الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأهوال، والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا، والحالة هذه «1» .
وأما القسم الثاني فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ.
والختار: من الختر، وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة. يقال: فلان خاتر وختار وختير، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده، ومنه قول الشاعر:
وإنك لو رأيت أبا عمير
…
ملأت يديك من غدر وختر
والكفور: هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله- تعالى-.
أى: وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا، إلا من كان كثير النقض لعهودنا، شديد النكران لنعمنا.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعداد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله- تعالى- في كل أحوالهم، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء منها. فقال:
[سورة لقمان (31) : الآيات 33 الى 34]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
والمعنى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بأن تطيعوه ولا تعصوه، وبأن تشكروه ولا تكفروه، واخشوا يوما، أى: وخافوا أهوال يوم عظيم.
(1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 353.
لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ أى: لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشيء من النفع في هذا اليوم. أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء.
وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً أى: ولا يستطيع المولود- أيضا- أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه.
وخص- سبحانه- الوالد والمولود بالذكر، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هي أقوى الروابط وأوثقها، فإذا انتفى النفع بينهما في هذا اليوم، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرهما من باب أولى.
وقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أى: إن ما وعد الله- تعالى- به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف.
وما دام الأمر كذلك فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أى: فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله- تعالى- وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد. فإن الكيّس الفطن هو الذي يتزود لهذا اليوم بالإيمان الحق، والعمل الصالح النافع.
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أى: ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، وعن امتثال أمره. فالمراد بالغرور: الشيطان. أو كل ما يصرفك عن طاعة الله- تعالى.
قال الآلوسى: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أى: الشيطان، كما روى عن ابن عباس وغيره. بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم
…
وعن أبى عبيدة: كل شيء غرك حتى تعصى الله- تعالى- فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال:
الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان.. وأصل الغرور: من غر فلان فلانا، إذا أصاب غرته، أى: غفلته، ونال منه ما يريد. والمراد به الخداع..
والظاهر أن «بالله» صلة «يغرنكم» أى: لا يخدعنكم بذكر شيء من شئونه- تعالى-، يجركم بها على معاصيه- سبحانه- «1» .
ثم بين- سبحانه- جانبا من الأمور التي استأثر- عز وجل بعلمها فقال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أى: عنده وحده علم وقتها، وعلم قيامها، كما قال- تعالى-:
(1) تفسير الآلوسى ج 21 ص 108.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ.. «1» .
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ أى: وينزل بقدرته المطر، ويعلم وحده وقت نزوله. وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أى: ويعلم ما في أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى.
وَما تَدْرِي نَفْسٌ من النفوس كائنة من كانت ماذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، ومن رزق قليل أو كثير، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد.
وَما تَدْرِي نَفْسٌ من النفوس- أيضا- كائنة من كانت بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أى: بأى مكان ينتهى أجلها.
إِنَّ اللَّهَ- تعالى- عَلِيمٌ بكل شيء خَبِيرٌ بما يجرى في نفوس عباده.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث والآثار، منها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ هذه الآية» ..
وعن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن امرأتي حبلى فأخبرنى ما تلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت؟ فأنزل الله الآية» «2» .
وهذه الأمور الخمسة من الأمور التي استأثر الله- تعالى- بها على سبيل العلم اليقيني الشامل المطابق للواقع..
ولا مانع من أن يطلع الله- تعالى- بفضله وكرمه، بعض أصفيائه على شيء منها.
وليست المغيبات محصورة في هذه الخمسة، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله- تعالى- داخل فيما استأثر الله- تعالى- بعلمه، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر لأنها من أهم المغيبات، أو لأن السؤال كان عنها.
وما يخبر به المنجم والطيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التي لم تتكشف بعد، فمبناه على الظن لا على اليقين، وعلى احتمال الخطأ والصواب.
أما علم الله- تعالى- بهذه الأمور وغيرها، فهو علم يقيني قطعى شامل. لا يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ.
(1) سورة الأعراف الآية 187.
(2)
تفسير ابن كثير ج 6 ص 357.
وصدق الله إذ يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.
وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة «لقمان» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
القاهرة- مدينة نصر