الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
42 - (بَابُ ثوابِ مُعلِّمِ النَّاسِ الْخَيْر)
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
239 -
(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَفصُ بْنُ عُمَرَ، عَن عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّهُ لَيَسْتَغْفرُ لِلْعَالِمِ مَنْ في السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ في الْأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانِ في الْبَحْرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة.
1 -
(هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) المذكور قبل باب.
2 -
(حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) البزّاز الشاميّ، مجهول [8].
رَوَى عن عثمان بن عطاء الخراساني، وكثير بن شِنْظِير، وعنه هشام بن عمار، قال أبو حاتم: مجهول.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: يقال: إنه أدرك عبد الملك بن مروان.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
3 -
(عُثْمانُ بْنُ عَطَاءٍ) بن أبي مسلم الخراسانيّ، أبو مسعود المقدسيّ، أصله من بلخ، ضعيفٌ [7].
رَوَى عن أبيه، وأبي عمران، مولى أم الدرداء، وإسحاق بن قبيصة بن ذؤيب، وغيرهم.
ورَوى عنه ابنه محمد، وحجاج بن محمد، وحفص بن عمر البزاز، وغيرهم.
قال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: عثمان بن عطاء، وخَليل بن دعلج، وسعيد بن بشير يضعفون، وقال مرة. يعقوب بن عطاء بن أبي رباح أصلح حديثًا من عثمان بن عطاء الخراساني. وقال عمرو بن علي: منكر الحديث، وقال مرة: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: ليس بالقوي في الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن خزيمة: لا أحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: سألت دُحيمًا عنه، فقال: لا بأس به، فقلت: إن أصحابنا يضعفونه، قال وأيَّ شيء
حدث عثمان من الحديث؟ واستحسن حديثه. قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال علي بن الجنيد: متروك. وقال الحاكم، أبو عبد الله: يروي عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال الساجي: ضعيفٌ جدّا. وقال ابن الْبَرْقِيّ: ليس بثقة. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم.
وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بروايته. وقال أبو نعيم الأصبهاني: رَوَى عن أبيه أحاديث منكرة. وقال ابن عديّ: هو ممن يكتب حديثه.
قال ضمرة: مات سنة (155)، وسمعته يقول: مولدي سنة (88)، وفيها أَرَّخه غير واحد، وقال ابن يونس: مات سنة (51).
أخرج له أبو داود في "الناسخ"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (239) و (1428) و (2071) و (2905) و (3338).
4 -
(أَبُوهُ) عطاء بن أبي مسلم، أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح البلخيّ: نزيل الشام، مولى المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأزديّ، اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميسرة، صدوقٌ يَهِم كثيرًا، ويُرسل، ويدلّس [5].
رَوَى عن الصحابة مرسلًا، كابن عباس، وعدي بن عدي الكنديّ، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأنس، وكعب بن عجرة، ومعاذ بن جبل، وغيرهم.
ورَوَى عنه عثمان ابنه، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، وأبو عبد الرحمن إسحاق بن أسيد الخراساني، وداود بن أبي هند، ومعمر، وابن جريج، والأوزاعي، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة صدوق، قلت: يحتج به؟ قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه، إلا أنه لم يَلْقَ ابن عباس. وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس، ولم يره. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: ثنا عطاء الخراسانيّ، وكان نسيّا.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، يخطىء، ولا يَعْلَم، فبطل الاحتجاج به. قال ابن القطان: اسم أبيه عبد الله، كذا جزم به، وهذا قول مالك، وكان إبراهيم الصائغ
يكنيه، وأما الأكثر فقالوا: ابن ميسرة، منهم أحمد، ويحيى بن معين، وقد ترجم البخاري لعطاء الخراساني ترجمتين: أحدهما عطاء بن عبد الله، قال: وهو ابن أبي مسلم، والثاني عطاء بن ميسرة، وقال الخطيب في: الموضح: هما واحد. وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك.
وقال الطبراني: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يُحيي الليل. وعن عطاء: قال: أوثق أعمالي في نفسي نشر العلم.
قال ابنه عثمان بن عطاء: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال أبو نعيم الحافظ: كان مولده سنة (50).
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، برقم (239) و (332) و (548) و (1428) و (2071) و (2905) و (3136) و (3338).
5 -
(أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره الصحابيّ الشهير رضي الله عنه 1/ 5.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق شرح هذا الحديث في شرح حديث أبي الدرداء رضي الله عنه برقم (223)، فإنه جزء منه، وقد سبق هناك بلفظ "وإن طالب العلم يستغفر له"، ولا تخالف بينهما، فقد وقع عند أبي داود والترمذيّ بلفظ "وإن العالم ليستغفر له"، كما وقع هنا، فتنبّه.
وهو من أفراد المصنّف، وهو بهذا السند ضعيف، لجهالة حفص بن عمر، وضعف عثمان بن عطاء، كما سبق في ترجمتهما، وأما المتن فصحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث المذكور، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
240 -
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى المصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لَا ينقص مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى المصْرِيُّ) هو: أحمد بن عيسى بن حسان المصري، أبو عبد الله العسكري، المعروف بالتَّسْتُري، صدوقٌ [10].
رَوَى عن ابن وهب، والمفضل بن فَضَالة، وضِمام بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي، وغيرهم.
قال أبو داود: كان ابن معين: يحلف أنه كذاب. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه، قيل لي بمصر: إنه قَدِمها، واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المُفَضَّل بن فَضالة، ثم قَدِمت بغداد، فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب، والرواية عن المفضل لا يستويان. وقال سعيد بن عمرو البردعي: أنكر أبو زرعة على مسلم روايته عن أحمد بن عيسى في "الصحيح"، قال سعيد: قال لي: ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه، وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب. وقال النسائي: أحمد بن عيسى كان بالعسكر، ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البغوي، وابن قانع، وابن يونس: مات سنة (243). وقال الخطيب: ما رأيت لمن تكلم فيه حجة، توجب ترك الاحتجاج بحديثه، قال الحافظ: إنما أنكروا عليه ادّعاء السماع، ولم يُتَّهَم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير، والله أعلم.
وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (240) و (605) و (1126) و (2184) و (2215) و (2797) و (3225).
2 -
(عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ) المذكور في الباب الماضي.
3 -
(يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ -بمعجمة، وفاء، وقاف- أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [7].
رَوَى عن حميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبد الله بن دينار، وربيعة بن جعفر بن ربيعة، وسهل بن معاذ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شيخه ابن جريج، والليث، وهو من أقرانه، وجرير بن حازم، وابن وهب، وابن المبارك، وأشهب، وزيد بن الحباب، والمقبري، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سيء الحفظ، وهو دون حَيْوَة، وسعيد بن أيوب، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي يحيى بن أيوب أحب إليك، أو ابن أبي الموال؟ فقال: يحيى بن أيوب أحب إليّ، ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الآجري: قلت لأبي داود: ابن أيوب ثقة؟ فقال: هو صالح.
وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: كان أحد طلاب العلم بالآفاق، وحَدّث عنه الغرباء أحاديث ليست عند أهل مصر، قال: أحاديثُ جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب ليس عند المصريين منها حديث، وهي تشبه عندي أن تكون من حديث ابن لهيعة، تُوُفّي سنة ثمان وستين ومائة. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب، ومن مناكيره عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا:"وإن كان مائعًا فانتفعوا به".
وقال الترمذي عن البخاري: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقةً حافظًا.
وقال الإسماعيلي: لا يحتج به. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له أشياء يخالف فيها. وقال إبراهيم الحربي: ثقة. وقال الساجيّ: صدوق يَهِم، كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطىء خطأً كثيرًا. وقال الحاكم أبو أحمد: إذا حدّث من حفظه بخطىء، وما حدث من كتاب فليس به بأس وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، وحَكَى عن
أحمد أنه أنكر حديثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة في القراءة في الوتر.
وكذا نقل ابن عدي، ثم قال: ولا أرى في حديثه إذا رَوَى عن ثقة حديثًا منكرًا، وهو عندي صدوق، لا بأس به.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (12) حديثًا.
4 -
(سَهْلِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ) الجُهنيّ الشاميّ، نزيل مصر، لا بأس به إلا في روايات زَبّان عنه [4].
رَوَى عن أبيه، وعنه يزيد بن أبي حبيب، وأبو مرحوم، عبد الرحيم بن ميمون، وفَرْوة بن مجاهد، وإسماعيل بن يحيى المعافري، وزَبّان بن فائد، والليث بن سعد، ويحيى ابن أيوب، وغيرهم.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، لكن قال: لا يُعتبر حديثه، ما كان من رواية زَبّان بن فائد عنه. وذكره في "الضعفاء"، وقال منكر الحديث جدّا، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه، أو من زَبّان، فإن كان من أحدهما، فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا؛ لأن راويها عن سهلٍ زَبّانُ إلا الشيء بعد الشيء، وزَبّان ليس بشيء. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائي، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (240) و (1116) و (2824) و (3285) و (4186).
5 -
(أَبُوهُ) معاذ بن أنس الْجُهَنيّ الأنصاري، صحابيّ نَزَلَ مصر، رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي الدرداء، وكعب الأحبار، وعنه ابنه سهل بن معاذ، ولم يرو عنه غيره، وهو لَيِّنُ الحديث (1)، إلا أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، وقال ابن يونس: صحابي كان بمصر والشام، وذكر العسكري: ما يدل على أنه بقي إلى خلافة عبد الملك
(1) الظاهر أن هذا الوصف لسهل، لا لمعاذ، فإنه صحابيّ، فتأمل.
ابن مروان، وفي "معجم البغوي" من طريق فَرْوَة بن مجاهد، عن سهل بن معاذ: غزوت مع أبي الصائفة في زمان عبد الملك، وعلينا عبد الله بن عبد الملك، فقام أبي في الناس، فذكر حديثًا: فيه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، وهي المذكورة في الترجمة السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَن أَبِيهِ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ) شرطيّة، ويحتمل أن تكون موصولة (عَلَّمَ) بتشديد اللام، من التعليم، وقال السنديّ، ويحتمل أنه من العلم انتهى، لكن الظاهر الأول (عِلْمًا) نكّره؛ ليعم قليله وكثيره، أي سواء علم كثيرًا أو قليلًا، وقد سبق أن المراد بالعلم هو العلم الشرعيّ، علم الكتاب والسنة، فلا يتناول العلم الدنيويّ، فتنبّه لذلك (فَلَهُ أَجْرُ) أي مثلُ أجر (مَن عَمِلَ بِهِ) أي بذلك العلم؛ لأن مَنْ سنّ سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها، كما سبق (لَا ينقص) علي بناء الفاعل، وضيمره للأجر، أي لا ينقُصُ ذلك الأجرُ (مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ)"من" زائدة، أي أجرَهَ، ويحتمل أن يكون مفعول "ينقص" محذوفًا، أي لا ينقص شيئًا من أجر العامل، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"من" زائدة، و"أجر" نائب الفعل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف، وإسناده ضعيف؛ للانقطاع بين يحيى ابن أيوب، وبين سهل بن معاذ، قال في "تحفة الأشراف": يحيى بن أيوب لم يُدرك سهل بن معاذ بن أنس، قال: وقد رواه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن زبّان بن فائد، عن
سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه به. انتهى (1).
فتبيّن بهذا أنه من رواية زبّان، عن سهل، وقد تقدّم أَن رواية سهل إذا كانت عن طريق زبّان عنه، فإنها ضعيفة ساقطة، كما بينه ابن حبان في كلامه السابق.
وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وقال فيما كتبه على "صحيح الترغيب والترهيب" 1/ 143: وسنده محتملٌ للتحسين، ويشهد له حديث:"من سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً. . . ." الحديث، وما في معناه.
قال الجامع: أما ظاهر إسناد المصنّف، فنعم، ولكنه العلّة المذكورة، وهي الانقطاع، تمنع من التحسين، ولا سيما وقد عُرِف الواسطة، وهو زبان بن فائد، وقد عرفت أن روايته عن سهل واهية، وأما أن يشهد له الحديث المذكور، فنعم.
والحاصل أن تحسينه لشواهده ليس ببعيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
241 -
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ الحرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَني زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ، عَنْ زيْدِ بْنِ أَسلَمَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ مَا يُخْلِّفُ الرَّجُلُ مِنْ بَعْدِهِ ثَلَاثٌ: وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٌ تَجرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا، وَعِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إِسَماعِيلُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ الحرَّانِيُّ) هو: إسماعيل بن عُبيد بن عُمر بن أبي كريمة، الأمويّ مولاهم، أبو أحمد الحرّانيّ، نُسب في رواية المصنّف لجدّه، ثقةٌ، يُغرب [11].
رَوى عن محمد بن سلمة الحراني، ويزيد بن هارون، وشبابة بن سَوّار، وغيرهم.
ورَوى عنه النسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، وروى النسائي في "السنن"
(1)"تحفة الأشراف" 8/ 395 - 396.
عن زكريا السَّجْزي، وابن وَارَة عنه، ورَوَى عنه عبد الله بن أحمد، وبَقِيّ بن مَخْلد، وغيرهم.
قال الدارقطني: ثقة. وقال أبو بكر الجِعَابي: يُحَدِّث عن محمد بن سلمة بعجائب.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مات سنة (240).
وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (241) و (990)"إني لأسمع بكاء الصبيّ. . .".
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عبد الله الباهليّ مولاهم، أبو عبد الله الحرّانيّ، ثقة [9].
رَوى عن خاله أبي عبد الرحيم خالد، ومحمد بن إسحاق، وخُصيف، وابن عجلان، وهشام بن حسان، والزبير بن خِرِّيت، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد، أبو جعفر النُّفَيلي، وأحمد بن أبي شعيب الحَرّانيّ، وعمرو بن خالد، والعلاء بن هلال، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو عروبة: أدركنا الناسَ لا يَختلفون في فضله وحفظه.
وقال العجليّ: ثقةٌ أرفع من عَتَّاب بن بشير. وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا عالِمًا له فضلٌ، وروايةٌ وفتوى، مات في آخر سنة (191)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة، وقال العقيليّ: مات سنة اثنتين، وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث وتسعين.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم (1)، والأربعة، وله في هذا الكتاب (14) حديثًا.
3 -
(أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ) هو: خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد -وهو المشهور- ابن سِمَاك بن رُسْتُم، قاله أبو عَرُوبة، وقال الدارقطنيّ: ابن سَمّاك -بفتح السين،
(1) ونقل في "تهذيب التهذيب" 3/ 576: ما نصّه: وفي "الزهرة" روى عن مسلم اثني عشر حديثًا.
وتشديد الميم، وباللام- الأمويّ مولاهم الْحَرَّانيّ، ثقة [6].
روى عن زيد بن أبي أنيسة، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومكحول الشامي، وعِدّة.
وروى عنه ابن أخته محمد بن سلمة الحراني، وموسى بن أعين، ووكيع، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حَسَنُ الحديث، متقن فيه. وقال أبو القاسم البغوي: كان ثقةً.
قال محمد بن سلمة: مات سنة (144).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: لم يرمز لابن ماجه في ترجمة أبي عبد الرحيم هذا في "تهذيب الكمال"، وفي "تهذيب التهذيب"، ولا في "التقريب"، ولا في "الخلاصة"، وهذا من غريب ما اتفقوا عليه، مع أن الحافظ المزيّ ذكره في "تحفة الأشراف" 9/ 248 فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
4 -
(زيدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ) واسمه زيد الْغَنَويّ مولاهم الْجَزريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سَكَنَ الرُّهَا، ثقة له أفراد [6].
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وأبي الزبير، وأبي الزناد، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن أبي بردة، وزيد بن أسلم، وغيرهم.
وروى عنه مالك، ومِسْعَر، ومعقل بن عبيد الله، وأبو عبد الرحيم الحراني، وعبيد الله بن عَمْرو الرَّقِيّ، وهو راويته، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عَمْرو بن عبد الله الأودي: ثنا وكيع، وجعفر بن بُرْقان، عن زيد بن أبي أنيسة، وكان ثقة. وقال ابن سعد: كان يسكن الرُّهَا، ومات بها، وكان ثقةً كثير الحديث، فقيهًا، راويةً للعلم. وقال عُبيد الله بن عمرو: أتيت الأعمش، فحدثني عشرة أحاديث فاستزدته فأبى، فقيل له: إنه
صاحب زيد بن أبي أنيسة، قال: فحدثني بنحو خمسين حديثًا. وقال العجلي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وحكى العقيليّ عن أحمد أنه قال: حديثه حسن مقارب، وإن فيها لبعضَ النُّكْرة، وهو على ذلك حسن الحديث.
وقال المرُّوذيّ: سألته عنه، فحَرَّك يده، وقال: صالحٌ، وليس هو بذاك. وذكر ابن خلفون أنّ الذُّهْليّ، وابن نمير، والْبَرْقيّ وَثَّقُوه.
قال ابن سعد: سمعت رجلًا من أهل حَرّان يقول: مات سنة تسع عشرة ومائة، وقال محمد بن عمر: مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقال غيره: سنة أربع وعشرين ومائة، وذكر ابن زَبْر أنه وُلد سنة إحدى وتسعين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (125)، وهو ابن (36) سنة، وكان فقيهًا وَرِعًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (241) وحديث (1375)"أما صلاة الرجل في بيته. . .".
5 -
(زيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) / 13.
6 -
(عَبْدُ الله بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدنيّ، ثقة [3].
روى عن أبيه، وجابر، وعنه ابنه ثابت، ويحيى بن أبي كثير، وزيد بن أسلم،
وحصين بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعبد العزيز بن رفيع، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عديّ: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين، وقال غيره: وسبعين بتقديم السين، وهو وَهَمٌ ظاهر. وفي كتاب ابن سعد: تُوُفّي في خلافة الوليد، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال البخاري: روى عنه ابنه قتادة بن عبد الله وكذا ذكر البخاري في "التاريخ".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم (241) و (310) و (819) و (829) و (991) و (1126) و (2407) و (3093) و (3397).
7 -
(أَبُوهُ) أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، وقيل في اسمه غير ذلك الصحابي المشهور، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم 4/ 35، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وأخرج له النسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وهو ثقة.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن صحابيَّه رضي الله عنه يُلقّب بأنه فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "خير فرساننا أبو قتادة"، وذلك في قصّة طويلة ساقها الشيخان، وغيرهما من حديث سلمة ابن الأكوع حينما أغير على لقاح النبيّ صلى الله عليه وسلم وهي قصّة مشهور، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ مَا) موصولة، أي الذي (يُخَلِّفُ) بتشديد اللام، من التخليف، أي أخّره، وتركه (الرَّجُلُ مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد موته (ثَلَاثٌ) ذكره باعتبار خصال، أي ثلاث خصال (وَلَدٌ) بدل تفصيل من "ثلاث"، أو خبر لمحذوف، أي أحدها، ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مقدّر، أي أعني، على لغة ربيعة (صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) أي فيصل إليه آثار دعائه، كما يصل إليه صلاحه (وَصَدَقَةٌ) بإعراب ما قبله (تَجْرِي) أي يستمرّ نفعلها، ولا تنقطع، كالوقف في وجوه الخير، وما أوصى به من الصدقة المستمرّ نفعها (يَبْلُغُهُ) بفتح أوله، وضم ثالثه، من باب قعد، أي يصل إليه (أَجْرُهَا) أي أجر انتفاع الفقراء بها (وَعِلْمٌ) تقدّم أن المراد بالعلم في مثل هذا المقام هو علم الشريعة، علم الكتاب والسنة، وما يوصل إليهما، فلا تدخل فيه علوم الدنيا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يُبعث بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن تأبير النخل:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، كما في "صحيح مسلم".
وفي رواية المصنّف (2471) أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا، فقال:"ما هذا الصوت؟ "
قالوا: النخل يؤبرونها، فقال:"لو لم يفعلوا لصلح"، فلم يؤبروا عامئذ، فصار شِيصًا، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"إن كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ"، فدلّ على أن مهمة رسالته صلى الله عليه وسلم هي بيان علم الشريعة (يُعْمَلُ بِهِ) بالبناء للمفعول، أي يعمل به الناس (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد موته، كأن يترك مصنفًا أو يُعلّم الناس، ثم يقوم هؤلاء بنشر علمه، وقال التاج السبكي رحمه الله: حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّةً، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كُرّاسة، قال الأخنائيّ في "كتاب البُشرى بما يَلحَق الميت من الثواب في الأخرى": قوله: "وعلم يُنتفَع بّه"، هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، ورواية، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ الكتب، وتسطيرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات، وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون يكون منتفعًا به، انتهى (1)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (42/ 241) بهذا الإسناد فقط، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2495) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(93)، وذكر في "تحفة الأشراف"(9/ 248) أن النسائيّ أخرجه في "عمل اليوم والليلة"، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(1) راجع "زهر الربى في شرح المجتبي" للسيوطيّ 6/ 251 - 252.
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان فضل معلّم الناس الخير، وهو واضح.
2 -
(ومنها): أن أعمال العبد تنقطع بعد موته، كما ثبت في الحديث الآخر:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة. . ." الحديث، أخرجه مسلم.
3 -
(ومنها): أن هذه الخصال الثلاث إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسِبت إليه؛ لأنه تسبّب فيها، وحَرَصَ عليها، ونواها، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده، دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"، رواه مسلم.
4 -
(ومنها): أنه إنما خصّ هذه الثلاث بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصِدُ أهلُ الفضل بقاءها.
5 -
(ومنها): أن الصدقة الجارية هي الْحُبُس، أي الوقف، وفيه حجة على من يُنكر الْحُبُس.
6 -
(ومنها): أن فيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف.
7 -
(ومنها): أن فيه الترغيب في الزواج؛ لرجاء الولد الصالح الذي يقوم بالدعاء لوالديه بعد موتهما.
8 -
(ومنها): الحضّ على الاجتهاد في تربية الأولاد تربية حسنة، والاجتهاد في حملهم على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء له عند موته.
9 -
(ومنها): أن الدعاء يصل إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مما أجمعوا عليه، وكذلك قضاء ديونه، واختُلف في الحجّ، والصواب أنه يصل إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[تنبيه]: لمّا وجد أبو الحسن القطّان سندًا أعلى من سند المصنّف، وذلك أنه كان
يصل إلى زيد بن أبي أُنيسة من طريق المصنّف بأربع وسائط: المصنّف، وإسماعيل، ومحمد بن سلمة، وأبو عبد الرحيم، فوصل إليه من طريق أبي حاتم بثلاث وسائط: أبو حاتم، ومحمد بن يزيد، وأبوه، ذكر ذلك بقوله:
(قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرَّهَاوِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ سِنَانٍ -يَعْنِي أَبَاهُ- حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد تقدّموا في السند الماضي، غير خمسة:
1 -
(أَبُو الْحسَنِ) هو علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر الحافظ الْقَزوينيّ، تلميذ المصنّف، تقدّمت ترجمته في مقدّمة هذا الشرح.
2 -
(أَبُو حَاتِمٍ) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الإمام الحافظ الحجة النيسابوريّ، إمام الجرح والتعديل [11] 9/ 70.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ) أبو عبد الله ابن أبي فَرْوة الجْزَريّ، مولى بني طُهَيَّة، من بني تميم، ليس بالقويّ [9].
روى عن أبيه، وجده، ومعقل بن عبيد الله، وابن أبي ذئب، وغيرهم.
وروى عنه أبو فروة يزيد، وأبو حاتم، وابن وارة، والمغيرة بن عبد الرحمن الحراني، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ليس بشيء، هو أشد غفلةً من أبيه، مع أنه كان رجلًا صالحًا، لم يكن من أحلاس الحديث، صدوق، وكان يرجع إلى سِترٍ وصلاح، وكان النُّفَيليُّ يرضاه. وقال البخاري: أبو فروة مقارب الحديث، إلا أن ابنه محمدًا يروي عنه مناكير.
وقال الآجري عن أبي داود: أبو فروة الجزري ليس بشيء، وابنه ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الترمذي: لا يتابع على روايته، وهو ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال مسلمة: ثقة، وكذا الحاكم وَثَّقه، فيما رواه عنه مسعود.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين.
أخرج له النسائيّ في "مسند عليّ"، والمصنّف في "التفسير"، وليس له في هذا الكتاب إلا في رواية أبي الحسن تلميذ المصنّف.
[تنبيه]: وقع في النسخ الهنديّة، والمصريّة هنا غلط، حيث كُتب فيها:"وحدثنا أبو حاتم محمد بن يزيد إلخ"، والصواب ما هنا "وحدثنا أبو حاتم، قال: حدّثنا محمد بن يزيد"، كما في "مصباح الزجاجة" 1/ 104 و"تحفة الأشراف" 9/ 248، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
4 -
(يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ) بن يزيد التميميّ الْجَزَريّ، أبو فَرْوة الرُّهاويّ، ضعيفٌ، من كبار [7].
روى عن الأعمش وسليم بن عامر، والزهري، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، وشعبة، ومروان بن معاوية، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم.
قال أحمد بن أبي يحيى عن أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: ضعيف الحديث. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن أيوب المقابري: كان مروان بن معاوية يُثَبِّته. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان الغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال البخاري: مقارب الحديث، إلا أن ابنه محمدًا يَروي عنه مناكير. وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس بشيء، وابنه ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف، متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن أبي داود: لم يرو شعبة عنه غير حديث واحد، وفي حديثه لين.
وقال ابن عديّ: ولأبي فروة هذ حديث صالح، ورَوَى عن زيد بن أبي أنيسة نسخة تفرد بها عنه بأحاديث، وله عن غير زيد أحاديث مسروقة عن الشيوخ، وعامة حديثه غير محفوظ. وقال الدارقطني: ضعيف. وذكره يعقوب بن سفيان في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم". وقال الجوزجاني: فيه لين وضعف.
وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال محمد بن عبد الله بن عَمّار الأزدي: منكر الحديث. وقال الحاكم: روى عن الزهري، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة المناكير الكثيرة. وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه.
وقال أبو عروبة: حدثني أبو فروة -يعني يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، سمعت أبي يقول: مات يزيد بن سنان سنة خمس وخمسين ومائة، وكان مولده سنة تسع وستين.
5 -
(فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بن أبي المغيرة، واسمه رافع، ويقال: نافع بن حُنَين الْخُزاعيّ، أو الأسلمي، أبو يحيى المدنيّ، مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: فُلَيح لقبٌ غَلَب عليه، واسمه عبد الملك، صدوق، كثير الخطأ [7].
رَوَى عن أبي طُوالة والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونُعيم بن عبد الله المُجمر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه زياد بن سعد، وهو أكبر منه، وزيد بن أبي أنيسة، ومات قبله، وابنه محمد بن فُليح، وابن المبارك، وابن وهب، وأبو عامر العقدي، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيفٌ، ما أقربه من أبي أويس. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي، ولا يُحتجّ بحديثه، وهو دون الدراوردي. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أبلغك أن يحيى بن سعيد كان يَقْشَعِرُّ من أحاديث فليح؟ قال: بلغني عن يحيى بن معين قال: كان أبو كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك يتكلم في فليح، قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول رجال الزهري، قال أبو داود: وهذا خطأ عسى يتناول رجال مالك. وقال الآجري: قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم بن عبيد الله، وابن عَقِيل، وفُلَيح لا يُحتَجُّ بحديثهم، قال: صدق. وقال النسائي: ضعيف، وقال مرّةً: ليس بالقوي.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: يختلفون فيه، وليس به بأس. وقال ابن أبي شيبة: قال علي بن المديني: كان فُليح وأخوه عبد الحميد
ضعيفين. وقال الْبَرْقيّ عن ابن معين: ضعيفٌ، وهم يَكتبون حديثه، ويشتهونه. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، ويَهِمُ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحاكم أبو عبد الله: اتفاق الشيخين عليه يُقَوِّي أمره. وقال الرَّمْلِيّ عن أبي داود: ليس بشيء. وقال الطبري: ولاه المنصور على الصدقات؛ لأنه كان أشار عليهم بحبس بني حسن لمّا طلب محمد بن عبد الله بن الحسن. وقال ابن عديّ: لفليح أحاديث صالحة، يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب، وقد اعتمده البخاري في "صحيحه"، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به.
قال البخاري: قال سعيد بن منصور: مات سنة ثمان وستين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (2241) و (252) و (863) و (1130) و (1518) و (3432) و (3442).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الظاهر أن الضمير ليزيد بن سنان، أي ذكر يزيد نحو رواية أبي عبد الرحيم السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه وحمه الله في أول الكتاب قال:
242 -
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْب بْنِ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مَرْزُوقُ بْنُ أَبِي الهُذَيْلِ، حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَني أَبُو عَبْدِ الله الْأَغَرُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ، في صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذهليّ الإمام المشهور المذكور قبل بابين.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ) ويقال: محمد بن وهب بن سعيد بن عطيّة بن معبد
السُّلَميّ، أبو عبد الله الدمشقيّ، صدوق [10].
روى عن الوليد بن مسلم، وبقيّة، وضَمْرة بن ربيعة، ومحمد بن حرب، وغيرهم.
وروى عنه الجوزجانيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأبو حاتم الرازيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن عديّ: له غير حديث منكر، ولم أر للمتقدّمين فيه كلامًا، وقد تكلّموا فيمن هو خير منه. وأورد الدارقطنيّ الحديث الذي أنكره ابن عدي في "غرائب مالك"، ثم قال: ومحمد بن وهب، ومن دونه ليس بهم بأس، وأخاف أن يكون دخل لبعضهم حديث في حديث. وقال في "الزهرة": روى عنه البخاريّ حديثين.
تفرد به البخاريّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
3 -
(الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [8] 6/ 42.
4 -
(مَرْزُوقُ بْنُ أَبِي الهُذَيْلِ) الثقفيّ، أبو بكر الدمشقيّ، صدوقٌ في حديثه لين (1)[7].
رَوَى عن الزهري، وعنه الوليد بن مسلم، قال أبو حاتم: سمعت دُحيمًا يقول: هو صحيح الحديث عن الزهري. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديثه صالح. وقال أبو بكر بن خزيمة: ثقة.
وقال البخاري: تَعْرِف وتُنْكِر. وقال ابن عديّ: ما أعلم رَوَى عنه غير الوليد بن مسلم، وأحاديثه يَحمِل بعضُها بعضًا، ويُكتَب حديثه. وقال ابن حبان: يتفرد عن الزهري بالمناكير التي لا أصول لها، فكَثُر وَهْمُهُ، فسَقَط الاحتجاج بما انفرد به. وذكره
(1) هكذا قلت، وهذا هو الأولى من قوله في "التقريب":"ليّن الحديث"؛ لأن الأكثرين على توثيقه، فتأمل ترجمته.
الْعُقَيلي في "الضعفاء"، وذَكَر حديثًا خولف في سنده. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فكره الجواب فيه.
أخرج له أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
5 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المجتهد المشهور [4] 2/ 15.
6 -
(أَبُو عَبْدِ الله الْأَغَرُّ) هو: سلمان مولى جهينة، أصله من أصبهان، ثقة، من كبار [3].
روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وعمار، وأبي أيوب، وأبي سعيد الخدري، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ.
وروى عنه بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبيد، وزيد بن رَبَاح، والزهري، وبكير ابن الأشجّ، وعمران بن أبي أنس، وأبو بكر بن حزم، وغيرهم.
قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصّا من أهل المدينة، وكان رضًا. وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لَقِي عمر بن الخطاب، ولا أُثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقةً، قليل الحديث.
وقال عبد الغني بن سعيد في "الإيضاح": سلمان الأغر مولى جهينة هو أبو عبد الله الأغر الذي رَوَى عنه الزهريّ، وهو أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهو مسلم المديني الذي يُحدّث عنه الشعبي، وقال قوم: هو الأغر، أبو مسلم الذي يَروِي عنه أهل الكوفة.
وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سُليك، ولا يصح ذلك، الأغر بن سُليك آخر.
انتهى. ومسلم المديني الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها، دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة، والله أعلم.
وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم،
وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، قال ابن خلفون: وثقه الذُّهْلِيّ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (242) و (1335) و (1366) و (1404).
7 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه 1/ 1.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِمَّا) الجارّ والمجرور خبر مقدّم لـ"إنّ"، و"ما" موصولة، أي من الذي (يَلْحَقُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب عَلِمَ (المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ، وَحَسَنَاتِهِ) من عطف الخاصّ على العامّ، عطفه عليه؛ ليبيّن أن المراد أعماله الحسنة؛ إذ المراد بلحوقها إياه انتفاعه بثوابها، وأما الأعمال السيّئة، وإن لحقته، لكنه لا ينتفع بها (بَعْدَ مَوْتِهِ، عِلْمًا) بالنصب على أنه اسم "إنّ " مؤخّرًا (عَلَّمَهُ) بتدريسه للناس (وَنَشَرَهُ) بالتصنيف، والكتابة، ونحو ذلك (وَوَلَدًا) عَدُّ الولد من العمل صحيح؛ لأن الوالد سبب في وجوده، وسبب في صلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جُعل نفس العمل في قوله تعالى:{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]، ولأنه صلى الله عليه وسلم جعله من كسب الرجل، كما سيأتي للمصنّف بسند صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أطيب ما أكلَ الرجلُ من كسبه، وإن ولده من كسبه"، فسماه كسبًا (صَالِحًا) قيّده به؛ لأن الصالح هو الذي تستجاب دعوته، وتقبل أعماله، كما قال تعالى:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. وقَال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186](تَرَكَهُ) أي بقي حيّا بعد موته (وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ) من التوريث، أي تركه إرثًا لمن بعده، وهذا مع ما بعده من قبيل الصدقة الجارية حقيقةً، أو حكمًا، فهذا الحديث كالتفصيل لحديث:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث. . ."(أَوْ) للتنويع والتفصيل، وليست للشك من
الراوي (مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ) أي للمسافر، سمّي به؛ لملازمته للسبيل (بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا) بفتح الهاء، وسكونها لغتان (أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ، في صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ) أي أخرجها في زمان كمال حاله، ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكّنه من الانتفاع به، وهذا على سبيل الأفضليّة، وإلا فكون الصدقة جارية لا يتوقّف على ذلك.
وقوله: (يَلْحَقُهُ) الضمير للأشياء السابقة، باعتبار المذكور (مِنْ بَعْدِ مَوْتهِ) أي يلحقه ثواب هذه الأشياء بعد موته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
قال البوصيريّ: هذا إسناد مختلف فيه (1)، وقد رواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن يحيى الذهليّ به.
ورواه مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، في "سننه"، والترمذيّ في "جامعه"، والنسائيّ في "الصغرى" من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه به مرفوعًا بلفظ:"إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح.
وله شاهد من حديث أنس بن مالك، رواه البزار في "مسنده"، وأبو نُعيم في "الحلية"، والبيهقيّ، ورواه أيضًا من حديث أبي أيوب الأنصاريّ. انتهى كلام البوصيريّ (2). والله تعالى أعلم.
(1) أي للكلام في مرزوق بن أبي الهذيل، لكن الأكثرون على توثيقه، كما سبق في ترجمته، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، ثم إن حديثه هذا أخرجه مسلم في "صحيحه" بنحوه، فهو صحيح.
(2)
"مصباح الزجاجة" 1/ 105.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (42/ 242) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم)(5/ 73) و (أبو داود)(2880) و (الترمذيّ)(1376) و (النسائيّ)(6/ 251) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، كما سبق آنفًا و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2490) من طريق المصنّف، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ثواب معلّم الناس الخير، وهو واضح.
2 -
(ومنها): بيان فضل الله على عباده المؤمنين، حيث جعل بعض أعمالهم لا تنقطع بعد الموت، بل جعلها جارية ما دام أثَرَهَا قائمًا.
3 -
(ومنها): الترغيب إلى الصدقة في الحياة والصحّة؛ لكونه أفضل أنواع الصدقة، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أَيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "أَنْ تَصَدَّقَ وأنت صحيح حَرِيصٌ، تَأْمُل الغنى، وتَخْشَى الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان".
4 -
(ومنها): أن فيه أن الكتب الموروثة من الشخص تكون من حسناته التي تبقى بعد موته، وإن انتقل ملكه إلى الورثة، فلا يشترط كونها موقوفة، فقد صرّح في هذا الحديث بقوله:"ومصحفًا ورّثه"، وهذا من فضل الله العظيم.
[تنبيه]: تتبّع السيوطيّ رحمه الله الأشياء التي ورد في الأحاديث أنها مما يبقى بعد الموت، ونظمها، فقال [من الوافر]:
إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي
…
عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ غَيْرُ عَشْرِ
عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ
…
وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ
…
وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إِجْرَاءُ نَهْرِ
وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي
…
إِلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْر
وتَعْليمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمِ
…
فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثَ بِحَصْرٍ
ولبعضهم من [الطويل]:
خِصَالٌ عَلَيْهَا الْمرْءُ مِنْ بَعْدِ مَوْتهِ
…
يُثَابُ فَلَازِمْهَا إِذَا كُنْتَ ذَا ذِكرِ
رِبَاطٌ بِثَغْرٍ ثُمَّ تَوْرِيثُ مُصْحَفٍ
…
وَنَشرٌ لِعِلْمِ غَرْسُ نَخلٍ بِلَا نُكْرِ
وَحَفْرٌ لِبئْرٍ ثُمَّ إِجْراءُ نَهْرِ مَا
…
وَبَيْتُ غَرِيبٍ وَالتَّصَدُّقُ إِذْ يَجْرِي
وَتَعْلِيمُ قُرْآنٍ وَتَشْيِيدُ مَنْزِلٍ
…
لِذِكْرٍ وَنَجْلٌ مُسْلمٌ طّيِّبُ الذِّكْرِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
243 -
(حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كاسِبٍ الْمَدّنيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْم عَنْ عُبَيدِ الله بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْريِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمُسْلِمُ عِلْمًا، ثمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ المُسْلِمِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ الْمَدَنِيُّ) ليّن الحديث (1)[10] 1/ 9.
2 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعيد الصوّاف المدنيّ، مولى مزينة، ليّن الحديث [8].
رَوَى عن صفوان بن سليم، وعبد الله بن ماهان الأزدي، وغيرهما.
ورَوى عنه إبراهيم بن المنذر الخزامي، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وغيرهما قال أبو زرعة: منكر الحديث، ليس بقوى. وقال أبو حاتم: لين الحديث وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات". وقال الباغندي: عنده مناكير.
تفرد به المصنّف (2)، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (234)
(1) هذا أولى من قوله في "التقريب": صدوق ربما وهم؛ لأن الأكثرين على تضعيفه.
(2)
قال الحافظ: وذكر في "النَّبل" أن النسائي رَوَى عنه، ولم أقف عليه. انتهى "تهذيب التهذيب" 1/ 110.
و (2233) و (4136).
3 -
(صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) المدنيّ، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث القرشي الزهريّ مولاهم الفقيه، ثقة مُفتٍ عابدٌ، رُمي بالقدر [4].
رَوى عن ابن عمر، وأنس، وأبي بُسْرة الغفاري، وعبد الرحمن بن غنم، وأبي أمامة بن سهل، وابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه زيد بن أسلم، وابن المنكدر، وموسى بن عقبة، وهم من أقرانه، وابن جريج، ويزيد بن أبي حبيب، ومالك، والليث، وإسحاق بن إبراهيم المدني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، عابدًا. وقال علي بن المديني عن سفيان: حدثني صفوان بن سليم، وكان ثقة. وقال علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هو أحب إلي من زيد بن أسلم.
وذكر أبو بكر بن أبي الْخَصِيب ذُكر صفونُ بن سُليم عند أحمد، فقال: هذا رجلٌ يُستسقَى بحديثه، ويَنزل القطر من السماء لذكره (1).
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، من خيار عباد الله الصالحين. وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت مشهور بالعبادة. وقال مالك: كان صفوان يُصَلِّي في الشتاء في السطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقظ بالحر وبالبرد حتى يُصْبِح. وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان، ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد. وقال أبو غسان النَّهْديّ: سمعت ابن عيينة قال: حَلَفَ صفوان أن لا يضَع جنبه بالأرض حتى يَلْقَى الله، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين سنة (2). وقال
(1) قلت: في ثبوت هذا الكلام عن الإمام أحمد نظر؛ لأنه نم يُنقل عنه مثله في خيار الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بكر الصديق، وعمر، وبقية الخلفاء رضي الله عنهم، فكيف يقوله في رجل مطعون بالقدر، فهيهات هيهات أن يثبت مثله عن هذا الإمام السنّيّ المشهور.
(2)
قلت: في عدّ مثل هذا من المفاخر نظر لا يخفى، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم ينام، ويصليّ، فتفطّن.
المفضل الغلابي: كان يَرَى القدر.
وقال العجليّ: مدني رجلٌ صالحٌ. وقال ابنُ حبان في "الثقات" كان من عُبّاد أهل المدينة، وزُهّادهم. وقال الكناني: قلت لأبي حاتم: هل رأى صفوان أنسًا؟ قال: لا، ولا تصح روايته عن أنس. وقال أبو داود السجستاني: لم يَرَ أحدًا من الصحابة، إلا أبا أُمامة، وعبد الله بن بُسْر.
وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن محمد بن إسحاق: حدثني صفوان بن سليم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها أَرّخَ وفاته الواقديّ، وابنُ سعد، وخليفة، وأبو عبيد، وابن نمير، وغير واحد، منهم أبو حسان الزيادي، وزاد: وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال أبو عيسى الترمذي: مات سنة (24).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (234) و (265) و (386) و (1089) و (2233) و (3246) و (4136).
4 -
(عُبَيْدُ الله بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله بن كَرِيز -بفتح الكاف، وآخره زاي- أبو المطرّف، مقبول [6].
رَوى عن الحسن، ومحمد بن علي الهاشمي، والزهري، وعنه صفوان بن سُليم، ومحمد بن إسحاق، وهارون بن موسى، وحماد بن زيد، وحِبّان بن يسار الكلابي، وعمران القطان.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند أبي داود حديث في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم من رواية حِبّان بن يسار عنه، واختلف فيه على حِبّان، وعند المصنّف هذا الحديث فقط.
5 -
(الْحسَنُ الْبَصْرِيُّ) ابن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، يرسل ويدلّس [3] 9/ 71.
6 -
(أَبُو هُرَيرَةَ) رضي الله عنه 1/ 1.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضحٌ، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا 42/ 243 بهذا السند فقط، وهو ضعيف الإسناد، قال البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد
ضعيف؛ لضعف إسحاق بن إبراهيم (1)، والحسن لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه. انتهى (2).
قال الجامع عفا الله عنه: أما سماع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه، فقد سبق الخلاف فيه، وأن الراجح أنه سمع منه قليلًا، فراجع ترجمته 9/ 71، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) وأيضًا شيخ المصنف متكلّم فيه.
(2)
"مصباح الزجاجة" 1/ 105 - 106.