَّما يتعجَّل أنْ تكون من المصادر الأكاديميَّة، وحتَّى لا يستوي ما يقول مع "قصص القَصَّاصين" أمام الدِّين لا يقتنعون منه بـ"قلت".
وكان عليه أَنْ يأتي بأدلَّة، فالعطفُ يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وتفاصيل هذا في كتب اللُّغة وقد أحلناه إلى مراجعها.
وأمَّا الأمثلة التي جاءَ بها في جريدة النَّدوة فهي لا تفيده شيئًا، قال:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ونحو ذلك.
أليست ماهيَّةُ الذكورة في السَّارق والزَّاني مغايرةً لماهية الأنوثة في
السَّارقة والزَّانية، وتلك المغايرة هي التي سَوَّغت العطف، تأمَّلْ وافْهَم يا أستاذ!!
تأكيدُ الذم بما يُشْبِهُ المدحَ في رأي أحمد جمال قال شيخنا عليه رحمة الله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} الآية [الدخان: 49]، نزلتْ في أبي جَهْلِ لما قال: أيوعدني محمدٌ، وليس بين جَبَلَيْها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي، فلمَّا عَذَّبَهُ الله، قيل لهُ: ذُقْ إنَّكَ أنتَ العزيز الكريم، في زعمك الكاذب.
بل أنت المهان الخسيس الحقير، وهذا نوع من أنواع العذاب" اهـ.
غير أنَّ الأستاذ أحمد جَمَال أبى ذلك، وقال:"قلتُ: إن نصَّ الآية لا يُساعدُ على تخصيص نزولها في أبي جهل فهي عامة في كل كافر".
والجواب: هو أنَّ كون مدلولها عامًا في كل كافرٍ لا يمنعُ من خُصوصِ سببِ نزولها في شخصِ بعينه أو في حادثةٍ معينةٍ.
لأنَّ المقرَّر في علم الأصول أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب إلا ما يثبت من ذلك أنَّه خاصُّ الحكمِ والسَّببِ معًا، مثل: عناق أبي بردة، وشهادة خزيمة، ونحو ذلك.
هذه واحدة؛ وأما الثَّانية: فهي قول الأستاذ أحمد جَمَال: "إنَّ نصِّ الآيةِ أو سياقَها لا يُساعد على نزولها في أبي جهل".
فإنه يفهم منه أنَّه يعتقد أنَّ بالإمكان معرفة سبب النُّزول بالاستنباط من الآية، وهو خطأٌ فاحش.
وإنَّه لا سبيل لمعرفة سبب النُّزول إلا بالرِّواية، انظْر الإتقان في علوم القرآن للسُّيوطي (1).
وقال الأخ أحمد جَمَال: "وهو أسلوبٌ عربيٌّ معروف بليغ، ويُسَمَّى تأكيدَ الذَّمِّ بما يُشْبِه المدح".
والجواب عن هذه: أنَّها "حَزٌّ في غير مَفْصِل"، وأنَّ هذا الأسلوب نسبَهُ أحمد جمال للمحسِّنات المعنويَّة من البديع، وهو بعيدٌ كلَّ البعد عن ذلك، بل هو من فنِّ البيان ثم من باب التَّشبيه منه.
فهو تشبيهٌ انْتُزِعَ وجهُ شبههِ من التَّنافي لنكتةِ التَّهَكُّم، وذلك على نحو ما عَقَدَهُ العَلَّامة الشَّيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشَّنقيطي، في نظمه (نَوْر الأقاح) بقوله:
وينزعُ الوجهُ من التَّنافي
…
إذا يُنزَّلُ كالائتلافِ
(1)(1/ 31).
لنكتةِ التَّمليحِ والتَّهكُّمِ
…
. . . . . . . .
انظر شرحَهُ: (فيضَ الفتَّاحِ على نَوْر الأقاح) للنَّاظمِ في هذا المحلّ، وانْظُر المرشدي على عقود الجمان عند قول السيوطي:
وربَّما يؤخذُ وجْهُ التشبيهْ
…
من التَّضادِ لاشتراكِ الضدِّ فيهِ
لقَصْدِ تَمْليحٍ أو التَّهَكُّمِ
…
كَوَصْفِهِ مُبَخَّلًا بحاتِمِ
أما تأكيدُ الذَّمِّ بما يشبهُ المدحَ الذي تسمع العُلَماءَ يذكرونه -يا سيِّدنا الأُستاذ- فقد قرَّرَ علماءُ الفنِّ بأنَّهُ ضربان:
أحدهما: أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفةَ ذَمِّ بتقدير دخولها فيها، كقولك: فلانٌ لا خيرَ فيه إلا أنه يُسيءُ إلى من أحسن إليه.
وثانيهما: أَنْ تُثبتَ للشَّيءِ صفةَ ذَمٍّ، وتعقبها بأداة استثناء، تليها صفةُ ذَمِّ أخرى له، كقولك: فلان فاسق إلا أنَّهُ جاهل.
انظر الإيضاح للقزويني (1).
إن المفسِّىرينَ يا أحمد جَمَال يقولون في الآية بمثل قول الشَّيخ
(1) ص 268.