المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌علي بن الحسين - مختصر تاريخ دمشق - جـ ١٧

[ابن منظور]

فهرس الكتاب

- ‌عروة بن العشبة الكلبي

- ‌عروة بن محمد بن عطية

- ‌عروة بن مروان

- ‌عروة بن المغيرة بن شعبة

- ‌عريان بن الهيثم بن الأسود

- ‌عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي

- ‌عزير بن جروة ويقال ابن شوريق

- ‌عزير بن الأحنف بن الفضل

- ‌عسكر بن حصين

- ‌عصمة بن أبي عصمة إسرائيل بن بجماك

- ‌عصمة بن أبي عصمة البعلبكي

- ‌عطارد بن حاجب بن زرارة

- ‌عطاف المعلم

- ‌عطاء بن أبي رباح

- ‌عطاء بن ابي صيفي بن نضلة

- ‌عطاء بن قرة أبو قرة السلولي

- ‌عطاء بن أي مسلم

- ‌عطاء بن يسار

- ‌عطاء الكلاعي

- ‌عطرّد أبو هارون المغنّي

- ‌عطية الله بن الحسين بن محمد بن زهير

- ‌عطية الله بن عطاء الله بن محمد بن أبي غياث

- ‌عطية بن عروة

- ‌عطية بن قيس

- ‌عطية مولى سلم بن زياد

- ‌عفير بن زرعة بن عفير بن الحارث

- ‌عقال بن شبّة بن عقال بن صعصعة

- ‌عقبة بن رؤبة بن العجاج

- ‌عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو

- ‌عقبة بن علقمة بن جريج

- ‌عقبة بن عمرو بن ثعلبة

- ‌عقبة بن نافع بن عبد قيس

- ‌عقبة بن يريم

- ‌عقيل بن أحمد بن محمد بن الأزرق

- ‌عقيل بن أي طالب عبد مناف

- ‌عقيل بن العباس بن الحسن

- ‌عقيل بن عبيد الله بن أحمد

- ‌عقيل بن علّفة بن الحارث بن معاوية

- ‌عقيل بن محمد بن علي بن أحمد بن رافع

- ‌عقيل بن خالد بن عقيل

- ‌عكرمة بن ربعي بن عمير التيميّ

- ‌عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة

- ‌عكرمة أبو عبد الله

- ‌علفة بن عقيل بن علّفة

- ‌علقمة بن جرير ويقال جرير السّلمي

- ‌علقمة بن رمثة البلوي

- ‌علقمة بن زامل بن مروان بن زهير

- ‌علقمة بن شهاب القشيري

- ‌علقمة بن عبدة بن النعمان

- ‌علقمة بن علاثة بن عوف

- ‌علقمة بن قيس بن عبد الله

- ‌علي بن أحمد بن إبراهيم بن ثابت

- ‌علي بن أحمد بن إبراهيم بن غريبٍ الخال

- ‌علي بن أحمد بن الحسين

- ‌علي بن أحمد بن سعيد بن سهل

- ‌علي بن أحمد بن سلمة بن عبيد

- ‌علي بن أحمد بن سهل

- ‌علي بن أحمد بن الصباح

- ‌علي بن أحمد بن طاران

- ‌علي بن أحمد بن عبد الله

- ‌علي بن أحمد بن عبد الرحمن

- ‌علي بن أحمد بن عبد العزيز بن ظنّير

- ‌علي بن أحمد بن علي بن زهير

- ‌علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر

- ‌علي بن أحمد بن محمد

- ‌علي بن أحمد بن محمد بن الوليد

- ‌علي بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن مروان

- ‌علي بن أحمد بن محمد

- ‌علي بن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن

- ‌علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مسلم بن أبي مسلم

- ‌علي بن أحمد بن المبارك

- ‌علي بن أحمد بن مقاتل بن مطكود بن أبي نصر

- ‌علي بن أحمد بن منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد

- ‌علي بن أحمد أبو الحسن

- ‌علي بن أحمد أبو الحسي السّهيلي

- ‌علي بن أحمد أبو الحسن الزبيري

- ‌علي بن إبراهيم بن العباس

- ‌علي بن إبراهيم بن مطر

- ‌علي بن إبراهيم بن نصرويه

- ‌علي بن إبراهيم بن يوسف

- ‌علي بن إبراهيم القاضي

- ‌علي بن إسحاق بن رداء

- ‌علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ الكاتب

- ‌علي بن إسماعيل أبو الوزير الصوفي

- ‌علي بن أسيد بن أحيحة بن خلف

- ‌علي بن الأقمر بن عمرو بن الحارث

- ‌علي بن بحر بن برّي

- ‌علي بن بذيمة أبو عبد الله

- ‌علي بن بركات بن إبراهيم بن علي

- ‌علي بن بشرى بن عبد الله

- ‌علي بن بشر بن علي

- ‌علي بن بكار بن بلال العاملي

- ‌علي بن بكار بن أحمد بن بكار

- ‌علي بن بندار بن الحسين

- ‌علي بن جعفر بن عبد الله

- ‌علي بن حجر بن إياس

- ‌علي بن الحريش

- ‌علي بن أبي الحرّ

- ‌‌‌علي بن الحسن بن إبراهيم

- ‌علي بن الحسن بن إبراهيم

- ‌علي بن الحسن بن بندار بن محمد بن المثنى

- ‌علي بن الحسن بن جعفر

- ‌علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي

- ‌علي بن الحسن بن الحسين

- ‌علي بن الحسن بن رجاء بن ظعان

- ‌علي بن الحسن بن طاوس بن سكر

- ‌علي بن الحسن بن عبد السلام

- ‌علي بن الحسن بن عبد المؤمن بن يحيى بن زيد

- ‌علي بن الحسن بن علي بن ميمون بن بكر بن قيصر

- ‌علي بن الحسن بن علي بن أبي الفضل

- ‌علي بن الحسن بن علي بن سعيد بن محمد بن سعيد

- ‌علي بن الحسن بن علي بن عبد الواحد

- ‌علي بن الحسن بن عمر

- ‌علي بن الحسن بن علان بن عبد الرحمن

- ‌علي بن الحسن بن القاسم

- ‌علي بن الحسن بن محمد

- ‌علي بن الحسن بن محمد بن أحمد

- ‌علي بن الحسن بن المبارك

- ‌علي بن الحسن بن ياسين بن جبير البغدادي

- ‌علي بن الحسن بن يعقوب

- ‌علي بن الحسن الرازي الميسنجاني

- ‌علي بن الحسن أبو الحسن الصيرفي

- ‌علي بن الحسين بن أحمد بن محمد

- ‌علي بن الحسين بن أحمد

- ‌علي بن الحسين بن أحمد بن محمد

- ‌علي بن الحسين بن بندار بن عبيد الله بن خير

- ‌علي بن الحسين بن ثابت بن جميل

- ‌علي بن الحسين بن الجنيد

- ‌علي بن الحسين بن صدقة

- ‌علي بن الحسين بن عبد الرزاق

- ‌علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

- ‌علي بن الحسين بن محمد بن هاشم

- ‌علي بن الحسين بن محمد المغربي

- ‌علي بن الحسين بن محمد بن مهدي

- ‌علي بن الحسين بن محموية بن زيد

- ‌علي بن الحسين بن هندي

- ‌علي بن الحسين الجعفري

- ‌علي بن الحسين

- ‌علي بن الحصين بن مالك بن الخشخاش

- ‌علي بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن حمزة

- ‌علي بن حمزة بن علي

- ‌علي بن أبي حملة

- ‌علي بن حوشب

- ‌علي بن حيدرة بن جعفر بن المحسن

- ‌علي بن الحضر بن الحسن

- ‌علي بن الخضر بن سليمان بن سعيد

- ‌علي بن الخضر بن عبدان بن أحمد

- ‌علي بن الخضر بن محمد بن سعيد

- ‌علي بن خليد أبو الحسن الدمشقي

- ‌علي بن داود بن أحمد

- ‌علي بن داود بن عبد الله

- ‌علي بن داود الدمشقي

- ‌علي بن رباح بن قصير بن القشب

- ‌علي بن ربيعة البيروتي

- ‌علي بن أبي رجاء أبو الحسن

- ‌علي بن زكريا بن يحيى

- ‌علي بن زيد بن عبد الله بن زهر

- ‌علي بن زيد بن علي

- ‌علي بن زيد أبو الحسن الدمشقي

- ‌علي بن سراح بن عبد الله

- ‌علي بن سعيد بن بشير بن مهران

- ‌علي بن سعيد بن جرير

- ‌علي بن سعيد بن عبد الله

- ‌علي بن سليمان بن سلمة

- ‌علي بن سليمان بن علي

- ‌علي بن سليمان بن الفضل

- ‌علي بن سليمان بن كيسان

- ‌علي بن سهل بن بكر الصيداني

- ‌علي بن شريح بن حميد

- ‌علي بن أبي طالب عليه السلام

الفصل: ‌علي بن الحسين

‌علي بن الحسين

أبو الحسن القرشي الحراني حدث بدمشق عن أبي اليقظان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني عن أبيه عبد الرحمن بن مسلم قال: دخلت أنطاكية إلى مسجد الجامع، فإذا أنا بشيخ جليل جميل، فسلمت وجلست، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: أنا من أهل حران، قال: أما أنا فمن مدينة إبراهيم الخليل، ولا يزال فيها رجل من الأبدال إلى أن تقوم الساعة.

قال: قلت: حدثني رحمك الله بحديث أحدث به عنك قال: إني لست أحدثك حتى تعطيني عهد الله وميثاقه أنك لا جلست إلى قوم من أهل لا إله إلا الله إلا حدثتهم به؛ قلت: أفعل ذلك إن شاء الله، قال: أتيت البصرة، فأقمت بها أربع حجج في طلب العلم، وكان العلماء متوافرين بالبصرة، فكتبت بها علماً كثيراً، فقال لي رجل: منذ كم تكتب معنا الحديث؟ لقد كتبت علماً كثيراُ، ولقد فاتك كلام رجل والنظر إليه، قد لقي أنس بن مالك خادم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: قلت: وأين منزله؟ قال: في رحبة اليهود بالبصرة.

قال: فانطلقت حتى أتيت قصره، فإذا أنا بقصر مشيد، له باب من حيدي، وعلى باب القصر مشايخ ما رأيت أجمل منهم، فلما رأيتهم هالني أمرهم، فسلمت فردّوا ورحّبوا وقرّبوا، وقالوا: هل لك من حاجة؟ قلت: نعم، أنا شيخ من أهل الشام، خرجت إلى بلدكم في طلب العلم، وأنا مقيل فيه من أربع حجج، وقد بلغني عن والدكم أنه لقي أنس بن مالك، خادم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم:" طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني "، وأبوكم رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي:

ص: 265

نعم، وكرامة، إنا ندخل عليه في كل غداة فنسلم، ولا ندخل إلا من غد، ولنا أخ هو أصغر منا سنّاً يكنى بأبي الطيب، فنسأله يدخلك معه عليه، على أن نشرط عليك: أن لا تتكلم، تنظر إليه، وهو لا ينظر إليك. قال: فدعوت لهم، فقالوا لي: ادخل إلى هذا المسجد، فإذا صليت العصر فصر إلينا نسأله يدخلك.

فلما دخلت المسجد شممت رائحة المسك، وأن المسجد قد وزر بالخلوق والمسك، فسلمت وصليت ركعتين، وسألت الله عز وجل أن يسهل لي النظر إلى وجه وليّه.

فلما فرغت من الدعاء إذا بشيخ طوي القامة عظيم الهامة، عليه جبّة صوفٍ، مقطوع الكمين، مشدود وسطه بحبل لمن ليف، على عاتقه مرّ ومجرفة، ورسل، فوضعها في زاوية المسجد، ثم سلم وكبرن وصلى ركعة واحدة، فقلت: سبحان الله، لعله قد سها، فقال لي مجيباً: وبحمده. قلت: إنك لم تصل إلا ركعة، فقال: تحية المسجد، إنما هي تطوع.

قال: قلت: من حدثك أن ركعة تجزئ تحية المسجد؟ قال: مولاي صاحب هذا القصر.

قلت: ومملوك أنت؟ قال: كنت مملوكاً، ولكن الله أعتق رقبتي منذ خمسين سنة، وأنا أحفر القبور منذ خمسين سنة.

قلت: وما الذي حملك على حفر القبور؟ قال: بحديث حدثني مولاي هذا عن أنس بن مالك أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حفر قبراً لأخيه المسلم، ولم يأخذ عليه جزاء، بنى الله تعالى له بيتاً في الفردوس الأعلى، فيه قبة خضراء، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها ".

وسمعته يقول: من غسل أخاه المسلم ولم يأخذ عليه أجراً، وكتم ما يرى منه غفر الله عز وجل له

ص: 266

ذنوبه في ظلمة قبره ووحشته، إذا خلا فرداً وحيداً مرتهناً بعمله، ووكل به ملك بيده مصباح من نور، فهو يؤنسه في قبره إلى أن ينفخ الله في الصّور.

فهو الذي حملني على حفر القبور، وغسل الموتى، وحرسي القبور.

قلت: ما اسمك؟ قال: صالح.

قلت: بالله حدثني بأعجب شيء رأيته في ظلمات الليل، وأنت تحفر القبور من خمسين سنة، قال: إني لست أحدثك أو تعطيني عهد الله وميثاقه، أنت لا تجلس إلى قوم من أهل لا إله إلا الله إلا حدثتهم به، قلت: أفعل إن شاء الله.

قال: ماتت بنت قاضي البصرة، ولم يكن بالبصرة امرأة أجمل منها، فجزع عليها أبوها جزعاً شديداً، فدخلت عليه وهو يبكي أحرّ البكاء، فسلمت عليه وقلت: إن الموت حتم على الخلق، وإن الله عز وجل قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم:" إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون ".

فقال: يا صالح، إنه لم يكن بالبصرة امرأة أجمل من ابنتي، ولا أكثر مالاً، مات عنها زوجها ولم ترزق منه ولداً، وورثت منه مالاً عظيماً، وقد أوصت إليّ أن أخرج من ثلثها ثلاثة آلاف دينار، ويعطى لحرس قبرها ألف دينار يحرس سنةً اثني عشر شهراً.

قال: قلت: أما أنا فإنني أعطيت عهد الله وميثاقه أنني لا آخذ لحرس قبر، ولا لحفر قبر، ولا لغسل مست شيئاً أبداً. فقال لي: سبحان الله! ترزق رزقاً حلالاً وترده؟! قلت: نعم، وأشير عليك بشيء يسعدك الله به، ويدخل على ابنتك في قبرها السرور والرحمة؛ فقال: تكلم.

قلت: إن الميت لا ينتفع أن يكفن بألف دينار، فإنه يبلى في التراب والصديد والدّود، ولكن تكفن بمئة دينار، وتضيف تسع مئة إلى الألفين، فتشتري بها الثياب والخبز والماء، فتكسو العاري، وتشبع الجائع، وتروي الظمآن، فإني أرجو أن يعتق الله

ص: 267

ابنتك من النار، ويدخل عليه في قبرها السرور والرّحمة. فقال لي: وفقت وأشرت بخير.

قال: فكفّنها بمئة، وتصدق بالباقي عنها.

قال صالح، فحرست قبرها ثلاث ليال، أصلي عند قبرها ألف ركعة، فلما كان في الليلة الرابعة، وقد طلع الفجر، وأصبت نعسة، وأذن المؤذن، فأخذت لبنة فوضعتها تحت رأسي، فما هو إلا أن ذهبت في النوم، فإذا بنت القاضي قائمة بين يديّ، عليها ثياب أهل الجنة وحلي أهل الجنة.

قلت: يا هذه، من أنت التي قد ألبسها الله البهاء والنور؟ قال: صاحبة القبر بنت القاضي، جئت أشكرك، نوّر الله قبرك، وجزاك عني أفضل الجزاء كما أشرت بالخير في الصدقة عني، إن الله تبارك وتعالى قد نوّر قبري، وأدخل قبري السرور والرحمة، قم حتى أريك ما أعد الله تعالى لمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله.

فنهضت معها وفي يدها مصباح من بلور، والقبر روضة خضراء كأحسن ما يكون، وإن القبور قد أقبل أهلها، وقد جلس كلّ ميت على شفير قبره، قد ألبسهم الله البهاء والنور. قالت: هؤلاء الذين ماتوا وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ادن منهم، وكلّمهم فإنهم يكلّمونك.

قلت: يا سبحان الله! موتى موتى يكلّمون الأحياء؟! قالت: وأنا ميتة، وقد أذن الله لي وكلمتك.

فلما دنوت منهم قالوا بأجمعهم: جزاك الله خيراً من مؤنس، إنا نسمع قرآنك ودعاءك لا نقدر أن نجيبك، وأنتم يا معشر الأحياء تعملون الخيرات، ولا تدرون ما لكم عند الله عز وجل من الدّرجات، فإذا أصبحت فأت المسجد الجامع فأقرئ أهالينا السّلام، وقل لهم: موتاكم يقرؤون عليكم السلام ويقولون: جزاكم الله عنا خيراً، فإن هداياكم تأتينا بكرة وعشياً، فقلت: وما الهدايا؟ قالوا: الدعاء والصدقة، إن الصدقة شيء عظيم يطفئ غضب الرّب، ودعاء الأحياء يدعون لنا الله عز وجل فيستجيب الله لهم فينا، فيدخل علينا في قبورنا السرور والرحمة.

ص: 268

قال: فبينا أنا فرح بهم إذ نظرت إلى رجل مشوّه الوجه رثّ الكفن، في عنقه سلسلة من نار، ورجل بيده سوط من نار، يضرب حرّ وجهه وظهره وبطنه، وهو يصيح: يا ويلاه! من نار لا تطفأ، وعذاب لا يبلى.

قال: فتقطع قلبي رحمة له، فقلت: يا هذا أيشٍ حالك من بين أصحابك هؤلاء الذين ألبسم الله البهاء والنور؟ قال: جرمي عظيم، كان لي مال عظيم، وكنت لا أزكّي فيه، فنالني هذا بعقوق والدي في الدنيا. قلت: وكيف ذلك؟ قال: مات أبي وخلف مالاً عظيماً، ولم يكن بالبصرة امرأة أجمل من والدتي، ولا أكثر مالاً، فرغب ملوك البصرة فيها، فخطبها بعض الملوك فأجابته، فبلغني ذلك فداخلتني الغيرة. فقلت: يا أمّه، بلغني أنك تريدين التزويج. قالت: التزويج حلال؛ فرفعت يدي، فلطمت حرّ وجهها، فخرّت مغشياً عليها، فسال من وجهها الدم. فلما أفاقت من غشيتها رفعت يدها ورأسها إلى السماء فقالت: يا بني لا أقالتك الله عثرتك، ولا آنس في القبر وحشتك. فلما أن مت صرت في قبري إلى نار لا تطفأ، وعذاب لا يبلى، وكذلك القبر من اليوم إلى يوم القيامة، فإذا أصبحت فأت والدتي وأقرئها السلام، وأعلمها بما رأيت من سوء حالي لعلها ترحمني.

قال: فانتبهت فإذا رائحة المسك من مسجدي، وكأنما ضوء المصباح في مسجدي وبين عينيّ.

قال: قلت: هذه رؤيا من الله، لآتينّ المسجد الجامع، فلأؤدينّ الرسالة، ولآتينّ أم المسكين، فأخبرها بما رأيت من سوء حاله.

فخرجت إلى المسجد، فصليت مع الإمام، فلما سلم قمت فقلت: السلام عليكم يا أهل المسجد ورحمة الله وبركاته، إني رأيت موتاكم في النوم بأحسن منظر، وهم يقرئونكم السلام، ويقولون لكم: جزاكم الله عنا خيراً أفضل الجزاء، فإن هداياكم تأتينا بكرة

ص: 269

وعشياً؛ فلم يبق في المسجد شيخ ولا شاب إلا علا نحيبه، ولم يبق أحد منهم إلا تصدق عن حبيبه ذلك اليوم، وكانت رؤيا رحمة على الأحياء والأموات.

قال: ومضيت إلى باب أم المسكين، فإذا على الباب شيخ جميل بيده مصحف، يقرأ فيه، وحوله وصائف يقرئهم القرآن. فلما رآني مقبلاً أمر الوصائف فدخلن القصر، فسلمت، فصافحني، وعانقني، ورد السلام، وقال: هل من حاجة؟ قلت: أما إليك فلا، ولكن إلى أهلك! فقال: يا سبحان الله! ما في مالي، ولا فيما خوّلني الله ما أقضي حاجتك؟ قلت:" إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "؛ فقال: صدقت، يا غلام، ادخل إلى ستك فقل لها؟ تسبل الستر حتى يدخل صالح تنظر أيشٍ حاجته.

قال: فدخل الغلام، وأسبل الستر، ودخل زوجها ودخلت معه، فقلت: السلام عليك يا أمة الله، من لك في المقابر؟ قال: فبكت حتى خرت مغشياً عليها، وبكى زوجها وكل من في القصر معها، وبكيت أنا رحمة لها.

قالت: وما ذاك يا صالح؟ قلت: رأيت في المنام كذا وكذا، فبكت بكاءً شديداً، وقالت: ذاك ولدي، واحسرتاه، على ما فرطت فيك يا بني، ثم جيئت بكيس فقالت: خذه واشتر بما فيه الثياب والخبز والماء، فاكس العاري، وأشبع الجائع، وارو الظمآن، ثم قالت: اللهم إن هذا صدقة عن ولدي، اللهم فارض عنه.

قال زوجها: أحسنت وأصبت ووصلت رحمك، وما كنا لنتركك تسبقينا إلى الخير. وجيء بكيس فقال: خذه وأضفه إلى الآخر، اللهم إن هذه صدقة عن ابن العجوز، اللهم فارض عنه وعن والديه وما ولد، وعن جميع المسلمين.

قال صالح، فأخذت الكيسين، وفعلت ما قالاه، وهممت أن أقوم، فسقط مني، رغيف، فقلت: لا أبرح حتى أنقذه، فإن قليل الأمانة وكثيرها عند الله سواء.

فبينا أنا كذلك إذ خرج من بعض دروب البصرة شيخ كبير منحنٍ، ما يرفع رأسه

ص: 270

من الكبر، يحرك شفتيه بالتحميد والتسبيح، وهو يقول: يا سيدي ومولاي خدمتك منذ ثلاثة أيام، فلما دنا قلت: يا شيخ، قال: يا سعديك، قلت: ما أرى معك أحداً، فلمن تناجي؟ قال: أناجي سيد السادات، ومالك الملوك، ومولى المولى، قد عودني في كل ثلاثة أيام قرصاً أفطر عليه، وهذا حاجتي إليه. قلت: إن الله عز وجل قد أجاب دعوتك. ودفعت إليه الرغيف، فقال: رضي الله عنك وعمن تصدق به عن جميع المسلمين.

قال صالح: ومضيت في الليلة الرابعة لأحرس قبر ابنه القاضي، فلما قرأت حزبي وصليت وردي نمت، فإذا أنا بابن العجوز على أحسن الناس وجهاً، وأطيب رائحة، فقال: نوّر الله قبرك، وجزاك عني أفضل الجزاء، إن الله عز وجل قد نوّر قبري، وأدخله السرور والرحمة بدعاء والدتي ودعاء الفقراء لي. إن الصدقة شيء عجيب تطفئ غضب الرب، فإذا أصبحت فأقرئ والدتي السلام، وأعلمها أن الصدقة وصلت، وقل لها: لا تقطعي الصدقة، فإن قليل الخير عند الله كثير.

قال: فانتبهت فرحاً، وصرت إلى والدته، فأخبرتها، فسرّت بذلك، وآلت على نفسها أنها تتصدق عنه في كل يوم.

قلت: يا صالح قد وعدني مواليك هؤلاء أن يدخلوني على مولاك. قال: هيهات: ما أطمع لك في ذلك لأنه كبير قد أتى عليه مئة وعشرون سنة، وقد احتجب عن الناس منذ عشر سنين. قلت: وعدوني أن يكلموا ابنه الأصغر. فقال: نعم ليس في أولاده أصبح وجهاً منه، ولا أرق قلباً، ولا أرحم بالغريب، وإن للشيخ من صلبه سبعين ذكراً.

قال: فصليت العصر وخرجت، وخرج صالح، فسلمت، فردوا السلام، والتفتوا إلى أخيهم الأصغر، فقالوا: يا أبا الطيب: إنا نعرضك إلى الأجر، وهذا الرجل مقيم في بلدنا منذ أربع حجج، وقد سألنا أن ندخله إلى والدنا؛ لينظر إليه نظرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" طوبى لمن رآني ورأى من رآني ". قال: نعم وكرامة، فنهض ودق الباب، فخرج خادم ففتح باب القصر، فلما فتحه شممت رائحة المسك والزعفران والياسمين، فسألت الله الجنة، ثم دخلنا من قصر إلى قصر، فإذ الشيخ متكئ على فرش مشيّدة، ووجهه كالقمر ليلة البدر. قال: فقلت: هذا وجه من وجوه أهل الجنة، فوقف ابنه بين

ص: 271

يديه وقال: السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته؛ فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وعن والديك وما ولدا، وعن جميع المسلمين.

قال: فقلت في نفسي: والله لا فاتني كلام ولي الله؛ فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فردّ علي السلام، واحمرّ وجهه، ثم التفت إلى ابنه فقال: يا أبا الطيب من هذا الذي أدخلته عليّ من غير إذن؟ فقال: يا أبه، هذا شيخ من أهل الشام، مقيم معنا في بلدنا منذ أربع حجج، وقد سألنا أن ندخله عليك، لينظر إليك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" طوبى لمن رآني، ومن رأى من رآني ". وأنت يا أبه، قد رأيت من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمه.

قال: لا بأس، وطابت نفسه، ثم التفت فقال لي: يا شاميّ من أي الشام أنت؟ قلت: من أهل أنطاكية. فقال: مرحباً بك وأهلاً، أنت من المدينة التي منها الرجل الصالح حبيب النجار، بعث الله تعالى المسلمين إلى أنطاكية، فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين. وكانت قدومه على عاتقه، فعلوه بالقدوم حتى قتلوه، ووطئوا بطنه، حتى خرجت بيضته من دبره، فإذا كان يوم القيامة:" قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ".

قال: قلت: حدثني رحمك الله بحديث أحدث به عنك، وأشكرك عليه، ويثيبك الله تعالى الجنة، فقال: إني قد آليت على نفسي أن لا أحدث أحداً، ولم احدث أحداً منذ عشرين سنة، وكني أكفّر عن يميني وأحدثك إن شاء الله، فأخرجت الألواح المسوّدة، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمتي أمة مرحومة، جعلها الله تعالى في الأمم كالقمر ليلة البدر، فمحسنها يدخل

ص: 272

الجنة بلا حساب، ومسيئها يغفر له بشفاعتي ". قال: ثم قرأ مصداقه من القرآن: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير "، فسابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له.

قال: فكتبت عنه حديثاً يسوى الدنيا وما فيها، قلت: زدني رحمك الله قال: اكتب يا شاميّ: بسم الله الرحمن الرحيم حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمتي الأمة المرحومة، ولولا الرحمة ما خلقهم الله ". قال: ثم قرأ مصداقه من القرآن: " انظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلا " لمن عمل، " اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "، " نعم أجر العاملين ".

قال: فكتبت عنه حديثين يسويان الدنيا وما فيها.

قلت: زدني رحمك الله قال: ما أعرفني بكم يا أصحاب الحديث، ما يشبعكم شيء؛ اكتب: حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمتي الأمة المرحومة، جعل الله عز وجل عذابها في الدنيا بالسيف والقتل، وذلك أني سألت الله عز وجل ثلاثاً فأعطاني: سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم من قبلنا فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسنا

ص: 273