الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكشف والذوق والإلهام
لم يكتف الأشاعرة بتحكيم العقل في النص، بل حكَّموا معيارًا آخر، كان لتحكيمه أسبابٌ خاصة، وهو معيار الكشف والذوق والإلهام والفيض.
ذلك أن دعاة البدعة والضلال لما أعرضوا عن التمسك بالوحي، وجعلوا نصوصه غرضًا لسهامهم، وتناولوها على مشرحة النقد والأخذ والرد، كان لا بد أن يتلقوا عن غير الله ورسوله من مصادر التلقي الأخرى، فظهر تباين نزعاتهم بحسب تباين مشاربهم الفكرية، فالذين أخذوا عن اليونان والصابئة - وهم الأكثرون - حكموا العقل، وإن أردت الصحة فقل: حكموا التخرصات والظنون والآراء.
والذين نقلوا عن البراهمة والمجوس والنصارى حكموا الكشف والذوق، وإن شئت فقل: أضغاث الأحلام، وهوس المخبولين (1).
لقد كانت مصيبة كبرى تلك التي جاء بها المتصوفة حينما فتحوا مصدرا جديدًا للتلقي بقاعدة (حدثني قلبي عن ربي)، وهاجموا أشد ما هاجموا أهل الحديث والأثر - رمز التمسك بالوحي - قائلين: أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي. وأنتم تقولون: حدثني فلان (وأين هو؟
(1) ليس هذا مبالغة، فقد نسبها ابن الجوزي إلى (الماليخوليا) أي: هستريا الأعصاب بلغة عصرنا. انظر الفصل الخاص بهم من تلبيس إبليس.
قالوا: مات) عن فلان (وأين هو؟ قالوا: مات)(1).
فإن قيل: إن موقف الصوفية من هذه القضية معروفٌ، ولكن ما علاقة ذلك بالأشاعرة؟.
فالجواب: أن ارتباط الأشاعرة بالتصوف، وامتزاج كل من المنهجين بالآخر أمرٌ يشهد له واقع نشأة كلا المذهبين وأعلام رجاله، ولسنا في مقام الإفاضة هنا، ولكننا نشير إشارات سريعة فنقول:
(1)
- شيخ المذهب أبو الحسن الأشعري في مرحلة ما قبل توبته ورجوعه إلى مذهب السلف - وهي المرحلة التي لا يعترف الأشاعرة بسواها، ولا يقتدون به في غيرها - كان مريدًا للصوفية، متتلمذًا على الجنيد (توفي 297هـ، والأشعري توفي 324هـ على الراجح) وها هي ذي نونية الأشعري المتعصب ابن السبكي صاحب الطبقات، نسوق شواهد منها مع الاعتذار عن الإثقال بها:
وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري
…
مبينًا للحق أي بيان
ومناضلًا عمَّا عليه أولئك الـ
…
أسلاف بالتحرير والإتقان
يقفو طرائقهم ويتبع حارثًا
…
أعني محاسب نفسه بوزان (2)
(1) انظر مدارج السالكين (1/ 40)، والفتوحات المكية (1/ 365)، وفتح الباري (1/ 221 - 222).
(2)
الحارث المحاسبي أول من ابتدع التأليف في الوساوس والخطرات، وله بلايا ذكرها ابن الجوزي وغيره، أَمَرَ الإمام أحمد بهجره فمات مهجورًا. وقد غمز الشيخ أبو غدة في الإمام أحمد والمحدثين بسبب موقفهم منه. انظر مقدمة رسالة المسترشدين للمحاسبي، تحقيق أبي غدة (ص18 - 19).
فلقد تلقى حسن منهجه عن الـ
…
أشياخ أهل الدين والعرفان
فلذاك تلقاه لأهل الله ينـ
…
صر قولهم بمهندٍ وسنان
مثل ابن أدهم والفضيل وهكذا
…
معروفٌ المعروف في الإخوان
ذو النون أيضًا والسري وبشرٌ
…
بن الحارث الحافي بلا فقدان
وكذلك الطائي ثم شقيق الـ
…
بلخي وطيفورٌ كذا الداراني
والتستري وحاتم وأبو ترا
…
ب عسكر فاعدد بغير تواني
وكذاك منصور بن عمار كذا
…
يحيى سليل معاذ الرباني
فلديهم حسن اعتقاد مثل ما
…
لهمُ به التأييد يوم رهان
لم لا يتابع هؤلاء وشيخه الـ
…
شيخ الجنيد السيد الصمداني
عنه التصوف قد تلقى فاغتذى
…
وله به وبعلمه نوران
ويسرد آخرين ثم يقول:
وكذاك أصحاب الطريقة بعده
…
ضبطوا عقائده بكل عنان
وتتلمذ الشبلي بين يديه وابـ
…
ـن خفيف والثقفي والكتاني
وخلائق كثروا فلا أحصيهم
…
وربوا على الياقوت والمرجان
الكل معتقدون أن إلهنا
…
متوحد فرد قديم داني
حيٌ عليمٌ قادرٌ متكلمٌ
…
عالٍ ولا نعني علو مكان (؟!)
ثم استمر في سرد عقيدة الأشاعرة على أساس أنها اعتقاد هؤلاء جميعا (1).
(1) طبقات الشافعية (3/ 380 - 381).
ونحن نعلم أن الأشاعرة كثيرًا ما يدَّعون لمذهبهم من الأعلام من ليس عليه، كما هو الشأن في هؤلاء الذين نفى عنهم شيخ الإسلام في (الاستقامة) ما نُحِلَ لهم، مستشهدًا بكلام قدماء الصوفية أنفسهم، كالكلاباذي والسلمي.
ولكن شاهدنا هنا هو ارتباط الأشعرية بالتصوف في الجملة، وتلمذة أبي الحسن عليهم، وتلمذتهم عليه.
2 -
تلميذه الأكبر: أبو الحسن الباهلي - الذي كان له ولزميله: أبو عبد الله بن مجاهد اليد الطولى في نشر المذهب - كانت له من أحوال الصوفية غرائب، ننقل منها ما ذكره ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري على الإمام الأشعري)، وتبعه ابن السبكي أيضًا: وهي أنه كان يتحجب عن الرجال، وحتى عن نساء بيته، وتظهر عليه خبالات الصوفية، يقول عنه تلميذه القاضي أبو بكر الباقلاني - كما نقلا -:«كنت أنا وأبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرةً واحدةً، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه كي لا نراه، وكان من شدة اشتغاله بالله مثل والهٍ أو مجنون (!!)، لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك» .
وقال أبو الفضل محمد بن علي الصعلكي: «كان الباهلي يُسأل عن سبب النقاب، إرساله الحجاب بينه وبين هؤلاء الثلاثة، كاحتجابه عن الكل، فإنه كان يحتجب عن كل واحد؟. فأجاب: إنهم يرون السوقة وهم أهل الغفلة، فيروني بالعين التي يرون أولئك بها (!!)» .
قال: «وكانت له أيضًا جارية تخدمه، فكان حالها أيضًا معه كحال
غيرها؛ من الحجاب، إرخاء الستر بينه وبينها» (1).
فهذا شيخ المذهب الثاني، وهؤلاء التلاميذ أساطين المذهب الذين نشروه وفلسفوه، وهذا حالهم!!.
(3)
- كان ممن أخذ عن الباهلي وابن مجاهد وطبقتهم المتصوف أبو علي الدقاق، وله تتلمذ الصوفي المشهور أبو القاسم القشيري صاحب المصنفات الصوفية المشهورة، وتلميذ أبي عبد الرحمن السلمي، الذي نقض شيخ الإسلام كتابه (الرسالة) بكتاب (الاستقامة). وبين فيه أنه مخالفٌ لطريقة أئمة السلوك من الصوفية، فضلًا عن أئمة السلف، والقشيري هذا لا يقل افتخار الأشاعرة وتعظيمهم له عن افتخار الصوفية وتعظيمهم، فهو من علماء المذهب المشار إليهم بالبنان، وهو صاحبٌ حميمٌ لأبي المعالي الجويني في السراء والضراء، وحينما تعرض الأشاعرة للعن من فوق المنابر أيام حكم السلاجقة أسوةً بسائر المبتدعة (2) كتب القشيري رسالة (شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من
(1) المصدر السابق (3/ 369)، وابن عساكر (ص187). وانظر لحال هذا المسكين واعتذاره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرون الكفار، بل والأصنام بأعينهم، ولكنها خلوة الدين الصوفي، فقد صرحوا بأن من لم يستطع الاحتجاب الكامل عن الناس فليلفف على وجهه ورأسه عمامة كبيرة حتى لا يراه أحد ولا يرى أحدًا سوى الحق. زعموا.
(2)
انظر حول هذه القضية: تبين كذب المفتري (ص (332))، والتسعينية (ص (278))، وطبقات الشافعية ((3) / (389)).
المحنة). وهي رسالة لها قدرها عند الأشاعرة الغابرين والمعاصرين (1)، وابنه أبو نصر ابن القشيري هو زعيم الأشاعرة في عصره، وصاحب الفتنة التاريخية المشهورة بفتنة ابن القشيري بين الأشاعرة وأهل السنة (2).
(4)
- وفي الطبقة الثالثة للقشيري من الأشاعرة والصوفية يبرز أبو حامد الغزالي، الذي لا يشك في انتمائه أشعريٌّ ولا صوفيٌّ، وتأثر به من بعده، حتى أن تفسير الرازي ينضح بما في (الإحياء) من شطحات الصوفية، مع غلو الرازي في الكلام والعقليات، وعلى يد الغزالي «انتشر المذهب الأشعري انتشارًا كبيرًا» على حد قول الكوثري (3). واستبطن الغزالي كتب من سبقه من الصوفية - لا سيما المحاسبي، وأبو طالب المكي، والسلمي، والقشيري، وغيرهم - ونثرها في (الإحياء)، ممزوجة بعلم الكلام، فأسس بذلك اتجاهًا بدعيًّا متميزًا فيه خليطٌ من التجهم والباطنية والتصوف والكلام، ولعل أبرز مثال له هو تلميذه ابن تومرت، مدعي المهدية، وناشر الأشعرية في المغرب. وفي الإحياء أيضًا كتب أبو حامد (قواعد العقائد) - على المنهج الأشعري طبعًا - ووقف عند قضية ما يؤوّل وما لا يؤوّل، وحقيقة ظواهر النصوص
(1) ذكرها صاحب الطبقات كاملة (3/ 399)، وكذا جامع الرسائل القشيرية.
(2)
انظر المنتظم لابن الجوزي (8/ 305)(9/ 3، 220)، وتبيين كذب المفتري (ص310).
(3)
مقدمة الإنصاف (ص11).
وبواطنها، والمعيار الفاصل في هذه الأمور الشائكة، فحاص هنالك وحار، ثم رجح الكشف والنور الإلهي، وجعله هو المعيار.
يقول الغزالي: «وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسرافٌ واقتصاد، فمن مسرف في رفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها .. [ثم ذكر أن هؤلاء يجعلون كل ما ورد في المغيبات بلسان المقال إنما هو بلسان الحال، كما في سؤال منكر ونكير، ومناظرات أهل الجنة والنار .. الخ] وغلا آخرون في حسم الباب، منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه .. [إلى أن يقول]: والظن بأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار (!!)، والنزول ليس هو الانتقال (؟)، ولكنه منع من التأويل حسمًا للباب.
وذهبت طائفة إلى الاقتصاد، وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها، ومنعوا التأويل فيه، وهم الأشعرية (1). وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية، و
…
وجملةً من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد، وبالجنة، واشتمالها على الملاذّ المحسوسة، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق
…
ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة، فأوّلوا كل ما ورد في الآخرة، وردوه إلى آلام عقلية وروحانية
…
وأنكروا حشر الأجساد».
ثم فصل بين هذه الأقوال جميعها بقوله: «وحدّ الاقتصاد بين هذا
(1) راجع مناظرة الباطنية لهم وإلزامهم بهذا، وقد سبق ذكرها (ص100 - 102).
الانحلال كله وبين جمود الحنابلة (!) دقيقٌ غامضٌ، لا يطلع عليه إلا الموفَّقُون، الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع [أي لا بالنصوص السمعية]، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أوَّلوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف، والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل رحمه الله» (1).
فالأخذ من النصوص عنده يؤدي إلى الاضطراب، وعدم الثبات على شيءٍ، والحل الصحيح، ومعيار ما يؤخذ من الوحي وما يرد هو الرجوع إلى الكشف والذوق والنور الإلهي، مع أن كل ذي عقل يدرك أن هناك إحالة على شيءٍ أكثر اضطرابًا، بل أبعد تصورًا من هذا.
وعلى هذا اعتبر كثيرٌ من متصوفي الأشاعرة القدامى والمعاصرين علماء السلف - كأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهما - علماء شريعة، أما المحاسبي والغزالي ومن نهج نهجهم علماء حقيقة (2).
وعلم الحقيقة عندهم هو كاسمه علم الحقائق، لا الظواهر الزائفة التي يقف عندها علماء الشريعة من المحدثين والفقهاء، وهو المسمَّى (العلم اللدنّي)، الذي يتلقونه بزعمهم عن الحي الذي لا يموت (3)، وإن
(1) الإحياء (1/ 178 - 180).
(2)
انظر جولات في الفقهين الكبير والأكبر.
(3)
الصوفية صادقون في قولهم: إنهم لا يأخذون علمهم ميتًا عن ميت. لكنهم لا يأخذون عن الحي الذي لا يموت، بل عن الحي الذي أنظره الله تعالى إلى يوم يبعثون!.
شئت معرفة هذا المصدر والمعيار فاقرأ ما قاله الغزالي في (الرسالة اللدنية): «اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين: أحدهما: التعلم الإنساني. والثاني: التعليم الرباني
…
».
ثم قال: «الطريق الثاني - وهو التعليم الرباني - على وجهين:
الأول: إلقاء الوحي، وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة، ودرن الحرص والأمل، وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا، وينقطع نسبها عن الأماني الفانية، وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها، وتتمسك بجود مبدعها، وتعتمد عزم إفادته، وفيض نوره.
والله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالًا كليًّا، وينظر إليها نظرًا إلهيًّا، ويتخذ منها لوحًا، ومن النفس الكلي (؟) قلمًا، وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلي (؟) كالمعلم، والنفس القدسية (؟) كالمتعلم، فيحصّل جميع العلوم لتلك النفس، وينقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر
…
».
وبعد هذا التفسير القرمطي (1)
للوحي. ينتقل للوجه الثاني فيقول:
(1) في مثل هذه المسألة تلتقي الصوفية والنصرانية والباطنية في التلقي والاستمداد من (الأفلاطونية الحديثة)، وهي مدرسة وثنية فلسفية ظهرت قبل المسيح عليه السلام، من أساطيرها أن المنشئ الأزلي الأول تولد منه (العقل الكلي)، وعنه فاض (الروح الكلي)، أو (النفس الكلية)، ومنها تستمد جميع الأرواح والعقول.
وعن هذا الثالوث الوثني الخرافي عبرت الطوائف المذكورة كلٌّ بحسب اصطلاحه.
وكلام الغزالي هذا تجده بنصه، أو بمعناه في رسائل بولس (مؤسس النصرانية المنحرفة)، ورسائل إخوان الصفا الباطنية، وله أيضًا اقتباسات أخرى من مصطلحاتهم أدخلها في العقيدة معبرًا عنها بألفاظ قرآنية، مثل: الملكوت، والجبروت، والميزان. نبه إليها شيخ الإسلام في الرد على المنطقين (ص (488)) وغيره. ونبه رحمه الله أن من يسمون فلاسفة الإسلام استخدموا جمال الألفاظ القرآنية والتعبيرات العربية في تزويق وتمويه الفلسفة الوثنية، ولولا هذا ما قبلها من المسلمين
…
أحد. وانظر إلى كلام الغزالي أعلاه حيث جعل للعلاقة الأفلاطونية بين العقل والنفس الكليين صبغة إسلامية؛ إذ شبهها بتولد حواء من آدم عليه السلام، تمامًا كما فعل بولس الذي عبر عنها بتولد الابن من الأب
…
تعالى الله ودينه عن هذه الوثنيات
…
«الوجه الثاني: هو الإلهام، والإلهام: تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها.
والإلهام أثر الوحي، فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي، والإلهام هو تعريضه، والعلم الحاصل عن الوحي يسمَّى علمًا نبويًّا، والذي يحصل عن الإلهام يسمَّى علمًا لدنيًّا.
والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري (؟)، وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلبٍ صافٍ فارغ لطيف.
وذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم عليه السلام، وقد بين أن العقل الكلي أشرف
وأكمل وأقوى وأقرب إلى الباري تعالى من النفس الكلية (؟) والنفس الكلية أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات (؟)، فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام، ومن إشراق النفس الكلية يتولد الإلهام.
فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء.
فأما علم الوحي فكما أن النفس دون العقل فالولي دون النبي، فكذلك الإلهام دون الوحي فهو ضعيف بنسبة الوحي، قوي بإضافة الرؤيا.
والعلم علم الأنبياء والأولياء، فأما علم الوحي فخاصٌّ بالرسل، موقوف عليهم كما كان لآدم وموسى عليهما السلام وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم وغيرهم من الرسل.
وفرق بش الرسالة والنبوة: فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الأول.
والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين (1).
وربا يأتي القبول لنفسٍ من النفوس، ولا يأتي لها التبليغ؛ لعذرٍ من الأعذار، وسببٍ من الأسباب (!!!!)(2).
(1) عجبا لهذه القرمطة في موضوع الوحي، وعجبًا أكبر لمن يجعل كتب الغزالي منهجًا لتريية الشباب على الإسلام، ويقول: إنه أعظم مفكر عرفه العالم، كالشيخ سعيد حوى. انظر: جند الله تعالى ثقافة وأخلاقًا.
(2)
ومن هذه الأسباب الخوف، وقد صرح كثير من الصوفية أنه إنما يمنعه من التصريح بفيوضاته وإلهاماته خوفه من أن يقال: إنه زنديق. فَيُقْتَل، كما قتل الحلاج، والسهروردي. يقول ابن عربي:
يا رب جوهر علم لو أبوح به
…
لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
فتأمل كلام الغزالي، وانظر أي باب فتحه لهم، وأي فرق - حسب كلامه - بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوة القادياني، ومحمد محمود طه؟!!.
والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية، كما كان للخضر عليه السلام حيث أخبر الله تعالى عنه فقال:{وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: (65)](؟).
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (أدخلت لساني في فمي (؟؟)، فانفتح في قلبي ألف باب من العلم، مع كل باب ألف باب [فالمجموع مليون باب!!]. وقال: لو وُضعت في وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم» (1).
(1) حاشا لله أن يقول علي رضي الله عنه هذا الإفك، الذي اختلقته الشيعة منذ عصر مؤسسها عبد الله بن سبأ اليهودي. وقد كذبهم بنفسه رضي الله عنه، كما روى البخاري ومسلم أنه سأله أكثر من واحد عن هذه الدعاوى السبئية قائلين: هل خصَّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من العلم؟ فقال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهمًا يفهمه مسلم في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، فأخرجها فإذا فيها الدية، وفكاك الأسير، وألا يقتل مؤمن بكافر. له روايات صحيحة متعددة، انظر فتح الباري (1/ 204).
ثم انظر كيف وضع قدامى الماسونية هذا الكلام لثبتوا مذهبهم الخبيث في وحدة الأديان، وأنها كلها طرائق إلى مهندس الكون الأزلي، وهي دعوى يهودية لها ما وراءها، كقول الحلاج:
تفكرت في الأديان جدًّا محققًا
…
فألفيتها أصلًا له شُعَبٌ جَمَّا
…
إلى آخر الأبيات. وإلا فكيف يحكم علي رضي الله عنه بالتوراة والإنجيل، وقد نسخهما القرآن، وحرفتهما أفاعي التلمود وتلامذة بولس.
وهذه مرتبةٌ لا تنال بمجرد التعلم الإنساني، بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني».
ثم ذكر حكاية أخرى موضوعة عن علي رضي الله عنه وقال: «فإذا أراد الله تعالى بعبده خيرًا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات، وانتقش فيها معاني ذلك المكنونات، فتعبر عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده
…
».
أما وسيلة الحصول على هذا العلم فهي الخلوة الطويلة، والاحتجاب عن الخلق، مع عدم مشاغلة النفس بأي شيءٍ حتى قراءة القرآن وكتابة الحديث، كما صرح الغزالي وغيره (2)، وأرقى من ذلك عندهم أن يظل يكرر:(هو .. هو ..) وهو واقفٌ على رأسه أيامًا وليالي حتى يسمع أو يرى من يخاطبه، فيتلقى منه، وهذه طريقة الحلاج، وأبي
(1) الرسالة اللدنية، ضمن: القصور العوالي من رسائل الغزالي (1/ 114 - 118)، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا.
(2)
انظر: ولاية الله والطريق إليها، إبراهيم إبراهيم هلال (ص61 - 168).
سعيد الفارسي (1)!!.
وأكثر الناس حبًّا للصوفية، ودفاعًا عنهم من القدامى والمعاصرين إنما يعتذر لهم عن هذا المسلك الوثني الشائن بأنهم سئموا تعقيدات علم الكلام وجفافه، فهربوا منه إلى نداوة الوجد والذوق والإلهام، فأما جفاف علم الكلام وتعقيده فلا نشك فيه، ولكن ما الذي ألجأهم للاصطلاء بناره أوَّلًا، ونور النبوة بأيديهم غضٌّ طريٌّ، ثم إذْ ذاقوا حرَّها لِمَ فروا إلى أشد منها، ولم يرجعوا إلى الوحي؟!.
فليس لهم عذر، لا أوَّلًا ولا آخرًا.
حقًّا: لقد نقد المتصوفة علماء الكلام، ولكن لماذا وبماذا؟.
استمع إلى قول عبد الرحمن الجامي من صوفية وأشعرية القرن التاسع (2): «القول في وحدته: لما كان الواجب تعالى عند جمهور المتكلمين حقيقةً واحدةً موجودةً بوجودٍ خاص، وعند شيخهم [يعني: الأشعري] والحكماء [يعني الفلاسفة كما تكرر] وجودًا خاصًّا، احتاجوا في إثبات وحدانيته ونفي الشريك عنه إلى حجج وبراهين، كما أوردوها في كتبهم.
وأما الصوفية القائلون بوحدة الوجود، فلما ظهر عندهم أن حقيقة الواجب تعالى هو الوجود المطلق (؟!) لم يحتاجوا إلى إقامة الدليل على توحيده، ونفي الشريك عنه، فإنه لا يمكن أن يتوهم فيه إثنينية
(1) انظر: أسرار التوحيد، ترجمة إسعاد قنديل (ص52).
(2)
انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (3/ 296).
وتعدد من غير أن يعتبر فيه تعين وتقيّد، فكل ما يشاهد أو يتخيل أو يتعقل من المقصود، فهو الموجود، أو الوجود الإضافي لا المطلق».
فانظر إلى هذا الكفر الصراح الناشئ عن منهجهم الذي قال عنه:
«ثم إن مستند الصوفية فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان، لا النظر والبرهان» (1)؛ لتعلم أن المتكلمين أخف منهم شرًّا، وأن دفاع المدافعين عنهم أمرٌ له خبئٌ. والله المستعان.
ولقد استخدمت الصوفية الكشف والذوق لا مصدرًا للتلقي الروحاني - كما يسمونه - فحسب، بل معيارًا للحكم على نصوص الشرع، فيقبلون ما وافقه، ويؤولون ما خالفه - كما تقدم في كلام الغزالي - بل اتخدوه حَكَمًا للحكم بتصحيح الأحاديث أو تضعيفها، وهو منهج خطر ردوا به الصحاح وأثبتوا الموضوعات.
وإليك هذا المثال من كتب عقيدة الأشاعرة:
يغلو المتصوفة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ويرفعونه إلى درجة الألوهية، كما هو معلومٌ من كتبهم، مشهورٌ من أقوالهم، ومن ذلك زعمهم أنه كان نورًا قبل أن تخلق السماوات والأرض، في تسلسل نورًا في ظهور آبائه وأجداده حتى ولد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن جميع آبائه وأمهاته إلى آدم مؤمنون من أهل الجنة قطعًا، فلما صدمهم أهل السنة بما صحَّ في الأحاديث
(1) الدرة الفاخرة (ص202 - 207) وهي مطبوعة بآخر أساس التقديس للرازي، والرابطة بينها وبين الأساس لا تخفى!!.
نحو: (إن أبي وأباك في النار)(1). اختلقوا حديثًا: (إن الله أحيا أبوي فآمنا). فلما بين أهل السنة درجة الحديث قالوا:
حبا الله النبي مزيد فضل
…
على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه
…
لإيمانٍ به فضلًا منيفا
فصدّق فالقديم بذا قدير
…
وإن كان الحديث به ضعيفا
فلما قيل له: إن هذا تناقضٌ! إذ كيف يصدق وهو ضعيف؟! قالوا: (إن هذا الحديث قد صح عند أهل الحقيقة بطريق الكشف). وأنشدوا:
أيقنت أن أبا النبي وأمه
…
أحياهما الرب الكريم الباري
حتى له شهدا بصدق رسالة
…
صدِّق فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه
…
فهو الضعيف عن الحقيقة عاري (2)
فإذا كان الكشف والذوق يحكم بما يجب تأويله وما يجوز، وما يجب اعتقاده وما لا يصح، وما يثبت من الأحاديث وما يرد، فماذا بقي للكتاب والسنة، وفِيمَ عناء علماء الحديث قديمًا وحديثًا، ولِمَ إفناء الأعمار في طلب العلم وتأسيس الجامعات، والعلم اللدني ما يزال يفيض على قلوب العارفين؟!.
وهكذا يتردد المذهب الأشعري بين تحكيم العقل وتحكيم الذوق والكشف، واعتبارهما مصدر التلقي في أهم وأعظم القضايا، وهي قضايا العقيدة.
(1) أخرجه مسلم ((347)).
(2)
انظر شرح الباجوري على الجوهرة (ص (28))، وحاشية الغمراوي (ص55).
ومع وضوح ذلك بالأدلة - كما سبق - لا نستبعد أن يسأل سائل فيقول: ولكن الأشاعرة لم يكفروا بالنصوص، ولم ينكروها؟.
ونحن نقول: إن الكفر بالنصوص وإنكارها كفرٌ برأسه، دونما حاجة إلى لوازم وإلزامات، ونحن لا نكفّر الأشاعرة، ولا نقول: إن سبب الكفر الوحيد هو إنكار النصوص والتكذيب بها، ولكننا نسأل كل من يرد عليه السؤال: من خلال ما تقدم من كلام الأشاعرة، ماذا تتوقع أنهم تركوا للنصوص، وما هي منزلتها وقيمتها عندهم؟.
عندما قال ابن القيم رحمه الله: «إنهم أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان، له السكة والخطبة، وما له حكم نافذ، ولا سلطان» (1).
وعندما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إن هذا في الحقيقة عزلٌ للرسول، واستغناء عنه، وجعله بمنزلة شيخ من شيوخ المتكلمين، أو الصوفية.
فإن المتكلم مع المتكلم، والمتصوف مع المتصوف يوافقه فيما علم بنظره وكشفه. بل ما ذكروه فيه تنقيصٌ للرسول عن درجة المتكلم والمتصوف، فإن المتكلم إذا قال نظيره شيئًا، ولم يعلم ثبوته، ولا انتفاءه، لا يثبته ولا ينفيه، وهؤلاء ينفون معاني النصوص ويتأولوها، وإن لم يعلموا انتفاء مقتضاها» (2).
(1) انظر مدارج السالكين (1/ 40).
(2)
التسعينية (ص258). وقد سبق مصداق ذلك من قولهم: إن المعارض العقلي لا يعلم انتفاؤه بمجرد عدم الوجدان!!.
ألم يكونا - رحمهما الله - صادقين منصفين، إن لم نقل متساهلين!.
بل نقول: إن من اقتصر على هذا القدر يكون متساهلًا في حق الأشاعرة المتأخرين الذين صرحوا بأن الأخذ من الكتاب والسنة أصلٌ من أصول الكفر، فهؤلاء أعظم مصيبةً وبلاءً ممَّن تحدث عنهم شيخا الإسلام.
الحقيقة أن موقف الأشاعرة - في جملتهم - من النصوص يذكرنا بموقف ابن عبد ياليل الثقفي من النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه الدعوة فقال: (إن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، وف كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك)(1).
بل - لعمر الله - إن هؤلاء مع إيمانهم بالرسول أشد موقفًا منه من وجه، فإنهم قالوا: إن كان ما جئتنا به وصلنا متواترًا أوَّلناه حسب قواطعنا العقلية، وأذواقنا الكشفية، وإن وصلنا آحادًا رددناه بالجملة، فهو أهون من أن نتشاغل به (2)!!.
وقد أحسن شيخ الإسلام رحمه الله، وشفى في الإلزام القاطع الذي ألزم به الأشاعرة في (الفتوى الحموية)، وتعرض بسبب ذلك للبلاء العظيم منهم على ما هو معروف في سيرته.
قال رحمه الله: «لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو
(1) سيرة ابن هشام (2/ 33)، تحقيق الهراس.
(2)
انظر كلام الرازي والجويني المتقدم.
الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة نصًّا ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقرير!!. بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين!.
فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء -: إنكم يا معشر العباد، لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم، فما وجدتموه مستحقًّا له من الصفات فصفوه به، سواءً كان موجودًا في الكتاب والسنة، أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًّا له في عقولكم، فلا تصفوه به
…
وما نفاه قياس عقولكم فانفوه، وإليه عند التناع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به.
وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، ويثبت ما لم تدركه عقولكم، فاعلموا أني أمتحنكم، لا لتعلموا بتنزيله، ولا لتأخذوا الهدى منه، ولكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، أو (1)
أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات» (2)!!.
(1) في الأصل: (و). ورجحت (أو)؛ لأنه ذكر أنهم فريقان: فريق يؤول الصفات، وفريق يفوضها، وهذه هي حقيقة مذهبهم التي قال عنها صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها
…
فوضه أوْ أوَّل ورُمْ تنزيها
(2)
الفتوى الحموية (ص11).
وهنا - في ختام هذا الفصل - أجدني مضطرًّا للنقل عن الأشاعرة المعاصرين، وسوف أقتصر على مؤلف واحد، تبيّن لي أن معظم الأشاعرة في بلاده - مثل وهب غاوجي، وسعيد حوى، ومحمد علي الصابوني، وغيرهم - إنما اقتبسوا من كلامه، ألا وهو الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
يستفتح الدكتور البوطي بإهداء كتابه بما يشبه الشعر الحر قائلا:
«إلى كل حرٍّ يضع عقيدته من وراء عقله ..
ويطلق عقله من أسر إرادته ..
ويفكر ليختار الذي يريد ..
ولا يريد ليفرض على عقله كيف يفكر ..
أهدي هذا الكتاب
…
».
ويقول في مقدمة الطبعة الثانية عن المنهج المنطقي الكلامي: «يتحدث البعض عن منهج القرآن، وضرورة الاستعاضة عن هذا كله بمنهج القرآن، ونحن نقول لهؤلاء الإخوة: لا تنافي بين المنهجين، ولا تعطيل لأحدهما على حساب الآخر» (1)!!.
ثم يمضي في تقرير ذلك بما لا نريد الإثقال به.
ويقول في مقدمة الطبعة الأولى: «الحمد لله فاطر السماوات والأرض .. خلق الإنسان وشرفه بحمل أمانة العقل
…
أرسل الرسل والأنبياء يتوالون مع الزمن في كل أمة وبقعة ومحيط: أن ذكّروا الناس
(1) كبرى اليقينيات الكونية (ص17 - 19).
بما أوليته من أمانة العقل، وما رفعته إليه من شرف السيادة والرياسة في الكون (1)
…
سبحانه جعل العلم بمكنونات خلقه هو السبيل إلى الإيمان بوجوده، وجعل مقاليد العلم بذلك كله إلى سلطان العقل وحده. .».
وتستمر المقدمة كلها في تمجيد العقل، والدفاع عن علم الكلام، وأنه قائمٌ على موازين الفكر العقلي المطلق، وموازين الفلسفة اليونانية، ويختمها بكلام قال فيه:«وإنه لجديرٌ بمن كانت حياته قطارًا يمر به دون هدوءٍ إلى الموت، أن يبحث في تلك النهاية الغامضة وما وراءها، وما يتعلق بها بحثًا متجردًا، لا يقوم إلا على هدى العقل وحده. . .» (2).
ولست بصدد نقد الكتاب، ولا عرض منهجه، ولكن أكتفي بإيراد قضيةٍ واحدةٍ، وهي كافيةٌ لمن أراد الاستشهاد، ألا وهي قضية العمل بأحاديث الآحاد الصحيحة في العقيدة.
يقول في مقدمة الكتاب في بيان الأصول المنهجية التي التزم بها:
(1) هذا من القول على الله بغير علم، فبأي كتاب أم بأي سنة علم أن الله بعث رسله بهذا؟!!.
(2)
(ص25).
(3)
(ص31).
وقد وفَّى الدكتور بما التزم، فلم يتعرض في كتابه إلا للصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل (1)، أما الصفات الواردة في السنة فلم يتعرض لها إطلاقًا، بل أعلن منهجه في السنة قائلًا: «إذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر عنهم، فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًّا في حكم العقل، وإذا كانت حلقات السلسلة مكونة من راويين أو ثلاثة رواة فهو لا يزال خبرًا ظنيًّا، ولكن ظنٌّ قويٌّ يداني اليقين.
أما إذا غدت كل حلقة من الحلقات من الكثرة جموعًا يطمئن العقل إلى أنها لا تتواطأ على الكذب، فإن الخبر المروي عندئذ يكتسب صفة اليقين، وهو ما يسمى بالخبر المتواتر».
ثم يأتي إلى بيت القصيد فيقول: «فأما الظني من الخبر الصحيح، فلا يعتدُّ به في الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن الكريم في مجال البحث عن العقيدة عن اتباع الظن
(1) انظر (ص100 - 107).
كما رأيت (1)، ولكن يعتدُّ به في نطاق الأحكام العملية
…
غير أن اليقين من الخبر الصحيح - وهو ما يسمى بالخبر المتواتر - هو وحده الذي يعتدُّ به في بناء العقيدة والمدركات اليقينية، بمعنى أن الإنسان لا يجبر على الاعتقاد بشيءٍ خبري إلا إذا كان قائمًا على برهان التواتر، فإن كان دليله خبر آحاد كان اليقين به عائدًا إلى القناعة الشخصية التي يراها من نفسه» (2).
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد تعددت الظباء على خراش، فمن تحكيم العقل إلى تحكيم الذوق والكشف، إلى تحكيم القناعة الشخصية!!.
إن مقتضى كلام الدكتور أنه إذا أتينا لأحدٍ بحديث مروي بالسلسلة الذهبية في الصحيحين، فقال لنا: إن قناعتي الشخصية ترفض الإيمان به. فإن هذا الرجل مفكرٌ حرٌّ، يضع عقيدته من وراء عقله (3)، ورجل
(1) هذا عين كلام الرازي، وعين خطئه - الذي أشرنا إليه - في مفهوم كلمة (الظن) بين الاصطلاح الأصولي والمعنى اللغوي الذي جاء في القرآن. وإذا كان العقل الذي يمجده البوطي في كل مبحث من كتابه هو هذا الذي يرد ما ثبت في الصحيحين مستندًا إلى قوله تعالى عن الكفار:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} . فالجنون المحض - لعمر الله - خيرٌ منه؛ إذ صاحبه معافى من المؤاخذة، وهؤلاء يتجرأون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2)
(ص (32) - (33)).
(3)
والذي إليه أهدى الدكتور كتابه.
يقيني لا يتبع طريقة الكفار الذين قال الله فيهم: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116].
والرثاء كل الرثاء للبخاري المسكين، فما كان أغناه أن يجهد نفسه فيختار صحيحه من مائة ألف حديث، ويغتسل ويصلي ركعتين، ويستخير عند كتابة كل حديث منه، وما هي إلا أحاديث آحاد، تردها القناعات الشخصية عند فحول المفكرين في القرن العشرين!!.
اللهم إنا نشهدك أننا نفع عقولنا وراء وحيك، ولا نقدم بن يديك ويدي رسولك، فأحينا على ذلك، وتوفنا عليه.