الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كذلك استدعى ابن كثير تاريخ تحريم الكلام في الصلاة وتاريخ فرض الحجاب عند مناقشته لبعض الروايات (1) ، ورد ابن كثير رواية من روى أن ملكاً من وراء الحجاب أذَّن ليلة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الملك قَدَّم النبي صلى الله عليه وسلم فأَمَّ بأهل السماء ومنهم آدم ونوح؛ لأنَّهُ لو كان النبي سمع الأذان ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة (2) . والله أعلم.
ولا جدال في أن ابن كثير هنا وضع نصب عينيه ما ورد من روايات في تشريع الأذان بعد الهجرة وقد ورد فيها أنَّ المسلمين هموا أن يتخذوا ناقوساً ليضرب به للناس لجمعهم عند الصلاة، كما ورد أنهم تشاوروا في المناداة للصلاة (3) .
(1) الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص:183.
(2)
ابن كثير، البداية والنهاية، 4/576.
(3)
انظر: إبراهيم العلي: صحيح السيرة النبوية، ص: 150، ابن حجر، فتح الباري، ج2،ص:77-78.
استدعاء الحقائق والمعلومات التاريخية:
ثمة حقائق ومعلومات تاريخية، مشهورة مقررة عند كُتَّاب السير والمغازي وغيرهم من المحدثين والمؤرخين يظهرها ابن كثير لردِّ روايات وأقوال تنطق بضد ما يفهم من تلك الحقائق، وقد مر بنا رواية شريك ابن عبد الله ورواية ابن عباس في عرض أبي سفيان ابنته أم حبيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الروايات التي أنكرها ابن كثير استناداً إلى أن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مشهورة ومعروفة تلك المرويات المنكرة التي لا تتوافق مع أحوال نبوية مقطوع بوقوعها بكيفية محددة، ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد أنه قال:"حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة وقد ربطوا أوساطهم ومشيهم خليط من الهرولة".
قال ابن كثير: "حديث منكر ضعيف الإسناد"، ثم علّق على ما قاله البزار (1) :"معناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث؛ لأنه عليه السلام: إنما حجَّ حجَّة واحدة وكان راكباً وبعض أصحابه مشاة".
قلت ـ ابن كثير ـ:
لم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من عُمرة ماشياً لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجِعِرَّانة ولا في حجة الوداع وأحواله صلى الله عليه وسلم أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله (2) .
كذلك عقب ابن كثير على رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إنما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع خشية أن يُصدَّ عن البيت، قال ابن كثير: هذا حديث غريب سنداً ومتناً، ثم انبرى يناقش متنه قائلاً: "من الذي يصده عليه الصلاة والسلام وقد أظهر الله الإسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم الماضي أن لا يحج بعد العام
(1) البزار: إسحاق بن عبد الله الكوفي له المسند (ت:307هـ) ، ابن كثير، البداية والنهاية، 14/813.
(2)
7/419-420.
مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، وقد كان معه عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفاً" (1) .
وراجع ابن كثير رواية بعض المفسرين التي مالت إلى القول بأن أبا طالب هو المقصود بقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام:26] .
قال ابن كثير: "وفيه نظر، ثم اختار القول بأن المراد هم المشركون الذين ينهون الناس عن محمد، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة".
وواضح من هذا الكلام أن ابن كثير يستند في تعقيبه على الرواية المذكورة إلى حقيقة مشهورة في مصادر السيرة الأصلية فحواها أن أبا طالب كان يذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب قرائن أخرى منها أنَّ الخطاب قصد به جماعة من المشركين المذمومين كما جاء في نهاية الآية (2) .
وثمة روايات عقب عليها ابن كثير لمناقضتها ومخالفتها لحقائق تاريخية مشهورة في مصادر السيرة والمغازي، كرواية مسلم في أن سعد بن عبادة
(1) 7/479.
(2)
4/314-315.
هو المشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بالمضي لمواجهة قريش (1) ، والصواب سعد بن معاذ ويذكر ابن كثير أن المشهور أن سعد بن عبادة رده صلى الله عليه وسلم من الطريق، قيل: لاستنابته على المدينة، وقيل: لدغته حية (2) .
وراجع قول أبي بكر بن أبي شيبة أن أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، قال ابن كثير: كأنّه يعني بالمدينة وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها. وقد كتبها الصحابة بمكة (3) .
وعَدَّ ما ورد في رواية المعتمر بن سليمان عن أبيه عن السميط عن أنس من أن عدد المسلمين يوم حنين كانوا ستة آلاف، وأنهم حاصروا الطائف (40) ليلة من غرائب هذه الرواية والصواب أن عدد المسلمين (اثنا عشر ألفاً) كما في الروايات المشهورة وأن حصار الطائف لم يصل إلى شهر بل كان دون العشرين ليلة (4) .
وفي كتاب "دلائل النبوة" في باب إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيوب المستقبلة عقب ابن كثير على رواية البيهقي بسنده عن ثعلبة بن يزيد، وفيها أن أصحاب علي رضي الله عنه سألوه أن يستخلف فقال: (أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(1) الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، حديث (1779) ، 3/1403ـ 1404.
(2)
5/227.
(3)
8/322.
(4)
7/90-91.