المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌36 - (باب من سن سنة حسنة، أو سيئة) - مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه - جـ ٤

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

الفصل: ‌36 - (باب من سن سنة حسنة، أو سيئة)

‌36 - (بابُ من سنّ سُنَّةً حسنةً، أو سيئةً)

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

203 -

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المُلِكِ بْنُ عُمَيْر، عَنْ المنْذِرِ بْنِ جَرِبر، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِها، كَانَ لَهُ أَجْرُها، وَمثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِها، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرها، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ بَعدهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِم شَيْئًا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ) واسمه محمد بن عبد الله البصريّ، صدوقٌ، من كبار [10] 35/ 184.

2 -

(أبو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مولى يزيد بن عطاء، كان من سَبْي جُرْجَان، مشهور بكنيته، ثقة ثبتٌ [7].

رَأَى الحسن، وابن سيرين، وسمع من معاوية بن قرة حديثا واحدًا، وروى عن أشعث بن أبي الشعثاء، والأسود بن قيس، وقتادة، وأبي بشر، وحُصين بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر، وإسماعيل السدي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، وخلق كثير.

ورَوَى عنه شعبة، ومات قبله، وابن علية، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، والفضل بن مُساور صهره، وعبد الرحمن بن مهدي، وعَفّان، ويحيى بن حماد، وحجاج ابن منهال، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، ومسدد، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وخلق كثير.

قال أبو حاتم: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: سألت ابن المبارك مَن أروى الناس، أو أحسن الناس حديثًا عن مغيرة؟ فقال: أبو عوانة. وقال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: كتاب أبي عوانة أئبت من حفظ هُشيم. وقال مسدد: سمعت يحيى القطان يقول: ما أشبه حديثه بحديثهما -يعني أبا عوانة، وشعبة وسفيان-

ص: 229

وقال عفان: كان أبو عوانة صحيح الكتاب، كثيرَ الْعَجْم والنَّقْط، وكان ثَبْتًا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثًا عندنا من شعبة (1). وقال أبو طالب عن أحمد: إذا حَدّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حَدّث من غير كتابه ربما وهم. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: أبو عوانة جائز الحديث، وحديث يزيد بن عطاء ضعيف، ثَبَتَ حديثُ أبي عوانة، وسَقَطَ مولاه يزيد بن عطاء. وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غَلِطَ كثيرًا، وهو صدوق ثقة، وهو أحب إليّ من أبي الأحوص، ومن جرير، وهو أحفظ من حماد بن سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا، ووُهيب أحفظ منه. وقال موسى بن إسماعيل: قال أبو عوانة: كل شيء قد حدثتك فقد سمعته.

وقال العجلي: أبو عوانة بصري ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال شعبة: إن حدثكم أبو عوانة عن أبي هريرة فصدقوه. وقال أبو قُدَامة: قال ابن مهديّ: أبو عوانة وهشيم، كهَمّام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام، وإذا كان الحفظ فحفظ هُشيم وسعيد. وقال تمتام عن ابن معين: كان أبو عوانة يَقرأ ولا يَكتب. وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين وذكر أبا عوانة وزهير بن معاوية، فقدَّم أبا عوانة. وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا؛ لأنه كان قد ذهب كتابه، وكان أحفظ من سعيد، وقد أغرب في أحاديث. وقال: قال يعقوب بن شيبة. ثَبْتٌ صالحُ الحفظ، صحيح الكتاب. وقال ابن خِرَاش: صدوق في الحديث.

وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حَدَّث من كتابه، وقال: إذا حَدّث من حفظه ربّما غَلِطَ.

(1) هكذا في "التهذيبين""شعبة"، وذكر محقّق "تهذيب الكمال" أنه في المطبوع من "الجرح والتعديل" و"المعرفة" ليعقوب، و"تاريخ بغداد""هُشيم" بدل "شعبة"، ولعله الصواب، راجع هامش "تهذيب الكمال" 30/ 446.

ص: 230

وقال محمد بن محبوب: مات في ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة، وفيها أَرّخه يعقوب بن سفيان، وقال ابن المدينيّ: مات سنة خمس وسبعين، وذكره ابن حبان في "الثقات".

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (21) حديثًا.

3 -

(عَبْدُ الملِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخميّ الكوفيّ الْفرسيّ، ثقة فقيه تغيّر حفظه، وربّما دلّس [3] 11/ 97.

4 -

(المُنْذِرُ بنُ جَرِيرٍ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة (1)[3].

رَوَى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عُمَير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحاك بن المنذر، وأبو حيان التيمي، على خلاف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبي: ثقة (2).

أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (203) وحديث (2503)"لا يؤوي الضالّة إلا ضالّ".

5 -

(أبوه) جرير بن عبد الله البجليّ الصحابيّ الشهير رضي الله عنه 28/ 159، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من خماسيّات المصنّف.

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.

3 -

(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وأبي عوانة، فواسطيّ.

(1) قال عنه في "التقريب": "مقبول"، والظاهر أنه ليس بصحيح، كما انتقده الدكتور بشار، والشيخ شعيب الأرناؤوط في "تحرير التقريب"، فقد قال. بل ثقة، فقد روى عنه جمع، وأخرج له مسلم في "الصحيح"، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ووثقه الذهبيُّ في "الكاشف"، ولا نعلم فيه جرحًا. انتهى. وهو تعقّب وجيه، فليتنبّه. والله تعالى أعلم.

(2)

"الكاشف" 3/ 174.

ص: 231

4 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الملك عن المنذر، بل هو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ المُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جرير بن عبد الله البجليّ رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ) شرطيّة (سَنَّ سُنَّة حَسَنَةً) أي سار فيها، يقال: سنّ الطريقة: إذا سار فيها، كاستنّها (1) والسنّة الحسنة: هي الطريقة المرضيّة التي يُقتَدَى فيها، قال ابن الأثير: والأصل فيها الطريقة والسيرة، وإذا أُطلقت في الشرع فإنما يُراد بها ما أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونَهى عنه، ونَدَبَ إليه قولًا وفعلًا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلّة الشرع الكتاب والسنّة، أي القرآن والحديث. انتهى (2).

والمراد هنا الإطلاق الأول، لا الثاني، والتمييز بين الحسنة والسيّئة بموافقة الكتاب والسنّة، وعدم موافقتهما.

وقال الطيبيّ: السنّة ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام الدين، وهي قد تكون فرضًا، كزكاة الفطر، وغير فرض، كصلاة العيد، وصلاة الجماعة (3)، وقراءة القرآن في غير الصلاة، وتحصيل العلم، وما أشبه ذلك. انتهى (4).

وهذا الحديث له قصّةٌ توضّح سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "منّ سنة حسنةً إلخ"، وقد ساقه الإمام مسلم رحمه الله في "صحيحه" بطوله، ودونك نصّه:

قال: حدثني محمد بن المثنى العنزي، أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر

(1)"القاموس" ص 1088.

(2)

"النهاية" 2/ 409.

(3)

الصحيح أن صلاة الجماعة فرض، كما سيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى، وقوله:"وتحصيل العلم" أراد به العلم الزائد على ما يتعين على المرء أن يتعلّمه.

(4)

"الكاشف" 2/ 637.

ص: 232

النهار، قال: فجاءه قوم حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُجتابي (1) النَّمَار أو العَبَاء، مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتَمَعَّر (2) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام فصلى (3)، ثم خطب، فقال:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء:1] إلى آخر الآية، {إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} والآية التي في الحشَر {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الحشر: 18]، تَصَدَّقَ رجل (4) من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرّه، من صاع تمره -حتى قال: ولو بشِقّ تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمَين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل (5) كأنه مُذْهَبَةٌ (6) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

(فَعُمِلَ) بالبناء للمفعول، والفاء تفصيليّة وتفسيريّة، كما في قوله عز وجل:{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ} الآية [هود: 45]، أي فعَمِل الناس (بِها) أي بتلك السنّة (كَانَ لَهُ أَجْرُها) أي أجر عملها، والإضافة لأدنى ملابسة، فإن السنّة الحسنة لمّا كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها أُضيف الأجر إليها بهذه المناسبة، كذا قال الطيبيّ، فقال

(1) أي خرقوها، وقَوَّروا وسطها.

(2)

أي تغيّر.

(3)

قد بيّن في رواية أن تلك الصلاة هي الظهر.

(4)

خبر بمعنى الأمر، أي ليتصدّق.

(5)

أي يستنير فرحًا وسرورًا.

(6)

أي كأنه فضّة مطلية بالذهب في الحسن والإشراق، ويروى "مُدهنة" بالدال المهملة، أي إناء الدهن في الصفاء.

ص: 233

التوربشتيّ: والصواب "أجره"؛ لعود الضمير إلى صاحب الطريقة، أي أجر عمله، هو غير لازم، ولا وجه لتغليط الرواة إذا احتمل الكلام التصحيح بوجهٍ ما، فكيف والتصحيح هاهنا واضح. قاله السنديّ (1)(وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِها) ببناء الفعل للفاعل (لَا يَنْقُصُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر، مبنيًّا للفاعل، وضميره لإعطاء مثل العاملين لمن سَنَّ (مِنْ أُجُورهِمْ) أي من أجور العاملين لمن سنّها، وإنما أفرد الضمير في قوله:"عمِلَ بها" رعاية للفظ "مَنْ"، وجمعه هنا رعاية لمعناها (شيْئًا) مفعول به لـ "ينقُص"؛ لأنه هنا متعدّ، وقد سبق أن يتعدّى ويلزم، فمن المتعدّي قوله تعالى:{نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41]، وقوله:{غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود:109].

ويحتمل أن يكون لازمًا، فعليه يكون "شيئًا" مفعولأ مطلقًا، أي نقصًا ما.

وإنما لم ينقُص من أجورهم شيئًا لأنه حصل له الأجر باعتبار أنه سنّ العمل، وابتدأه، ودلّ وحثّ الناس عليه، والعاملون حصل لهم باعتبار عملهم، فلم يتواردوا على محلّ واحد حتى يُتوهّم أن حصول أحدهما ينقص الآخر، والأصل الأساسي في ذلك فضل الله سبحانه وتعالى، وسعة كرمه، وكثرة رأفته بعباده {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].

(وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) هي التي تخالف الكتاب والسنة، كما أسلفناه (فَعُمِلَ بِها، كَانَ عَلَيْهِ) أي على الذي ابتدأها (وِزْرُها) أي إثم عمله بها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ بَعدهِ) أي بعد عمله، أو بعد موته (لَا ينْقُصُ) إعطاؤه ذلك (مِن أَوزَارِهِم شَيْئًا) سبق آنفًا أنه يحتمل أن يكون مفعولًا به، أو مفعولًا مطلقًا، وقد استوفيت شرح هذا الحديث بسياقه المطوّل الذي سبق في "شرح النسائي"، فراجعه تستفد (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)"شرح السنديّ " 1/ 135.

(2)

راجع "ذخيرة العقبي في شرح المجتبى" 32/ 37 - 46.

ص: 234

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (36/ 203) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده"(670) و (عليّ بن الجعد)(531) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه"(3/ 109 - 110) و (الحميديّ) في "مسنده"(805) و (الدارميّ) في "سننه"(520) و (مسلم) 31/ 86 و 87 و 8/ 62 و (الترمذيّ)(2675) و (النسائيّ) 5/ 75 و (ابن خزيمة)(2477) و (ابن حبان)(3308) و (الطبراني)(372 و 374 و375) و (البيهقي) 4/ 175 و 176 و (البغوي)(1661) و (أحمد) في "مسنده"(4/ 357 و 358 و 359 و360 و 361 و 362) والروايات مطوّلة، ومختصرة، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو واضح.

2 -

(ومنها): الحثّ والتحريض على الابتداء بالخيرات، وسَن السنن الحسنات.

3 -

(ومنها): التحذير من البدع والخرافات التي لا يؤيِّدها دليلٌ شرعيّ، نجل يردّها ويُبطلها، قال النووي رحمه الله: هذا الحديث صريح في الحثّ على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سَنّ الأمور السيّئة. انتهى (1).

4 -

(ومنها): أن بعض الأعمال لا ينقطع ثوابها، وكذا أوزارها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشر، وسيأتي للمصنّف من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير، مِغْلاقًا للشر،

(1)"شرح النووي على صحيح مسلم" 16/ 226 - 227.

ص: 235

وويل لعبد جعله الله مفتاحًا للشرّ، مِغلاقًا للخير" (1).

5 -

(ومنها): أن ظاهر هذا الحديث يدلّ على أنه يحصل هذا الأجر للبادىء، ولو لم ينو أن يتبعه أحد فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم النيّة، فيكون مخصّصًا للحديث المتّفق عليه:"إنما الأعمال بالنيات"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

204 -

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، قَالَ: كما بَقِيَ في المجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، بِمَا قَلَّ أَوْ كثُرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ كامِلًا، وَمِنْ أُجُورِ مَنْ اسْتَنَّ بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ اسْتَنَّ سُنّة سَيِّئَةً، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ كَامِلًا، وَمنْ أَوْزَارِ الَّذِي اسْتَنَّ بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهم شَيْئًا").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ) أبو عُبيدة الْعَنْبريّ البصريّ، صدوق [11].

رَوَى عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وأبي عاصم النبيل، وأبي معمر المقعد البصري.

ورَوَى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وآخرون.

قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال السراج: مات في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

(1) حسنه الشيخ الألبانيّ في "الصحيحة" 3/ 320 - 321 رقم (1332).

ص: 236

وفي "الزهرة" إن مسلمًا رَوَى عنه سبعة عشر حديثًا. انتهى.

وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (203) وحديث (1942) "لا يحرِّم إلا عشر رضعات

"، وحديث (2319) "من ادّعى ما ليس له فليس منا

".

2 -

(أبوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التّميميّ العنبريّ مولاهم التَّنّوريّ -بفتح المثناة، وتشديد النون- أبو سَهْل البصريّ، صدوق ثَبْت في شعبة [9].

رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وحرب بن شداد، وسليمان بن المغيرة، وشعبة، وحماد بن سلمة، وأبان العطار، وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيى، وغيرهم.

ورَوَى عنه ابنه عبد الوارث، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، وعبدة الصَّفّار، وغيرهم.

قال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-.

وقال: الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثَبْتٌ في شعبة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست أو سبع ومائتين، وقال ابنه عبد الوارث وغيره: مات سنة سبع، وقال البلاذريّ: مات آخر سنة ست وأول سنة سبع.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (15) حديثًا.

[تنبيه]: سقط من النسخ التي بين يديّ قوله: "عن أبيه"، وهو غلط فاحش (1)، فليُتنبّه، والتصويب من "تحفة الأشراف" 10/ 337، فراجعه، والله تعالى أعلم.

3 -

(أبوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، أحد الأعلام، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، ويقال: لم يثبُت عنه [8].

رَوَى عن عبد العزيز بن صُهيب، وشعيب بن الحبحاب، وأبي التياح، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وداود بن أبي هند، وخالد

(1) وقد صوب الدكتور بشار عواد، والشيخ علي حسن نسختهما.

ص: 237

الحذاء، وحسين المعلم، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.

ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعَفّان بن مسلم، ومُعَلَّى ابن منصور، ومسدد، وعارم، وأبو معمر المُقْعَد، وحَبّان بن هلال، وحميد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم.

قال معاذ بن معاذ: سألت أنا يحيى بن سعيد شعبة رَوَى عن شيء من حديث أبي التَّياح، فقال: ما يمنعكم من ذاك الشابّ؟ -يعني عبد الوارث- فما رأيت أحدًا أحفظ لحديث أبي التياح منه. وقال القواريري: كان يحيى بن سعيد يُثَبِّته، فإذا خالفه أحد من أصحابه، قال: ما قال عبد الوارث. وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثًا من حسين المعلم، وكان صالحًا في الحديث. وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: مَن أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث، مع جماعة سماهم وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: هو مثل حماد بن زيد في أيوب، قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابنُ علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث. وقال أبو عمر الجزميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح منه، إلا حماد بن سلمة. وقال أبو علي المُوْصِلي: قَلّمَا جلسنا إلى حماد بن زيد، إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان. وقال البخاري: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعتُ منه يقول قط في القدر، وكلام عمرو بن عبيد. وقال أبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، ممن يُعَدُّ مع ابن علية، ووهيب، وبشر بن المفضل، يُعَدّ من الثقات، هو أثبت من حماد بن سلمة. وقال النسائي: ثقةٌ ثَبْتٌ. وقال ابن سعد: كان ثقةً حجةً، تُوُفّي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة. وقال ابن حبّان في "الثقات": بلغ الثمانين وسبعين سنة وشهرًا، قال: وكان قَدَريّا متقنًا في الحديث.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (22) حديثًا.

4 -

(أيوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [5] 2/ 17.

ص: 238

5 -

(مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثَبْتٌ عابدٌ، كبير القدر [3] 3/ 24.

6 -

(أبو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير رضي الله عنه 1/ 1، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.

3 -

(ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين.

4 -

(ومنها): أَنَّ فيه رواية الابن عن أبيه، عن أبيه.

5 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب عن ابن سيرين.

6 -

(ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة صلى الله عليه وسلم إذا روى عن أيوب حمادُ ابن زيد، على ما نُقل عن عليّ بن المدينيّ، فإنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.

7 -

(ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي رجلٌ ذو فاقة، وفقر، وحاجة إلى التصدّق عليه، والظاهر أن هذه الواقعة غير الواقعة المذكورة في الحديث السابق؛ لأن سياق القصّتين مختلف (فحَثَّ عَلَيْهِ) أي حرّض على التصدّق على ذلك الرجل، يقال: حَثَثْتُ الإنسان على الشيء حَثًّا، من باب نمر: إذا حرّضته عليه (فَقَالَ رَجُلٌ) أي من الصحابة الحاضرين (عِنْدِي كَذَا وَكَذَا) أي من المال، وأنا أجعله صدقةً لله تعالى عليه، ثم جاء به قبل مجيىء الناس بمالهم، فتبعه الناس عليه، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من استنّ خيرًا

" (قَالَ) أبو هريرة رضي الله عنه (فَمَا بَقِيَ في المجْلِسِ رَجُلٌ إِلا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ) أي على الرجل المسكين (بِمَا قَلَّ أَوْ كثُرَ) أي بقليل من مال، أو كثير، فـ "ما" موصوفة،

ص: 239

وجعلها موصولةً لا يساعده المقام، قاله السنديّ (1)(فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) عند رؤيته ذلك، مستبشرًا بزوال حاجة الرجل، وبمبادرة أصحابه إلى تنفيذ أمره، وإيثارهم بمالهم على أنفسهم، كما قاله عز وجل:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9](مَنْ اسْتَنَّ خَيْرًا) ببناء الفعل للفاعل، أي فَعَل فعلًا جميلًا (فَاسْتُن بهِ) بالبناء للمفعول، أي اقتُدي به في ذلك (كَانَ لَهُ أَجْر) أي أجر عمله (كَامِلًا، وَ) له أَجرٌ أيضًا (مِنْ أُجُورِ مَنْ اسْتَنَّ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي اقتدى بفعله، والظاهر أن "من" ابتدائيّة، وليست تبعيضيّة، أو هي بيانيّة، والله تعالى أعلم (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أجُورِهِم شَيْئًا) تقدّم وجه نصبه في الحديث الماضي فلا تغفل (وَمَنْ اسْتَنَّ) بالبناء للفاعل (سُنَّة سَيِّئَةً) أي فَعَلَ فعلًا قبيحًا (فَاسْتُنَّ بِهِ) بالبناء للمفعول (فَعَلَيْهِ وِزْره) أي إثم عمله (كَامِلًا، وَمنْ أَوْزَارِ الَّذِي اسْتَنَّ بِهِ) بالبناء للفاعل (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِم شَيْئًا) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (36/ 204) بهذا السند فقط، وهو من أفراده، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده"(2/ 520)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1)"شرح السندي" 1/ 135.

ص: 240

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أوّل الكتاب قال:

205 -

(حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سعدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قَالَ: "أيما دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلَالة فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِن أَوْزَارِهِم شَيْئًا، وَأيما دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عِيسَى بْنُ حَمَّاد المصرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة -بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [10].

رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة.

ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم.

قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (9). وقال أبو عَمرو الْكِنْديّ في "الموالي": زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب الأول، ويؤيده أن الطبراني لمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة، وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث انتهى.

وله في هذا الكتاب (12) حديثًا.

2 -

(اللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ) أبو الحارث الفهميّ المصريّ الإمام الثبت الحجة [7] 2/ 15.

ص: 241

3 -

(يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل: غير ذلك في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [5]. رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي، وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.

قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، ومسائلَ. وقال الليث: يزيد ابن أبي حبيب سيدنا وعالمنا. وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهريّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الجهنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسل. وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر، وهما جَوْهرِيّا البلد. وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لَهيعة أنه وُلد سنة ثلاث وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد، وله أخ اسمه خَليفة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (43) حديثًا.

4 -

(سعدُ بْنُ سِنَانٍ) ويقال: سنان بن سعد الكنديّ، المصريّ، وصوّب الثاني البخاري، وابن يونس، صدوقٌ له أفراد [5].

رَوَى عن أنس، وعنه يزيد بن أبي حبيب وحده، فالليث بن سعد يقول: عن

ص: 242

يزيد، عن سعد بن سنان، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة يقولان: عن يزيد، عن سنان ابن سعد، ورَوَى ابن إسحاق عن يزيد عنه أحاديث، سَمّاه في بعضها سعد بن سنان، وفي بعضها سنان بن سعد، وفي بعضها سعيد بن سنان. وقال ابن حبان في "الثقات" حَدّث عنه المصريون، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما رُوي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما رُوي عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما، اثنان، وقال محمد بن علي الورّاق، عن أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد؛ لأنهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم سنان بن سعد. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركت حديثه، لأنه مضطربٌ غير محفوظ، قال: وسمعته مرة أخرى يقول: يُشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس.

وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي رَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سَمِع أنسًا؟ فغضب من إجلاله له. وقال الجُوزَجاني: سعد بن سنان أحاديثه واهية. وقال النسائي: منكر الحديث. وقال ابن سعد: سنان بن سعد، منكر الحديث. وقال البخاري: سنان بن سعد، وعنه أحمد ابن حنبل، وحكى البخاري الخلاف في اسمه، ثم قال: والصحيح عندي سنان بن سعد، وهو صالح، مقارب الحديث، وسعد بن سنان خطأ، إنما قاله الليث، ولذلك ذكره البخاريّ فيمن اسمه "سنان" من "تاريخه الكبير"، وكذا صوب ابن يونس كونه سنان بن سعد، وذكر أن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي رَوَى عنه أيضًا. وقال ابن معين: سمع عبدُ الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط. وقال أبو أحمد بن عديّ: وهذه الأحاديث يحمل بعضها بعضًا، وليست هذه الأحاديث مما يجب أن يُترك أصلًا.

وقال العجلي: مصريّ تابعيّ ثقة.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله في "التقريب": صدوق له أفراد،

ص: 243

مسلم، فما اعترض به الدكتور بشار فيما كتبه على هامش "تهذيب التهذيب" 10/ 268 وفي "كتابه الآخر" تحرير التقريب 2/ 16 من تضعيفه متعقّبًا على الحافظ ليس مقبولًا؛ لأنه وإن ضعفه بعضهم، كأحمد وغيره، فقد وثقه ابن معين، والعجليّ، وابن حبّان، وقواه البخاريّ، وقال: صالح، مقارب الحديث، وابن عديّ، فمثل هذا لا يُطلق عليه لفظ الضعيف، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم 205 و 273 و 1596 و 1808 و 3987 و4031 و 4056 و 4214.

5 -

(أنس بْنُ مَالك) الصحابي الشهير رضي الله عنه 3/ 24. والله تعالى أعلم.

وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، وكذا فوائده.

وقوله: "فاتّبع" بتشديد التاء المضمومة، مبنيّا للمفعول، افتعال، من تَبعَ، أي اقتُدي به في ذلك.

وقوله: "من اتّبعه" بتشديد التاء المفتوحة، مبنيّا للفاعل.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده سعد بن سنان، وقد اختُلف فيه؟

[قلت]: سعد بن سنان، سبق أن قلنا: إنه حسن الحديث، وحديثه هذا يشهد له حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعده، فتبصّر. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (36/ 205) فقط، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.

[تنبيه]: قال البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد ضعيف، لضعف سعد بن سنان،

ص: 244

وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيح. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت الكلام في سعد بن سنان فيما أسلفته آنفًا، فلا تغفل، وأشار بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد هذا، وقد أخرجه الترمذيّ من حديث أنس رضي الله عنه أيضًا من طريق ليث بن أبي سُليم، عن بشر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفًا يوم القيامة، لازمًا به لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلًا، ثم قرأ قول الله عز وجل:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 24 - 25]، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى.

وليث متروك الحديث، وبشر لا يُعرف، كما قال الذهبيّ.

وأخرجه أحمد في مسنده من طريق عبيد الله بن موهب، عن مالك بن محمد بن حارثة الأنصاري، أن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يُنعِش لسانه حقًّا يُعمَل به بعده، إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم وفاه الله عز وجل ثوابه يوم القيامة".

وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عبيد الله قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل: لا يُعرف، وقال ابن القطان: مجهول الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

206 -

(حَدَّثَنَا أبو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثماني، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهم شَيْئًا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أبو مَرْوَانَ مُحَمدُ بْنُ عُثمانَ الْعُثْماني) الأمويّ المدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ

ص: 245

يُخطىء [10] 2/ 14.

2 -

(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [8]، 35/ 197.

3 -

(الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرحمَنِ) بن يعقوب الحُرَقي -بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف- أبو شِبْل -بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة- المدنيّ، مولى الحُرَقة، من جهينة، صدوق ربما وَهِمَ [5].

رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأنس، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، ونعيم المجمر، وسعد بن كعب بن مالك، وعباس بن سهل لن سعد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم.

ورَوَى عنه ابنه شِبْل، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عجلان، ورَوْح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، والدّرَاوردي، وابن أبي حازم، وشعبة، والسفيانان، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، وآخرون.

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء، قال: وسألت أبي عن العلاء وسهيل؟ فقال: العلاء فوق سهيل، وكذا قال حرب عن أحمد، وزاد: وفوق محمد بن عمرو. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء. وقال اين أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: صالحٌ، رَوَى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء، وهو عندي أشبه من العلاء بن المسيب. وقال النسائي: ليس به بأس.

وقال ابن عدي: وللعلاء نُسَخٌ يرويها عنه الثقات، وما أَرى به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: صحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة، كثير الحديث، وتُوفي في أول خلافة أبي جعفر.

ص: 246

وقال أبو داود: سُهيل أعلى عندنا من العلاء، أَنكروا على العلاء صيام شعبان -يعني حديث "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا".

وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء وابنه، كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف -يعني بالنسبه إليه، يعني: كأنه لمّا قال: أوثق خَشِي أنه يَظُنّ أنه يشاركه في هذه الصفة، فقال: إنه ضعيف.

وقال البخاري: قال عليّ: مات سنة (32)، وقال ابن الأثير: مات سنة (39)، وقال الخليلي: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث، لا يُتابَع عليها، لحديثه:"إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا"، وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير دون الشواذّ، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث.

أخرج له البخاريّ، في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب (19) حديثًا.

4 -

(أبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ، مولى الحُرَقَة، ثقة [3].

رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وهانئ مولى علي، وغيرهم.

ورَوَى عنه ابنه العلاء، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعمر بن حفص بن ذكوان.

قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو أوثق، أو المسيب بن رافع؟ فقال: ما أقربهما. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن المديني مع الأعرج وغيره من أصحاب أبي هريرة. وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".

أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون"، وله في هذا الكتاب (18) حديثًا.

5 -

(أبو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه 1/ 1، وشرح الحديث وفوائده، تُعلم مما سبق، وفيه

ص: 247

مسألتان تتعلّقان به:

(المسألة الأولى) في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثاني): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (36/ 206) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده"(2/ 397) و (الدارميّ) في "سننه"(519) و (مسلم)(8/ 62) و (أبو داود)(4609) و (الترمذيّ)(2674) و (ابن حبان) في "صحيحه"(112) و (البغويّ) في "شرح السنّة"(109)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

207 -

(حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أبو إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِها بَعدَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ، وَمثْلُ أُجُورِهِم، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنّة سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِها بَعدَهُ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمثْلُ أَوْزَارِهم، مِنْ غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيْئا).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحمَّدُ بْنُ يَحيَى) الذهليّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.

2 -

(أبو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين، واسم أبيه عمرو بن حَمّاد بن زُهير بن درهم التيميّ مولى آل طلحة، الأحول الملائيّ -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقة ثبتٌ [9].

رَوَى عن الأعمش، وأيمن بن نابل، وسلمة بن وَردان وسلصة بن نُبيط، ويونس ابن أبي إسحاق، وفطر بن خليفة، ومصعب بن سليم، وخلق كثير.

ورَوَى عنه البخاري فأكثر، وروى هو والباقون له بواسطة يوسف بن موسى القطان، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي خيثية، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وهارون بن عبد الله الحمال، وأحمد بن منيع، وخلق كثير.

ص: 248

قال محمد بن سليمان الباغندي: سمعت أبا نعيم يقول: أنا الفضل بن عمرو بن حماد الطلحيّ، ودُكَين لَقَبٌ، وقيل: إن رجلا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دُكَينًا؟ قال: كان اسم أبي عَمرًا ولكنه لَقّبه فَرْوة الجعفي دُكينا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ، ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل بن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف البُزُوريّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيع وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال على النصف، إلا أنه كَيِّس يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأ، قلت: فأيما أحب إليك أبو نعيم أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثَبْتٌ، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم وبالرجال، ووكيع أفقه.

وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزاحَمُ به ابنُ عيينة، فقال له رجل: وأيُّ شيء عند أبي نعيم من الحديث؟ ووكيع أكثر رواية، فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضيل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يَجري مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يقظان في الحديث، وقام في الأمر -يعني في الامتحان-. وقال المروذي عن أحمد: يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثَبْتًا، وقال أيضًا عن أحمد: وإنما ورَفَعَ الله عفانَ وأبا نعيم بالصدق، حتى نُوِّه بذكرهما. وقال مُهنَّا: سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم؟ فقال: هما الْعَقْدة، وفي رواية ذهبا مَحمُودَين. وقال زياد بن أيوب عن أحمد: أبو نعيم أقل خطأ من وكيع.

وقال عبد الصمد بن سليمان البلخي: سمعت أحمد يقول: ما رأيت أحفظ من

ص: 249

وكيع، وكفاك بعبد الرحمن إتقانًا، وما رأيت أشد ثبتًا في الرجال من يحيى، وأبو نعيم أهل الأربعة خطأ، قلت: يا أبا عبد الله يُعطَى فيأخذ، فقال: أبو نعيم صدوق ثقة، موضعٌ للحجة في الحديث. وقال الميموني عن أحمد: ثقةٌ، كان يقظان في الحديث، عارفًا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله، وأثنى عليه. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أحمد يقول: إذا مات أبو نعيم صار كتابه إمامًا، إذا اختلف الناس في شيء فَزِعُوا إليه. وقال أبو داود عن أحمد: كان يُعرَف في حديثه الصدق.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عبدوس بن كامل قال: كنا عند أبي نعيم في ربيع الأول سنة سبع عشرة، فذكروا رؤيا رآها، فأوّلها أنه يعيش بعد ذلك يومين ونصفًا، أو شهرين ونصفًا، أو عامين ونصفًا، قال: فعاش بعد الرؤيا ثلاثين شهرًا، ومات لانسلاخ شعبان في سنة تسع عشرة، قال ابن سعد: وكان ثقةً مأمونًا، كثير الحديث حجةً.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (20) حديثًا.

3 -

(أبُو إِسرائيلَ) بن أبي إسحاق، هو إسماعيل بن خَلِيفة الْعَبسيّ -بالموحّدة- المُلائيّ الكوفيّ، معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوقٌ، سيّىء الحفظ، نُسِب إلى الْغُلُوّ في التشيّع [7].

وَوَى عن الحكم بن عتيبة، وفُضيل بن عمرو الْفُقَيميّ، وإسماعيل السُّدّي، وعطية الْعَوْفي، وأبي عمر الْبَهْراني، وغيرهم.

ورَوَى عنه الثوري، وهو من أقرانه، وأبو أحمد الزُّبيري، ووكيع، وأبو نعيم، وإسماعيل بن صَبِيح اليشكري، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم.

قال الأثرم عن أحمد: يكتب حديثه، وقد رَوَى حديثا منكرًا في القتل، وقال أحمد أيضًا، خالف الناس في أحاديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث، وقال في رواية معاوية بن صالح:، وقال في موضع آخر: أصحاب الحديث لا يكتبون حديثه. وقال ابن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن حَدّث عنه شيئًا قط.

ص: 250

وقال عمرو بن علي: ليس من أهل الكذب، قال: وسألت عبد الرحمن عن حديثه؟ فأبى أن يُحدّثني به، وقال: كان يشتم عثمان. وقال البخاري: تركه ابن مهدي، وقال أيضًا: يضعفه أبو الوليد.

وقال أبو زرعة: صدوق إلا أن في رأيه غُلُوا. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، جَيِّد اللقاء، وله أغاليط، لا يحتج بحديثه، ويكتب حديثه، وهو سيء الحفظ. وقال ابن المبارك: لقد مَنّ الله على المسلمين بسوء حفظ أبي إسرائيل. وقال الجوزجاني: مُفْتَرٍ زائغ. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرّةً: ضعيف، وقال الْعُقيليّ: في حديثه وهم، واضطراب، وله مع ذلك مذهب سوء.

وقال ابن عدي: عامة ما يرويه يخالف الثقات، وهو في جملة من يُكتَب حديثه. وقال الترمذي: ليس بالقوي عند أصحاب الحديث. وقال ابن سعد: يقولون: إنه صدوق. وقال حسين الجعفي: كان طويل اللحية أحمق.

وقال أبو داود: لم يكن يكذب، حديثه ليس من حديث الشيعة، وليس فيه نَكَارة.

وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث.

وقال ابن حبان: في "الضعفاء". وُلد بعد الجماجم بسنة، وكانت الجماجم سنة (83)، ومات وقد قارب الثمانين، رَوَى عنه أهل العراق، وكان رافضيًّا شتّامًا، وهو مع ذلك منكر الحديث، حَمَل عليه أبو الوليد الطيالسي حملًا شديدًا. وقال الْعُقيليّ: حديث: "وُجِد قتيل بين قريتين" ليس له أصل، وما جاء به غيره.

قال مطين: مات سنة (169).

تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذه (207) وحديث (715)"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوّب في "الفجر

"، وحديث (2883) "من أراد الحجّ، فليتعجّل

"، وحديث (3399) "ينبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم

".

[تنبيه]: وقع في النسخ الموجودة لديّ في هذا السند غلط، وهو قوله: "حدّثنا

ص: 251

إسرائيل"، والصواب "حدثنا أبو إسرائيل" (1)، والتصويب من "تحفة الأشراف" 9/ 97، وبسبب هذا الغلط ذكر أصحاب برنامج الحديث هذا الحديث في ترجمة "إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ"، وهو غلط فاحشٌ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

4 -

(الحكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه، ربما دلّس [5] 5/ 38.

5 -

(أبو جُحَيْفة) وهب بن عبد الله السُّؤائيّ، مشهور بكنيته الصحابيّ المعروف بوهب الخير رضي الله عنه 11/ 100.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي جُحيفة رضي الله عنه هذا، وإن كان في سنده أبو إسرائيل العبسيّ، وقد عرفت كلام الأئمة فيه، إلا أنه صحيح بشواهده، فقد تقدّم بمعناه حديث أنس، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله رضي الله عنه، وهو من أفراد المصنّف، وشرحه، وفوائده تقدّمت قريبًا، وقوله:"فعُمل بها" بالبناء للمفعول في الموضعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

208 -

(حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بَشيِر بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ دَاعٍ يَدعُو إِلَى شَيْءٍ، إِلَّا وُقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَازِمًا لِدَعوتهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ، وَإِنْ دَعَاَ رَجُلٌ رَجُلًا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أبو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبة) هو عبد الله بن محمد الكوفيّ، ثقة حافظ [10] 1/ 1.

2 -

(أبو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [9] 1/ 3.

3 -

(لَيْثٌ) بن أبي سُليم بن زُنيم -بالزاي والنون، مصغرًا- القرشيّ مولاهم،

(1) قد صوب الدكتور بشار، والشيخ علي حسن نسختهما.

ص: 252

أبو بكر، ويقال: أبو بُكير الكوفيّ، واسم أبيه أيمن، ويقال: أنس، ويقال: زياد، ويقال: عيسى، صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه، فتُرك [6].

رَوَى عن طاوس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، ونافع، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم.

ورَوَى عنه الثوري، والحسن بن صالح، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الواحد بن زياد، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم.

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وقال أيضًا: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في ليث بن أبي سليم، وابن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريرًا عن ليث، ويزيد بن أبي زياد، وعطاء بن السائب، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامةً، ثم عطاء، وكان ليث أكثر تخليطًا، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هذا، فقال: أقول كما قال. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: ليث أحسنهم حالًا عندي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ليث أحب إلي من يزيد، كان أبرأ ساحةً، يُكتب حديثه، وكان ضعيف الحديث، قال: فذكرت له قول جرير، فقال: أقول كما قال. قال: قلت ليحيى بن معين: ليث أضعف من يزيد وعطاء؟ قال: نعم. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، إلا أنه يُكتب حديثه.

وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكذا قال عمرو بن علي، وابن المثنى، وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى: مجالدٌ أحب إلي من ليث، وحجاج بن أرطاة. وقال أبو معمر الْقَطِيعي: كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم. وقال عبد الملك بن عبد الحميد الميموني عن ابن معين: كان ليث ضعيف الحديث عن طاوس، فإذا جمع إلى طاوس غيره، فالزيادة ضعيف. وقال علي بن محمد: سألت وكيعًا عن حديث من حديث ليث، فقال: ليث ليثٌ، كان سفيان لا يسمي ليثًا. وقال مؤمل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس: لم لم تسمع من ليث؟ قال:

ص: 253

قد رأيته، وكان قد اختلط، وكان يَصْعَدُ المنارة ارتفاع النهار فيؤذّن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يُشتَغل به، هو مضطرب الحديث. قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سليم بين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث، قال: وسمعت أبي يقول: ليث عن طاوس أحب إليّ من سَلَمة بن وَهْرَام عن طاوس، قلت: أليس تكلموا في ليث؟ قال: ليث أشهر من سلمة، ولا نَعلم رَوَى عن سلمة إلا ابن عيينة وزمعة. وقال الآجري عن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.

قال أبو داود: وسألت يحيى عن ليث، فقال: لا بأس به، قال: وعامة شيوخه لا يعرفون. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد رَوَى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يُكتَب حديثه. وقال الْبَرْقاني: سألت الدارقطني عنه، فقال: صاحب سنة يُخَرَّج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب.

وقال ابن سعد؛ كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يَسأل عطاءً وطاووسًا ومجاهدًا عن الشيء، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.

وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد، كذا قال. وقال الترمذي في "العلل الكبير": قال محمد: كان أحمد يقول: ليث لا يُفرَح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يَهِم.

وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه. وقال الجوزجاني: يُضَعَّف حديثه. وقال البزار: كان أحد العباد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوق، ضعيف الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ليث صدوق، ولكن ليس بحجة. وقال الساجي: صدوق، فيه ضعف، كان سيء الحفظ، كثير الغلط، كان يحيى القطان بآخره لا يحدث

ص: 254

عنه. وقال ابن معين: منكر الحديث، وكان صاحب سنة، روى عنه الناس

إلى أن قال الساجي: وكان أبو داود لا يُدخِل حديثه في كتاب "السنن" الذي صنّفه.

قال الحافظ: كذا قال، وحديثه ثابت في "السنن"، لكنه قليل، والله أعلم.

قال الحضرمي: مات سنة (148)، وقال ابن منجويه: مات سنة (143)، وقال البخاري: قال عبد الله بن أبي الأسود: مات ليث بعد الأربعين، سنة إحدى أو اثنتين.

استشهد به البخاريّ في "الصحيح"، وأخرج له في "جزء رفع اليدين"، وروى له مسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيبانيّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (25) حديثًا.

4 -

(بَشِير بْنُ نَهِيكٍ) -بفتح النون، وكسر الهاء، آخره كاف- السدوسيّ، ويقال: السَّلُوليّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [3].

رَوَى عن بَشِير بن الخصاصية، وأبي هريرة، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو مِجْلَز، وعبد الملك بن عبيد، وخالد بن سُمير، والنضر بن أنس بن مالك، وغيرهم.

قال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قراء البصرة. ونقل صاحب "الكمال" عن أبي حاتم قال: تركه يحيى القطان، وهذا وَهمٌ وتصحيف، وإنما قال أبو حاتم: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مِجْلَز وبركة، ويحيى بن سعيد، فقوله: وبَرَكَة -هو بالباء الموحدة- وهو أبو الوليد المجاشعي، وقال يحيى القطان عن عمران بن حُدير، عن أبي مِجْلز، عن بَشِير بن نَهِيك قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبت عنه، فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟، قال: نعم.

وقال ابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه قال: لم يذكر سماعًا من أبي هريرة، وهو مودود بما تقدم. وقال الأثرم عن أحمد: ثقة، قلت له: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مجلز، وبَرَكة؟ قال: نعم.

ص: 255

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (208) وحديث (1271) "استَسْقَى حتى رأيت

"، وحديث (1568) "فمر على مقابر المسلمين

"، وحديث (1969) "من كانت له امرأتان

"، وحديث (2527) "من أعتَقَ نصيبًا له في مملوك

".

5 -

(أبو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه 1/ 1، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا) نافية (مِنْ) زائدة (دَاعٍ) مبتدأ خبره قوله: "إلا وُقف إلخ"، وجملة (يَدعُو إِلَى شَيْءٍ) صفة لـ "داع"(إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، لأنه من وقَفَ المتعدي، ومنه قوله عز وجل:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24](يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَازِمًا لِدَعوتهِ) حال من ضمير الداعي، أي حال كونه لازمًا لدعوته التي كان يدعوا إليها، غير مفارق لها، أو هو صفة لمصدر مقدّر، أي وقفًا لازمًا لأجل دعوته (مَا دَعَا إِلَيْهِ)"ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدة دعوته، قلّت أو كثرت، كما يشير إليه قوله (وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا) أي واحدًا. والله تعالى أعلم.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة هذا من أفراد المصنّف رحمه الله، وهو ضعيف، لضعف ليث بن أبي سُليم، كما سبق في ترجمه، وقال البوصيريّ رحمه الله في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد ضعيف، ليث بن أبي سُليم ضعّفه الجمهور، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

ص: 256