الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آخر يقول: "صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي) (1) .
(1) 9/367.
ما أهمل ابن كثير نقده من متون:
بذل ابن كثير جهداً ملحوظاً في جمع مرويات السيرة من مصادر شتى، كما بذل جهداً مماثلاً في أسانيدها ومتونها، كما مر بنا، ومع ذلك لا بد من القول بأنَّ هناك روايات ساقها ابن كثير دون مراجعة ونظر، لم ينقد متونها، ولم يوضح لنا رأيه فيها. مع أنه ينبه أحياناً على عيوب الإسناد وأحوال رجاله. والمتأمل في المرويات التي يسوقها ابن كثير يلمس حاجتها إلى وقفات نقدية استناداً إلى حقائق تاريخية وعقلية وأسلوبية.
ومن ذلك ظاهرة الأشعار التي يرويها ابن إسحاق في السيرة في مرحلة ما قبل المبعث وفي مرحلة الدعوة بمكة وأبرزها قصيدة أبي طالب اللامية وقد أورد منها ما يزيد على (90) بيتاً وقال عنها: هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعاً (2) ، والذي نفهمه من هذا الكلام أن ابن كثير يؤيد نسبتها إلى أبي طالب، ولكنه لم يذكر قرائن أسلوبية أو لغوية جلية تؤيد نسبتها إلى عصر السيرة المكية، ولم
(2) 4/134، وقد استغرقت قصيدة أبي طالب تلك الصفحات (135-143) .
يورد طرقاً أخرى للقصيدة مع أن الأموي أوردها في مغازيه مطولة لكن هل رواها عن ابن إسحاق أو عن غيره (1) ؟
وهناك أشعار يرويها ابن إسحاق عن عبد المطلب (2) وورقة بن نوفل (3) وأمية بن أبي الصلت (4) ، وهي في أمس الحاجة إلى قراءة نقدية من جانب ابن كثير، ومعلوم أن ظاهرة الأشعار في السيرة من الظواهر التي استأثرت باهتمام قدماء النقاد اللغويين كابن سلام الجمحي (ت:213هـ) ، الذي يذكر أن ابن إسحاق هجن الشعر وأفسده وحمله كلَّ غثاء، وكان من علماء الناس بالسير فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به فأحمله، وانتقد بشكل خاص الشعر القديم المحمول عن عاد وثمود وأشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط.
وفي موضع آخر يذكر أن قصيدة أبي طالب اللامية زيد فيها وطولت (5)، ويقول ابن هشام مهذب سيرة ابن إسحاق.. بعدما أورد القصيدة اللامية لأبي طالب: هذا ما صح لي من القصيدة، وبعض أهل
(1) ورد في الحديث الصحيح عن ابن عمر: من أبيات قصيدة أبي طالب بيت واحد هو قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
…
ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الاستسقاء، 2/15.
(2)
3/386.
(3)
3/470-471.
(4)
3/285-296.
(5)
طبقات الشعراء، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2،1408هـ، ص:13-95.
العلم ينكر أكثرها (1) ، وكأَنَّ ابن سلام وابن هشام قد فتحا بذلك باب النقاش حول تلك القصيدة الطويلة وهو نقاش كان الأولى بكتاب السيرة المتأخرين كابن كثير الإسهام فيه. ويلحظ أن بعض الأشعار التي يوردها ابن كثير تتناقض مع وقائع تاريخية كالشعر المنسوب إلى العباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه في باب هواتف الجان، حيث ينقل ابن كثير عن أبي نعيم خبر العباس وصنمه ضمار، حيث يذكر أنه سمع هاتفاً من جوف الصنم ثم سمع هاتفاً وهو في إبله بطرف العقيق، وذلك بعد رجوع الناس من الأحزاب، وفي القصيدة:
ووجهت وجهي نحو مكة قاصداً
…
أبايع نبي الأكرمين المباركا (2)
فكيف يذهب العباس بن مرداس إلى مكة ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأحزاب كما جاء في هذا الخبر المزعوم المتناقض؟
وثمة ظاهرة أخرى في كتب السيرة تأصَّلت قبل ابن كثير وأصبحت أساسية في كتب السيرة والدلائل وهي هواتف الجان المبشرة برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ألف فيها محمد بن جعفر الخرائطي (ت:327هـ)، وابن أبي الدنيا (ت:281هـ) (3) وقد ورد عند ابن كثير أخبار أسطورية في هذا الباب، كرواية الخرائطي عن شيخه عبد الله بن محمد البلوي في قصة جارية دوس وغلامها اللَّذَيْنِ أخبرا بخروج خير الأنبياء ومنع خبر السماء، وخبر
(1) ابن هشام: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، 1/298.
(2)
3/583.
(3)
انظر: المنجد: معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص:61.
ثلاثة نفر من قريش مع صنم لهم (1) ، هي أخبار أسطورية يرويها وضاعون أمثال عبد الله البلوي وعمارة بن زيد (2) ، وخبر تنبؤ الكاهن سطيح لأربعة من قريش منهم هاشم بن عبد مناف بما يكون بعدهم وقد تنبأ بخروج فتى يدعو إلى الرشد ومن يلي بعده من الخلفاء (3) ، في عبارات مسجوعة متكلفة يظهر فيها أثر الوضع وعنصر الخيال، وأسلوب الأسطورة والحكاية الخرافية.
والحق أن ابن كثير نبه على ما يلابس بعض الروايات من ضعف أو وضع ونكارة لكن يبدو أن الولع بالغريب، واحتذاء الآخرين ومضامين بعض الأخبار المحتوية على فتن وملاحم قادمة، وطبيعة الاتجاه الجمعي الذي من أبرز مظاهره حشد أكبر قدر من الروايات ولو جاء ذلك على حساب التجويد المنهجي وتطبيق المعايير المعتبرة في الصناعة الحديثية كل هذه عوامل جَرَّت ابن كثير إلى سياق بعض الأخبار الأسطورية وتضمينها كتابه، فهو يقول بعد ذكره لإحدى حكايات سطيح:"هذا أثر غريب كتبناه لغرابته وما تضمن من الملاحم"(4) ، ويقول في خبر قدوم هامة بن هيم حفيد إبليس المزعوم وهو خبرٌ موضوع (5) ، "حديث غريب
(1) 3/575-577-579.
(2)
الذهبي: ميزان الاعتدال، 2/491-3/77.
(3)
3/615-621.
(4)
3/620.
(5)
ابن الجوزي: الموضوعات، تحقيق توفيق حمدان، بيروت، 1415هـ، 1/149، الذهبي: ميزان الاعتدال 1/186-188، الشوكاني: الفوائد المجموعة، ص:125.
جداً بل منكر أو موضوع، لكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده". (يعني البيهقي)(1) .
ويقول عن حديث مخاطبة الحمار للنبي صلى الله عليه وسلم أنكره غير واحد من أئمة الحفاظ الكبار ثم يسوق الحديث (2) ، وهو خبر موضوع نبه على نكارته في موضوع سابق عند الحديث عن أفراس النبي صلى الله عليه وسلم ومراكيبه (3) .
كذلك ساق ابن كثير روايات هي بأمس الحاجة إلى نقد متونها، ففي موضوع المولد يورد ما رواه ابن إسحاق عن المرأة التي تعرضت لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك يأتي برواية مشابهة عن تعرض امرأة أخرى من خثعم لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم (4) ، وهي حكايات نسجها وضاعون ثم إنها منكرة سنداً ومتناً ومن يقرأ رواياتها المختلفة يدرك مدى الاختلاف والاضطراب في سوقها، ومثل ذلك الاضطراب والاختلاف ينبغي أن يطرح من دراسات السيرة الجادة (5) .
وفي المولد النبوي ذاته أورد ابن كثير (حديثاً غريباً مطولاً) ومما جاء فيه: أنه لما حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم، نطقت كل دابة كانت لقريش تلك الليلة: قد حمل برسول الله ورب الكعبة، ومما جاء فيه أن الله فتح لمولده
(1) ج7، ص:273.
(2)
9/47، انظر الذهبي: ميزان الاعتدال 4/34، قال ابن الجوزي: لعن الله واضعه فإنه لم يقصد إلا القدح في دين الإسلام، ابن الجوزي: الموضوعات 1/293-294.
(3)
8/383.
(4)
ابن كثير: 3/390.
(5)
أكرم العُمري: السيرة النبوية الصحيحة: المدينة، مكتبة العلوم والحكم، 1412هـ، 1/95.
أبواب السماء وجناته في حديث طويل (1)، أورده ابن كثير على ما فيه في نهاية سيرته معللاً ذلك بقوله:"ليكون الختام نظير الافتتاح" فهل جاء اختفاء المقاييس النقدية لصالح اعتبارات تتعلق بمسألة التناسب بين الفصول والأبواب والرغبة في التماثل بين الافتتاح والختام؟
وثمة أخبار أخرى كان مطلوباً تفعيل قواعد النقد الحديثي إزاءها وتجاوز صناعة النقل والجمع لتكون سيرة ابن كثير معبرة عن قواعد المنهج النقدي المشار إليه على نحو دقيق.
إن تلك الأخبار يدفع بها الرواة والنقلة بغيرة شد انتباه العامة بهذه الموارد القصصية الأسطورية وهو اتجاه فاسد، يؤدي إلى إفراغ السيرة النبوية من دلالاتها، وقد نبه غير واحد من أئمة المسلمين على خطورة تلك الموضوعات..
يذكر البيهقي أن الاعتماد على الآثار الصحيحة، وتمييز الصحيح من غيره مما يقطع الطريق على أهل البدع أن يجدوا مغمزاً فيما يعتمد عليه أهل السنة (2)، كما مر بنا تساؤل الذهبي عندما يقول: فلماذا يا قوم نتشبع بالموضوعات فيتطرق إلينا مقال ذوي الغل والحسد ولكن من لا يعلم معذور؟ كما يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم غني بمدحه التنزيل والأحاديث المتواترة والآحاد النظيفة (3) .
(1) 9/408-410.
(2)
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة 1/47.
(3)
سير أعلام النبلاء، ج2، ص:276.
وابن كثير نفسه يذكر أن هناك أخباراً في موضوع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيها نكارة وغربة شديدة ولا سيما ما يورده القصاص المتأخرون وغيرهم فكثير منها موضوع لا محالة وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده (1) .
(1) البداية والنهاية، ج8، ص:78.