المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ابن الأنباري "كمال الدين - من تاريخ النحو العربي

[سعيد الأفغاني]

الفصل: ‌ابن الأنباري "كمال الدين

‌ابن الأنباري "كمال الدين

":

"513-577هـ"

عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، الإمام أبو البركات كمال الدين الأنباري النحوي المتفنن، الزاهد الورع.

قدم بغداد في صباه وقرأ الفقه على سعيد بن الرزاز حتى برع، وحصل طرفا صالحا من الخلاف، وصار معيدا للمدرسة "النظامية"، وكان يعقد مجالس الوعظ، ثم قرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي، ولازم ابن الشجري حتى برع وصار من المشار إليهم في النحو، وتخرج به جماعة.

وسمع بالأنبار من أبيه، وببغداد من عبد الوهاب الأنماطي، وحدث باليسير، لكن روى الكثير من كتب الأدب ومن مصنفاته. وكان إماما ثقة صدوقا فقيها مناظرا، غزير العلم ورعا زاهدا عابدا تقيا عفيفا، لا يقبل من أحد شيئا، خشن العيش والمأكل، لم يتلبس من الدنيا بشيء ودخل الأندلس "! " فذكره ابن الزبير في الصلة "! ".

وله المؤلفات المشهورة، منها:

1-

الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين.

2-

الإغراب في جدل الإعراب.

3-

ميزان العربية.

4-

حواشي الإيضاح.

5-

مسألة دخول الشرط على الشرط.

6-

نزهة الألباء في طبقات الأدباء.

7-

تصرفات لو.

8-

حلية العربية.

9-

الأضداد.

10-

النوادر.

11-

تاريخ الأنبار.

12-

هداية الذاهب في معرفة المذاهب.

13-

بداية الهداية.

14-

الداعي إلى الإسلام في علم الكلام.

15-

النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح.

16-

اللباب.

17-

المختصر.

18-

منشور العقود في تجريد الحدود.

19-

التنقيح في مسلك الترجيح.

20-

الجمل في علم الجدل.

21-

الاختصار في الكلام على ألفاظ تدور بين النظار.

22-

نجدة السؤال في عمدة السؤال.

23-

عقود الإعراب.

24-

منثور الفوائد.

25-

مفتاح المذاكرة.

26-

كتاب كلا وكلتا.

27-

كتاب كيف.

ص: 147

28-

كتاب الألف واللام.

29-

كتاب في "يعفون".

30-

لمع الأدلة.

31-

شفاء السائل في بيان رتبة الفاعل.

32-

الوجيز في التصريف.

33-

البيان في جمع "أفعل" أخف الأوزان.

34-

جلاء الأوهام وجلاء الأفهام في متعلق الظرف في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} .

35-

غريب إعراب القرآن.

36-

رتبة الإنسانية في المسائل الخراسانية.

37-

مقترح السائل في "ويل أمه".

38-

الزهرة في اللغة.

39-

الأسمى في شرح الأسما.

40-

كتاب حيص بيص.

41-

حلية العقود في الفرق بين المقصور والممدود.

42-

ديوان اللغة.

43-

زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء.

44-

البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث.

45-

فعلت وأفعلت.

46-

الألفاظ الجارية على لسان الجارية.

47-

قبسة الأديب في أسماء الذيب.

48-

الفائق في أسماء المائق.

49-

البلغة في أساليب اللغة.

50-

قبسة الطالب في شرح خطبة "أدب الكاتب".

51-

تفسير غريب "المقامات الحريرية".

52-

شرح ديوان المتنبي.

53-

شرح الحماسة.

54-

شرح السبع الطوال.

55-

شرح مقصورة ابن دريد.

56-

المقبوض في العروض.

57-

شرح المقبوض في العروض.

58-

الموجز في القوافي.

59-

اللمعة في صنعة الشعر.

60-

الجوهرة في نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه العشرة.

61-

نكت المجالس في الوعظ.

62-

أصول الفصول في التصوف.

63-

التفريد في كلمة التوحيد.

64-

نقد الوقت.

65-

بغية الوارد.

66-

نسمة العبير في التعبير.

ص: 148

توفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ودفن بباب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ومن شعره:

إذا ذكرتك كاد الشوق يقتلني

وأرقتني أحزان وأوجاع

وصار كلي قلوبا فيك دامية

للسقم فيها وللآلام إسراع

فإن نطقت فكلي فيك ألسنة

وإن سمعت فكلي فيك أسماع1

1 بغية الوعاة 301. وانظر ترجمة وافية عن حياته ومكانته في مقدمتنا لكتابين من كتبه حققناهما، وطبعا بمطبعة الجامعة السورية بدمشق سنة 1957م، وهما: "الإغراب في جدل الإعراب" و"لمع الأدلة".

ص: 149

1-

كتاب "لمع الأدلة":

"وهو أصل كتاب الاقتراح للسيوطي"

2-

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين:

"لئن شحت عن ابن الأنباري الأخبار، لقد جادت بالتعريف به الآثار؛ فقد تفرد بابتكاره في فن التأليف حتى ليستأثر بطابع خاص بين هذه الكثرة الكاثرة من المؤلفين في علوم العربية. وإن الذي ألف أسلوبه في تأليفه وتوليده ولمس أستاذيته في تنسيقه وعرضه، ليميز كلامه من كلام غيره على أيسر سبيل مهما حاولت أن تغيبه بين عشرات الأساليب في مختلف الأعصار"1. فما هذا الابتكار الذي يتسم به فن ابن الأنباري في التأليف؟

نحن1 نعرف أن التطلع إلى أن يكون للعربية علوم وقواعد وأصول على مثل ما للشريعة، أمنية2 داعبت همم الكثير من العلماء منذ المائة الثانية للهجرة، فمحاكاة أهل الأدب واللغة أهل الحديث في فن الرواية والعناية بالسند معروفة، وكذلك تقليدهم مدرسة الرأي في الفقه في تعليل الأحكام

1 من تقديمنا لرسالتي ابن الأنباري "الإغراب في جدل الاعراب" و"لمع الأدلة في أصول النحو".

2 انظر فصل "أثر العلوم الدينية في علوم العربية" من كتابي "في أصول النحو" ص9، مطبعة الجامعة السورية بدمشق 1957م.

ص: 150

حدثهم على أن يجدوا لأحكام العربية عللا تشبه تلك من جهة، وتشبه من جهة ثانية علل المتكلمين الذين اعتمدوا العقل والمنطق سلاحين في دعوتهم إلى فلسفة العقيدة؛ فكان للنحاة احتجاج بقواعد تشبه ما للمحدثين، وقياس وعلل يشبهان ما للفقهاء والمتكلمين، ثم عنوا بمسائل الخلاف عناية الفقهاء بخلافهم. وكان من الطبيعي أن تكون خطا النحاة متأخرة في الزمن، ومقلدة غير مبدعة، ثم متعثرة غير ماضية ولا حاسمة؛ وذلك للفارق العظيم بين طبيعة علوم الشريعة وطبيعة علوم اللغة.

ولم يكن لنا إلا محاولات جزئية في مسائل قام بها نوابغ أقوياء كالفارسي وابن جني، لكن أحدا لم يحاول وضع تصميم لفن أصولي في اللغة كما فعل أهل الشريعة

حتى جاء ابن الأنباري.

علم أصول الفقه تبينت مسائله منذ وضع محمد بن الحسن الشيباني كتبه "المبسوط، والسير، والزيادات، والجامع الكبير، والآثار" ووضع الإمام الشافعي الرسالة

فكان النحاة يحاولون ترسم خطاهما على ضوء هذه الكتب وأمثالها، وعرف المتأخرون خطا متقدميهم ولم يستطيعوا تقدما يذكر

استمر هذا التطلع وتلك الحسرة طوال المائة الرابعة والمائة الخامسة؛ فلما جاء ابن الأنباري اهتدى إلى الخطة، ونازعته الفكرة نزاعا شديدا إذ كانت كل المؤهلات تجمعت فيه فقام بها وحده، وسجل في تاريخ العربية أوليات ثلاثا حين أسس الفنون الثلاثة الآتية لأول مرة:

ص: 151

1-

فن جدل الإعراب، وضع له كتاب "الإغراب في جدل الإعراب""ليكون أول ما صنف لهذه الصنعة في قوانين الجدل، والآداب ليسلك به عند المجادلة، والمناظرة"1.

ولم يكن لعلوم اللغة العربية في هذا الفن قبل رسالة ابن الأنباري كتاب.

2-

فن الأصول للنحو، على نسق فن الأصول للفقه، وقد وضع له كتاب "لمع الأدلة" أول ما ألف في العربية في هذا الفن.

وقد جاء في مقدمة الرسالة أن "أصول النحو هي أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وفصوله، كما أن أصول الفقه هي أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله. وفائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل، والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاطلاع على الدليل؛ فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولا ينفك في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتياب

إلخ.

قسم الكتاب إلى ثلاثين فصلا تبحث في الأدلة وأقسامها، والنقل وشروطه وأنواعه، وفي القياس وأقسامه، وفي العلة وأنواعها وشروط الاستدلال بها، ثم في الاستحسان واستصحاب الحال ومعارضة الأدلة.

وعبارة المؤلف مركزة مكثفة موجزة تعتمد على الشواهد، وقد صبت في قوالب القواعد الشاملة مع أمثلتها الموضحة.

1 من مقدمة ابن الأنباري.

ص: 152

وظاهر أن دراسة هذا الفن حلقة عليا بعد دراسة النحو نفسه، وقد طمح ابن جني أن يكون مؤسسا لهذا الفن، وقد أشار إلى محاولة النحويين واللغويين أن يحوموا حوله، فسجل في كتابه "الخصائص" استمداد علوم اللغة من علوم الشريعة واحتذاء النحويين حذو علماء الشريعة، وأشار إلى كتب الإمام محمد صاحب أبي حنيفة بقوله:"وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله ينتزع أصحابنا منها العلل لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه، فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق"1. لكن الله شاء أن تكون هذه السابقة لابن الأنباري بعد ابن جني بمائتي سنة.

ثم يأتي السيوطي ويؤلف كتاب "الاقتراح" الذي كان الناس يعدونه الكتاب الفريد في "أصول النحو"، حتى نشرنا كتاب ابن الأنباري ونبهنا على أنه هو الأصل الذي استقى منه السيوطي في "الاقتراح" و"المزهر" وغيرهما، ولم يشر إلا إشارة خفية إلى مصدره الأصلي محاولا حجبه عن الأنظار1.

وسترى أسلوب ابن الأنباري في فصل من هذا الكتاب بعد قليل.

3-

فن "الخلاف" بين المذاهب النحوية كانت مسائله مبعثرة، بل كانت متعلقات المسألة الواحدة مشتتة في كتب البصريين والكوفيين، وألف غير واحد في الخلاف، لكن أكثر هذه الكتب ردود جزئية، وأول من بدأ بذلك ثعلب

1 الخصائص 1/ 163.

ص: 153

الكوفي. فلما ألف ابن الأنباري كتابه الجليل "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" صار لهذا الفن كتاب مسجل يسعف الدارسين لأول مرة بما يريدون. وقد كان هو نفسه معتزا -وله الحق- وهو يشير إلى هذه الأولية مؤرخا بقوله في مقدمة الإنصاف: "سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشهور المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة، ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف ولا ألف عليه أحد من الخلف".

وبذلك تحقق للنحو أمنية طالما تطلع إليها الكثيرون.

طبع هذا الكتاب بمطبعة بريل في ليدن سنة 1913 طبعة جيدة مخدومة بالفهارس والحواشي المختلفة مع دراسة بالألمانية، ثم طبع في مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1940 طبعة أولى ثم طبعة ثانية، ثم طبعة ثالثة بمطبعة السعادة بمصر سنة 1955 في "450" صفحة من القطع الوسط.

هذا الكتاب أعلى كتبه المطبوعة درجة وأنفسها فائدة، وفيه يتجلى أسلوبه كاملا بجميع سماته. عرض فيه لـ "121" مسألة من مسائل الخلاف بين المدرستين، فبسطها بسطا شافيا.

وخطته بعد ذكر موضوع المسألة أن يسير به مراحل أربعا تشبه مراحل الدعوى في المحاكم:

أولا: سرد دعوى الكوفيين فيه ثم دعوى البصريين،

ص: 154

وبذلك تحدد جوانب الموضوع كله.

ثانيا: الإدلاء بالبينات؛ فيبدأ بحجج الكوفيين يعرضها بوضوح، ثم يعقبها بحجج البصريين كذلك.

ثالثا: الردود؛ يعرض في هذه المرحلة لردود كل فريق على حجج الفريق الآخر، وأغلب ما يطرد ذلك للبصريين.

رابعا: الحكم، لكن هذه المرحلة لا تطرد في كل المسائل، فكأن ابن الأنباري يكتفي بإيراد ردود البصريين على حجج الأولين، فتكون هذه الردود حكمه هو نفسه في المسألة المعروضة، على أنه نصر مذهب الكوفيين في مسائل قليلة.

والكتاب حافل بقواعد أصولية عامة، غير المسائل الكثيرة التي يسوق إليها الاستطراد، أما الشواهد وكثرتها فحدث عنها ولا حرج، إذ هي عمدة كل فريق في نصر ما يذهب إليه.

ودارس الكتاب1 لا يشعر إلا أنه في قاعة محكمة جلس فيها المتحاكمان ومحاموهما، والنظارة يستمعون إلى المدعي وبينته ثم إلى المدعى عليه وحجته، ثم إلى دفع كلٍّ حجة خصمه؛ فلا يكاد ينتهي المجلس إلا وقد خرج النظارة بالحكم مطمئنين أحيانا ومترددين أحيانا، قد علقوا على بعض الحجج بما يوهنها أو يقويها، وعرضوا للحكم أحيانا بما يؤيده أو بما يشكك فيه، وقد امتلأت حقائبهم من قواعد

1 كنت قررت تدريس هذا الكتاب في شهادة علوم اللغة العربية في كلية الآداب بالجامعة السورية بدمشق منذ سنة 1948، وأنا أشهد أني والطلاب كنا ننتظر بشوق موعده الأسبوعي؛ لشعورنا بالجو القضائي فيه أكثر من الجو الدراسي.

ص: 155

أصولية عامة اتفق على رعايتها الطرفان، فإذا أخل ببعضها تعرض المخل لحساب غير يسير.

عرفت التواليف النحوية من بعد سيبويه حتى يومنا هذا بيبس الأسلوب غالبا، وجفاف العرض، وإملال القارئ، لكن الأنباري -والحق يقال- "أدَّب" النحو وأضفى على أسلوب عرضه من المائية والتندية ما حببه إلى المطالع فأبعد عنه السأم، وليس بقليل أن نعرض ما يشبه الأرقام والقضايا المنطقية عرضا جذابا.

إني إذا أردت التعبير عن أسلوب ابن الأنباري بكلمة جامعة لم أجد أصدق من قولي: "أسلوب رياضي جميل". أما "الجمالية" فشيء يتذوق ولا يعرف، لكنني أشير عليك بأن تقرأ صفحة لابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" مثلا وتقرأ في موضوعها صفحة أخرى من أي عصر شئت مع وجود بلغاء كثيرين ألفوا في النحو، إنك لن تجد في طراوة أسلوبه وسهولته أسلوبا لعالم آخر، حتى ولا لابن جنى، وأما "الرياضية" في أسلوبه فسمة بارزة تنادي على نفسها في "الإغراب في جدل الإعراب" وفي "لمع الأدلة" وفي "الإنصاف" وفي "أسرار العربية" وحتى في "نزهة الألباء" وهو مقصور على ترجمة العلماء، حيث تجد التراجم مركزة منسقة، لا فضول فيها ولا التواء1.

وإليك الآن نصا من "لمع الأدلة" ونصوصا من كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف":

1 أكثر هذا التعريف من مقدمتنا في التعريف بالمؤلف وآثاره وخصائصها في نشرتنا "رسالتان لابن الأنباري، مطبعة الجامعة السورية بدمشق 1957".

ص: 156

من "لمع الأدلة" في أصول النحو:

الفصل العاشر في القياس 1:

اعلم أن القياس في وضع اللسان بمعنى التقدير، وهو مصدر "قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياسا: قدرته"، ومنه "المقياس" أي: المقدار، و"قيس رمح" أي: قدر رمح. وهو في عرف العلماء عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل.

وقيل: "هو حمل فرع على أصل بعلة، وإجراء حكم الأصل على الفرع".

وقيل: "هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع".

وقيل: هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع.

وهذه الحدود كلها متقاربة.

ولا بد لكل قياس من أربعة أشياء: أصل وفرع وعلة وحكم.

وذلك مثل أن تركب قياسا في الدلالة على رفع ما لم يسم فاعله، فتقول:

"اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه، فوجب أن يكون مرفوعا قياسا على الفاعل".

فالأصل هو الفاعل، والفرع هو ما لم يسم فاعله، والعلة الجامعة هي الإسناد، والحكم هو الرفع. والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل، وإنما أجري على الفرع الذي هو ما لم يسم فاعله بالعلة الجامعة التي هي الإسناد، وعلى هذا النحو تركيب كل قياس من أقيسة النحو.

1 ص93 من المصدر السابق.

ص: 157

فإن قيل: "فلم كان إسناد الفعل إلى الفاعل الذي هو الأصل موجبا للرفع دون النصب؟ وهلا كان الأمر بالعكس؟ " قيل: "لأنه لما وجب الفرق بين الفاعل والمفعول لإزالة اللبس، ووجدنا إسناد الفعل لا يكون إلا إلى فاعل واحد، ووقوعه يكون على مفعولات كثيرة: فمنه ما يقع على مفعول واحد، ومنه على مفعولين، ومنه على ثلاثة مفعولين، مع أن جنس الفعل متعديا كان أو لازما يتعدى إلى سبعة أشياء غير هذه الثلاثة وهي: المصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول له والحال والمفعول معه والمستثنى، مع خلاف في المفعول معه والمستثنى؛ فتلك عشرة كاملة. ولا يسند في ذلك كله إلا إلى فاعل واحد؛ فلما كان إسناد الفعل إلى الفاعل أقل ووقوعه على المفعول أكثر، والرفع أثقل والنصب أخف، أعطي الأقل الأثقل والأكثر الأخف معادلة بينهما؛ ولو عكس ذلك لكان عدولا عن المعادلة التي تقتضيها قضية المعدلة، واستكثارا لما يستثقل في كلامهم، وتركا للمناسبة، وخروجا عن قانون الحكمة. وما ذلك -في ضرب المثال- إلا بمنزلة رجل جعل بين يديه حجرين: أحدهما وزنه منا1 والآخر وزنه عشرة أمناء، وأمر إنسانا أن يحمل ما هو عشرة أمناء مرة واحدة، وما هو منا عشر مرات ليكون قلة العمل بإزاء الثقل، وكثرة العمل بإزاء الخفة، فإنه لا خفاء بأن ذلك مقارب للحكمة؛ ولو أمره بحمل الثقيل عشر مرات وبحمل الخفيف مرة واحدة لكان

1 المنا: رطلان.

ص: 158

ذلك مباينا للحكمة لجمعه عليه بين الثقل وكثرة العمل في حالة واحدة، وبين قلة العمل والخفة في حال أخرى، فكذلك ههنا.

وقد قيل في الجواب عن هذا السؤال عدة أقاويل، وإنما اقتصرنا على هذا القول؛ لأن غرضنا التمثيل لا التطويل بكثرة التعليل.

ص: 159

2-

كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف:

مقدمة كتاب الإنصاف 1:

قال الشيخ الإمام العالم الزاهد كمال الدين بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري -وفقه الله:

الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على صفوته النبي العربي المبعوث بالدين المتين، وعلى آله وأصحابه وعترته البررة المتقين.

وبعد؛ فإن جماعة من الفقهاء المتأدبين، والأدباء المتفقهين، المشتغلين علي بعلم العربية، بالمدرسة النظامية -عمر الله مبانيها ورحم بانيها- سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة؛ ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف، ولا ألف عليه أحد من الخلف، فتوخيت إجابتهم على وفق مسألتهم، وتحريت إسعافهم لتحقيق طلبتهم؛ وفتحت في

1 مر بك ص77 نص المسألة 92 من كتاب "الإنصاف" وموضوعها خلافهم حول السين وسوف، وإليك الآن مقدمته وثلاث مسائل أخرى منه.

ص: 160

ذلك الطريق، وذكرت من مذهب كل فريق ما اعتمد عليه أهل التحقيق، واعتمدت في النصرة على ما أذهب إليه من مذهب أهل الكوفة أو البصرة، على سبيل الإنصاف، لا التعصب والإسراف، مستجيرا بالله، مستخيرا له فيما قصدت إليه؛ فالله تعالى ينفع به؛ إنه قريب مجيب.

ص: 161

المسألة الأولى 1:

اشتقاق كلمة "اسم"

ذهب الكوفيون إلى أن "الاسم" مشتق من "الوسم" وهو العلامة؛ وذهب البصريون إلى أنه مشتق من "السمو" وهو العلو.

أما الكوفيون:

فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مشتق من "الوسم" لأن "الوسم" في اللغة هو العلامة، والاسم وسم على المسمى، وعلامة له يعرف به؛ ألا ترى أنك إذا قلت:"زيد" أو "عمرو" دل على المسمى فصار كالوسم عليه؟ فلهذا قلنا: "إنه مشتق من الوسم"، ولذلك قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب2: الاسم سمة توضع على الشيء يعرف بها، والأصل في "اسم":"وسم" إلا أنه حذفت منه الفاء التي هي الواو في "وسم" وزيدت الهمزة في أوله عوضا عن المحذوف، ووزنه "اعل" لحذف الفاء منه.

1 الطبعة الثالثة "مطبعة السعادة بمصر 1374هـ-1955م" ص4.

2 من أئمة الكوفيين.

ص: 162

وأما البصريون:

فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: "إنه مشتق من "السمو" لأن "السمو" في اللغة هو العلم. يقال: سما يسمو سموا إذا علا، ومنه سميت "السماء" سماء لعلوها، والاسم يعلو على المسمى، ويدل على ما تحته من المعنى؛ ولذلك قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد1: الاسم ما دل على مسمى تحته، وهذا القول كاف في الاشتقاق لا في التحديد، فلما سما الاسم على مسماه وعلا على ما تحته من معناه دل على أنه مشتق من "السمو" لا من "الوسم".

ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا: إنه مشتق من "السمو" وذلك لأن هذه الثلاثة الأقسام التي هي الاسم، والفعل، والحرف، لها ثلاث مراتب؛ فمنها ما يخبر به ويخبر عنه وهو الاسم نحو "الله ربنا ومحمد نبينا" وما أشبه ذلك، فأخبرت بالاسم وعنه؛ ومنها ما يخبر به ولا يخبر عنه وهو الفعل نحو "ذهب زيد" و"انطلق عمرو" وما أشبه ذلك فأخبرت بالفعل، ولو أخبرت عنه فقلت "ذهب ضرب، وانطلق كتب" لم يكن كلاما؛ ومنها ما لا يخبر به ولا يخبر عنه وهو الحرف، نحو "من، ولن، ولم، وبل" وما أشبه ذلك؛ فلما كان الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه، فقد سما على الفعل والحرف، أي: علا، فدل على أنه مشتق من "السمو"

1 من أئمة البصريين.

ص: 163

والأصل فيه "سِمْو" على وزن "فعل" -بكسر الفاء وسكون العين- فحذفت اللام التي هي الواو، وجعلت الهمزة عوضا عنها، ووزنه "افع" لحذف اللام منه.

وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:

قولهم: "إنما قلنا: إنه مشتق من الوسم؛ لأن الوسم في اللغة العلامة، والاسم وسم على المسمى وعلامة عليه يعرف به" قلنا: هذا وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة اللفظ، وهذه الصناعة لفظية، فلا بد فيها من مراعاة اللفظ؛ ووجه فساده من جهة اللفظ من خمسة أوجه:

الوجه الأول: أنا أجمعنا على أن الهمزة في أوله همزة التعويض، وهمزة التعويض إنما تقع تعويضا عن حذف اللام، لا عن حذف الفاء، ألا ترى أنهم لما حذفوا اللام التي هي الواو من "بنو" عوضوا عنها الهمزة في أوله فقالوا:"ابن"، ولما حذفوا الفاء التي هي الواو من "وعد" لم يعوضوا عنها الهمزة في أوله، فلم يقولوا:"اعد"، وإنما عوضوا عنها الهاء في آخره فقالوا:"عدة"؛ لأن القياس فيما حذف منه لامه أن يعوض بالهمزة في أوله، وفيما حذف منه فاؤه أن يعوض بالهاء في آخره، والذي يدل على صحة ذلك أنه لا يوجد في كلامهم ما حذف فاؤه وعوض بالهمزة في أوله، كما لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه وعوض بالهاء في آخره، فلما وجدنا في أول "اسم" همزة التعويض علمنا

ص: 164

أنه محذوف اللام، لا محذوف الفاء؛ لأن حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما ليس له نظير، فدل على أنه مشتق من "الوسم".

والوجه الثاني: أنك تقول: "أسميته" ولو كان مشتقا من "الوسم" لوجب أن تقول: "أوسمته"، فلما لم تقل إلا "أسميت" دل على أنه من السمو، وكان الأصل فيه "أسموت" إلا أن الواو التي هي اللام لما وقعت رابعة قلبت ياء كما قالوا:"أعليت، وأدعيت"، والأصل "أعلوت""وأدعوت" إلا أنه لما وقعت الواو رابعة قلبت "ياء"، فكذلك ههنا.

وإنما وجب أن تقلب الواو ياء رابعة من هذا النحو حملا للماضي على المضارع، والمضارع يجب قلب الواو فيه ياء نحو "يعلي، ويدعي، ويسمي" والأصل فيه "يعلو، ويدعو، ويسمو". وإنما وجب قلبها ياء في المضارع لوقوعها ساكنة مكسورا ما قبلها؛ لأن الواو متى وقعت ساكنة مكسورا ما قبلها وجب قلبها ياء، ألا ترى أنهم قالوا:"ميقات، وميعاد، وميزان" والأصل "موقات، وموعاد، وموزان"؛ لأنه من "الوقت، والوعد، والوزن"؛ إلا أنه لما وقعت الواو ساكنة مكسورا ما قبلها، وجب قلبها ياء فكذلك ههنا.

وإنما حملوا الماضي على المضارع مراعاة لما بنوا عليه كلامهم من اعتبار حكم المشاكلة والمحافظة على أن تجري الأبواب على سنن واحد؛ ألا ترى أنهم حملوا المضارع على الماضي إذا اتصل به ضمير جماعة النسوة نحو "تضربن" وحذفوا الهمزة

ص: 165

من أخوات "أكرم" نحو "نكرم، وتكرم، ويكرم" والأصل فيها: "نؤكرم، وتؤكرم، ويؤكرم" كما قال:

فإنه أهل لأن يؤكرما

حملا على "أكرم"؛ وإنما حذف إحدى الهمزتين من "أكرم" لأن الأصل فيه "أؤكرم" فلما اجتمع فيه همزتان كرهوا اجتماعهما فحذفوا إحداهما تخفيفا، ثم حملوا سائر أخواتها عليها في الحذف، وكذلك حذفوا الواو من أخوات "يعد" نحو "أعد، ونعد، وتعد" والأصل فيها "أوعد، ونوعد، وتوعد" حملا على "يعد" وإنما حذفت الواو من "يعد" لوقوعها بين ياء وكسرة. ثم حملوا سائر أخواتها عليها في الحذف، كل ذلك لتحصيل التشاكل، والفرار من نفرة الاختلاف، فكذلك ههنا، حملوا الماضي على المضارع، وبل أولى؛ وذلك لأن مراعاة المشاكلة بالقلب أقيس من مراعاة المشاكلة بالحذف؛ لأن القلب تغيير يعرض في نفس الحرف، والحذف إسقاط لأصل الحرف، والإسقاط في باب التغيير أتم من القلب، فإذا جاز أن يراعوا المشاكلة بالحذف فبالقلب أولى؛ وأما قلب الواو ياء في الماضي في نحو "تغازيت، وترجيت" وإن لم تقلب ياء في المضارع؛ لأن الأصل في "تغازيت: غازيت" وفي "ترجيت: رجيت" فزيدت التاء فيهما لتدل على المطاوعة، و"غازيت، ورجيت" يجب قلب الواو فيهما ياء في المضارع، ألا ترى أنك تقول في المضارع "أغازي، وأرجي" فكذلك في الماضي، وإذا لزم هذا القلب قبل الزيادة في "غازيت أغازي" و"رجيت

ص: 166

أرجي" فكذلك بعد الزيادة في "تغازيت وترجيت" حملا لـ "تغازيت" على "غازيت"، ولـ "ترجيت" على "رجيت" مراعاة للتشاكل، وفرارا من نفرة الاختلاف.

والوجه الثالث: أنك تقول في تصغيره "سميّ"، ولو كان مشتقا من "الوسم" لكان يجب أن نقول في تصغيره "وُسَيْم" كما يجب أن تقول في تصغير "زنة، وُزَيْنة" وفي تصغير "عدة: وعيدة"؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فلما لم يجز أن يقال إلا:"سميّ" دل على أنه مشتق من "السمو"، لا من "الوسم".

والأصل في "سُمَيّ: سُميْو" إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، كما قالوا:"سيد، وجيد، وهين، وميت" والأصل فيه "سيْود، وجيود، وهيون، وميوت" لأنه من السؤدد والجودة والهوان والموت، إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وكذلك أيضا قالوا:"طويت طيا، ولويت ليا، وشويت شيا"، والأصل فيه:"طوْيا، ولويا، وشويا"، إلا أنه لما اجتمعت الواو والياء والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وإنما وجب قلب الواو إلى ياء دون قلب الياء إلى الواو؛ لأن الياء أخف من الواو، فلما وجب قلب أحدهما إلى الآخر، كان قلب الأثقل إلى الأخف أولى من قلب الأخف إلى الأثقل.

ص: 167

والوجه الرابع: أنك تقول في تكسيره "أسماء "وأسامٍ"" ولو كان مشتقا من "الوسم" لوجب أن تقول: "أوسام وأواسيم" فلما لم يجز أن يقال إلا "أسماء" دل على أنه مشتق من "السمو" لا من "الوسم". والأصل في "أسماء: أسماو"، إلا أنه لما وقعت الواو طرفا وقبلها ألف زائدة قلبت همزة، كما قالوا "سماء وكساء ورجاء ونجاء" والأصل فيه:"سماو وكساو ورجاو ونجاو"، لقولهم:"سموت، وكسوت، ورجوت، ونجوت" إلا أنه لما وقعت الواو طرفا وقبلها ألف زائدة قلبت همزة.

ومنهم من قال: إنها قلبت ألفا؛ لأن الألف التي قبلها لما كانت ساكنة خفية زائدة، والحرف الساكن حاجز غير حصين لم يعتدوا بها، ففدروا أن الفتحة التي قبل الألف قد وليت الواو وهي متحركة، والواو متى تحركت وانفتح ما قبلها وجب أن تقلب ألفا، ألا ترى أنهم قالوا:"سما، وعلا، ودعا، وغزا" والأصل فيها: "سموَ، وعلوَ، ودعو، وغزو" لقولهم: "سموت، وعلوت، ودعوت، وغزوت" إلا أنه لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فكذلك ههنا قلبوا الواو في "أسماو" ألفا، فاجتمع فيه ألفان: ألف زائدة، وألف منقلبة عن لام الكلمة، والألفان ساكنتان، وهما لا يجتمعان، فقلبت الألف الثانية المنقلبة عن لام الكلمة همزة لالتقاء الساكنين، وإنما قلبت إلى الهمزة دون غيرها من الحروف لأنها أقرب الحروف إليها؛ لأن الهمزة هوائية كما أن الألف هوائية، فلما كانت أقرب الحروف إليها كان قلبها

ص: 168

إليها أولى من قلبها إلى غيرها.

والوجه الخامس: أنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا في "اسم: سُمى" على وزن "عُلى" والأصل فيه "سمو" إلا أنهم قلبوا الواو منه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "سُمى".

قال الشاعر:

والله أسماك سُمى مباركا

آثرك الله به إيثاركا

وفيه خمس لغات: "اسم" بكسر الهمزة، و"اسم" بضمها، و"سم" بكسر السين، و"سم" بضمها. قال الشاعر:

وعامنا أعجبنا مقدمه

يدعى أبا السمح وقرضاب سمه

مبتركا لكل عظم يلحمه1

وقال:

باسم الذي في كل سورة سمه

قد وردت على طريق تعلمه

ويروى "سمه" بضم السين، و"سمى" على وزن "على" على ما بينا والله أعلم2.

1 القرضاب: الأسد، اللص، السيف القطاع. مبترك: معتمد على شيء، ملح.

2 انظر عرض هذا الخلاف في أمالي ابن الشجري 2/ 66، ففيه ما ليس هنا.

ص: 169

"مسألة 117" 1:

وزن إنسان:

ذهب الكوفيون إلى أن "إنسان" وزنه "إفعان"، وذهب البصريون إلى أن وزنه "فعلان" وإليه ذهب بعض الكوفيين.

أما الكوفيون:

فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في "إنسان: إنسيان" على "إفعلان" من النسيان، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حذفوا منه الياء التي هي اللام لكثرته في استعمالهم، والحذف لكثرة الاستعمال كثير في كلامهم، كقولهم:"أيش" في "أي شيء" و"عم صباحا" في "أنعم صباحا" و"ويلمه" في "ويل أمه"، قال الهذلي:

ويلمه رجلا تأبى به غبنا

إذا تجرد لا خال ولا بخل2

1 ص432.

2 البيت للمتنخل الهذلي من قصيدة يرثي بها ابنه أثيلة، والمعنى: تأبى أن تلحق بها غبنا أي: ضعف رأي، والخال: الخيلاء، أي: لا كبر فيه ولا بخل، انظر ديوان الهذليين 2/ 34.

ص: 170

وقال الآخر:

ويلمه مسعر حرب إذا

ألقي فيها وعليه الشليل1

والذي يدل على أن "إنسان" مأخوذ من "النسيان" أنهم قالوا في تصغيره "أنيسيان" فردوا الياء في حال التصغير؛ لأن الاسم لا يكثر استعماله مصغرا كثرة استعماله مكبرا، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فدل على ما قلناه.

وأما البصريون:

فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن وزنه "فِعْلان" لأن "إنسان" مأخوذ من "الإنس" وسمي "الإنس" إنسا لظهورهم، كما سمي "الجن" جنا لاجتنانهم أي: استتارهم، ويقال:"آنست الشيء" إذا أبصرته، قال الله تعالى:{آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} 2 أي: أبصر، وكما أن الهمزة في "الإنس" أصلية، ولا ألف ونون فيه موجودتان، فكذلك الهمزة أصلية في "إنسان" ويجوز أن يكون سمي "الإنس" إنسا؛ لأن هذا الجنس يستأنس به ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوان، وعلى كلا الوجهين فالألف والنون فيه زائدتان؛ فلهذا قلنا: إن وزنه "فعلان".

1 مسعر حرب: موقد حرب، أي: بطل حرب، يسعرها كلما ركدت.

والشليل: الدرع الصغيرة، غلالة تلبس تحت الدرع.

2 سورة القصص: الآية 28.

ص: 171

وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:

أما قولهم: "إن الأصل في "إنسان: إنسيان" إلا أنهم لما كثر في كلامهم حذفوا منه الياء لكثرة الاستعمال، كقولهم: "أيش" في "أي شيء" و"عم صباحا" في "أنعم صباحا" و"يلمه" في "ويل أمه" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان يجوز أن يؤتى به على الأصل، كما يجوز أن نقول: "أي شيء، وأنعم صباحا، وويل أمه" على الأصل، فلما لم يأت ذلك في شيء من كلامهم في حالة اختيار، ولا ضرورة دل على بطلان ما ذهبتم إليه.

وأما قولهم: إنهم قالوا في تصغيره "أنيسيان" قلنا: إنما زيدت هذه الياء في "أنيسيان" على خلاف القياس، كما زيدت في قولهم:"لييلية" في تصغير "ليلة" و"عشيشية" في تصغير "عشية"، وكقولهم على خلاف القياس "مغيربان" في تصغير "مغرب" و"رويجل" في تصغير "رجل" إلى غير ذلك مما جاء على خلاف القياس، فلا يكون فيه حجة؛ والله أعلم.

ص: 172

"مسألة 116" 1:

التعجب من البياض والسواد

ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل "ما أفعله" في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، نحو أن تقول:"هذا الثوب ما أبيضَهُ، وهذا الشعر ما أسودَهُ" وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان.

أما الكوفيون:

فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ذلك للنقل والقياس؛ أما النقل، فقد قال الشاعر:

إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم

فأنت أبيضهم سربال طباخ2

وجه الاحتجاج أنه قال: "أبيضهم" وإذا جاز ذلك في

1 ص435.

2 كناية عن بخله.

ص: 173

أفعلهم" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، وقد قال الشاعر:

جارية في درعها الفضفاض

تقطِّع الحديث بالإيماض

أبيض من أخت بني إباض1

فقال: "أبيض" وهو "أفعل" من البياض، وإذا جاز ذلك في "أفعل من كذا" جاز في "ما أفعله، وأفعل به" لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، ألا ترى أن ما لا يجوز فيه "ما أفعله" لا يجوز فيه "أفعل من كذا" وكذلك بالعكس منه، ما جاز فيه "ما أفعله" جاز فيه "أفعل من كذا" فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر دل على أنهما بمنزلة واحدة، وكذلك القول في "أفعل به" في الجواز والامتناع، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض.

وأما القياس فقالوا: إنما جوزنا ذلك من "السواد، والبياض" دون سائر الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصهبة والشهبة والكهبة2 إلى غير ذلك، فإذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان؛ إذ كانا أصلين لها، ومتقدمين عليها.

1 جاء في الكامل للمبرد 1/ 226 هذا الشاهد لعبد الله بن الزبير الأسدي:

هما خطتا خسف نجاؤك منهما

ركوبك حوليا من الثلج أشهبا

والشاعر يضطر في غير البياض والسواد، ولو فطن الكوفيون لهذا الشاهد لعضوا عليه بالنواجذ.

2 الكهبة في ألوان الإبل: هي غبرة مشربة سوادا، لون ليس بخالص الحمرة.

ص: 174

وأما البصريون:

فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونا غيرهما من سائر الألوان، فكذلك لا يجوز منهما، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على "أفعل" نحو "أحمر، وأصفر، وأخضر" وما أشبه ذلك، ولأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع، فينبغي ألا يجوز فيهما كسائر الألوان.

وأما الجواب عن كلمات الكوفيين:

أما احتجاجهم بقول الشاعر:

فأنت أبيضهم سربال طباخ

فلا حجة فيه من وجهين:

أحدهما: أنه شاذ فلا يؤخذ به، كما أنشد أبو زيد:

يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا

إلى ربنا صوت الحمار اليجدع

ص: 175

ويستخرج اليربوع من نافقائه

ومن جحره بالشيحة اليتقصع1

فأدخل الألف واللام على الفعل، وأجمعنا على أن استعمال مثل هذا خطأ لشذوذه قياسا واستعمالا، فكذلك ههنا. وإنما جاء هذا لضرورة الشعر، والضرورة لا يقاس عليها، كما لو اضطر إلى قصر الممدود على أصلنا وأصلكم، أو إلى مد المقصور على أصلكم، وعلى ذلك سائر الضرورات، ولا يدل جوازه في الضرورة على جوازه في غير الضرورة، فكذلك ههنا، فسقط الاحتجاج به، وهذا هو الجواب عن قول الآخر:

أبيض من أخت بني إباض

والوجه الثاني: أن يكون قوله: "فأنت أبيضهم" أفعل الذي مؤنثه "فعلاء" كقولك: "أبيض، وبيضاء" ولم يقع الكلام فيه، وإنما وقع الكلام في "أفعل" الذي يراد به المفاضلة نحو "هذا أحسن منه وجها، وهو أحسن القوم وجها" فكأنه قال: "مبيضهم" فلما أضافه انتصب ما بعده عن تمام الاسم؛ وهذا هو الجواب عن قول الآخر: "أبيض من أخت" ومعناه "في درعها جسد مبيض من أخت بني إباض" ويكون "من:

1 الخنى: الفحش. العجم: جمع أعجم وهو الحيوان. اليربوع: الضب. النافقاء: الباب الخلفي لجحر اليربوع. الشيح: نبات سهلي يتخذ من بعضه المكانس، طيب الرائحة، مر الطعم. يتقصع: يستخرج التراب من جحر اليربوع.

و"ال" في "اليجدع" و"اليتقصع" اسم موصول أصلها: "الذي يجدع، الذي يتقصع" فاقتصر الشاعر من اسم الموصول على "ال" ضرورة شعرية، والبيتان لذي الخرق الطهوي.

ص: 176

أخت" ههنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لـ "أبيض"، كأنه قال: "أبيض كائن من أخت" كقولهم: "أنت كريم من بني فلان" ونحوه قول الشاعر:

وأبيض من ماء الحديد كأنه

شهاب بدا والليل داج عساكره1

فقوله: "من ماء الحديد" في موضع رفع؛ لأنه صفة "أبيض" وتقديره: "وأبيض كائن من ماء الحديد" ونحوه أيضا قول الآخر:

لما دعاني السمهري أجبته

بأبيض من ماء الحديد صقيل

وأما قولهم: "إنما جوزنا ذلك لأنهما أصلان للألوان، ويجوز أن يثبت للأصل ما لا يثبت للفرع" قلنا: هذا لا يستقيم؛ وذلك لأن سائر الألوان إنما لم يجز أن يستعمل منها "ما أفعله، وأفعل منه" لأنها لازمت محالها، فصارت كعضو من الأعضاء، فإذا كان هذا هو العلة فنقول: هذا على أصلكم ألزم، وذلك لأنكم تقولون:"إن هذه الألوان ليست بأصل في الوجود" على ما تزعمون، بل هي مركبة من البياض والسواد، فإذا لم يجز مما كان متركبا منها لملازمته المحل، فلأن لا يجوز مما كان أصلا في الوجود وهو ملازم للمحل كان ذلك من طريق الأولى، والله أعلم.

1 داج ظلماته.

ص: 177