الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف]
فصل ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرَّف (1) وساقها سياق أجنبي لا يعرف الصناعة (2) . وحاصلها: إثبات شفاعته، وأنه أول شافع (3) صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (وقول البوصيري، كقول سواد بن قارب:
وأنك أدنى المرسلين وسيلة
…
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
…
سواك بمغن عن سواد بن قارب
وكل هذا ليس فيه حجة؛ لأن النزاع في غيره.
وأما الشفاعة: فلم تنكر، وقول سواد بن قارب هذا (4) من جنس [136] طلب دعائه واستغفاره صلى الله عليه وسلم في حياته، والنزاع ليس في ذلك، والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه (5) كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه، ويجوز التماس
(1) في (المطبوعة) : " حرفها ".
(2)
في (المطبوعة) : " البضاعة " وهو خطأ مطبعي.
(3)
في (المطبوعة)" صلى الله عليه وسلم أول شافع ".
(4)
في (م) : "هو".
(5)
في (ق) و (م) : " يستعطيه ".
الدعاء منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:" «لا تنسنا يا أخي من دعائك» "(1) وهذا باب واسع.
وأما عرض الأعمال: فقد تقدَّم أنه لا يبيح الدعاء والطلب، وعلى أبوي الإنسان يعرض سعيه (2) ولا يجوز له دعاؤهما في حاجاته وملماته. ثم استدلَّ المعترض بقوله تعالى:{وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86][الزخرف 68]
قال: (ونبيّنا أفضل أهل السماوات والأرض، فقد ملك الشفاعة) .
والجواب أن يقال: هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها؛ بل حرَّفها وقال: "لا يملكون الشفاعة. فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة، ومثله لا يجوز له أن يورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنه لا يحسن النقل، ولا يعرف التلاوة، بل هو في غاية الجهالة والغباوة (3) ثم يقال: هذه الآية لأهل العلم والتأويل فيها قولان: أحدهما: أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة، ويشفع فيه الشافعون، فهو استثناء من محذوف دلَّ عليه السياق، والتقدير: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد إلَاّ من شهد بالحق.
والقول الثاني: أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة. فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل، وعلى كلٍّ فليس
(1) أخرجه أبو داود (1498) ، والترمذي (3562) ، وابن ماجه (2894) ، وأحمد (1 / 29) .
(2)
في (المطبوعة) زيادة " كما قد روي ".
(3)
في (ح) و (المطبوعة) : " الغباوة والجهالة ".
المراد المُلْك المتعارف بين أهل الدنيا، بل المراد حصول ذلك ووقوعه وتمكينهم منه، وذلك مقيد بالِإذن والرضى عن المشفوع فيه، فليس من جنس الأَمْلاك الدنيوية، ثم العبد كل العبد من (1) لا يتصرَف في ملكه إلا بما يحب الرب ويرضاه (من التصرفات، فأين محبته تعالى وإذنه ورضاه)(2) في الشفاعة لمن يدعو غيره، ويلوذ بسواه، ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته؟
واحتجَّ المعترض: بما في بعض الأحاديث من قوله صلى الله عليه وسلم: " «والمفاتيح يومئذٍ بيدي» (3) . وأظن هذا الغبي يظن أن المُلْك والتدبير والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم، كل هذا بيده صلى الله عليه وسلم، لقد أبعد المرمى، وكَذَّب بقوله تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 17 - 19][الانفطار 17 ـ 19]
وقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26][الفرقان 26] .
وقوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16][غافر 16]
وقوله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا - يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 108 - 110][طه 108-110] .
(1) سقطت من (ق) و (المطبوعة) .
(2)
ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(3)
أخرجه الدارمي في المقدمة، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ص (27) والخلال في السنة (1 / 208) من حديث أنس رضي الله عنه، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك.
فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله، ولم يدرِ ما سيق له، فخبط خبط عشواء، ورتع في مجهلة ظلماء.
واحتجَّ المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نبي الله (1) صلى الله عليه وسلم: " «وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح من النار» "(2) وزعم المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة، ويتصرَّف (3) " فيها بملكه لها، كما تتصرَّف (4) المُلَاّك في أملاكهم.
وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين، من أنَّ الأولياء قد أعطوا التصرُّف والتدبير، ووكل ذلك إليهم، والشافع لا ملك له، لكن ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، من أنه لا يشفع إلَاّ بإذن (5) فيمن رضي الله قوله وعمله، وأراد (6) رحمته ونجاته، فهي مقيدة بالإذن والرضى، ليست كما فهمه هذا الغبي وأمثاله، من أن الشافع يتصرَّف (7) تصرُّف الملاك بمشيئتهم وإرادتهم، وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلاً به لا يفيد ما ذهب إليه المعترض.
وأما استدلاله بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107][الأنبياء 107]
(1) في (ق) : " النبي ".
(2)
أخرجه البخاري (8383، 6208، 6572) ومسلم (209) ، والحاكم (4 / 625) .
(3)
في (ق) و (م) : " وتصرف.
(4)
في (ق) و (م) : " يتصرف ".
(5)
في (المطبوعة) زيادة: " الله ".
(6)
في المطبوعة: زيادة (الله) .
(7)
في (ح) و (المطبوعة) : " الشفعاء يتصرفون ".
فهو من أدلة (1) جهله بمعنى الآية وما سيقت له، والآية عامة للعالمين (2) ليست خاصة بالمسلمين، وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله، ولم يلتفت إلى ما جاءوا به من الإيمان والهدى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48][المدثر: 48]
وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18][غافر: 18]
ثم قال المعترض: (فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية، وقد نالته شفاعته، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي (3) أزواجه أمهاتهم وهو بمنزلة الوالد لهم، وهو فرطهم وسلفهم؟ وهو صلى الله عليه وسلم ومن أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها، وهو صلى الله عليه وسلم أحبّ إليهم من أنفسهم وهم يرجون شفاعته صلى الله عليه وسلم التي هي فضل الله وكرامته؟ لأنه تبارك وتعالى أعطاه إياها لهم، فما بالهم لا يسألونه عن عطائه لهم؟ وقد قال له كما صح ذلك عنه:«أترونها للمتقين؟ بل هي للمذنبين المخلطين المتلوثين» ) (4) إذ ليسوا (5) كالكفار الذين أخبر الله عنهم، أنها لا تنفعهم شفاعة الشافعين، فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها [138] ، منها ويطلب، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل، وهو أعلم بأمته صلى الله عليه وسلم مثلوا له في حياته، كما صحَّ ذلك، وتعرض إليه (6)
(1) في (ح) و (المطبوعة) : " الأدلة على".
(2)
في (ق) : "بالعالمين" وساقطة من (ح) .
(3)
في هامش (الأصل) و (ق) : (في الأصل صوابه "الذين" لكن المعترض لحن) .
(4)
أخرجه ابن ماجه (4311) ، وأحمد (2 / 75)، وقال المنذري في "الترغيب" (1 / 203) : إسناده جيد.
(5)
في (ق) و (م) : "إذ هم ليسوا".
(6)
في (ق) و (م) : "عليه ".
أعمالهم بعد وفاته، ويعرف المستحق من غيره) . انتهى.
هذا كلامه بحروفه، وفيه من العبر والأدلة على جهله، ما يكفي المؤمن في معرفة ضلاله وجهله (1) وحاصل هذا الكلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم حال أمته فرداً فرداً، مطيعها وعاصيها (2) مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي (3) صلى الله عليه وسلم يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر المُلَاّك، وأنه إذا لم يسأل فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل، هذا حاصل كلام المعترض، وهو بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى.
وقد دلَّ القرآن والسنَّة وإجماع علماء (4) الأمة على أن الشفاعة بيده (5) سبحانه، ملكاً له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلَاّ بإذنه، ولا تنال (6) إلَاّ من رضي قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة (7) في أنه صلى الله عليه وسلم لا يشفع ابتداء، وأنه يحدّ له حدّ، ويعين له من أراد الله رحمته، وإكرام نبيّه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف.
(1) في (ق) و (المطبوعة) : "وخلطه ".
(2)
في (ق) : "مطيعاً وعاصياً ".
(3)
في (ق) : "وأن النبي".
(4)
ساقطة من (ق) و (م) .
(5)
في (ق) و (م) : (بيد الله) .
(6)
في (ح) : "تناول ".
(7)
في (ق) : "صحيحة".
وقوله تعالى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86][الزخرف: 86]
وقوله: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87][مريم: 87]
قد تقدَّم الجواب عنه، وبعض المفسّرين قرَّر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة (1) ويدلّ على هذا نصوص الكتاب والسنَّة.
قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188][الأعراف: 188]
فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما مَلَّكه الله (2) وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا بحال. فقوله: إلا ما شاء الله استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل: {وَلَا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80]
أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإن لم يشأ (3) لم يكن، وإلَاّ فهم لا يفعلون شيئاً.
وكذلك قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86] ثم قال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86][الزخرف: 86]
(1) في (ق) : "الجهملة) ، وهو سبق قلم.
(2)
في (ق) و (المطبوعة) زيادة: " إياه".
(3)
في (م) و (ح) و (المطبوعة) : "وإلا" مكان "وإن لم يشأ".
فتنفعه الشفاعة كقوله: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23][سبأ: 23] وقال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44][الزمر: 44] وبسط هذا له موضع آخر، انتهى. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي» (1) فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (2) وقد تكلَّم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله هذا المعترض (3) ويردّه، وقرّروا: أن فيه ما دل عليه (4) حديث أنس في الشفاعة من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع إلَاّ بعد الإذن فيمن عُيِّن له، وحدَّ وخصَّ (5) وفيه: أنه لا يعلم ما يحدث بعده، وما يجري في أمته إلَاّ ما أخبر به من بعض الجزئيات والحوادث، وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة، كالشرك بالله واتَّخاذ الأنداد معه فلن تنفعه (6) شفاعة الشافعين.
وفي كلام المعترض من المؤاخذة (7) والجهالات، قوله: (فإذا كان
(1) سقطت الثانية من (ح) و (المطبوعة) .
(2)
أخرجه البخاري (6526) ومواضع أخرى، ومسلم (2860) ، والترمذي (2423، 3167) ، وأحمد (1 / 235، 253، 384) ومواضع.
(3)
في (ح) و (المطبوعة) : " المفتري ".
(4)
في (ق) و (م) : "يدل على ".
(5)
في (المطبوعة) : "وحدد وخصص".
(6)
في (ق) : "فلا تنفع"، وفي (ح) :"فلا تنفعه ".
(7)
في (ق) : " المؤاخذة".
هذا فعله حمية) ، وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية، بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله وبالله.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162][الأنعام: 162، 163]
فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم، وتحقيقه للتوحيد.
وفي قوله: (وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم) لحن فاحش؟ فإن "التي" للأنثى، كما قال ابن مالك:(موصول الأسماء الذي للأنثى التي) .
وهذا الغبيّ لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ومع ذلك يزعم أن الشيخ وأتباعه لا يعرفون العربية، والصواب أن يقال:(وأهل بيته الذين) .
ومنها: ظنَّه أن النبي صلى الله عليه وسلم فَرَط وسلفٌ لعباد القبور، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يعرف معنى الحديث، ومن خوطب به.
ومنها قوله: (كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها) .
فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله، وعدم الثناء عليه بما اختصَّ [140] ، به من الرأفة والرحمة، والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله، وتقديم ذكر (1) عبده ورسوله (2) على ذكره تعالى وتقدَّس في هذا المقام، وهذا لا يصدر إلَاّ من أجلاف الناس وأشدهم غباوة، وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم الأقدس يطلعك على مخبآت جهله، ومناقشة هذا تطول.
(1) ساقطة من (ح) .
(2)
ساقطة من (ق) .
ومنها قوله: (فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب) .
فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل، يلزم من نفيها نفي الكرامة والفضل، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضُّل إلَاّ بدعائه وقصده من دون الله، وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن دعاء الأنبياء والصالحين، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يُدْعون للشفاعة ولا لغيرها من المطالب: تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم وذلك لظنهم أن الفضل والكرامة (1) في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم، وكونهم مفزعا وملجأً عند الشدائد والمهمات ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية الله والخضوع له؛ والدعوة إلى سبيله، وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة؟ وتحقيق التوحيد " وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق. وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، ووصف رسوله بذلك في مقام الِإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن (2) فوق (3) العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلاً (4) لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له، ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما يستحيل.
(1) في (المطبوعة) زيادة: "ليس إلا".
(2)
في (ق) : "تحقق أن ".
(3)
في (المطبوعة) : " فرق ".
(4)
في (ح) و (المطبوعة) : " وفضل".
وقد عَفَتْ آَثار العلم، واشتدَّت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث، وتصدَّى للرد على علماء الأمة مَن لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يميِّز بين حق الله وحق عباده وأوليائه من الأنام.
ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية، واتصل سنده بهما (1) إلى الناظم، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم، وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي، وهذا بعيد جدًّا، ودعوى هذا المعترض لا تسمع، ولا يلتفت إليها، لأن شهادة الحال وما يعرف من دين الشيخ أحمد بن رشيد يخالف هذا اللهمَّ إلا أن يكون [141] قبل أن يفتح عليه، ويدخل فيما دعا إليه شيخنا من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة.
ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها، وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها، ثم جعل أهل روايتها هم أهم الصراط المستقيم، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد إلا بطلب الهداية لطريقهم (2) وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته بقوله:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18][آل عمران: 18] .
قال حتى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19][آل عمران: 19]
. على قراءة الفتح من الهمزة، وهم الذين قال فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ» (3)(4)
(1) في (ق) : (بها) .
(2)
في (ق) : "إلى طريقهم ".
(3)
في (ق) : "عد له. ".
(4)
الحديث أخرجه البيهقي (10 / 209، 20700) بلفظ: "يرث "، والطبراني في مسند الشاميين (1 / 344، 599) ، وتقدم، انظر: ص (197) ، هامش1، وهو حديث ضعيف.
ثم قال (1) "فهؤلاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي، وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا (2) تجتمع على ضلالة.
والجواب أن يقال: ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل على استحسانها، وأنها حق لا باطل فيه، وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية، وكتب الاتحادية ما لا يخفى ضلاله وبعده عما جاءت به الرسل، فإن كانت الروايات والنقل يدلّ على الصحَّة والصواب فلتكن هنا، وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر (3) لهذه المنظومة، وتلقِّيهم لها، وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار للتبرُّك والعكوف من التأله بغير (4) الله، فقالوا لنبيهم " صلى الله عليه وسلم:"اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (5) "(6) وقد تقدَّم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن النعمان، وأمثاله من الشعراء (7) وقول بعضهم:
يا خائفين من التتر
…
لوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكمو من الضرر
(1) ساقطة من (ح) .
(2)
"لا" ساقطة من (ق) و (ح) .
(3)
في (ق) : "ذكروا".
(4)
في (ق) : "لغير".
(5)
"كما لهم ذات أنواط " ساقطة من (ح) .
(6)
انظر تخريجه ص (310) ، هامش 3.
(7)
انظره في ص (311) .
وهذا قاله أناس ممن يدَّعى الإسلام ويرى جواز مثل هذا، وأنه لا ينافي ما جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له، وأبيات البردة أبْلغ وأعظم شركاً من هذا الذي ذكره الشيخ.
ثم ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من [421] علمهم؟ وما المانع من (1) أن يغلط العالم ويزل؟ ثم (2) أي أحد قال بأن فعل بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية والحلولية (3) والجهمية والمعتزلة أعناقهم، وقالوا: من يروي مقالتنا ويحكيها (4) ويقرّرها أكثر عدداً وأشهر سنداً. ولم يسبق هذا الجاهل إلى الاحتجاج بمثل من روى البردة، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر له قول أو وجه يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع؟ فكيف يحتجّ به في نسبة علم الغيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الدنيا والآخرة من جوده (5) وأنه لا عياذ ولا ملاذ سواه، وأنه يُدْعى ويقصد لذلك؟
وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم، (وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6][الفاتحة: 6](6) .
(1) ساقطة من (ق) و (م) .
(2)
في (ق) : "و".
(3)
في (ق) : " الحلولية والاتحاديّة".
(4)
في (ق) : "فيحكيها".
(5)
في (ح) : " موجوده".
(6)
ما بين القوسين ساقط من (ق) .
وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم، يعني سبيل أهل البردة، وهذه هي الطامة الكبرى، والقولة الضالة العمياء، أين الأنبياء والمرسلون، أين الصديقون والشهداء والصالحون؟ أين من جرَّد التوحيد لله العزيز المجيد (1) ولم يتَّخذ وليَّا من دونه، ولم يجعل له مفزعاً وموئلا يرجع إليه في مهماته وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض؟ أين من أخذ بقوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186][البقرة: 186] .
ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب؟ أين (2) من عضَّ بالنواجذ على ما دلَّ عليه حديث ابن عباس: " «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» "(3) أين من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يسأل الناس شيئا (4) أين من أخذ بقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59][الأنعام: 59] .
وبقوله: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65][النمل: 65] .
أين من يقول: ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق؟ الذي هو معرفة الله وإسلام الوجوه له؟ ولتجزى كل نفس بما كسبت؟ .
سبحان الله!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت به
(1) في (ح) و (م) : "الحميد".
(2)
في (المطبوعة) : "أي".
(3)
أخرجه الترمذي (2516) ، وأحمد (1 / 293، 353) ، والطبراني في الكبير (12 / 238، ح12988) .
(4)
ثبت ذلك في حديث ثوبان، أخرجه أبو داود (1642، 1643) ، وابن ماجه (1837) ، وأحمد (5 / 277) ، والحاكم (1 / 571) .
الرسل: كأنه من جهال الجاهلية الأولى (1) لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء.
وأما قوله: (وهم الذي (2) استشهد الله بهم. . .) إلى آخره.
فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه، ما لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ومعتقدها ومنشدها؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء، ومناهج الإيمان والهدى، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين، والاعتقاد المخالف لأصول الملة والدين، ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم والعلماء، ويدري مناهج الإيمان والهدى؟ هذه الشهادة شهادة زور، فإن من شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء وأتباعهم على تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ربِّ العالمين، الذي عرفوا الله بأفعاله وآياته، وأخلصوا له المحمل والدين بأفعالهم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، واستدلوا بجميع ما شهدوه أو سمعوه من الآيات والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها، وعلى حكمته وعموم قدرته وشمول علمه.
وقول المعترض: (حتى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19][آل عمران: 19] .
على قراءة الفتح من الهمزة) عبارة جاهل لا يدري ما يقول، فإن
(1) في (المطبوعة) زيادة: "بل هو من صميمهم إذ".
(2)
في (ق) و (م) : "الذين".
الفتحة للهمزة لا من الهمزة، وفتحها على قراءة (1) الكسائي، والقراءة على كسرها، وقوله صلى الله عليه وسلم:" «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» "(2) والإشارة فيه إلى ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، وأين هو مما دلَّ عليه قول الناظم في أبياته السابقة؟
فأهل العلم في الحقيقة: كل من عَقَل عن الله مراده، وعرف مما جاءت به الرسل من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض، مع الإقبال على الله والإعراض عن عبادة ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، والسير إليه تعالى على منهاج أنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، ففي هذا العلم والعمل والمتابعة، وأما الخُلُوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهم من أقل الناس حظًّا ونصيبا من العلم الذي جاءت به الرسل.
وأما قوله: (وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة) .
فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة، ولكن أي (3) الأمة؟ أيظن هذا أن الأمة من روى البردة دون (4) سائر الأمة؟ وأين مَنْ قَبْل صاحب البردة بنحو ستة قرون؟ .
أليسوا من الأمة؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي [144] ، يهدم أصل التوحيد والإيمان.
(1) قوله: "الفتح من الهمزة. . . " إلى هنا ساقطة من (ق) .
(2)
سبق تخريجه، انظر ص (197) .
(3)
في (ح) و (ق) و (م) : "أين ".
(4)
سقطت من (المطبوعة) .