المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌استدعاء تاريخ التشريع: - منهجية التأليف في السيرة عند ابن كثير

[عبد الرحمن السنيدي]

الفصل: ‌استدعاء تاريخ التشريع:

لا غرابة أن يستخدم ابن كثير هذا المقياس الأصيل الذي يتجلى في مراجعة الرواية في ضوء الروايات الأخرى في الموضوع نفسه، إذ إن لهذا المنهج أثراً في كشف مميزات وعيوب المتن والإسناد، فالمقارنة بين الروايات سنداً ومتناً وسيلة لسبر غور الرواية (1) وتصنيفها بحسب ما يكتنفها من قوة أو ضعف، ومن ثم إلباسها المسمَّى المناسب لحالها.

(1) العُمري: محمد علي قاسم: دراسات في منهج النقد عند المحدثين، الأردن، دار النفائس، 1420هـ، ص:30.

ص: 43

‌استدعاء تاريخ التشريع:

بوسعنا أن نجد في سيرة ابن كثير أمثلة تدل على متابعته لتواريخ التشريعات وما نزل من الأحكام، ويهمنا هنا أن نذكر أن ابن كثير بحكم ثقافته في هذا الجانب نقد بعض المتون مستخدماً معرفته بتواريخ نزول هذا الحكم أو ذاك.

فقد ناقش ابن كثير رواية ابن هشام في خبر قدوم الأعشى الشاعر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياق أحداث العهد المكي، ومما ناقشه ابن كثير ما جاء في الرواية أن أهل مكة ذكروا له أنه يحرم الخمر، ومعلوم أن تحريمها بالمدينة بعد وقعة بني النضير.

وفي الراوية أن الأعشى خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام وقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة مطلعها:

ألم تَغْتَمِضْ عيناك ليلة أرمدَا

وبتَّ كما باتَ السليم مسهَّدا

ص: 43

قال ابن هشام: فلما كان قريباً من مكة اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره؟ فأخبره أنه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيُسْلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنى، فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب، فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات (1) ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأُسلم.

قال ابن كثير: هكذا أورد ابن هشام هذه القصة هنا ـ في سياق أحداث العهد المكي ـ وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق رحمه الله، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام رحمه الله فالخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك، وهو قوله:

ألا أيهذا السائلي أينَ يمَّمْت

فإنَّ لي لها في أهل يَثْرِب مَوعِدا

وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هنا (2) . والله أعلم.

وعند البحث في تاريخ غزوة بني لحيان والتي صلى فيها المسلمون صلاة الخوف، إنما شرعت بعد الخندق ولو كانت صلاة الخوف مشروعة يوم الخندق لفعلوها. وكأنَّ ابن كثير هنا يرجح ما ذكره ابن

(1) العَلَلُ: الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعاً. الفيروز ابادي: مجد الدين محمد بن يعقوب (ت:817هـ) : القاموس المحيط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1407هـ، ص:1338.

(2)

ابن كثير: البداية والنهاية 4/253-254.

ص: 44

إسحاق وغيره من أهل المغازي في أن غزوة بني لحيان إنما كانت سنة ست من الهجرة، لتلك القرينة التي أشرنا إليها (1) .

وكذلك تاريخ غزوة ذات الرقاع حيث يرى ابن إسحاق أنها في السنة الرابعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها صلاة الخوف (2) .

ويرى الواقدي أنها في المحرم سنة خمس، وقد ذهب البخاري إلى أنها في سنة سبع بعد خيبر (3) ، وفي معرض ترجيحه لكون ذات الرقاع بعد الخندق سنة خمس أشار ابن كثير إلى أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق (4) .

ويستدعي ابن كثير تاريخ تشريع تحريم المسلمات على المشركين عندما يناقش قول ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة لا يُحل ولا يحرم مغلوباً على أمره وأنه لم يقدر على أن يفرق بين ابنته زينب وزوجها أبي العاص بن الربيع. حيث يعقب ابن كثير على ذلك بالقول: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة (5) .

(1) 4/553-557.

(2)

ابن هشام: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم 3/214.

(3)

المغازي، 2/560.

(4)

5/560.

(5)

5/206.

ص: 45