المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الروم (30) : الآيات 17 الى 27] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١١

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة العنكبوت

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 8 الى 9]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 10 الى 13]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 14 الى 17]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 18 الى 23]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 24 الى 27]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 28 الى 35]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 36 الى 40]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 41 الى 43]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 44 الى 45]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 46 الى 49]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 50 الى 55]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 56 الى 60]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 61 الى 69]

- ‌تفسير سورة الرّوم

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 8 الى 10]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 11 الى 16]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 17 الى 27]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 28 الى 32]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 33 الى 37]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 41 الى 45]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 46 الى 53]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 54 الى 60]

- ‌تفسير سورة لقمان

- ‌مقدّمة

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 8 الى 11]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 12 الى 19]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى 21]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 22 الى 26]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 27 الى 28]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 29 الى 32]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 33 الى 34]

- ‌تفسير سورة السّجدة

- ‌مقدّمة

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 10 الى 14]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 15 الى 17]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 18 الى 22]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 23 الى 25]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 26 الى 30]

- ‌تفسير سورة الأحزاب

- ‌مقدّمة

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 4 الى 5]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : آية 6]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 7 الى 8]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 9 الى 15]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 16 الى 20]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 21 الى 27]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 الى 29]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 الى 34]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : آية 35]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 36 الى 40]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 45 الى 48]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : آية 49]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 50 الى 52]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 53 الى 54]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 55 الى 59]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 60 الى 68]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 69 الى 73]

- ‌تفسير سورة سبأ

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 6 الى 9]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى 14]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 15 الى 21]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 22 الى 27]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 28 الى 30]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 31 الى 33]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى 39]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى 42]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 43 الى 45]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 46 الى 50]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 51 الى 54]

- ‌تفسير سورة فاطر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 4 الى 8]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 9 الى 14]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 15 الى 26]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 32 الى 35]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 38]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 39 الى 41]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 42 الى 45]

- ‌فهرس إجمالى لسورة «العنكبوت»

- ‌فهرس إجمالى لسورة «الروم»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «لقمان»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «السجدة»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «الأحزاب»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «سبأ»

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «فاطر»

الفصل: ‌[سورة الروم (30) : الآيات 17 الى 27]

أنواعا متعددة من الأدلة والبراهين على وحدانيته- عز وجل وقدرته، ورحمته بخلقه، فقال- تعالى-:

[سورة الروم (30) : الآيات 17 الى 27]

فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26)

وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)

ص: 73

قالوا الإمام الرازي: لما بين- سبحانه- عظمته في الابتداء بقوله ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى، وعظمته في الانتهاء، بقوله:

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ وأن الناس يتفرقون فريقين، ويحكم- عز وجل على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى، بعد كل ذلك أمر بتنزيهه عن كل سوء، وبحمده على كل حال، فقال: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ «1» .

والفاء في قوله: فَسُبْحانَ.. لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ولفظ «سبحان» اسم مصدر، منصوب بفعل محذوف. والتسبيح: تنزيه الله-- تعالى-: عن كل ما لا يليق بجلاله. والمعنى: إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ذلك، فسبحوا الله- تعالى- ونزهوه عن كل نقص حِينَ تُمْسُونَ أى: حين تدخلون في وقت المساء، وَحِينَ تُصْبِحُونَ أى:

تدخلون في وقت الصباح.

وقوله- تعالى-: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة معترضة لبيان أن جميع الكائنات تحمده على نعمه، وأن فوائد هذا الثناء تعود عليهم لا عليه- سبحانه-.

وقوله وَعَشِيًّا معطوف على حِينَ تُمْسُونَ أى: سبحوا الله- تعالى-: حين تمسون، وحين تصبحون، وحين يستركم الليل بظلامه. وحين تكونون في وقت الظهيرة، فإنه- سبحانه- هو المستحق للحمد والثناء من أهل السموات ومن أهل الأرض، ومن جميع المخلوقات.

قال ابن كثير: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفي؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى، سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.

وفي حديث آخر: «من قال حين يصبح: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.. أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي، أدرك ما فاته في ليلته «2» » .

(1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 514.

(2)

تفسير ابن كثير ج 6 ص 314.

ص: 74

ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر قدرته فقال: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كإخراجه الإنسان من النطفة، والنبات من الحب، والمؤمن من الكافر وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كما في عكس هذه الأمور، كإخراجه النطفة من الإنسان، والحب من النبات، والكافر من المؤمن.

وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها: أى: بعد قحطها وجدبها، كما قال- سبحانه-: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، وقوله- تعالى-: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ تذييل قصد به تقريب إمكانية البعث من العقول والأفهام. أى: ومثل هذا الإخراج البديع للنبات من الأرض، وللحي من الميت، نخرجكم- أيها الناس- من قبوركم يوم القيامة، للحساب والجزاء.

ثم أورد- سبحانه- بعد ذلك أنواعا من الأدلة على قدرته التي لا يعجزها شيء، فقال- تعالى- وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ.

والآيات: جمع آية، وتطلق على الآية القرآنية، وعلى الشيء العجيب، كما في قوله- تعالى-: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً.. والمراد بها هنا: الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، الدالة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.

والمعنى: ومن آياته- سبحانه- الدالة على عظمته، وعلى كمال قدرته، أنه خلقكم من تراب، أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فروع عنه.

و «إذا» في قوله: ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ هي الفجائية.

أى: خلقكم بتلك الصورة البديعة من مادة التراب التي لا يرى فيها رائحة للحياة، ثم صرتم بعد خلقنا إياكم في أطوار متعددة، بشرا تنشرون في الأرض، وتمشون في مناكبها، وتتقلبون فيها تارة عن طريق الزراعة، وتارة عن طريق التجارة، وتارة عن طريق الأسفار.. كل ذلك طلبا للرزق، ولجمع الأموال.

وعبر- سبحانه- بثم المفيدة للتراخي، لأن انتشارهم في الأرض لا يتأتى إلا بعد مرورهم بأطوار متعددة، منها أطوار خلقهم في بطون أمهاتهم، وأطوار طفولتهم وصباهم، إلى أن يبلغوا سن الرشد.

قال الشوكانى: وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم، بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان، كما حكاها الله- تعالى- في

ص: 75

مواضع، من كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما مكسوا لحما. «1» .

ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده، فقال:

وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أى: ومن آياته الدالة على رحمته بكم، أنه- سبحانه- خلق لكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أى: من جنسكم في البشرية والإنسانية أزواجا.

قال الآلوسى: قوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم- عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم «فمن» للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقي، ويجوز أن تكون «من» ابتدائية، والأنفس مجاز عن الجنس، أى: خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر، قيل: وهو الأوفق لما بعد «2» .

وقوله- سبحانه-: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة. أى:

خلق لكم من جنسكم أزواجا، لتسكنوا إليها، ويميل بعضكم إلى بعض، فإن الجنس إلى الجنس أميل، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما وَجَعَلَ- سبحانه- بَيْنَكُمْ يا معشر الأزواج والزوجات مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أى: محبة ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذي شرعه- سبحانه- بين الرجال والنساء، والذي وصفه- تعالى- بهذا الوصف الدقيق، في قوله- عز وجل: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ.

إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرناه لكم قبل ذلك لَآياتٍ عظيمة تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في مظاهر قدرة الله- تعالى- ورحمته بخلقه.

ثم ذكر- سبحانه- آية ثالثة فقال: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل شيء، خلقه للسموات والأرض بتلك الصورة البديعة وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أى: واختلاف لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية، وآخر بالفارسية وثالث بالرومية.. إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات، بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات اللغات التي يتكلم بها أفرادها، ومئات اللهجات وَأَلْوانِكُمْ أى: ومن آياته كذلك، اختلاف ألوانكم، فهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أصفر، وهذا أشقر.. مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء. بل إنك لا تجد شخصين يتطابقان تطابقا تاما في خلقتهما وشكلهما.

(1) تفسير فتح القدير ج 4 ص 219.

(2)

تفسير الآلوسى ج 21 ص 30.

ص: 76

قال صاحب الكشاف: الألسنة: اللغات. او أجناس النطق واشكاله. خالف- عز وجل بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدة، ولا رخاوة، ولا فصاحة.. ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، ولو اتفقت وتشاكلت، وكانت ضربا واحدا، لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة

وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون «1» .

إِنَّ فِي ذلِكَ الذي وضحناه لكم لَآياتٍ بينات لِلْعالِمِينَ- بفتح اللام- وهي قراءة الجمهور، أى: إن في ذلك لآيات لجميع أصناف العالم من بار وفاجر، ومؤمن وكافر.

وقرأ حفص- بكسر اللام- أى: إن في ذلك لآيات لأولى العلم والفهم من الناس.

ثم ذكر- سبحانه- آية رابعة فقال: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ أى: نومكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ لراحة أبدانكم وأذهانكم، وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ أى: وطلبكم أرزاقكم فيهما من فضل الله وعطائه الواسع.

قال الجمل: قيل في الآية تقديم وتأخير، ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطف عليه، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة» «2» .

إِنَّ فِي ذلِكَ كله لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ هذه التوجيهات سماع تدبر وتفكر واعتبار فيعملون بما يسمعون.

ثم ساق- سبحانه- آية خامسة فقال: ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا.

أى: ومن آياته- سبحانه- الدالة على قدرته، أنه يريكم البرق، فتارة تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة، وأمطار مزعجة، وتارة ترجون من ورائه المطر النافع، والغيث المدرار.

وانتصاب «خوفا وطمعا» على أنهما مفعول لأجله، أى: يريكم ذلك من أجل الخوف والطمع، إذ بهما يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يبطر ولا ييأس من رحمة الله.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً كثيرا فَيُحْيِي بِهِ أى: بسبب هذا الماء الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها

(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 433.

(2)

حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 289. [.....]

ص: 77

أى: بأن يحولها من أرض جدباء هامدة إلى أرض خضراء زاخرة بالنبات إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ هذه الإرشادات، ويستعملون عقولهم في الخير لا في الشر، وفي الحق لا في الباطل، وفي استنباط المعاني الدالة على كمال قدرة الله- تعالى- ورحمته.

ثم ذكر- سبحانه- آية سادسة فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ والمراد بقيامهما: ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة البديعة.

أى: ومن آياته- سبحانه- الدالة على كمال قدرته، خلقه للسموات وللأرض، وإبقاؤه لهما على هذه الصورة البديعة، وقيامهما وثباتهما واستمساكهما على تلك الهيئة العجيبة، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته.

قال ابن كثير: وشبيه بذلك قوله- تعالى-: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا. وكان عمر بن الخطاب. رضى الله عنه- إذا اجتهد في اليمين قال: لا، والله الذي تقوم السماء والأرض بأمره، أى: هي قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها «1» .

وقوله- تعالى-: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ بيان لامتثالهم لأمره بدون تقاعس، عند ما يدعوهم الداعي للخروج من قبورهم للبعث والحساب.

و «ثم» بعدها كلام محذوف، و «إذا» الأولى شرطية، والثانية فجائية، والداعي هو إسرافيل بأمر الله- تعالى-: وقوله: مِنَ الْأَرْضِ متعلق بقوله دَعاكُمْ.

أى: ثم بعد موتكم ووضعكم في قبوركم، إذا دعاكم الداعي دعوة واحدة من الأرض التي أنتم مستقرون فيها، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون تلبث أو توقف، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع.

قال صاحب الكشاف: وإنما عطف هذه الجملة على قيام السموات والأرض بثم، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، واقتداره- سبحانه- على مثله وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال- تعالى-: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «2» .

وكما في قوله- سبحانه-: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ «3» وكما في قوله- عز وجل: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا «4» .

(1) سورة النحل. الآية 125.

(2)

تفسير فتح القدير ج 4 ص 205.

(3)

سورة النازعات الآيتان 13، 14.

(4)

سورة الإسراء الآية 52.

ص: 78

ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات، بآية جامعة لكل معاني القدرة والإيجاد والهيمنة على هذا الكون فقال: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى من الملائكة والجن والإنس، خلقا، وملكا، وتصرفا، كل ذلك له وحده- سبحانه- لا لأحد غيره.

وقوله: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ مؤكد لما قبله ومقرر له، أى: كل الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون، خاشعون، طوعا وكرها، إذ لا يمتنع عليه- سبحانه- شيء يريد فعله بهم، من حياة أو موت، ومن صحة أو مرض، ومن غنى أو فقر.

هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يرى أكثر من عشرة أدلة، على وحدانية الله- تعالى- وعلى انفراده بالخلق، وعلى إمكانية البعث، ومن هذه الأدلة خلق الإنسان من تراب، وصيرورته بعد تقلبه في أطوار التكوين بشرا سويا، وإيجاده- سبحانه- للذكور والإناث، حتى يبقى النوع الإنسانى إلى الوقت المقدر في علمه- تعالى-: وإيجاده للناس على هذه الصورة التي اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم، مع أن أصلهم واحد، وجعله- تعالى- الليل مناما لراحة الناس، والنهار معاشا لابتغاء الرزق، وإنزاله المطر من السماء لإحياء الأرض بالنبات، وبقاء السموات والأرض على هذه الصورة العجيبة بأمره وتدبيره..

إلى غير ذلك من الأدلة المبثوثة في الأنفس والآفاق.

ثم أكد- سبحانه- ما يدل على إمكانية البعث، فقال- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ

أى: وهو- سبحانه- الذي يبدأ الخلق بدون مثال سابق، ثم يعيد هذه المخلوقات بعد موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء.

والضمير في قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ للإعادة المفهومة من قوله ثُمَّ يُعِيدُهُ والتذكير للضمير باعتبار المعنى، أى: والعود أو الرد، أو الإرجاع أهون عليه.

أى: وهو- سبحانه- وحده الذي يخلق المخلوقات من العدم، ثم يعيدها إلى الحياة مرة أخرى في الوقت الذي يريده، وهذه الإعادة للأموات أهون عليه، أى: أسهل عليه من البدء.

وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب، بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشيء من مادته الأولى أسهل من ابتدائه.

ورحم الله صاحب الكشاف، فقد وضح هذا المعنى فقال: قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أى: فيما يجب عندكم، وينقاس على أصولكم، ويقتضيه معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة

ص: 79

شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، وتعتذرون للصانع إذا خطئ في بعض ما ينشئه بقولكم: أول الغزل أخرق، وتسمون الماهر في صناعته معاودا، تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى، حتى مرن عليها وهانت عليه.

فإن قلت لم أخرت الصلة في قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وقدمت في قوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ؟ قلت. هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل: هو عليه هين، وان كان مستصعبا عندكم أن يولد بين همل- أى: شيخ فان- وعاقر. وأما هنا فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون، من أن الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى..» «1» .

ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى هين، أى: إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم هين عليه.

والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل في كثير من كلامهم، ومنه قول الشاعر:

إن الذي سمك السماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعز وأطول

أى: بنى لنا بيتا دعائمه عزيزة طويلة ومنه قولهم: الله أكبر أى: كبير.

وقوله- تعالى-: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. أى: وله- سبحانه- الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله، لا في السموات ولا في الأرض، إذ لا يشاركه أحد في ذاته أو صفاته فهو- سبحانه- ليس كمثله شيء.

وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي يغلب ولا يغلب الْحَكِيمُ في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته.

وبعد هذا التطواف المتنوع في آفاق الأنفس، وفي أعماق هذا الكون، ضرب- سبحانه- مثلا لا مجال للجدل فيه، لوضوحه واعتماده على المنطق السليم، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضى في طريقه المستقيم، كما أمر المؤمنين بأن يلتجئوا إليه- سبحانه- وحده، وأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه، فقال- تعالى-:

(1) تفسير الكشاف ج 3 ص 456.

ص: 80