الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن مرد النفع والضر في هذا اليوم إلى الله- تعالى.
وحده، فالعابدون لا يملكون شيئا، والمعبودون كذلك لا يملكون شيئا.
وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أى: ونقول في هذا اليوم الهائل الشديد للذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق بعبادتهم لغيرنا، نقول لهم ذُوقُوا فظاعة وشدة عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، وتنكرون أن يكون هناك بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب.
ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من أقوال هؤلاء المشركين في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم، وتهددهم بسوء المصير إذا استمروا في طغيانهم وجهلهم فتقول:
[سورة سبإ (34) : الآيات 43 الى 45]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45)
وقوله: تُتْلى من التلاوة، وهي قراءة الشيء بتدبر وتفهم.
أى: وإذا ما تليت آياتنا الدالة دلالة واضحة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنا.
قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ أى: قالوا على سبيل الإنكار والاستهزاء، ما هذا التالي لتلك الآيات إلا رجل يريد أن يمنعكم عن عبادة الآلهة التي كان يعبدها آباؤكم الأقدمون.
ويعنون بقولهم «ما هذا إلا رجل» : الرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون بالإشارة إليه، الاستخفاف به، والتحقير من شأنه صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ لإثارة حمية الجاهلية فيهم فكأنهم يقولون لهم: احذروا اتباع هذا الرجل، لأنه يريد أن يجعلكم من أتباعه، وأن يقطع الروابط التي تربط بينكم وبين آبائكم الذين أنتم قطعة منهم.
ولم يكتفوا بالتشكيك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل أضافوا إلى ذلك التكذيب للقرآن الكريم، ويحكى- سبحانه- ذلك فيقول: وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً.
أى: وقالوا في شأن القرآن الكريم: ما هذا الذي يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم علينا، إلا إِفْكٌ أى: كلام مصروف عن وجهه، وكذب في ذاته مُفْتَرىً أى: مختلق على الله- تعالى- من حيث نسبته إليه.
فقوله مُفْتَرىً صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم، فكأنهم يقولون- قبحهم الله- ما هذا القرآن إلا كذب في نفسه، ونسبته إلى الله- تعالى- ليست صحيحة.
ثم أضافوا إلى تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن، تكذيبا عاما لكل ما جاءهم به الرسول من حق، فقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ، إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
أى: وقال الكافرون في شأن كل حق جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر واضح.
وهكذا نراهم- لعنادهم وجهلهم- قد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا القرآن. وكذبوا كل توجيه قويم، وإرشاد حكيم، أرشدهم إليه صلى الله عليه وسلم إذ اسم الإشارة الأول يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني يعود إلى القرآن، والثالث يعود إلى تعاليم الإسلام كلها.
ثم بين- سبحانه- أن أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون، فقال- تعالى-: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ.
أى: أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور، لم نأتهم بكتب يدرسونها ويقرءونها ليعرفوا منها أن الشرك حق، فيكون لهم عذرهم في التمسك به، وكذلك لم نرسل إليهم قبلك- أيها الرسول الكريم- نذيرا يدعوهم إلى عبادة الأصنام، ويخوفهم من ترك عبادتها.
وما دام الأمر كذلك، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم، وبهذا الإنكار للحق الذي
جاءهم؟ إن أمرهم هذا لهو في غاية الغرابة والعجب.
فالمقصود من الآية الكريمة تجهيلهم والتهكم بهم، ونفى أن يكون عندهم حتى ما يشبه الدليل على صحة ما هم فيه من شرك.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وقوله- عز وجل: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ.
ثم بين لهم- سبحانه- بعد ذلك هوان أمرهم. وتفاهة شأنهم بالنسبة لمن سبقوهم، فقال: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ، فَكَذَّبُوا رُسُلِي، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.
والمعشار بمعنى العشر وهو لغة فيه. تقول: عندي عشر دينار ومعشار دينار، قال أبو حيان: والمعشار مفعال من العشر، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع. ومعناهما: العشر والربع.. «1» .
والضمير في قوله وَما بَلَغُوا يعود لكفار مكة، وقوله: ما آتَيْناهُمْ وفي قوله:
فَكَذَّبُوا رُسُلِي يعود إلى الأمم السابقة.
والنكير: مصدر كالإنكار، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل.
والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لتكذيب قومك لك، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم، وإن قومك لم يبلغوا من القوة والغنى والكثرة.. عشر ما كان عليه سابقوهم، ولكن لما كذب أولئك السابقون أنبياءهم، أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم جميعا.
والاستفهام في قوله- تعالى- فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للتهويل. والجملة الكريمة معطوفة على مقدر والمعنى: فحين تمادوا في تكذيب رسلي، جاءهم إنكارى بالتدمير، فكيف كان إنكارى عليهم بالتدمير والإهلاك؟ لقد كان شيئا هائلا فظيعا تركهم في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، فعلى قومك أن يحذروا من أن يصيبهم مثله.
وجعل- سبحانه- التدمير إنكارا، تنزيلا للفعل منزلة القول، كما في قول بعضهم:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم.
ويرى بعضهم أن الضمير في قوله وَما بَلَغُوا يعود على الذين من قبلهم، وفي قوله آتَيْناهُمْ يعود إلى كفار مكة.
(1) تفسير البحر المحيط ج 7 ص 290.