الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السيرة والمعجزات من "البداية والنهاية" وتلك المستخرجات وغيرها تتفاوت في مدى عنايتها بالأخبار والروايات التي يوردها ابن كثير وفي مدى وفائها بمتطلبات المنهج العلمي المتبع في أعمال التحقيق ومدى تمكن أولئك المحققين من تجاوز المرحلة الأولية المطلوبة في التحقيق أي: تجاوز مجرد وضع المقدمات والفهارس العامة.
مراجعات ابن كثير ونقده:
يسير ابن كثير في سيرته على منهج جامعي الروايات من مختلف الموارد، أولئك الذين يروون في تصانيفهم جميع ما يروى في هذا الباب أو الموضوع.
وعند تشخيص أصول روايات ابن كثير نجد أنها تنتمي إلى مجموعة من المصادر المتنوعة فمنها مصادر عرفت بمنهجيتها الدقيقة وتمحيصها للروايات كالصحيحين للبخاري ومسلم، وفيها مصادر لا تخلو من روايات ضعيفة وأحاديث. قال بعض العلماء بوضعها كالمسند للإمام أحمد وهو من أهم مصادر ابن كثير (1) ، وهناك مصادر من كتب الدلائل (2) حملت روايات موضوعة واهية، ومثلها كتب الهواتف (3) وكتب الفتن (4) والملاحم.
(1) انظر: مصطفى عبد الواحد، مقدمة تحقيق السيرة النبوية، 1/14.
(2)
من أبرزها دلائل النبوة للبيهقي، انظر: 3/282-301 مثلاً، وانظر كذلك فهارس البداية والنهاية، ص:737-738-1244.
(3)
مثل كتاب "هواتف الجان" لأبي بكر الخرائطي، البداية والنهاية 3/570.
(4)
ومنها كتاب نعيم بن حماد الخزاعي: الفتن والملاحم، (9/172-184-210) .
أضف إلى ذلك كتب المغازي والسير وفيها المراسيل والمنقطعات وفيها ما ورد بدون إسناد، وبين ما جمعه ابن كثير آراء وأقوال لبعض كتاب السيرة والدلائل وغيرهم، وإزاء هذه الروايات والنقول كان لا بد أن يُعنى ابن كثير بنقدها سنداً ومتناً. ومجال دراستنا تلك إنما هو نقد المتن عند ابن كثير مع أن نقد الإسناد ودراسته وهو النقد الخارجي ليس مقطوع الصلة بالنقد الداخلي "نقد المتن" فاشتراط ضبط الراوي إنما يراد به صيانة متن الحديث، والوقوف على المتن ومعرفة سلامته أو نكارته سبيل للتحقق من ضبط الراوي (1) ، ودارسو الأسانيد ركزوا على قضايا في شخصياتهم لها أثر فيما يروون، فتناولوا مسألة ضبط الراوي ويقظته، ورسوخ ما حفظ في ذاكرته، ونظروا إلى مجموعة من الاعتبارات الموضوعية، لا مجرد هيئة الراوي وعبادته، ومن تلك الاعتبارات الخصائص الذهنية التي أشرنا إليها ومدى دقة الراوي وأهليته لحمل الرواية وكذلك اتجاهاته السياسية والفكرية. ولعل مما يعبر عن ذلك ما ورد عن الإمام مالك بن أنس وهو قوله:"لا يؤخذ العلم عن أربعة، ومنهم رجل له فضل وصلاح وعبادةٌ لا يعرف ما يحدث"، وروي عنه قوله: "أدركت عند هذه الأساطين سبعين (وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما أخذت عنهم شيئاً وإن
(1) عصام البشير: أصول منهج النقد عند أهل الحديث، مؤسسة الريان، بيروت، ط2، 1412هـ، ص:89.
أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن" (1) .
لقد أخضع ابن كثير قدراً من رواياته في أبواب السيرة للمراجعة والنظر ومن جوانب تلك المراجعات شرح وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح والتعقيب على ما يحتاج إلى تعقيب وشرح الألفاظ الغريبة في المتن. ومن ذلك على سبيل المثال ما ورد في رواية ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي) قال ابن كثير مفسراً وشارحاً لذلك القول: يعني إذا مت وكأنه خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه (2) .
كذلك وضح ابن كثير معاني بعض الألفاظ الواردة في باب كيف بدأ الوحي (3) ، وشرح غريب حديث أم معبد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم (4) .
وفسر ما ذهب إليه ابن إسحاق من أن عدد المسلمين في الحديبية (700)(5) ـ مخالفاً بذلك الروايات الصحيحة ـ حيث أرجع ابن كثير ذلك إلى أن ابن إسحاق تبنى ذلك الرأي اعتماداً على أن عدد البدن (70) وكل منها عن عشرة على اختياره، وعقب على ذلك بالقول أنه
(1) الخطيب البغدادي (ت:463هـ) : الكفاية في علم الرواية، بيروت، دار الكتاب العربي، 1405هـ، ص:191-192.
(2)
4/103.
(3)
4/13-14-19.
(4)
8/443-445.
(5)
ابن هشام: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم 3/356.
لا يلزم أن يكون كل من حضر الحديبية قد اهدى، وأنهم جميعاً كانوا محرمين (1) .
إن مفهوم المراجعة يشمل صوراً عدة: منها الشرح وتوضيح النص وتفسير اللفظ الغريب وغير ذلك من الصور، لكن أهم صور المراجعات ما يتصل بنقد مضمون المتن (2) ومحتواه فهو جهد دال على عقلية الناقد وتميزه واستيعابه لعلوم كثيرة وتجاوزه لدور الناقل الذي تغيب شخصيته وراء الأسانيد والمتون حيث راجع ابن كثير متون مرويات كثيرة مُبْدِياً ملحوظاته عليها.
ومن ذلك على سبيل مراجعة رواية ابن جرير في إسلام سعد بن أبي وقاص وفيها: أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سأل والده: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً؟ قال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين (3) .
وما ورد في تفسير قول عمرو بن عبسة السُلمي لقد رأيتني وأنا ربُع الإسلام وإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم من معك على هذا؟ فقال: حر، وعبد، حيث فسر بعض الرواة قوله حر وعبد بأبي بكر وبلال رضي الله عنهما وهو تفسير فيه نظر (عند ابن كثير) فقد أسلم جماعة قبل عمرو بن عبسة،
(1) ابن كثير: البداية والنهاية، 6/224.
(2)
المتن: هو غاية ما ينتهي إليه السند من الكلام وهو النص المروي، راجع السيوطي: جلال الدين السيوطي (ت:911هـ) : تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عزت علي عطية وموسى محمد علي، القاهرة، دار الكتاب الحديث، (د، ت) 1/44.
(3)
قال ابن كثير عنه: منكر إسناداً ومتناً، 4/72.
كذلك راجع ابن كثير قول عمرو بن عبسة كما في الرواية (لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام) وذكر أن المسلمين كانوا آنذاك يستسرون لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب، دع أهل البادية الأعراب (1) . والله أعلم.
ومن الروايات التي راجعها ابن كثير ونقدها رواية ابن إسحاق في هجرة أبي موسى الأشعري (2) رضي الله عنه، وخبر المؤاخاة بين النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب (3) . والمؤاخاة بين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل (4) ، وكون غزوة ذات الرقاع قبل الخندق عند بعض كتاب المغازي والسير (5) ، وما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن في حجة الوداع خشية أن يُصَدّ عن البيت، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حج وأصحابه مشاةً من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم (6) ومشيهم خليط من الهرولة ورواية أسماء بنت عميس في رد الشمس لعلي بن أبي طالب (7) رضي الله عنه.
(1) 4/79-80.
(2)
4/172-174.
(3)
4/562.
(4)
4/559-560.
(5)
5/557.
(6)
7/419-420.
(7)
8/566-570.
وانتقد روايات وأقوالاً أوردها بعض كُتاب المغازي والسير مثل خبر تأخر هجرة سعد بن أبي وقاص إلى المدينة عند موسى بن عقبة (1) وخبر عروة في أن عثمان هو الذي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خبر غريب ـ في رأي ابن كثير ـ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم (2) .
كذلك صحح ما ذهب إليه محمد بن إسحاق من أنّ سورة الضحى أول السور نزولاً بعد فتور الوحي للمرة الأولى وذكر أن الصواب سورة المدثر وإنما نزلت سورة الضحى بعد فترة أخرى (3) .
وصَوَّب ابن كثير ما ذكره ابن إسحاق من أنّ هرقل اسم للملك عند الروم فذكر أنّ اسم الملك عندهم قيصر (4) ، كذلك رد قول من زعم أن عمر بن الخطاب عندما أسلم كان تمام الأربعين من المسلمين حيث سبقه المهاجرون إلى الحبشة وكانوا فوق الثمانين (5)، وصوب وناقش آراء مجموعة من كتاب السيرة النبوية مثل ابن هشام (ت:218هـ) (6) ، وأبي
(1) 4/431-432.
(2)
6/145.
(3)
4/41، ويعني فتور الوحي هنا انقطاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4)
4/192، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ابن كثير أخطأ عندما ذكر أن بطليموس علمٌ على من يملك الهند (6/339) .
(5)
4/197.
(6)
6/377.
نعيم (ت:430هـ)(1) ، والبيهقي (ت458هـ)(2) ، والسهيلي (ت581هـ)(3)، والقاضي عياض (ت:544هـ) (4) .
هذا إلى جانب عدد كبير من الرواة والمحدثين والمؤرخين وقد لفت نظره انسياق بعضهم إلى جمع الروايات دون تمييز بين صحيحها وسقيمها وخصّ بذلك أبا جعفر الطبري (ت:310هـ)(5)، وابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله (ت:571هـ)، يقول عن الأخير:"العجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صِناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره بل ومن تقدمه كيف يورد هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا خفية"(6) .
لم تقتصر تعقيبات ابن كثير ومراجعاته على ما يرويه كتاب السيرة والمغازي وما يذكره المؤلفون والمصنفون في هذين الفنين، بل انتقد وراجع متوناً وردت في مصنفات حديثية ومنها نصوص وردت في
(1) 9/338-339.
(2)
6/162.
(3)
5/337.
(4)
8/383.
(5)
7/666.
(6)
8/356.
البخاري ومسلم أو أحدهما، كرواية شريك بن عبد الله في الإسراء (1) ، وما رواه مسلم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه أن المسلمين كانوا يوم هوازن (حنين) ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفاً (2) ، ورواية أبي هريرة في بدء الخلق (3) والتي أخرجها مسلم (4) وغيره، وهي رواية يرى بعض الأئمة أنها متلقاة عن كعب الأحبار ومما يقدح فيها أنه ليس فيها ذكر خلق السموات وفيها ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف ما جاء في القرآن؛ لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين (5) .
تأتي مراجعات ابن كثير لمتون هذه الروايات وغيرها تجسيداً لمقولة: صحة السند ليست موجبة لصحة الحديث، يقول ابن كثير نفسه:(والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن؛ إذ قد يكون شاذاً أو معللاً)(6) ، وفي تعقيبه على إحدى الروايات
(1) 4/275، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر تابعي صدوق، قال ابن معين: لا بأس به، ووهاه ابن حزم لأجل حديث في الإسراء، الذهبي: ميزان الاعتدال، 2/269-270.
(2)
7/90-91، راجع مسلم. الجامع الصحيح، المكتبة الإسلامية، تركيا (د، ت) ، 2/736، حديث رقم (1059) وهناك رواية أخرى عن مسلم تناقض رواية المعتمر بن سليمان عن أبيه عن السميط عن أنس وفيها أنهم كانوا عشرة آلاف ومعهم الطلقاء، مسلم، الجامع الصحيح 2/736، كتاب الزكاة.
(3)
1/32.
(4)
مسلم الجامع الصحيح، 4/2149، كتاب صفات المنافقين رقم الحديث (2789) .
(5)
1/33، وراجع: ابن تيمية: مجموع الفتاوي 8/18-19.
(6)
الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث، الرياض، دار الهدى (د، ت)، ص:17.
يذكر أن (هذا الإسناد جيد قوي، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي)(1) .
ولا شك أن مكانة الصحيحين عظيمة، مما جعل ابن كثير رحمه الله يحاول توجيه بعض المآخذ على بعض الروايات التي أشكلت على العلماء وهي قليلة في الصحيحين، ومن ذلك: متن حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم والعروج به.
فعند قوله:
"إنه جاءه ثلاثة نفر وذلك قبل أن يوحى إليه"، وظاهر هذا الكلام يخالف ما عرف من أن الإسراء بعد البعثة النبوية. قال ابن كثير معلقاً على ذلك:(الجواب أن مجيئهم أول مرة، كان قبل أن يوحى إليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ثم جاءته الملائكة ليلة أخرى بعدما أوحي إليه فكان الإسراء قطعاً بعد الإيحاء" (2) .
وفي قوله: (ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى) يذكر أنَّ ذلك من فهم الراوي وقد أقحمه في الرواية (3) .
(1) 7/226.
(2)
4/275، انظر مسلم: الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب الإسراء1/181.
(3)
4/278.
وفي قوله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر) قال ابن كثير: إن ذلك معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة (1) .
ومن ذلك أيضاً رواية ابن عباس في مسلم، وفحواها أن أبا سفيان عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان (2) .
ومعلوم أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح وقد جاء إلى المدينة قبيل الفتح وهو على الشرك وهي عند النبي صلى الله عليه وسلم كما أن أم حبيبة تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وبعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش بأرض الحبشة.
وهذه الرواية من الأحاديث المشهورة بالإشكال كما يقول النووي (3)(ت:676هـ) ، لدرجة أن ابن حزم زعم أن عكرمة بن عمار وضعه.
قال ابن كثير: "وهذا القول منه لا يتابع عليه" وبعد أن أورد أقوالاً في توجيه الرواية خلص إلى أنّ الأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته
(1) ومما جاء فيه: (فرجعت مهموماً فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، وهذا هو موضع الدلالة) ، ابن كثير، البداية والنهاية، 4/282.
(2)
مسلم: الجامع الصحيح، 4/1945 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر، 16/63-64.