الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ألف ليلة وليلة
عنوان أشهر مجموعة عربية للقصص: كان العرب منذ أقدم العصور -كجميع المشارقة- مشغوفين بالاستماع إلى القصص الخيالى، ولكن ضيق (1) أفقهم العقلى بعض الضيق جعلهم يأخذون معظم مادة هذه القصص عن غيرهم، أمثال الفرس والهنود، تدلنا على ذلك الروايات الخاصة بالنضر (2) التاجر الذى كان يناوئ النبى، ففى القرنين السابع والثامن لميلاد المسيح بدأ الاتصال بين العرب وفارس وما يليها من البلاد الشرقية، وجدّوا فى نقل مادة القصص والأساطير عن هذه البلدان. ولسنا نستطيع -على التحقيق- تتبع مراحل السند لهذه القصص، ماخلا القليل منها مثل: كتاب كليلة ودمنة، لأن القصة أو ما يدخل فى بابها لم تكن من صناعة الأديب إذ ذاك:
ونمت الحضارة العربية وتعددت جوانبها فى القرون التالية، وألفت قصص مبتكرة فى حواضر العالم الإسلامى. وأخذ فن القصة مع غيره من مظاهر التطور العقلى ينتقل شيئا فشيئا من المشرق إلى المغرب، نجد هذا كله ممثلا فى كتاب ألف ليلة وليلة، وهو أكبر مجموعة عربية للقصص وأكثرها تنوعا، ففيه العناصر الدخيلة الشرقية الأصل إلى جانب العناصر العربية الخالصة، والحق إن قصة هذا الكتاب تؤلف فصلا مشهوداً من تاريخ تطور الحضارة الشرقية عامة. على أن ندرة المعلومات الخاصة به تضطرنا إلى أن نجمل الحديث عنه، فلا نبلغ من الدقة ما نريد.
ولم يبدأ البحث الجدى فى أصل هذا الكتاب إلا فى أوائل القرن التاسع عشر، وأول عالم أسهب فى بحث هذا
(1) الحكم على العرب بضيق الأفق العقلي فيه غلو وسوء تعبير، فإن لم يكن لهم حظ وافر من القصص فقد إتسعت عقولهم لكثير من ألوان الأدب.
(2)
يشير إلى قصة النضر بن الحارث الذي أسر يوم بدر وأمر النبى عليا بقتله صبرا لأنه كان يروى اخبار الفرس والروم لأهل مكة معارضا بذلك ما جاء فى القرآن من أخبار عاد وثمود قدحا فى النبوة. وليس فى ذلك حجة على افتقار العرب فى القصص كما أراد الكاتب.
الموضوع هو سلفسترده، ساسى - Sil verstre de Sacy واضع فقه اللغة العربية الحديث (انظر ما كتبه فى Journal des Savants ، سنة 1817، ص 678 ثم فى Recherches sur l'origine du recueil des contes intitules les mille et une nuits ياريس سنة 1829، ورسالته بنفس العنوان فى Memoires de I'Academie des سنة 1833 م، ص 30).
وقد أنكر إمكان قيام فرد واحد بتأليف هذا الكتاب، وسلمّ فى المقالين الأخيرين اللذين ذكرناهما بأنه ألف فى عهد متأخر جداً، ورفض آخر الأمر رفضاً باتاً الرأى القائل بوجود عناصر هندية وفارسية فيه، وزعم لذلك أن الفقرة التى وردت فى كتاب المسعود بهذا الصدد منحولة له، ونحن ننقلها إليك لما لها من الشأن العظيم فى تاريخ هذا الكتاب: قال المسعودى حين عرض لأخبار شدّاد بن عاد ومدينته إرَم ذات العماد: "إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب من الملوك برواياتها، وإن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة إلينا من الفارسية والهندية والرومية (وفى رواية أخرى الفهلوية بدل الهندية) مثل كتاب هزار أفسانه، وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها (أفسانه)، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة (وفى روايتين أخريين ألف ليلة وليلة) وهو خبر الملك والوزير وابنته شهر زاد وجاريتها دنيا زاد".
وخالف يوسف فون هامر Joseph von Hammer ده ساسى فقال بصحة رواية المسعودى بجميع ما يترتب عليها من نتائج) Wiener Jahrbucher، سنة 1819، ص 236؛ Journal Asiatique، المجلد الأول، جـ 10، المجموعة الثالثة، جـ 8، مقدمة: - Die nacht liberstzten Er zahlungen der Tausend and einen Nacht، شتوتكارت سنة 1923).
أما وليم لين William Lane الذى أجاد ترجمة جزء من الف ليلة وليلة فقد حاول أن يثبت أن هذا الكتاب ألفه بأكمله مؤلف واحد، وأنه كتب بين 1475 و 1525 م (مقدمة the arabian Nights Entertainments، لندن سنة 1839، 1841 م).
وفى السنوات الأخيرة انبرى ده غويه De Goeje لتلخيص المناقشة التى دارت حول الموضوع) De arabische Nachivertelingen فى - encyclopondia Bri ، tannicn جـ 23 ص 316) فوازن بين الفقرة التى أوردها محمد بن إسحق الوراق فى الفهرست والتى جاء بها أن هزار أفسانه قيل إنه ألّف لحميا ابنة الملك بهمن وبين الفقرة التى أوردها الطبرى (جـ 1، ص 188) وجعل فيها إستر أماً لبهمن وأطلق اسم شهر زاد على حميا، ثم حاول ده غويه أن يوجد صلة بين هيكل ألف ليلة وبين كتاب إستر. وتوسع ميلَر فى بسط هذه الفكرة) Zu dan Marchen der- A. Muller Tausend and einen Nacht فى rezz- nobergers Beitrage جـ 22، ص 222)
وفطن إلى أن الكتاب يتكون من طبقات متعددة، وقال إن إحداها ألفت فى بغداد وإن الأخرى، وهى أكبر وأوسع، كتبت فى مصر.
وأخذ نولدكه Noldeke بنظرية الطبقات وفصلها تفصيلا ادق، إذ وضع مقاييس للموازنة نتوسل بها إلى تمييز كل طبقة منها) Zu den e;gyptischen Nnrchen فى - Zeitchr. d. Deutch. Mnr genl. Gesellech جـ 42، ص 68).
وأثارت هذه البحوث أو يسترب (Studier over 1001 nat: Oestrup، كوبنهاغن سنة 1891، الترجمة الروسية لهذه الرسالة ; Izsledowanie o .nochi 1001 موسكو سنة 1905 م) فحاول أن يصنف القصص المستقلة فى ثلاث طبقات، تشمل الأولى هيكل الكتاب والقصص المأخذوة عن الكتاب الفارسى هزار أفسانه، وتضم الثانية القصص التى اخذت من بغداد، وتجمع الثالثة القصص التى أضيفت إلى الكتاب فى مصر؛ وقال فى الوقت نفسه بوجود قصص أضيفت إلى الكتاب فى زمن متأخر جدلم مثل قصة البطولة والفروسية الضافية التى تتحدث عن
عمر بن النعمان وولديه، غير أن تسيبولد Seybold خالف الرأى الذى يقول بأن هذه القصة إضافة متأخرة (- verz. . der arab. Hss. der kg! . Uni versitatsbibliothek zu Tubingen. توبنكن سنة 1907 م، ص 75). وجاء كرمسكى Krimskj فذيل الترجمة الروسية لرسالة أو يسترب بتعليقات نقدية.
وتابع شوفان Chauvin تحليل الأقسام التى تتألف منها الطبقة الكبيرة، فبيَن أنْ الطبقة المصرية تتألف من قسمين أحدهما يهودى الأصل) (la recension 4 gyptienne des mille et une nuit ، بروكسل سنة 1899)؛ وأورد شوفان (انظر ما كتبه فى Bibilographie
des ouvrages arabes وفى بعض الرسائل المخللفة) ورينيه باسيه Rene Bassei (Notes sur les iooi nuits فى revue des Traditions Populaires، جـ 13 - ، ص 37، 303) ملاحظات قيمة فى مسائل معينة تتصل بهذا الكتاب.
أما وقد وصلنا فى البحث إلى هذه المرحلة فإننا نستطيع أن نقرر فى كثير من الثقة "أن النواة الأصلية لكتاب ألف ليلة وليلة مأخوذة عن كتاب قصص فارسى يعرف بكتاب "هزار أفسانه" ربما نقل إلى العربية فى القرن الثالث الهجرى، وأن مادة هذه القصص معظمها من أصل هندى"، ووجوه الشبه التى نجدها بين كتب هندية وفارسية لاشك فى أنها أقدم من الأصل العربى، وبين نواة ألف ليلة وليلة تمدنا بمقاييس نستطيع أن نميز بها قصص هذه الطبقة القديمة. وهذا التشابه صنفان، فهو طوراً يكون صورة مطابقة للنص العربى، وطوراً ينحصر فى ملامح متفرقة من السهل تمييزها، وكلما كانت هذه الملامح بارزة واشتد اتصالها ببناء القصة وموضوعها زادت قيمة فى نظرنا.
ولدينا إلى جانب هذا مقاييس خارجية خالصة؛ كذكر الأسماء والنظم الفارسية القديمة. وقد حاول لين Lane الدفاع عن النظرية القائلة بالأصل العربى لكتاب ألف ليلة وليلة فبالغ فى تقدير هذه المقاييس الخارجية بمقدار ما وجد فيها من تأييد لنظريته. ومن
الأيسر علينا أن نعلل كيف أن قصاصاً أو نساخاً عربياً وضع أسماء وإشارات عربية تتلاءم والأحوال العربية المعاصرة له من أن نتفهم علة ورود الأسماء الفارسية القديمة، اللهم إلا إذا فرضنا أن هذه الأسماء عبارة عن بقايا مرحلة قديمة من مراحل التطور، ولذلك فإن المقاييس الخارجية التى تتصل بالهند وفارس تعتبر أهم نسبياً من غيرها، فقصاص العرب كانوا يعرفون كيف يطبعون القصة الأجنبية بالطابع المحلى، وكيف يوفقون بينها وبين ما يحيط بهم، غير أنه كانت تعوزهم الحاسة القصصية الفنية الواعية التى تمكنهم من أن يصبغوا الشئ الوطنى بالصبغة الأجنبية ويكسبوه جو بلاد غير بلادهم.
وفى القصة الأولى التى يتكون منها هيكل الكتاب نجد كلا من المقياسين اللذين يثبتان وجود الأصل الأجنبى فيه جنباً إلى جنب، فاسما شاه زمان وشهريار وغيرهما أسماء فارسية، كما أن خيانة زوجى الأميرين الأخوين التى انتهت برحلة أحدهما تشبه القصة الهندية "كاتها سارت ساكارا"(انظر British and Foreign Review، جـ 21، يولية سنة. 1840 م، . ص 266) وكذلك القصص الصغيرة الثلاث التى وردت عرضاً فى نواة الكتاب، والتى تتحدث عن التجار الذين يفهمون لغة البهائم والوحوش لها نظائر فى الأدب الهندى. والتشابه الملحوظ بين الطريقة التى تدمج بها بعض القصص فى هيكل ألف ليلة وليلة وبين الطريقة التى تنتهجها الكتب الهندية له أهمية خاصة، فإن إدماج قصة فى قصة من خصائص الأدب الهندى، وهو أمر مشاهد فى "المهابهاراته" والـ "بنجه تنتره" و "ولله ينجه ومساتى" وغيرها، ولا يحفل الهنود بما فى هذه الطريقة من بُعد عن الواقع ومنافاة لطبيعة الأشياء، فإنهم يظهرون من حين إلى حين أشخاصاً يتكلمون أو يستمعون فى حين أن طبيعة موقفهم من القصة تتنافى مع هذا.
والباعث الأول لكتاب ألف ليلة وليلة هو اكتساب الوقت وثنى المتهور عن عزمه. وهذا موجود أيضاً فى قصة
الوزراء السبعة الهندية الأصل، ونلحظ هذا بصورة أخرى فى القصة الهندية "صو كاسابتاتى" ففيها تحول الببغاء الأريبة بين زوجة صاحبها وبين زيارة خليلها فى غيبة زوجها بأن تشغلها فى البيت بجزء من قصة تسرده عليها كل يوم وتختمه دائماً بقولها:"سأقص البقية غد، إذا بقيت فى البيت الليلة"، وهكذا لا تستطيع الزوجة تنفيذ مأربها حتى يعود زوجها.
وهذه الطريقة فى تكوين هيكل القصص شائعة فى الهند نادرة فى غيرها. ولسنا نعرف بين المصنفات القديمة كتاباً واحداً اتبع فيه هذا النهج اللهم إلا كتاب أوفيد (Meta-Ovid morphosis) . ويمكن اتخاذ هذا النهج مقياسا نميز به الأصل الهندى لأجزاء خاصة من ألف ليلة وليلة. وليس الأمر مقصوراً على ذلك بل إنه يتعداه إلى الأسلوب، فمن لوازم الكتب الهندية الشعبية قولها:"لا تفعل ذلك وإلا أصابك ما أصاب فلانا" فيسأل السامع: "وكيف ذلك؟ " فيجيب القاص برواية القصة، وهذا الأسلوب نفسه مستعمل فى ألف ليلة وليلة، وقولهم "وكيف ذلك؟ " فى بداية القصة ترجمة حرفية للعبارة السنسكريتية "كاتهام إتات"، ونحن نميل إلى افتراض أن هذه العبارة بالذات موجودة فى هزار أفسانه كما توجد أيضا فى الأصل الهندى الذى أخذ عنه هذا الكتاب.
فالقصص التى فى أوائل جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة من كتاب ألف ليلة وليلة -كقصص التاجر مع العفريت، والبنات مع الحمال، والصعاليك الثلاثة، والأحدب- كلها شاهدة على الطريقة التى يقوم بها الكتاب على هيكل، لأن فيها السمات التى تذكرنا بالقصص الهندية القديمة، ومن للك السمات الحيلة التى لجأ إليها الصياد فى إعادة العفريت إلى القمقم بعد أن كان قد أطلق سراحه، فهى مشابهة للترجمة المغولية لقصة "سمهه سند فترمساتى" أى قصة "أرجى برجى خان" ومشابهة لقصة أهل الجنوب المعروفة بـ "بنجه تنتره" التى ترجمها ديبوا Duhois .
ومن السمات التى تذكرنا بالقصص الهندية أيضا الصراع بين الثعبان الأبيض والثعبان الأسود وكلاهما عفريت، فإننا نجد له شبها فى قصص التتار التى من أصل هندى، وليست من أصل إسلامى كما ذهب إلى ذلك ناشرها يافيه ده كورتاى Pavet de Cour teille (المجلة الآسيوية، المجموعة السابعة، ص 259)، وكذلك الصراع بين العفريت والأميرة الساحرة، إذ أن له شبها قوياً بالترجمة المغولية لقصة "وتله بنجه ومساتى" (Benfey: Panchatantra جـ 1، ص 411)، ومنها أيضا قصة الملك والحكيم دوبان (1)، وكيف قتل هذا الحكيم الملك بكتاب دهنت أوراقه بالسم، فتلك عادة شائعة بين الهنود (انظر De rebus: Gildemeister ص 89).
وهناك من جهة أخرى تشابه فى الملامح بين عدد من الحكايات الأولى من كتاب ألف ليلة وليلة يجعلنا لا نسلم بسهولة بأن هذه الحكايات كانت فى الأصل متفرقة على الصورة التى وصلت إلينا، بل من الراجح أن تكون كل حكاية من هذه الحكايات المأخوذة من هزار أفسانه قد أصابها تغيير كبير فيما بعد.
والحكايات الأخرى التى لا شك فى أصلها الهندى الفارسى هى:
1 -
حكاية الحصان المسحور، فقد وردت بها أسماء فارسية مثل سابور، وأعياد فارسية مثل النيروز والمهرجان. ويمكننا أن نرد الفكرة التى تقوم عليها هذه الحكاية إلى قصة "بنجه تنتره"(انظر Benfey، كتابه المذكور آنفا، جـ 1، ص 161).
2 -
حكاية حسن البصرى (وقد ورد فى ترجمة هابشت وهاجن Habicht et Hagen اسم بطل هذه الحكاية "عاصم الصباغ" بدلا من حسن الصائغ، وربما كان هذا ناشئا عن التباس بين الصائغ والصباغ).
وأهم ما فى هذه القصة سرقة الريش، والحيلة التى تغلب بها بطل القصة على الرجال الذين كانوا يتنازعون الميراث وتوسل بها إلى استرجاع محبوبته الهاربة. وهاتان السمتان من أصل هندى (انظر Benfey، كتابه المذكور ص 263) ثم ذاعتا بعد ذلك فى الشرق (انظر. Zeitschr. d
(1) روبان فى قراءة أخرى
، Deutsch Morgent Ges جـ 6، ص 536 ، Avadanas: Stanislas Julien ، ياريس سنة 1859 م، جـ 2، ص 74).
وصدر قصة حسن البصرى والجزء الأكبر منها يتردد ثانية فى كتاب ألف ليلة وليلة فى حكاية جان شاه المتداخلة فى حكاية حاسب كريم الدين وملكة الحيات، وهى حكاية ربما امتزج أصلها بعناصر يهودية. أما حكاية جان شاه فقد كتبت على نسق قصة أقدم منها ولكنها ضعيفة من الناحية الفنية. ومن الغريب أن قصة حاسب كريم الدين نسبها إلى هزار أفسانه أحد الكتاب فى مقال نشره بمجلة أدنبره (Edinburgh Review ، عدد يولية سنة 1886 م، ص 166) فى حين أنه ينكر إنكاراً باتاً أن ألف ليلة وليلة له أصل فارسى.
وإذا نحن لم نعوّل كثيراً على المقاييس الجمالية البحتة فإنا نستطيع أن نقول فى كثير من الثقة إن هذه الحكاية بما فيها من تهويل سخيف وتكرار ممجوج لم تقتبس من نفس المصدر الذى أخذت منه الحكايات المحبوكة الجيدة السبك مثل حكاية الحصان الأبنوس وحسن البصرى وغيرهما.
3 -
وحكاية سيف الملوك هى الحكاية الوحيدة فى كتاب ألف ليلة وليلة التى نجد فى الفارسية حكاية كاملة تقابلها تمام المقابلة. وقد ذكر لين Lane المخطوطات الفارسية التى توجد فيها هذه الحكاية (- Arabian nights en، tertainments جـ 2، ص 744).
4 -
حكاية قمر الزمان والأميرة بدور.
5 -
حكاية الأمير بدر والأميرة جوهر السمندلية.
7 -
حكاية أردشير وحياة النفوس، ونجد هذه الحكاية أيضا بشكل آخر فى مخطوطات ألف ليلة وليلة، نجدها فى حكاية عمر بن النعمان. وبالرغم مما قرره تسيبولد فإنى أرى أنها إضافة متأخرة إلى هيكل كتاب ألف ليلة وليلة ونجد هذه الحكاية أيضا فى حكاية تاج الملوك والأميرة دنيا التى تطابق حكاية أردشير وحياة النفوس مطابقة تكاد تكون حرفية.
ولسنا نستطيع أن نقطع بوجود صلة بين حكاية على شير وبين الأصل
الفارسى، فإن حكاية نور الدين على وذات الزنار التى نرجح أنها متأخرة عنها. وحكاية نور الدين هذه نجدها أيضا فى ألف ليلة وليلة. ولا نستطيع أيضا أن نقرر وجود صلة بببن الأصل الفارسي وبين حكايتى الأخوات الغيورات وأحمد وباري بانو، وهاتان الحكايتان لانجدهما إلا فى ترجمة كلان C: alland لكتاب ألف ليلة وليلة.
وعلى هذا فإن هذه القصص التى أخذت من كتاب هزار أفسانه هى التى تكونت هنها نواة كتاب ألف ليلة وليلة ثم تجمعت حول هذه النواة فى أراضى عربية طبقات مختلفة من الحكايات.
وأول طبقة من هذه الطبقات بغدادية يتردد فيها اسم هارون الرشيد، وبعض حكايات هذه الطبقة من وحى الخيال، والبعض الآخر عبارة عن حوادث تاريخية زيد فيها وأعيدت صياغتها مثل حكاية أبى الحسن أو النائم اليقظان التى نجد أصلها التاريخى فيما رواه الإسحاقى (Lane: كتابة المذكور، جـ 2، ص 376) وكذلك نجد أن كثيراً من الحكايات التى ذاعت عن أبى نواس وأبى دلامة قد أصبحت من الروايات الأدبية.
ويجب ألا ننسى أن اسم الرشيد كان قد أصبح منذ وقت قديم رمزاً للعصر الذهبى الغابر تُفعل فيه الأعاجيب وتحاك حوله الأساطير. وعلى هذا فمن الخطأ أن نكتفى بورود اسمه فى حكاية من الحكايات فننسبها إلى هذه الطبقة. وفى مثل هذه الحالة يجب أن يكون اعتمادنا على المقاييس الداخلية.
وإذا صرفنا النظر بطبيعة الحال عن كثير من التفصيلات التى لابد أن تظل موضع الشك فإنا نستطيع أن نقول بصفة عامة إن الأقاصيص الهينة الجيدة السبك التى تمثل حياة الطبقة الوسطى وتقوم على مشكلة من مشكلات الحب ويكون حلها على يد الخليفة هى من الطبقة البغدادية، أما حكايات الصعاليك وحكايات الجن -وهذه فى الغالب ضعيفة الأسلوب - فهى من طبقة مصرية متأخرة.
ومما يجدر ذكره أن الجن فى الحكايات الهندية والفارسية القديمة يفعلون ما يفعلون من تلقاء أنفسهم، أما الجن فى القصص المتأخرة فيخضعون دائما لطلسم أو لغيره. وعلى هذا فإن صاحب الطلسم هو الذى يسيطر على مجرى الأمور دون الجن والعفاريت.
اما الحكايات البغدادية فليس للسحر دخل فيها. وقد بين نولدكه أن حكايات الصعاليك فيها عنصر مصرى خالص (Zeitscher. d. Deutsch. Morg.: Noldeke .Gess . جـ 42،ص 68). والمثل القديم على هذا النوع هو القصة المشهورة التى رواها هيرودوتس عن كنز الملك رامبسينيت Rhampsinil فإنا نجد شبهاً طريفاً لجزء من هذه القصة فيما حكاه المقدمون الثمانية للسلطان بيبرس فى كتاب ألف ليلة وليلة (طبعة هابشت وفليشر Habicht & Fleishcer ، جـ 11، ص 375). ونحن نرجح ما حاو ل أن يثبته شوفان من أن الجزء الأخير من الطبقة المصرية بما فيه من حكايات مبتذلة عن السحر من وضع يهودى مصرى (La recension Egyptienne des: Chauvin Mille et une nuit، بروكسل 1899) وحكايات هذه الطبقة المتأخرة هى أضعف ما فى الكتاب من الوجهة الجمالية.
وفوق هذه الطبقات الأربع التى سبق أن بينا انه لا يمكن تمييز بعضها عن بعض بالدقة، اشتمل كتاب ألف ليلة وليلة على عدد من القصص الكبيرة والأقاصيص الصغيرة. وهذه القصص الكبيرة ترد كل واحدة منها فى نسخة دون الأخرى. ويظهر أنها أضيفت إلى الكتاب لا لشئ إلا ليبلغ عدد الليالى التى دَل عليها اسمه. من هذه الحكايات حكاية الوزراء السبعة وهى من أصل هندى مستقل والحكايات التى نسجت على منوالها، مثل حكاية الوزراء العشرة وحكاية الوزراء الأربعين وحكاية جليعاد وشماس.
أما نسبة حكايات السندباد البحرى إلى كتاب ألف ليلة وليلة فمحل بحث. ويظهر أنها وضعت فى عهد بلغت فيه بغداد والبصرة غاية ما وصلتا إليه من ازدهار. وربما كانت هذه الحكايات فى الأصل كتابا قائماً بذاته.
ومن الحقائق المعروفة أن ثمة بعض حكايات مصرية قديمة جداً وحكايات يونانية، والحكايات اليونانية تشبه حكاية السندباد فى مادتها.
وهناك حكايات لم تكن فى أصل كتاب ألف ليلة وليلة مثل الحكاية الطويلة التى تتحدث عن فروسية عمر ابن النعمان وولديه، وحكايه شول وشمول (طبعة تسيبولد Seybold، لييسك سنة 1902) وحكايتين تعليميتين تختلف كل واحدة منهما عن الأخرى اختلافا بينا وهما حكاية الحكيم هيكر، وهى يهودية الأصل، وحكاية الجارية تَوَدد التى أصبحت فيما بعد كتابا يقبل الشباب فى أسيانيا على قراءته، واسمه - La Dan 7 ella Te، odor Tudur، وتيودور أو شدور تصحيف لكلمة تودد من السهل إيضاحه بالاعتماد على فن الكتابات القديمة (Historia de la li-: Ticknor terata espanoola، traducida por pascuat de Gayangos Y Enriquo de Vedia . جـ 2، ص 554).
والإضافات الأخيرة التى أضيفت إلى هذا الكتاب الضخم حدثت فى مصر، والرجح أن ذلك كان فى أواخر عهد المماليك، ولعلها وضعت فى القاهرة لكثرة ، ورود أسماء صحيحة لأماكن فيها. وهذا الرأى يمكن استنتاجه أيضا من لغة هذا الجزء، فهى تشبه اللغة العربية فى عصورها المتأخرة وتقرب فى كثير من الوجوه من اللغة المصرية الدارجة.
على أن واضعى هذا الجزء لم يوفقوا تماماً فى محو الفروق الأصلية البارزة بين أسلوب الجزء الأصلى وأسلوب ما أضافوه إليه، وكذلك تختلف النسخ المختلفة اختلافا بينا فى هذا الصدد. وقد حاول شوفان - Chau vin فى كتابه المذكور آنفاً أن يعين على وجه التدقيق شخصية الرجل الذى وضع الطبقتين المصريتين، وهو يرى أنه يهودى دان بالإسلام. ولكنا نرى أن عدد الكتاب والقصاص الذين اشتركوا فى إعادة صوغ ألف ليلة وليلة فى عصور متعاقبة كانوا من الكثرة
بحيث أن الكشف عن عمل كل مؤلف منهم على حدة أصبح من الأمور المعقدة التى لا يجرؤ كاتب على التعرض لحلها. وقد جاء فى الفقرة التى ذكرناها عن المسعودى أن الكتاب الفارسى هزار أفسانه الذى ترجم إلى العربية ترجمة حرفية معناه ألف خرافة وأنه سمى بدل ذلك ألف ليلة. أما اسم ألف ليلة وليلة الذى أطلق من بعد على الكتاب فيرجع إلى أن العرب -كغيرهم من الشرقيين بصفة عامة- يتطيرون من الأعداد الزوجية كما سبق أن بين ذلك كلدميستر Gildmeister (المصدر نفسه). وربما كان لميلهم المألوف إلى نوع من التسجيع فى تسمية الكتب دخل أيضا فى تغيير اسم الكتاب. وكما أن الكتاب الفارسى هزار أفسانه لم يشتمل بالدقة على ألف خرافة، وهذه التسمية العددية إنما قصد بها عدد كبير من الحكايات غير معين، كذلك الحكايات التى وردت فى كتاب ألف ليلة وليلة لم تكن فى الأصل مقسمة إلى ألف ليلة وليلة وإنما وضُع هذا التقسيم فى العصور المتأخرة. وهذا يبدو جليا من اختلاف النسخ فى هذا الموضوع اختلافا كبيراً. ولقد كانت الرغبة فى إكمال عدد الليالى فى الكتاب هى الباعث إلى الزيادات الكثيرة التى أدخلت عليه. أضف إلى هذا أن شهرة اسم كتاب ألف ليلة وليلة جعلت النساخ يميلون إلى أن يضيفوا إلى ما اشتملت عليه المخطوطات كل ما هو دخيل وعجيب. وأحسن مثل على هذه المخطوطات مخطوط ياريس رقم 1728.
ويشتمل الجانب الأكبر من حكايات ألف ليلة وليلة على شواهد شعرية تطول أحياناً وتقصر أحياناً، وتتميز الطبقة البغدادية بكثرة ما يرد فيها من الأشعار.
والطريقة المتبعة فى الكتاب هى وضع هذه الشواهد على لسان المتحدث، وذلك فى جميع الفقرات التى يريد القاص فيها أن يعبر عن عاطفة قوية سواء أكانت عاطفة حزن أم سرور، فيجعل المتحدث يستهل كلامه بالشعر. وهذه الأشعار فى أغلب الحالات ليست بوجه من الوجوه أداة لاستمرار الحديث، ولكنها -كالأشعار التى ترد فى القصص التمثيلية الهندية- عبارة عن مواضع للتوقف تفيض أحيانا بالحكم والتأملات. وفى هذا دليل كاف
على أن هذه الأشعار ليست قديمة قدم بقية المتن، وإنما أضيفت إليه فى وقت متأخر. ويعزز هذا الاستنتاج تكرار ورود هذه الشواهد بعينها فى مواضع متشابهة، وربما عززه أيضا ذكر كثير من الأشعار المختلفة التى تؤدى المعنى نفسه، والوصل بينها بالعبارة المشهورة "وقال أيضاً فى المعنى"، وهناك أمثلة كثيرة من الأشعار التى تبدو سخيفة على لسان المتحدث إما لخطأ فيها أو لأنها نابية عن موضعها. ولم يذكر اسم الشاعر صاحب الأبيات المقتبسة إلا فى حالات نادرة. والشعراء الذين كثر ذكرهم: أبو نواس وابن المعتز وإسحق الموصلى، أما فى أغلب الأحوال فتترد ، هذه الصيغة:"وقال الشاعر". وأغلب الأشعار من تاريخ متأخر، وهى على وجه العموم أكثر وضوحاً وبساطة من الشعر العربى القديم.
وتنقسم مخطوطات ألف ليلة وليلة إلى ثلاث مجموعات مختلفة كما بين بروكلمان نقلا عن زوتنبرغ Zotenberg (Gesch. d. arab. litter، جـ 2، ص 60.
المجموعة الأولى أسيوية وهى الأقدم. وجميع مخطوطات هذه المجموعة ناقصة إلا واحدة منها، وتشتمل على الجزء الأول من الكتاب فقط، ثم مجموعتان مصريتان متأخرتان.
والإختلاف بين هذه المخطوطات كبير جداً، وإن كان فى نسخ مخطوطات المجموعة الأولى أقل أهمية.
وقد أعطانا بروكلمان ثبتا بطبعات هذا الكتاب وترجماته إلى اللغات الأوربية. وأكمل كريمسكى Krymski هذا الثبت وتوسع فيه فى مقدمته للترجمة الروسية لبحث أو يسترب (Studier). وذكر شوفان مصادر كثيرة فى كتابه (Bibliographie des ouvrages A rabes جـ 4، ص 12 - 130).
وأكمل ترجمات هذا الكتاب وأدقها ترجمة برتون Burton إلى الإنكليزية (بنارس- لندن، سنة 1885، وقد طبعت أخيراً بالألمانية فى " Inselverlarlag")، والترجمة الفرنسية التى قام بها ماردروس Mardrus (باريس سنة 1899 وبعد ذلك).
وما زالت طبعة بولاق العربية التى صدرت عام 1251 هـ أحسن الطبعات -وهى فى مجلدين- وان كانت الطبعة المصرية الأخيرة التى طبعت فى القاهرة فى أربعة مجلدات أصغر حجماً وأسهل تداولا لأنها طبعت عدة مرات.
[أويسترب j. oestru]
ألف ليلة وليلة: ظهر كتاب ألف ليلة وليلة لأول مرة فى أوربا فى الترجمة الفرنسية التى قام بها أنطوان كلّان - An toine Galland (سنة 1646 - 1715 م) وسماها Les Mille et une nuit وصدرت فى اثنى عشر مجلداً (باريس سنة 1704 - 1717 م) وقد ظهر منها قبيل عام 1706 م سبعة مجلدات، وظهر المجلد الثامن سنة 1709 م، والمجلدان التاسع والعاشر سنة 1712 م، والحادى عشر والثانى عشر سنة 1717 م أى بعد وفاة كلّان بعامين.
وكان البطء فى ظهور المجلدات الأخيرة راجعاً إلى الصعوبات التى لاقاها كلّان فى الحصول على مادة الكتاب الذى يترجمه، وإلى أنه لم يكن يهتم كثيراً بهذه الناحية من نواحى عمله العلمى.
كان كلّان قصاصاً موهوباً بصيراً بالقصة الجيدة بارعاً فى إعادة روايتها، وأدى هذا إلى نجاح ترجمته. وكان موفقا أيضا من ناحية المادة التى وقعت فى يده. وقد بدأ بترجمة السندباد البحرى من مخطوط أصله غير محقق ثم عرف أنها جزء من مجموعة كبيرة من الحكايات اسمها ألف ليلة وليلة. وأسعده التوفيق إلى حد عجيب بعد ذلك بأن جاءه من الشام نسخة خطية لهذا الكتاب فى أربعة مجلدات، هى أقدم النسخ المعروفة وتشتمل على أحسن ما بقى من متن الكتاب. ومازالت المجلدات الثلاثة الأولى من هذه النسخة الخطية محفوظة فى المكتبة الأهلية بباريس. أما المجلد الرابع فكان مصيره الضياع.
واستنفذ كلّان هذه المجلدات الثلاثة الأولى -التى لا تزال فى متناولنا حتى الآن- فى المجلدات السبعة الأولى من ترجمته، ثم أضاف إليها حكايات السندباذ وقمر الزمان، أخذها عن نسخ مخطوطة غير محققة الأصل. ووقف كلّان عند هذا الحد ثلاث سنوات لنفاد المادة التى يعتمد عليها فى
الترجمة، إلى أن اضطره ناشر كتبه إلى استئناف العمل وذلك بأن نشر دون إذنه المجلد الثامن الذى يشتمل على حكاية غانم التى ترجمها كلّان عن مخطوط لا يعرف أصله وعلى حكايتى زين الأصنام وخده اداد اللتين ترجمهما بتى ده لاكروا Petis de la Croix لنشرهما فى كتاب ألف يوم ويوم Mille et nn jour، لم يجد كلّان ما يترجمه بعد ذلك فتوقف للمرة الثانية. وكان قد أخذه الكلال والسأم من هذا العمل كله.
ولكن حدث سنة 1709 أن صادف كلاّن ماروينا من حلب اسمه حنا، كان قد جاء به إلى باريس بول لوكا Paul Lucas ، فأدرك فى الحال أنه لقى قصاصا لأحسن القصص. وأخذ حنا يحكى لكلاّن حكايات عربية وهو يكتب خلاصات لبعضها فى يومياته ثم أعطاه حنا بعض هذه الحكايات مكتوبة، وبهذا اكمل كلّان مجلداته الأربعة الأخيرة. وقد ذكر فى يومياته تفصيلات وافية عن هذا الموضوع.
واختفت مخطوطات حنا، ولكن منذ ذلك العهد ظهر مخطوطان لحكاية علاء الدين ومخطوط لحكاية على بابا. وهذا هو أصل الليالى التى عرفتها أوربا والتى لا يزال أغلب قرائها فى الترجمة الفرنسية وفى الترجمات الكثيرة التى نقلت عنها
يعرفونها باسم الليالى العربية، واذا أردت زيادة فى البيان فارجع فى ذلك إلى:(His-: Hermann Zotenberg -torie d'Ala Al-Din ou la lampe Mer ، veilleuse باريس سنة 1887 = Notices - et ertraits des manuserits de la Rib liotheque du Roi ، باريس سنة 1887، جـ 28 ن عدد 1، ص 167 - 320) وفيه أيضا دراسة وافية لمخطوط من مخطوطات كتاب ألف ليلة وليلة ولما كتبه كلاّن فى يومياته؛ وإلى فكتور شو فان: (Biblio-: Victor Chauvian graphie Arabe . جـ 4، لييج سنة 1900، وإلى A bid-: D.B. Macdonlad - liographical and literary Study of the ap -pearance of the Arabian Nights in Eu grope وفى مجلة The Library Quarterly جـ 2، عدد 4، أكتوبر سنة 1932، ص 387 - 420).
وظلت أوربا أكثر من قرن تعتبر أن الليالى هى ترجمة كلاّن، ولحسن
الحظ أنه كان موفقاً فى مصدريه: المصدر المخطوط والمصدر المروى.
ولكن ظهرت فى الوقت نفسه مخطوطات أخرى تتصل بالليالى عن قرب أو بعد، وقد ترجم منها ونشر عدة ملحقات لترجمة كلاّن. وكما أن مخطوطات الليالى نفسها قد عظم بينها الاختلاف فيما اشتملت عليه من الحكايات، كذلك كارْ النقلة على استعداد لإدماج أية حكاية عربية فى كتاب ألف ليلة وليلة. وقد أصبح الموضوع كله -لعدم وجود أصل ثابت ومتن معتمد- يحيط به الشك والزيف. والملحقات الآتية -التى نشرت أحياناً على انفراد وأحيانا متصلة بطبعات كلاّن- لها شأن فى ذاتها، وباعتبار أنها تمثل اهتمام ذلك العصر بهذا الكتاب. وإذا أردت زيادة فى البيان فارجع إلى شوفان (المصدر المذكور، جـ 4 ن ص 82 - 120).
ففى سنة 1788 م ظهرت سلسلة من الحكايات العربية ملحقة بكتاب - Cab inet des Fees، ص 38 - 41 نقلها إلى الفرنسية دنيس شافيس Denis Chavis . وهو كاهن سورى جاء به من رومة إلى باريس البارون ده بريتاى de Baron Breteuil بناء على تكليف الحكومة الفرنسية، وصقل كازوت Cazontte ترجمته الفرنسية.
وكان الفضل لشافيس هذا فى حصولنا أيضا على مخطوطين لحكاية علاء الدين. وبفضل اهتمام الناس فى ذلك الوقت بموضوع الليالى كله ظهرت ما بين 1792 م وسنة 1794 م ثلاث ترجمات إنكليزية لهذا الملحق الذى ترجمه شافيس وصقله كازوت.
وفى سنة 1795 م نشر وليام بيلو William Beloe فى الجزء الثالث من كتابه Miscellanies بعض الحكايات العربية التى حكى له ترجمتها ياترك رسل Patrick Russell مؤلف كتاب The Natural history of Aleppo الذى نشر عام 1794 م.
وفى سنة 1800 م ترجم جوناثان سكوت Jonathan Scott فى كتابه، Tales necdotes and Letters بعض الحكايات عن مخطوط لكتاب ألف ليلة جاء به من الهند جيمس أندرسون James Anderson.
وكان وليام أوزلى William Ousley قد نشر شواهد كثيرة من هذا المخطوط بين سنة 1797 م وسنة 1798 م فى كتابه Oriental Collections . وفى سنة 1811 م نشر ترجمة إنكليزية لكتاب كلاّن وأضاف إليها مجلداً ثالثاً يشتمل على حكايات جديدة أخذها عن مخطوط
Wortley Montague.
وكان كوسان ده يرسيفال Caussin de Prerceval قد أضاف سنة 1806 م جزأين من ملحقه وهما المجلدان الثامن والتاسع إلى الطبعة التى أصدرها لكتاب كلاّن، وفى هذين المجلدين نشر ترجمة أدق للمخطوط الذى اشتمل على الحكايات التى ترجمها شافيس وصقلها كازوت Cazotte .
أما إدوار كوتييه Edouard Gauttier فقد ذهب أبعد من هذا فى الطبعة المعتمدة التى أصدرها لكتاب كلاّن بين سنة 1822 م وسنة م، فإنه -إلى جانب المجلدين السادس والسابع اللذين اشتملا على حكايات جديدة أخذت من مصادر جمة- أطلق يده فى كتاب كلاّن وأضاف إليه حكايات أخرى.
أما الملحق الذى أصدره فون هامر Von Hammer فقد امتاز بأسانيد أمكن، كما امتاز بدقة التحرى فى اختيار الحكايات. حصل فون هامر فى مصر على مخطوط لمتن الكتاب عرف باسم "نص زوتنبرغ"، وقد أصبح هذا النص -بفضل طبعه عدة مرات- النص المعتبر لكتاب ألف ليلة وليلة. وترجم فون هامر من هذا النص إلى الفرنسية بعض الحكايات التى لم ترد فى كتاب كلاّن. ولكن هذه الترجمة الفرنسية ضاعت ولم يبق لنا منها إلا ما نقله عنها تسنسرلنك Zinserling إلى الألمانية وأصدره فى ثلاثة مجلدات عا 1823 م، والترجمة الإنكليزية لكتاب تسنسرلنك التى قام بها لام Lamb وأصدرها فى ثلاثة مجلدات 1826 م، ثم ترجمة فرنسية لهذا الكتاب أيضا قام بها تريبيتيان Trebutien وأصدرها فى ثلاثة مجلدات عام 1828 م.
وفى عام 1825 م أصدر هابشت Habicht فى بروسلاو كتاب ألف ليلة فى خمسة عشر مجلداً زاعماً أن كتابه ترجمة جديدة لليالى، ولكنه كان فى الواقع عبارة عن كتاب كلاّن مضافاً إلى
ملحقات كوسان Caussin وكوتييه - Gaut tier وسكوت Scott وخاتمة قيل إنها أخذت عن مخطوط تونسى.
وفى العام نفسه بدأ هابشت فى إصدار النص العربى الذى سنتبسط فى الحديث عنه. واعتمد فايل Weil على هذا النص، وبدأ يترجمه ترجمة جديدة صدرت فى أربعة مجلدات بين سنة 1837 وسنة 1841. ولكن بطء هابشت فى إصدار النص العربى وما كان يلقاه من متاعب مع ناشر كتبه، كل ذلك دفع فايل Weil إلى أن يعتمد على كتاب كلاّن فى إتمام الترجمة التى كان يقوم بها، وأخذ فايل بعض الحكايات أيضاً من مخطوطات كوتا - Go tha، غير أنه لم يرض عن كتابه إلا عندما أصدره للمرة الثالثة بين سنة 1866 وسنة 1867 معتمداً على طبعة هابشت وطبعة بولاق.
وفى هذه الأثناء كان الجدل قد احتدم حول أصل كتاب ألف ليلة وليلة وتاريخه، وكان هذا الجدل يشوبه العنف فى بعض الأحيان.
كان فون شليكل W.Von Schlegel .A العالم فى اللغة السنسكريتية يقول إن كتاب ألف ليلة أصله هندى. ولا يذهب أحد الان هذا المذهب، لأنه قد تبين أن حكايات هذا الكتاب لها أصلان: أصل عربى وأصل فارسى. هذا إلى أنها تشتمل على موضوعات مأثورات شعبية شائعة بين الأمم. أما نواة الكتاب وحدها فقد ثبت أنها من أصل هندى قديم، أثبت ذلك كوسكان. Em Cosquin ، فى (Revue Bibilque عدد يناير - أبريل سنة 91909). ويرزيلسكى J.Przyluski فى (Journal Asiatque)، سنة
1924، ص 101 - 137).
وانتقلت هذه النواة إلى الأساطير الشعبية الفارسية، وتأثر بها كتاب إستر، وأصبحت نواة لكتاب الليالى الفارسية. وانتقلت هذه الحكاية فى صورة أخرى قائمة بذاتها إلى شمالى إفريقية وأصبحت أصلا لمجموعة من الحكايات العربية اسمها "مائة ليلة وليلة" (انظر G audefroy-Demombynes: Les Cent et une Nuits، طبعة باريس من غير تاريخ، ولها مقدمة قيمة فى فن القصة). وقد تبسطت فى الكلام على هذا الموضوع فى مقالى الذى نشر تحت
عنوان Earlier Hist. of the Arab. nights فى مجلة الجمعية الملكية الأسيوية Journal of the Royal Asiatic Society، عدد يولية سنة 1942 م، ص 355 وما بعدها.
ولكن النواحى الجوهرية فى هذه المناقشات الأولى حول ألف ليلة وليلة قد تناولها ده ساسى وفون هامر. أماده ساسى فلم يكن موفقا فى موقفه، فقد طغى عليه ما لاحظه على مخطوطات الكتاب من طابع مصر فى عصورها الوسطى حتى غاب عنه أن للكتاب تاريخا سابقاً طويلاً يرجع به إلى بلاد الفرس. ولهذا لم يأت ده ساسى فى الواقع بشئ جديد.
أما فون هامر فقد أخرج إلى النور أهم روايتين تتحدثان عن التاريخ القديم لكتاب ألف ليلة وليلة: مثل رواية المسعودى فى مروج الذهب (طبعة ياريس، جـ 4، ص 59 وما بعدها). ورواية الفهرست (طبعة فلوكل، ص 304 ما بعدها). وقد تبسط شوفان Chauvin فى الكلام على الخلاف فى أصل الكتاب فى الجزء الرابع من كتابه، ص 1 وما بعدها.
وقد بدئ أيضاً فى طبع النص العربى فى أوربا وفى الشرق. فبينما كان وليم جونز William Jones فى أكسفورد حصل من صديق له من العلماء فى حلب على مخطوط غير كامل ضاع الآن، إلا أنه يشبه كل الشبه مخطوط كلّان. وقد طبع جون رتشادسون John Richardson أجزاء من هذا المخطوط فى كتابه "الأجرومية العربية" The Arabic Grammen الذى أصدره عام 1767 م، ثم استخرج جوزيف هويت Joseph Whit صورة شمسية للمخطوط كله وطبع نموذجاً منه (Bible. Arabica: Schnurrer، ص 487، رقم 420).
وجاء باتريك رسل Patrick Russell من حلب بمخطوط آخر للكتاب فى مجلدين وهو غير كامل إلا أنه يشبه أيضا مخطوط كلّان ويكاد يساويه فى الحجم. والجزء الأول من هذا المخطوط محفوظ الآن فى مكتبه جون ريلانذز " John Rylands Liberary" وكتب باتريك رسل عن مكانة الليالى فى كتابه - Nat ural History of Aleppo، الذى أصدره عام 1794،كما نشر خطاباً طويلا فى
مجلة جنتلمان Gentleman's Magazine، عدد فبراير سنة 1799. يصف فيه مخطوطه، وكانت هذه المجلة حينذاك قد أخذت تنشر منذ عامين رسائل فى موضوع ألف ليلة وليلة".
والحديث عن مخطوط باتريك رسل يجرنا بطبيعة الحال إلى الكلام عن أول سعى لطبع الكتاب بنصه العربى. لأنه لاشك فى أن النسخة التى سميت "طبعة كلكتة الأولى" للمائتى ليلة (طبعة كلكتة فى مجلدين عام 1814 وعا م 1818، ثم أعيد طبعها على الحجر عام 1829) ليس من شك فى أن هذه النسخة مأخوذة مع شئ كثير من التصرف من مخطوط باتريك. وقد تحدثت عن المشكلة البالغة التعقيد الخاصة بأصل هذه النسخة فى مقالى Classification of some MSS of the Arabian Nights الذى نشر فى كتاب E.G.Browne ص 307، 313 وما بعدها.
وهناك جزء من طبعة كلكتة مأخوذ من كتاب لانجلس " L.Langel«الذى سما 5 - Les Voyages des Sind-Badh le ma rin et la Ruse des Femmes وطبعه فى ياريس سنة 1813 ملحقاً بكتاب آجرومية اللغة العربية Grammaire de«"la langue Arabe الذى ألفه سافاري " Savary"، ثم طبعه مرة أخرى منفصلا
فى سنة 1814 م.
وترجم راسموسن J.L. Rasmussen طبعة كلكتة الأولى إلى اللغة الدنماركية، وأصدر ترجمته بكوبنهاغن فى أربعة مجلدات عام 1824.
وثانية المحاولات لطبع النص العربى كانت على يد مكسمليان هابشت - Maxi milian Habichl . فقد أخرج فى برسلاو ثمانية مجلدات من كتاب ألف ليلة وليلة بين سنة 1825 وسنة 1838. ثم أصدر فليشر Fleischer المجلدات المجلدات الأربعة الباقية بين سنة 1842 وسنة 1843. ومن العسير أن نتلطف فى القول عند الكلام عن هذه الطبعة، فإن فليشر قد خلق عامدلم أسطورة أدبية، وأصاب بالاضطراب العظيم تاريخ كتاب ألف ليلة، ذلك أنه سجل على صفحة العنواق من كتابه أنه نقله عن مخطوط تونسى " - Nach einer Hands chrift aus Tunis، ولم يكن هذا صحيحاً،
فلم يكن يملك مخطوطاً تونسياً، وليس هناك أى دليل على أن تونس قد وجد بها حقا مخطوط لكتاب ألف ليلة.
ووقف هابشت على كثير من القصص العربى، جاءه من مصادر مختلفة، فنسج منه متناً جديداً لكتاب ألف ليلة، ناهجاً فى الكثير الطريق نفسه الذى نهجه فى الترجمة التى تحدثنا عنها من قبل. وخير ما نستطيع أن نقوله فيه هو أنه طبع مخطوطاته على أصلها دون أن يعنى بتصحيحها أية عناية، فجاء كتابه غثا بكل ما فى هذه الكلمة من معنى.
أما جل الطبعات الأخرى فقد أصلحها طائفة من الشيوخ وصححوا لغتها. وأهم الحكايات الواردة فى طبعة هابشت أخذت بطريقة غير مباشرة من مخطوط كلّان Galland، وقد تبسطت فى الكلام عن هذا فى مقالى الذى نشرته عن كتاب هابشت فى مجلة الجمعية الملكية الأسيوية، الصادرة فى يولية سنة 1909 م، ص ،685 - 704. وفى مقالى " Classification" الذى أشرت إليه آنفاً.
أما جميع النصوص العربية الأخرى فقد أخذت عن النص المصرى الحديث جدا. والفضل فى تحقيق هذا يرجع إلى زوتنبرغ الذى وصل إلى هذا الرأى بعد دراسة جميع المخطوطات التى كانت موجودة واستطاع الحصول عليها وموازنتها بالمخطوط المصرى.
وهناك دليل آخر ظاهرى يؤيد هذا الرأى، ففى شهر يوليو سنة 1807 كان سيتزن Seetzen فى القاهرة، وكتب فى يومياته (Reisen، جـ 3، ص 188) يقول: إن أسلان Asselin كشف أن مخطوطات ألف ليلة وليلة المتداولة فى مصر قد جمعها واحد من الشيوخ. وأن هذا الشيخ توفى منذ 26 عاماً. ولسوء الحظ ترك أسلان فى يومياته بياضا مكان اسم هذا الشيخ. ثم أضاف
إلى هذا أن المجموعة الأصلية التى وصلت إلى يد الشيخ كانت تشتمل على مائتى ليلة، وأنه جمع حكايات بقية الليالى من حكايات متفرقة معروفة، وذكر أسلان أنه اعتزم أن يكتب رسالة عن ذلك النص.
ولم يشر زوتنبرغ إلى ما كتبه سيتزن فى يومياته، ويظهر أن أسّلان لم يكتب مقاله أيضاً، ولكنا نجد فى هذه الراوية دليلا واضحا يؤيد الرأي الذى ذهب إليه زوتنبرغ، ذلك الرأى الذى أخذت تعززه المخطوطات المرة بعد الأخرى، وسنتحدث عن ذلك فيما بعد. وعلى هذا يمكننا أن نقول بثبوت النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ. أما الطريقة التى اتبعها ذلك الشيخ المجهول فى زيادة عدد الليالى واطالتها فقد تكلمت عنها فى مقالى Classification of " some MSS of the Arabian Nights . الذى أشرت إليه من قبل.
وأول طبعة للمخطوط المصرى هى الطبعة المعروفة باسم "طبعة بولاق الطبعة الأولي التى صدرت ، 1251 هـ (1835 م، أما طبعة بولاق الثانية فقد صدرت عام 1279 هـ. وهاتان الطبعتان عينتا النص المعتبر الليالى، وصدر عنهما كثير من الطبعات الشرقية.
وأخرجت مطبعة الآباء اليسوعيين فى بيروت طبعة أخرى للكتاب معتمدة على أحد المخطوطات المصرية بعد أن هذبت عباراته، وأصدرته فى خمسة مجلدات بين سنة 1888 وسنة 1890، وأرسلت نسخة من المخطوط المصرى إلى الهند وطبعها مكناتن - W.H. Mac naght بكلكتة فى أربعة مجلدات بين سنة 1839 وسنة 1842. وتسمى هذه الطبعة عادة "طبعة كلكتة أو"طبعة كلكتة الكاملة". والمجلد الأول من هذه الطبعة عبارة عن المجلد الأول من طبعة كلكتة الأولى والنص الوارد فى طبعة برسلاو بعد أن زيد فيه. وقد أعيد طبع هذه النسخة على الحجر فى بومباى وصدرت فى أربعة مجلدات عام 1297 هـ
وقد نقلت جميع الترجمات الأحدث من ذلك إلى اللغات الأوربية من النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ. وكذلك الجزء الذى ترجمه فون هامر إلى الفرنسية، والذى أسلفنا الكلام فيه، أخذ من نسخة من المخطوط المصرى الذى اشتراه فى مصر، وكان ذلك فى مستهل القرن التاسع عشر. وقد فصل فون هامر الكلام عن مخطوطه وغيره من المخطوطات فى مقدمته للترجمة
الألمانية التى قام بها تسنسرلنك وصدرت فى شتوتكارت وتوبنكن عام 1823. ومن الواضح أن نسخاً كثيرة من المخطوط المصرى كانت تباع فى مصر فى ذلك الوقت.
ثم بدأت فى الظهور ترجمة إنكليزية تختلف عن هذه الترجمة كل الاختلاف. وكان قد قام بها هنرى تورنس Henry Torrens معتمداً على طبعة مكناتن. وظهر المجلد الأول فى كلكتة ولندن عا 1838، أما مقدمته فقد كتبت فى سملا بالهملايا فى 31 يولية سنة 1838، واشتمل هذا المجلد على الخمسين الليلة الأولى فقط، وكانت هذه أول محاولة -بعد كلاّن- لإصدار الليالى فى ثوب أدبى.
ولما أعلن عن ترجمة لين Lane امتنع تورنس Torrens عن إتمام ترجمته. ولكن جون ياين John Payne كتب يقول: إنه لم يكن ليترجم كتاب ألف ليلة لو أن تورنس أتم الترجمة التى بدأها.
أما ترجمة لين فغير كاملة، ولكن عليها تعليقات وافية قيمة جداً. وقد بدأ ظهورها فى أجزاء سنة 1839 وتم إخراجها فى سنة 1844. وهذه الترجمة نقلت عن طبعة بولاق الأولى مع إشارات إلى طبعة برسلاو.
أما الترجمة التى قام بها "ياين" لطبعة مكناتن فكاملة. وقد صدرت فى تسعة مجلدات بين سنة 1882 وسنة 1884. وفى سنة ظهر من هذه الترجمة ثلاثة مجلدات أخرى تشتمل على حكايات وردت فى طبعة برسلاو وفى طبعة كلكتة الأولى.
ثم صدر المجلد الثالث عشر فى سنة 1889 مشتملا على حكايتى علاء الدين وزين الأصنام. وقد طبعت هذه الترجمة عدة طبعات كاملة منذ توفى "ياين" فى سنة 1916.
وقد ترجم "سير رتشارد برتون" Sir Richard Burton طبعة مكناتن. ولكنه اعتمد كثيرلم على ترجمة "ياين"، بل نقل منها نقلاً حرفيا فى كثير من الأحيان. وصدرت هذه الترجمة فى عشرة مجلدات، عام 1885. ثم ألحق بها ستة مجلدات أخرى صدرت بين سنة 1886 وسنة 1888. وأعيد طبع هذه الترجمة عدة مرات.
وقد تكلم عن الصلة العجيبة بين ترجمة "باين" وترجمة "برتون": "توماس رايت" Thomas Wright فى كتابه عن سيرة "سير رتشارد برتون" Life of Sir Richard Burton الذى صدر فى مجلدين، بلندن عام 1906، وكتاب "سيرة جون ياين" Life of John Payne الذى صدر فى لندن عام 1919. وقد حاولت المقارنة بين هذه الترجمات الإنكليزية فى مقالى On translating the Arabian Nights الذى نشر فى مجلة Nation الصادرة فى نيويورك بتاريخ 30 أغسطس و 6 سيتمبر سنة 1900. وبين سنة 1895 وسنة 1897 ظهر فى fUniversal Bibliothek: Reclam 24 مجلداً صغيراً لترجمة ألمانية قام بها مكس هننك Max Henning عن طبعة بولاق. وهى ترجمة مهذبة العبارات نوعاً، ولكنها اختزلت العدد إلى النصف. وقد اشتملت المجلدات السبعة عشر الأولى على كتاب الليالى أما المجلدات السبعة الباقية ففيها إضافات عدة، ترجم معظمها من ترجمة "برتون".
وفى سنة 1899 أخذ الدكتور ماردروس Mardnis J.C. فى ترجمة الكتاب إلى اللغة الفرنسية مصرحاً بأن ترجمتة مأخوذة من طبعة بولاق التى صدرت فى سنة 1835. وقد صدرت ترجمته فى ستة عشر مجلدا ولكنه أدمج فيها حكايات غير حكايات ألف ليلة أخذها من مصادر مختلفة ولم يكن يتقيد فى ترجمته بشئ.
وفوق هذه الترجمات التى تكلمنا عنها، ترجم "فنسنت بلاسكو إيبانيز" Vincente Blasco Ibanez الكتاب إلى اللغة الأسبانية وترجمة "يوويزماثرز" E.Powyes Mathers إلى اللغة الإنكليزية، وهناك ترجمة بولندية ولكنها غير كاملة.
وهناك ترجمة علمية ألمانية تباين هذه الترجمات كل المباينة، وهى الترجمة التى قام بها إينوليتمان Enna Littmann . وأصدرها بلييسك فى ستة مجلدات بين سنة 1921 وسنة 1928 وترجمة ليتمان هذه ترجمة كاملة لطبعة مكناتن استعان فيها بطبعتى مصر
وبرسلاو. وفيها ايضاً تذييلات تشمل الحكايات التى زيدت فى طبعة كلّان، نقلها ليتمان عن أحسن أصولها الشرقية. وترجمة ليتمان لا تقل عن ترجمة لين Lane وترجمة ياين إن لم تكن أعظم قيمة منهما.
ولقد بينا من قبل أن زوتنبرغ - Zo tenberg هو الذى خطا أول خطوة فى كشف تاريخ ألف ليلة عندما عرف النص المصرى الحديث وعين مخطوطاته بعد أن درس هذه المخطوطات وتناولها بالنقد والتمحيص.
ولما أتم عمله هذا، ظهر فى وضوح أنه إلى جانب المخطوطات الكاملة التى تشتمل على ذلك النص المصرى المتأخر، توجد مخطوطات أخرى كثيرة غير كاملة تمثل الجهود العديدة التى فشل معظمها فى الوصول إلى نصوص كاملة.
ومن الجلى أن أفراداً كثيرين ممن آلت إليهم أجزاء يشتمل معظمها على عدد قليل من أوائل الليالى، جمعوا حكايات مستقلة بعضها إلى بعض وأضافوها إلى ما وصل إليهم من أصل كتاب ألف ليلة بعد أن قسموا هذه الحكايات إلى ليال أيضاً.
ولدينا أمثلة على هذه الجهود فى مخطوط "ورللى مونتاجو" Worley Montague المحفوظ فى مكتبة بودليانا Bodleian ومخطوط "رينهارت" Reinhardt المحفوظ فى مكتبة جامعة ستراسبورغ. Strassburg أما مخطوط "ورتلى مونتاجو" فيتفق فى محتوياته مع مخطوط كلّان إلى آخر حكايات الحمّال، ثم يختلف عنه بعد ذلك اختلافاً بينا. ومع ذلك فهو مخطوط حديث جداً، ويظهر منه أنه لم يكن هناك نص متفق عليه فى أواسط القرن الثامن عشر. ويتفق مخطوط رينهارت مع مخطوط ورتلى مونتاجو فى هذا الشأن.
والذى ينقصنا الآن هو وصف أقدم هذه المخطوطات وتناولها بالدرس، ومحاولة تصنيفها مثل مخطوط كلّان، ومخطوط الفاتيكان، وأقدم مخطوط فى مكتبة رايلندز Rylands ومخطوط توبنكن Tubingen إلخ.
ولقد حاولت هذا فى مقالى - Clas sification الذى أشرت إليه من قبل، ثم استوفى دراسة هذا الموضوع دراسة قيمة. "رودي باريت" Rudi pare فى كتابه. Der Ritter-Roman von 'Umar an Nu'man، الذى أصدره فى توبنكن عام 1927، وفي كتابه Friiharische Lie- besgeshichi الذى أصدره فى برن فى العام نفسه.
ومع ذلك يوجد إلى جانب المخطوطات التى ورد بها صراحة أنها من كتاب ألف ليلة، عدد عظيم من المخطوطات المستقلة التى تشتمل على حكايات ربما أضيفت أو لم تضف إلى كتاب ألف ليلة. وأول شئ نقرره فى شأن هذه المخطوطات هو أنها كانت مستقلة، وأن الحكايات التى وردت فيها يجب ألا تعد مستخرجة من كتاب الليالى، بل العكس هو الأصح. وهذا القول ينطبق أيضاً على مخطوط الحكايات الذى اكتشفه "ريتر" H.Ritter فى الآستانة ولم يطبع بعد. ويرجع تاريخ هذا المخطوط إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشرء، وفيه خمس حكايات جاءت فى النص المصرى الذى حققه زوتنبرغ (انظر - Anhang to Litt mann's translation جـ 6، ص 692 وص 702 وما بعدها).
وهناك بطبيعة الحال كثير من الكتب الصغيرة الرخيصة التى تشتمل على حكايات متفرقة من كتاب ألف ليلة، وهذه الحكايات مستخرجة من الكتاب حقا.
ويتضح لنا من، هذه الطريقة التى اتبعت فى تكبير الكتاب بالزيادات التى أضيفت إليه أن بعض الحكايات التى يبدو أنها من أصل فارسى أو بغدادى لم تكن بالضرورة واردة فى نص بغدادى قديم، بل وربما تكون قد أضيفت إلى الكتاب فى عصر متأخر.
ومن الأسباب التى أدت إلى كثرة الخلط فى هذا الموضوع هو أن كثيراً من العلماء توهموا -دون أن يتنبهوا لذلك- أن النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ هو كتاب ألف ليلة، وأن البحث عن تاريخ هذا الكتاب ينبغى أن يبتدئ بالبحث فى ذلك النص. قال ده
ساسى De Secy صراحة بهذا الرأى الذى أفسد عليه جهوده جميعا، وكان كذلك عنصراً من عناصر الغموض فى تفكير "لين" بل هو يبدو أيضاً فى قوة ووضوح فى المادة التى كتبها ده غويه De Goeje فى الطبعة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة من دائرة المعارف البريطانية (انظر ايضاً De Gids عدد سبتمبر سنة 1886 م).
على أنه يظهر أن أوغست ميلر - Au gust Muller كان رائد القول برأى حر جديد، يبدو هذا فى بحثه الذى كتبه إلى ده غويه ونشره فى مجلة Bes- senberger's Beitrage ، جـ 13، ص 224 - 244) ، فى مقال آخر أكثر انتشاراً نشره فى - Die deutsche Runds chau، جـ 13 ،10 يولية 1887 م، ص 77 - 96". وهذان البحثان كتبا قبل مقال زوتنبرغ.
وهناك فاصل عظيم بين مصادر المأثورات الشعبية التى وردت فى نواة القصة الهندية القديمة وبين ما ورد من هذه المأثورات فى النص المصرى. ولكن ربما وصل بينها ما ذكره ثلاثة من المؤرخين: أما أولهم فالمسعودى الذى قال فى كتابه مروج الذهب (انتهى من تأليف هذا الكتاب سنة 947 م ثم أعاد النظر فيه سنة 957 م) حين عرض لأخبار شداد بن عاد ومدينته إرَم ذات العماد: "إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب من الملوك برواياتها. وإن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة إلينا من الفارسية والهندية والرومية (وفى رواية أخرى الفهلوية بدل الهندية) مثل كتاب هزار أفسانه. وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها (أفسانه)، والناس يسمون هذا الكتاب "ألف ليلة وليلة".
وقد وصف المسعودى نواة هذا الكتاب وصفاً يدل على أنه كتاب الليالى الذى عرفناه. ومعنى هذا أن كتاب ألف ليلة الذى كان موجوداً فى عصر المسعودى كان يعتبر ترجمة لكتاب قصص فارسى، غير أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الحكايات التى كان يشتمل عليها.
ويذكر لنا نفس هذه المعلومات مع زيادة فى البيان والتفصيل كتاب الفهرست الذى ألف حوالى سنة 987 م (طبعة فلوكَل، جـ 1، ص 304 وما بعدها). وقد تكلم صاحب هذا الكتاب عن أول من صنّف الخرافات وجعل لها كتباً، وصلة ذلك بالأسمار التى كانوا يتسامرون بها إذا جن الليل، وبيّن أنواعها. ثم أيّد كتاب الفهرست أن ألف ليلة أصله فارسى "ويحتوى على ألف ليلة وعلى دون المائتى سمر". ويقرر أن الكتاب نقل إلى العربية وأنهم صنفوا فى معناه ما يشبهه، ولكن صاحب الفهرست لم يذكر لنا الحكايات التى اشتمل عليها الكتاب وإن كان ما ذكره عن نواته يدل على أن الكتاب هو كتاب ألف ليلة الذى عرفناه.
وفوق هذا لدينا شاهد على أن حكايات الليالى التى وصلت إلينا -من مخطوط كلّان إلى النص المصرى- من أصل عربى لاشك فيه وليست من أصل فارسى. ذلك أننا نجد الحكاية الأولى -أى حكاية التاجر مع الجنى، للك الحكاية التى تروى أن ثلاثة قابلوا التاجر مصادفة فأنقذوا حياته من يدى الجنى بما حكوه له من حكايات- نجد هذه الحكاية يرويها المفضل بن سلمة المتوفى عام 250 هـ (865 م) فى الكتاب الذى صنفه فى الأمثال وسماه "الفاخر"(طبعه storey ، ص 137 - 140). وهذه الحكاية عربية الطراز، تمت إلى الصحراء بنسب واضح، وتباين مباينة تامة الحكاية التى تسبقها مباشرة والتى هى من أصل فارسى ظاهر. ويظهر أن هذه الحكاية العربية حلت محل أخرى فارسية.
والإشارة التاريخية الثانية إلى كتاب ألف ليلة تقول بوجود الكتاب فى مصر فى عهد الخلفاء الفاطميين. فقد ذكر ذلك مؤلف اسمه القرطى (انظر بروكلمان - Geschichte der arabishen Lit، teratur جـ 2، ص 698 وما بعدها) ألف كتابا فى تاريخ مصر على عهد الخليفة العادل الفاطمي (555 - 567 هـ = 1160 - 1171).
غير أن القُرطى لم يبين لنا أيضاً الحكايات التى كان يشتمل عليها كتاب ألف ليلة فى ذلك العهد، ولكنه قال فقط: إن الكتاب كان يسمى ألف ليلة وليلة، وكان ذائعاً معروفاً.
وإذا أردت زيادة فى الايضاح فارجع إلى كتابى Earlier History، ص 262 وما بعدها وإلى الترجمة التى قام بها ليتمان (Anhang ص 692 وما بعدها).
والمخطوط الذى نقل عنه كتاب ألف ليلة هو مخطوط كلّان، ويظهر أن النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ مأخوذ عن نسخة تتمشى مع هذا المخطوط. ولكن لا يمكن أن يكون مخطوط كلّان هو نفس كتاب ألف ليلة الذى كان موجوداً فى عصر الفاطميين، ذلك لأن فيه كثيراً من الإشارات إلى أمور تاريخية يرجع عهدها إلى ما بعد عصر الفاطميين، فمثلا نجد فى حكاية البنات مع الحمال ذكراً لكتاب (1) توفى مؤلفه عام 590 هـ) (1193 م). وورد فى حكاية نور الدين على وبدر الدين حسن (2) من الاشارات ما جعل وليم بوبر William Popper يقرر فى بحثه الذى نشره فى المجلة الأسيوية (عدد يناير سنة 1926 م، ص 1) أن هذه الحكاية لا يمكن أن تكون قد كتبت قبل عهد الظاهر بيبرس (650 - 676 هـ = 1260 - 1277 م) ، بل يرى أنها كتبت بعد سنة 706 هـ.
ومن الواضح أن حكايات الأحدب كتبت بعد أن استولى هولاكو على بغداد عام 656 هـ (1258 م). وهناك إشارات عن خطط مدينة القاهرة لا يمكن أن تكون قد حدثت قبل سنة 745 هـ (1344 م)، ويرى الأستاذ بوبر أن ورود اسم النقيب بركات فى هذه الحكاية يجعل تاريخها بعد سنة 819 هـ (1416 م). وفوق هذا كله ينبغى أن يكون قد مر زمن طويل ذاعت فيه هذه الحكايات واشتهرت حتى أخذت وأضيفت إلى نسخة من كتاب ألف ليلة. وعلى هذا فإن مخطوط كلّان ليس مخطوطاً لكتاب ألف ليلة الذى عرفه العصر الفاطمى.
ومن ثم يمكننا أن نقول الآن إجمالا إن ما لدينا من الليالى -ونعنى بالليالى
(1) الشاطبية فى علم القراءات.
(2)
هكذا فى الأصل ولعلها حكاية الوزيرين شمس الدين ونور الدين.
كل مجموعة من الحكايات التى أضيفت إلى نواة الكتاب - هو مايلى:
أولا - الأصل الفارسى هزار أفسانه ومعناه "ألف خرافة".
ثانياً - ترجمة عربية لكتاب هزار أفسانه.
ثالثاً - نواة قصة هزار أفسانه وما أضيف إليها من حكايات مقطوع بأنها عربية الأصل.
رابعاً - الليالى التى كتبت فى عصر فاطمى متأخر والتى يشهد القُرطى بشهرتها.
خامساً - نص مخطوط كلّان، ويتبين من ملاحظات وردت فيه أن هذا المخطوط كان فى طرابلس الشام عام 943 هـ (= 1536 م)، وفى حلب عام 1001 هـ (= 1592 م) وربما كان أقدم من هذا، وقد كتب فى مصر. ولم تحل إلى الآن مشكلة الصلة بين هذا المخطوط وغيره من المخطوطات القديمة المستقلة التى أسلفنا الكلام عنها، ويوجد على الأقل ستة من هذه المخطوطات ينبغى بحثها. وقد وصف نولدكه Noldeke محتويات الليالى التى وردت فى النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ وتناولها بالدرس فى مجلة:(- Zeitschrift der Deutsch Mor genlandischen Geselschaf ، جـ 52، ص 68)، ثم كتب عنها فى حياته الطويلة المرة بعد الأخرى.
وكتب عنها أو يسترب Oestrup فى كتابه Studier الذى أصدره فى كوبنهاجن عن عام 1891، وقد ترجم هذا الكتاب إلى الألمانية وزاد فيه وعلق عليه "ريشر" O.Rescher ونشر هذه الترجمة فى شتوتكارت عام 1925 ونقله كريمسكى Krymski إلى الروسية، وكتب له مقدمة ونشره فى موسكو عام 1904. كما لخصه بالفرنسية وعلق عليه إميل كالتييه Emile Galtier وأصدره فى القاهرة عام 1912.
وكتب "ريشر" عن كتاب ألف ليلة بحثا بعنوان Studier نشره فى مجلة Der Islam، العدد التاسع، ص 1 - 94، كما كتب عنه "هوروفتز" Hor- ovitz مقالا نشره فى مجلة Islamic Culture. التى صدرت بحيدر آباد فى
يناير سنة 1927 م، وكتب عنه مقالات أخرى متفرقة.
أما ليتمان فكتب عن ألف ليلة فى المقدمة التى صدر بها الترجمة الألمانية وفي كتاب Tausendundein Nacht in der Arabischen Literatur الذى أصدر ، فى توبنكن عام 1923 م.
وليس من الميسور لنا أن نتكلم فى هذا المقام على ما كتبه هؤلاء جميعا، ولكننا نستطيع أن نقرر بعض الأمور العامة فنقول:
أولا - إن موضوعات المأثورات الشعبية المشتركة بين الأمم لا يصح أن نعتبرها شاهداً على أصل هذه المأثورات ونخص به بناء على هذا أمة معينة، فإن عملا كهذا قد يدفعنا إلى القول بأن كتاب ألف ليلة صينى أوأصل ينتسب إلى الهوتنتوب، وأن القصة التى ذكر فيها السمسم المقشور كتبت فى جنوبى إفريقية.
ثانياً - إذا عرفنا أن حكاية وردت فى النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ Zotenberg، ووجدت أيضا قائمة بذاتها، فيكاد يكون من المحقق أن هذا النص القائم بذاته هو نص أصيل.
وعلى هذا فإن ورود حكاية فارسية أو بغدادية فى مخطوط زوتنبرغ لا يدل على وجود نسخة فارسية أو بغدادية لكتاب ألف ليلة وإنما يدل على أن هذه الحكاية أضيفت إلى نص زوتنبرغ.
ثالثاً - إن الحكايات التى تنم عن قدرة أدبية شخصية تستحق فى دراستها من هذه الناحية عناية أعظم مما لقيت حتى الآن، فمثلا من هو ذلك الفنان أو الفنانون المصريون الذين كتبوا قصص معروف وجودر وأبو قير؟ ومن الذى ابتكر حكايات الأحدب وحكاية مزين بغداد؟ ومن هو الذى كتب قصة علاء الدين بالعربية؟ فإن هذه الحكايات جميعاً فيها من الواقعية المباشرة الإنسانية ما يرى القراء الغربيون أنه يباين كل المباينه فى القصص الفارسى والهندى من بعد عن الواقع، وهى من طبقة القصص الذى نجده بالعبرية فى كتاب العهد القديم.
وما هى سيرة أولئك الرجال وكيف كانوا يعيشون ويكتبون؟ أولئك الأفذاذ فى الأدب الشرقى.
هذه الأمور وأشباهها من مسائل الأدب الخالص قد تعرضت لها فى المادة التى كتبتها عن "الحكاية"، فارجع إليها إن شئت.
وينيغى أن نضع موضع الاعتبار ما ذكره صاحب الفهرست من أسماء كتب الأدب القصصى، وياحبذا لو أن مخطوط الحكايات الذى كشفه ريتر H.Ritter فى الأستانة طبع بأكمله. وليس هذا المخطوط من مخطوطات كتاب ألف ليلة وليلة، ولكنه يرجع إلى المصدر الذى خرجت منه مادة هذا الكتاب.
[ماكدونالد D. B.Macdonlad]
+ ألف ليلة وليلة: يخطو الدهر دائباً فى وناء وكبرياء وصمت، فيعفو الأثر ويفرى الحجر ويبرى الحديد، وتنال يده العابثة كل شئ فى حياة المرء بالتغيير والنقص إلا شيئا واحداً يلوذ منه بسواد القلب فيستقر فى قراره، ويكمن كمون السر فى دخيلته وإضماره، أريد به ذكريات الصبا وأحلام الحداثة، فهى باقية والجسم يتخونه البلى، ثابتة والعيش تزعزعه الأحداث، ناضرة والمنى يصوّحها اليأس، مشرقة والنفس يغشاها من الهم ظلام وسحب.
ومن منا لايذكر أول بيت أبصر فيه الوجود، وأول ملعب عرف فيه الرفيق، وأول مكتب رأى فيه المعلم، وأول موعد لاقى فيه الحبيب؟
ومن منا لا يذكر ساعات السمر اللذيذة الهادئة، فى غرفة النوم الوثيرة الدافئة، حيث كان أطفال الأسرة يتجمعون حول الجدة الحنون أو الأم الرءوم أو الظئر الحانية، فينصتون فى سكون وشوق إلى ما تقصه عليهم من روائع الأسمار وبدائع الأقاصيص، وهم من طلاوة الحديث وجاذبية الحادث وبشاشة المحدث فى حال لا يصف الشعور بها غير الشاعر، ثم لا يلبث هذا الرحيق العجيب أن يخدر الأعصاب الطفلية الرقيقة، فتغفو تحت جناح الكرى، وتسمع بقية الحديث الشهى فى الحلم!
هذه الأقاصيص الشائقة التى كانت لعقولنا الصغيرة سحرا، ولعواطفنا
المشبوبة سكراً، ولقلوبنا الغضة فتنة، هى نوع من الأحلام والأمانى، تراءت فى ليل الحياة الطويل، ثم تجمعت فى ذاكرة الزمن القديم وتنقلت من عهد إلى عهد، ومن مهد إلى مهد، ومن بلد إلى بلد، تحمل فى طواياها نفحات الحكمة المشرقة العالية، وعطور الأزمن البعيدة السعيدة، فوجودها أثر لوجود الإنسان، لأنها ظاهرة طبيعية من ظواهره كالغناء والشعر والرقص فلا تعرف لها أولية، ولا تحدد فى الغالب لظهورها علة. ولكن علماء الأساطير يزعمون أنها نشأت فى الهند، وهاجرت منها إلى بلاد الفرس، ثم رحلت إلى بلاد العرب، ثم استقر بها النوى فى أقطار الغرب، وفى كل مرحلة من هذه المراحل كانت تصطبغ بصبغة البيئة، وتتأثر بخصائص الجنس، وتتسم بسمات العقيدة.
وأما أبطالها الذين وجدوا على الرغم من قانون الوجود، ونازعوا أبطال التاريخ ثوب الخلود، فقد كان لبعضهم ولاشك حظ من الحياة، وشهرة بملازمة الأسفار، وملابسة الغير، فتحدث الناس أولا بما فعلوا، ثم سرجوا حول أسمائهم وأنبائهم
الأكاذيب والأعاجيب، حتى أصبحوا أعلاما على شخصيات متميزة فى البطولة والحرب والحب والحيلة والكرم، كدعد وليل فى الشعر، وأبى نواس وجحا فى التنادر.
أما أكثر الأبطال فمن خلق الخيال، ابتدعهم رموز، للمثل الأعلى، أو القدر العابث، أو الجد العاثر، أو السلطان الجائر، أو الهوى المتسلط، أو الأمل الآسى، أو الحظ السعيد.
+ القصاص: وما زلت أذكر مجلى من مجالى الأنس فى القاهرة كان جمعة القلوب وألفة النفوس ومستجم الخواطر فعصفت به ريح المدنية الحديثة. ذلك منظر المحدث أو القصَاص أو المسامر أو الشاعر فى مقهى الحى، وهو فى حلته الشرقية الضافية. فوق صفته الخشبية البالية العالية، وقد تجمع بين يديه وعن يمينه وعن شماله أوزاع العاهة وشيوخ المحلة يستجمون من كلال العمل اليومى برشف القهوة العربية وتدخين النرجيلة oilc
العجمية، وتبادل العواطف الأخوية، ثم الاصغاء المشترك إلى (أبى درويش) وهو يقص بصوته العريض المتئد وجرسه الهادئ المتزن، حروب "عنترة" أو وقائع "أبى زيد" أو مخاطر "ابن ذى يزن" فينقلهم بقوة تمثيله أو بحسن ترتيله على جناح الخيال إلى عصور هوْلاء الأبطال، فيشهدهم مجد البطولة وسلطان الحب وفلن السحر وبطش المردة. ثم يرى الخبيث أن فورة الحماسة أو الشوق قد طفت فى النفوس لوقوع البطل فى أسر أو شدة، فيسكت ليجمع النقوط من السمار والنظار، فلا يجد هؤلاء مندوحة عن تعجيله ليعجل هو إلى اطلاق البطل من إساره، وانقاذ الجمهور من شدة قلقه ومرارة انتظاره.
هذا الرجل الذى صورته هذه الصورة المتقاربة، هذا الرجل الذى ينام النهار ويجلس الليل يحدث أربع ساعات متعاقبة، هذا الرجل الفكة اللبق الحافظ الواعظ هو الأثر التاريخى والنموذج الحقيقى لذلك القصّاص البارع الذى خلف لنا كتابنا العالمى الخالد "ألف ليلة وليلة".
ويرجع تاريخ هذا القصّاص إلى صدر الاسلام، والفضل فى وجوده كان أيضاً للقرآن الكريم، فقد اشتمل على مجملات من أخبار القرون الخالية والنذر الأولى، وكان أعلم القوم يومئذ بتفصيلها من أسلم من أهل الكتاب كتميم الدارى ووهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام. فكان هؤلاء ومن أخذ عنهم يجلسون إلى الناس فى المساجد، يفصلون ما فى كتاب الله من قصص الأنباء، ويسرفون فى تهويل هذه الأنبياء، ابتغاء للعبرة والتماساً للموعظة. ووافق هذا الضرب من الوعظ هوى النفوس فازداد إقبال الناس عليه، وكثر إفك القصاص فيه، حتى طردهم أمير المؤمنين على من المساجد ما خلا الحسن البصرى.
ولكن دهاة السياسة رأوا سلطان هذا الفن على العقول، وقوة أثره فى توجيه الميول، فاتخذوه لساناً للدعاية وسبيلا
لافتعال الأحاديث واختلاق الأقاصيص فى الأغراض الحزبية المختلفة. بدأ بذلك معاوية فولى رجلا على القصص كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا للخليفة وحزبه، ودعا على أهل خصومته وحربه. وكان هو إذا انتقل من صلاة الفجر جلس إلى القاصّ حتى يفرغ من قصصه، وكان ولاته وقواده يقدمون القصَاص فى بعض حروبهم ليقصوا على المقاتلة أخبار الشهداء وما وُعدوا به من حسن الجزاء. فعل ذلك الحجاج فى العراق، وجاراه فيه من حاربهم من زعماء الفرق. فقد ذكر ابن الأثير فى حوادث سنة 77 هـ أن عتاب بن ورقاء سار فى أصحابه قبيل المعركة يحرضهم على القتال ويقص عليهم. ثم قال: أين القصّاص؟ فلم يجبه أحد.
فقال: أين من يروى شعر عنترة؟ فلم يجبه أحد.
وسار الشعر والقصص فى ركاب السياسة جنبا إلى جنب، يشبهان على الناس وجوه الرشد، ويموهان على العقول صور البطل. والقصّاص كانوا فى ذلك أشد وطاة على الحق، لأنهم ينسبون ما يفترون إلى التاريخ أو إلى الدين. فلما هدأت ثائرة الأحزاب، وسكنت طائرة الفتن. ونضجت العقول، عاد القصاص إلى المسجد فوجد الواعظ قد غلبه على مكانه، والعالم قد فطن إلى كذبه وبهتانه، والخليفة قد استغنى عنه برواته وندمائه، فانقلب إلى العامة يسامرهم فى أملائهم وأعراسهم بما أثر من أيام العرب، ونقل من أساطير العجم، من أخبار الفتوح.
وانتشر القصّاص فى العواصم العربية حتى صاروا من ظواهر اجتماعها، وحاجة من حاجات عامتها ورعاعها، واشتدت هذه الحاجة حين انفجرت الدواهى على العالم الاسلامى فى أواخر العصر العباسى وبعده من عنف المتسلطين من السلاجقة، وعسف المتغلبين من المغول، وغزو المتعصبين من الفرنك، فطلبهم العامة تفريجاً للكرب، والخاصة تشجيعاً على الحرب. ولكنهم كانوا فى مصر أبرع صناعة وأنفق بضاعة وأرفع مكانة لأن طبيعة إقليمها ونظام اجتماعها وطباع سكانها كانت تعين على ذلك.
وكان أول من تولى القصص الرسمى فى عصر سليمان بن عنتر التجَسيبى سنة 38 هـ، تولاه مع القضاء ثم أفرد به، ثم تعاقبت القصاص من بعده فى مصر على اختلاف بينهم فى القدرة والغرض، فكانوا أصداء للعقيدة، وأبواقاً للسياسة، تسمعون منهم فى كل عهد لهجة، ولكل دولة سنداً وحجة، وترون ذلك أقوى ظهوراً فى عهد الفاطميين، فقد كان يعقوب بن كِلِّس وزير المعز يعتمد على المناظرات فى نشر فقه الشيعة، وعلى القصص فى جذب القلوب لأهل البيت. وكان مقتل الإمام "على" ومأساة الإمام "الحسين" موضوع المنابر والسوامر فى شهرى رمضان والمحرم.
وقيل إن ريبة حدثت فى قصر "العزيز بالله" فتناقلتها الأفواه ورددتها الأندية، فطُلب إلى شيخ القصاص يومئذ يوسف بن إسماعيل (1) أن يلهى الناس عنها بما هو أروع منها، فوضع قصة عنترة ونشرها تباعاً فى اثنين وسبعين جزءاً سمرت بها مجالس القاهرة منذ ذلك الحين إلى اليوم، وهى إلياذة لا ينازعها هذا الشرف إلى الآن عمل فنى آخر.
وفى القرن الرابع للهجرة كانت فورة هذا الفن ونهضته فى بغداد والقاهرة، ففى عهدى المقتدر بالله العباسى والعزيز بالله الفاطمى، كان القصّاص الحكوميون والشعبيون يحتشدون لوضع الأخبار، ويتنافسون فى جمع الأسمار من الوراقين والرحالين والعامة.
ولكن القصص فى العراق كان من عمل الكتاب، يصورون فيه أنبل عواطف الناس وأجمل مواقف الحياة، ويلقونه زهوراً وعطورا فى مجالس الخلفاء وسوامر الملوك ، فكانت بلاغة المحدث وجلالة السامع ونبالة الموضوع تطبع القصة بطابع الجمال والاعتدال والقصر، وتنزع بها إلى السليقة العربية المجبولة على الإيجاز والقصد فى الشعر والخطب والرسائل والقصص.
(1) وقيل إنه الشاعر الطيب أبو المؤبد محمد بن الصانع الجزرى وممن قال بهذا الرأى الأستاذ كرسان برسيفال الذى طبع لهذه السيرة ملخصا فى باريس.
فما جمعه ووضعه الجهشيارى وابن دلان وابن العطار فى القرن الرابع من الأقاصيص فى الحب الطروب والترف المسرف، وما وضعه من قبل هؤلاء سهل بن هارون وعلى بن داود وأبان ابن عبد الحميد من الأسمار فى الأمثال الرمزية والحكمة العالية والسياسة الرشيدة، وما صنعه من قبل هؤلاء عيسى بن دأب وهشام الكلبى والهيثم ابن عدى من الأخبار فى الهوى العذرى والسخاء العربى فى الإسلام والجاهلية، كل أولئك موسوم بسمة العقلية العربية الخالصة من حذف الفضول وترك الاستطراد وقلة المبالغة. أما القصص فى مصر فكان غالباً من عمل القصاصين والمسامرين، يلفقونه من الكتب ويتلقفونه من الأفواه، ويحدثون به الدهماء فى المجالس العامة. ورزق هؤلاء القصاص على قدر ما عندهم من القصص، فإذا ما انقطع أحدهم عن الحديث لنضوب معينة انقطعت به أسباب العيش، فهم لذلك مضطرون إلى تطويل الموضوع بالاستطراد وبسط الحادث بالتزيد، وجذب القلوب بالإغراب والمبالغة.
ومن ثم اتخذ الأدب القصصى فى مصر شكلا لا عهد للأدب العربى به، ذلك هو شكل القصة بالمعنى الذى نفهمه من كلمة Rnman فى إصطلاح الفرندُ، فإن المعروف الشائع من قبل إنما كان المثل Fable، والأقصوصة. Conte والحكاية Nouvelle وهذه الأنواع قد تولد بعضها من بعض على نحو ما يرى الأستاذ "برونتيير" Bru- netiere من تطبيق مذهب دارون على الأنواع الأدبية، فالأقصوصة نشأت من المثل، والحكاية نشأت من الأقصوصة، باتساع الخيال وفعل المبالغة وحكم الزمن.
ولكن القصة العربية قد تأخر
نشوءها إلى القرن الرابع حتى ظهرت
بمصر، لأن عملها يقتضى التطويل
والتحليل والعلم بطبائع الناس وأوصاف الشعوب. والعرب فى عهودهم الأولى كانوا أبعد بطبيعتهم ومعيشتهم عن هذه الأمور، ثم كانوا فى عصور التحضر والاستقرار يؤثرون الخاصة بأدبهم، فيضطرون
فى حضرة الملوك أن يراعوا أدب الحديث، فلا يغرقوا فى الحادث حتى يجانب العقل، ولا يسهبوا فى السمر حتى يجاوز المجلس، ولا يسفوا فى القول حتى يصادم الخلق. أما القصاص المصرى فقد تهيأت له الأسباب اللازمة لخلق القصة: كان سمير الأوزاع والعامة فلم يتقيد معهم بقوانين الخلق ولا بقضايا المنطق ولا بوقائع التاريخ، فهو يصطنع اللهجة الصريحة، ويستعمل الألفاظ القبيحة، ويبالغ فى الخلط والتلفيق، قصداً إلى الإغراب والتشويق، ويعتمد غالبا على المفاجآت القوية، ويستطرد كثيراً إلى الحوادث العرضية، ثم يصادم الوقائع ويشوه الحقائق لأنه يجهلها، والجمهور الذى يسمعه لا يعلمها، فاستطاع بذلك أن يزور أغلب الحوادث، ويجمع شتى الأحاديث، ويترك لنا هذه المجموعة القصصية التى كانت ولا تزال للخاصة مبعث لذة، وللعامة مصدر ثقافة.
كان القصَّاص المصرى يعتمد على ما يصدر عن بغداد من الأقاصيص الموضوعة والمنقولة، والروايات القديمة الصحيحة والمدخولة، ثم يضيف إلى ذلك ما تنوقل فى مصر وما تجمع من الأخبار من التجار والرحالين والبحارين، فقد كان هؤلاء بعد عودتهم من البلدان النازحة يدونون ما رأوا من الأعاجيب، كما فعل اليعقوبى وابن فضلان وبزرُك بن شهريار مثلا، ثم يحدثون بها الناس، كأن يقولوا لهم مثل ما حكاه ابن خُرْداذْبَة من أن فى بعض الأمم رجالا عراض الوجوه، سود الجلود، لا تزيد قامة أطولهم على أربعة أشبار، وفى جلودهم نقط حمر وصفر وبيض، وأن فيهم من له أجنحة يطير بها، ومن رأسه كرأس الكلب، وجسمه كجسم الثور أو الأسد، وما جاء فى كتاب "المستطرف" من أن فى "البلغار" من طوله أكثر من ثلاثين ذراعاً، يأخذ الفارس تحت إبطه كما تأخذ الطفل الصغير، ويكسر ساقه بيده كما تقطع حزمة البقل. وما رأى الرحالون بالطبع هذه الأشياء، وإنما رأوا صورها على الآثار التى خلفها البابليون والفراعنة والرومان والفرس فظنوها حقيقة.
كان القصّاص يتناول هذه الأخلاط فيؤلف منها قصة كثيرة الفصول والفضول، تدور حوادثها على بطل واحد، ولكنها تعرض من قبيل الاستطراد إلى حوادث شتى لا يصلها بحياة البطل إلا صلة واهية.
ولما هبت الأعاصير الهوج بالبربرية الجامحة، فأطفأت منائر بغداد وزعزعت عرش الخلافة وعبثت العجمة الجاهلة بتراث العرب من علم وادب وخلق ودين، وعدت ذئاب الغرب باسم الصليب على الشام ومصر تنبح الهلال الآفل وتنهش المجد الطريد، رآينا القصة المصرية تصور هذه الحياة الحزينة تصويراً عجيبا، ورأينا القصاص قد اتسع خياله بقدر ما ضاق علمه، فهو يخلق بلاداً لم توجد ويتصور حوادث لم تقع، ويعتمد فى العمل على الجن والسحر والخوارق.
فبين القرنين السادس والثامن من الهجرة، ظهرت فى مصر سلسلة من القصص الطويلة الجذابة غفلا عن أسماء مؤلفيها، لأن القصاص المحترفين إنما كتبوها لأنفسهم فيما أرجح، ثم توارثوها خلفا عن سلف حتى بلغت عهد المطبعة فنشرت على شكلها دون اسم ولا وسم ولا تعريف.
وأشهر قصص هذا الدور سيف بن ذى يزن، والأميرة ذات الهمة، وفيروز شاه. فاما أنها كتبت فى هذى العهود فذلك واضح لأدنى نظر من لغتها وأسلوبها وما تدور عليبما من عادات واعتقادات وصور، وأما أنها كتبت بمصر فذلك ثابت من أماكن وقائعها وأسماء أشخاصها، فأبطالها عاشوا جميعا بمصر، حتى الذين لم يروها أقدموهم اليها.
ولقد كان للحروب الصليبية أثر ظاهر فى نسج هذه القصص فى هذا الدور، فإن العواطف الدينية والحماسة القومية التى ألهبتها فى قلوب المسلمين هذه الغارات قد حملت القصّاص على أن يتملق هذه العواطف ويغذيها بما يلفق من الأشعار والأخبار فى فضائل الجهاد والاستشهاد والصدق والصبر. فسيف بن ذى يزن كان حنيفاً مسلما يقتحم المعاقل والأرصاد على الوثنية والشرك فى معالم الأرض ومجاهلها
وهو يقول: "لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله"، وكذلك سائر الأبطال فى سائر القصص إلا أنهم كانوا بعد الإسلام لا قبله.
وبين القرنين الثامن والعاشر كان حكم المماليك بفساده وحكم الأتراك باستبداده، قد أتيا على ما بقى من أركان الاجتماع، وحللا أواصر الأخلاق والطباع، فظهر حينئذ ذلك القصص الوضيع الذى يمثل هذه الحال بحقارتها وسفالتها، ويصور تلك البيئة بخرافاتها وجهالتها، كالقصص الذى يدور على "على الزيبق"، و"أحمد الدنف"و"حسن شومان""دليلة المحتالة". وأصبح أسلوب القصاص فى هذا الدور دائراً بين الجهالة والقحة، فهو يستعمل فى قصصه لغة مبتذلة وتراكيب فاحشة وجملاً محفوظة ووقائع واحدة يرددها فى كل قصة، ويكررها فى كل مناسبة. وكانت شهوة السهر والسمر قد بلغت مداها فى ذلك الحين لتغلب البطالة على أهل القاهرة، واعتماد الناس فى جمع الثروة على الحيلة والشعوذة والسحر والقدر. فتكدسوا فى السوامر حول القصص، وقد تجمع لهؤلاء من خلال القرون ذخيرة وفيرة من الأساطير والأسمار، فهبوا يدونونها كما دونت للك السير من قبل، فكان مما ذون فى تلك الحقبة الغريبة كتاب ألف ليلة وليلة.
وألف ليلة وليلة كتاب شعبى تمثلت فيه طوائف الشعب وطبقاته، وتراءت من خلاله ميوله ونزعاته، وتكلمت فيه أساليبه ولهجاته، فهو -كالشعب وكل شئ للشعب - قد لقى من جفوة الخاصة وترفع العلية أذى طويلا: أغفله الأدب فلم يتحدث عنه، واحتقره الأدباء فلم يبحثوا فيه، ورآه محمد بن إسحق المعروف بابن النديم فقال إنه غث بارد، لأنه نظر إليه نظره إلى الأدب الأرستقراطى الذى يصور ترف الخيال وجمال الصناعة، فلما حقق العصر الحديث تغلب الديمقراطية وسيادة الشعوب، واستتبع ذلك عناية أصحاب المذهب الإبداعى (الرومانتكيين) فى الغرب بحياة السوقة والدهماء عنايتهم بحياة الملوك
والنبلاء وهب رواد الاستعمار وعشاق الآثار ينقبون عن فولكور (1) الشرق، أخذ أدباؤنا -بحكم التقليد والعدوى- يعطفون على أدب السواد، فدونوا اللغة العامية، وجمعوا الأغانى الشعبية، ونظروا بعض النظر فى فن القصص وسمعوا فى رجفة من الدهش إلى قول الأوربيين: إن فى أدبنا الموروث كنزلم دفينا من هذا النوع له فى أدبهم أثر قوى وشأن نابه. ولكنهم لم يخلدوا بادىَ ذى بدئ إلى هذا القول بثقة، واستكثروا على هذا الكتاب الخرافى السوقى أن يذكر فى الكتب ويوضع فى المكاتب، وينبه الناس فضله، ويهنأ العرب بإنتاجه، حتى رأينا بعيوننا أنه نقل منذ أوائل القرن الثامن عشر إلى كل لغة، وحل الموقع الأول من كل أدب، وظفر بإعجاب النوابغ من كل أمة حتى قال فولتير إنه لم يزاول فن القصص إلا بعد أن قرأ ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة، وتمنى القصصى الفرنسى "استندال" أن يمحو الله من ذاكرته ألف ليلة وليلة حتى يعيد قراءته فيستعيد لذته.
ثم قرأنا أن أقلام المستشرقين أخذت تتجادل منذ أوائل القرن التاسع عشر فى أصله وتكشف عن مناحى جماله وفضله، وحينئذ أخذت خاصتنا تقرؤه وتسمعه، ومطابعنا الراقية تصححه وتطبعه، وأدباؤنا المترفعون يشيرون إليه فى تاريخ الأدب. ولكنهم -إلى اليوم- لم يدرسوه دراسة علمية تكشف عن لبابه، وهو -على الرغم من جميع ما فيه- قد سجل على توالى القرون أطوار اجتماعنا، وصور بالألوان الزاهية مخللف أخلاقنا وطباعنا، وأتم نقص التاريخ الذى تجاهل الشعب والأدب الذى احتقر العامة.
مؤلف الكتاب وزمن تأليفه وسبب تسميته:
ذهبت جهود الباحثين باطلا فى تحقيق هوية المؤلف، لأن هزار أفسانه نقل إلى العربية غفلا لم يسمّ واضعه، ثم غشيته الطبقتان البغدادية والمصرية على التدريج، فكان كل قصاص يكتتب لنفسه ما سمع وجمع فى عصره من ثمرات القرائح وقطرات الأقلام دون أن
(1) كلمة انكليزية يراد بها في الأدب الأورربى مجموع التقاليد والأساطير والأشعار الشعبية لأمة من الأمم.
يسندها إلى راوٍ أو يعزوها إلى مؤلف.
وقد اختلف العلماء فى أن يكون المؤلف واحداً أو جماعة، ولست أرى لهذا الخلاف وجها، فإن الكتاب تكون على اليقين من أعمال مستقلة، ثم نما بالاتفاق على توالى الحقب، فوضعه وتكوينه إذن عمل جمع، وجمعه وتدوينه عمل فرد، وتحليله إلى الأعمال الفردية المتعاقبة أمر فوق القدرة ومن وراء الإمكان.
أما التاريخ الذى قرّ فيه على هذا الوضع الأخير فهو النصف الأول من القرن العاشر من تاريخنا. ومن الممكن أن نحصره منه فى السنوات العشر الواقعة بين سنتى 923 و 933 هـ وهما توافقان سنتى 1517 و 1526 م من التاريخ المسيحى. وقد حصره الأستاذ "وليم لين" بين سنتى 1475 و 1525 للميلاد أى فى مدى خمسين سنة، فوافقناه فى الغاية وخالفناه فى البدء، ولم نر هذا الرأى اعتباطاً من جهة ولا استنباطاً من النص الظنين من جهة أخرى، وإنما اعتمدنا فى تحقيقه على دليل مادى، وهو أن الأستاذ الفرنسى كلّان قد أخذ ينشر ترجمة الكتاب لبلاط الملك لويس الرابع عشر سنة 1704 م، وقد نقله عن نسخة عربية مخطوطة أرسلت إليه من سورية بعد سنة 1700 م، وهى مكتوبة بمصر غفلا من التاريخ، ولكن الذى نقلها إلى الشام وهو من طرابلس، كتب عليها بخطه أنه امتلكها سنة 943 هـ ثم انتقلت من يده إلى آخر من حلب فكتب عليها أيضاً تاريخ هذا الانتقال وهو سنة 1001 م، فيكون الكتاب إذن قد تم قبل 943 بزمن نقدره كما قدره "لين" بعشر سنين.
هذا من جهة الطرف الأعلى، أما من جهة الطرف الأدنى فإنا نجد ذكر القهوة المعروفة يتردد فى بعض الحكايات كحكاية أبى قير وأبى صير وحكاية على نور الدين ومريم الزنارية مثلا، وذلك لا يكون قبل العقد الأول من القرن العاشر، لأن القهوة لم تنتشر فى الشرق إلا فى هذه المدة؛ ثم نجد لفظ الباب العالى وبعض النظم العثمانية تذكر فى حكايات أخرى
كحكاية معروف الإسكافى وهى قطعة مصرية قطعا، والعثمانيون لم يستولوا على مصر قبل سنة 923، فيكون الكتاب إذن قد دوّن بعد هذه السنة وقبل سنة 933.
وقد سمى العرب هزار أفسانه ألف ليلة، ولو أرادوا الترجمة الأمينة لقالوا ألف خرافة أو أسطورة، فعدولهم عن العنوان الصحيح يدلنا على أحد أمرين: إما أن الليلة كانت فى اصطلاحهم ترادف الأسطورة باعتبارها زمنا لها، وذلك ما نستطيع استنباطه من قول محمد بن إسحق الوراق "ابتدأ أبو عبد الفه الجهشيارى صاحب كتاب الوزراء بتاليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يتعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ منهم أحسن
ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة فى الأسمار والخرافات ما يحلى بنفسه، فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة سمر تام يحتوى على خمسين ورقة أو أقل أو أكثر
…
"
وإما أن يكون كذلك عدد الألف فى الأصل إنما أريد به التكثير لا التحديد، وأحْرِ به أن يكون كذلك، فإن ابن النديم قد رآه بتمامه مراراً وقال إن فيه دون المائتى سمر، وهو اليوم بطبقاته وزياداته واستطراداته لا يتجاوز 264 حكاية قسمها المؤلف على ألف ليلة وليلة تقسيما فيه عبث الهزل أو سخف الصناعة، فإن شهر زاد يدركها الصباح دائما ولما يمض على حديثها غير بضع دقائق.
أما زيادة الليلة على الألف فمن عمل القرن السادس، لأن النسخة التى رآها القُرطى بمصر على عهد الخليفة العاضد الفاطمى كانت تحمل اسم ألف ليلة، ويقول "كلد ميستر" فى تعليل زيادة الليلة إن العرب يطيّرون بالأعداد الزوجية، وهو زعم غريب ما رأينا فى تاريخنا ولا فى أدبنا ما يؤيده. ولقد ظل الكتاب أكثر من قرنين يسمى ألف ليلة، وكان الجهشيارى يريد أن يسمى كتابه ألف سمر، وعندنا ألفية ابن معطى وألفية ابن مالك.
وأغرب من هذا الزعم أن يؤيده "أويسترب" فى دائرة المعارف ويزيد عليه أن ميل الناس فى تلك العصور إلى التسجيع فى عناوين الكتب كان من البواعث أيضاً على هذه التسمية. وليس فى قولنا ألف ليلة وليلة تسجيع ولا مزاوجة. والغالب -فى رأيى- أن الليلة إنما زيدت فوق الألف لإفادة الكمال كطفحة الإناء وسقطة الميزان.
طريقة الكتاب وأسلوبه:
كانت طريقة العرب فى القصص أن يسردوا الأسمار والأحاديث على نمط يجعل كل حكاية قائمة بذاتها لا يربطها بما يسبقها ولا بما يلحقها علاقة. وترون ذلك واضحاً فى أمثال لقمان وكتب النوادر. فلما نقلت الأقاصيص الهندية إلى العربية فى القرن الثالث عن طريق الفارسية ادخلت فى أدبنا القصصى طريقة طريفة تجعل الحكايات سلسلة متماسكة الحلقات متعاقبة الخطوات متتابعة النسق، وذلك على ضربين: الأول أن تتعلق جميع الحكايات بحكاية أصلية تكون فاتحة لبدايتها وسبباً لروايتها ابتغاء التعويق عن فعل مالا يحل، وذلك فى العربية مذهب كتاب الوزراء السبعة، وكتاب كليلة ودمنة، وأغلب كتاب ألف ليلة وليلة، وهو فى الفارسية مذهب بختيار نامه، وقصة جهار درويش، وقصة نوروز شاه، وكتاب طوطى نامه، وأنوار سهيلى مثلا. والضرب الثانى أن تروى الحكايات موزعة فى الكتاب على عدة أبواب بحيث تكون الحكاية فى أى باب من هذه الأبواب مقدمة لحكاية الباب الذى يليه. ومن هذا الضرب فى أدبنا "كتاب سلوان المطاع فى عدوان الأتباع" لابن ظفر الصقلى المتوفى سنة 565 هـ، وكتاب "فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء" لأحمد ابن عربشاه الدمشقى المتوفى سنة 854 هـ، وفى أدب الفرس كتاب "مرزبان نامه" لمرزبان بن رستم بن شروين، وقد ترجمه ابن عربشاه واستمد منه، ذلك فضلا عن الطريقة الفارسية التى احتذيناها فى الأقاصيص الغرامية المطولة، فألف ليلة وليلة يجرى على ثلاثة طرق:
يجرى على الطريقة الهندية فى الحكايات المتداخلة المتسلسلة كحكايات
الأصل، وحكاية البنات الثلاث والصعاليك الثلاثة، وحكاية الخياط والأحدب والطبيب، وحكاية جان شاه، وحكاية وردخان .. إلخ.
ويجرى على الطريقة الفارسية فى الحكايات المفردة المجردة، كحكايات العشاق فى بعض أقاصيص الأصل وما جرى مجراها من حكايات الطبقة البغدادية، فإنها مضروبة على قالب القصص الفارسى فى الاعتماد على الحب الوهمى الذى يصيب ظرفاء الشباب على أثر طيف يزور فى الكرى، أو صورة تعرض فى الطريق، أو حكاية تلقى فى المجلس.
ثم يجرى على الطريقة العربية الخالصة فى الأقاصيص الصغيرة المقتبسة من كتب الأدب، كحكاية حاتم الطائى وحكاية معن بن زائدة وحكاية إبراهيم بن المهدى وحكاية خالد بن عبد الله القسرى مثلا.
أما أسلوبه فيختلف باختلاف الزمان والمكان والجنس والشخص، فإذا حكمنا عليه فإنما نحكم على جملته لا تفصيله، ونتوخى الصفات العامة فى نقده وتحليله .. فهو فى عمومه أسلوب سهل المأخذ، مطرد السياق، سوقى اللفظ، مبسوط العبارة، كثير الفضول، كثير التضمين، جرئ الإشارة، لا يعرف الكفاية ولا يقنى الحياء، ولا يصطنع التحفظ لأن سبيله سبيل العامة، فهو يسايرهم فى ثرثرتهم وفضولهم وسذاجتهم وصراحتهم وبلادتهم. ولا يستطيع أن يكون إلا كذلك: يسير سير الأعرج المفلوج وراء المذهبين الكتابيين اللذين راجا على التعاقب فى عهده، وهما مذهب ابن العميد فى العراق ومذهب القاضى الفاضل فى مصر، فهو يسرف فى السجع، ويكثر من اقتباس الأمثال وتضمين الملح، ويتظرف أحياناً بذكر مصطلحات النحو على سبيل التشبيه أو التورية، كقوله فى قصة قمر الزمان الثانية:"باتا على ضم وعناق، وإعمال حرف الجر باتفاق، واتصال الصلة بالموصول، وزوجها كتنوين الإضافة معزول". وهو يغالى فى تضمين الأبيات فى خلال الحكايات ويمعن فى ذلك غالباً حتى يمل، وترصيع النثر
بالشعر أسلوب لا يألفه الأدب العربى ولا الأدب الفارسى وإنما هو ميزة من مزايا الأدب الهندى أيضاً. اقتبسه الفرس ثم نقله كتابهم إلينا فى منتصف العصر العباسى وروّجه فى عهد بنى بويه مؤلفو القصص ومنشئو الرسائل والمقامات كابن العميد والصاحب والبديع والخوارزمى ومن ترسم خطاهم أو سار على هداهم.
إن خير ما يمتاز به أسلوب ألف ليلة وليلة هو الوضوح والصدق والصراحة والجاذبية، فالمعانى تسبق الألفاظ إلى الذهن، والصور تسبق الوصف إلى الخاطر، والشوق يبعث اللذة ويثير الاهتمام ويحرك الانتباه ويوثق صلة السامع أو القارئ بموضوع القصة. على أن القصّاص يعالج التصوير والحوار بدقة وبراعة فى كل ما يتصل بأحوال الشعب وأخلاق العامة، فإذا سما إلى مقام الملوك والخاصة خانته قدرته، وغلبت عليه بيئته وطبيعته، فيفقد ما يسمى فى الفن الكتابى بالصبغة المحلية، وهى أن يسند إلى الشخص ما يلائم طبيعته وطبقته وبيئته من قول أو فعل: فالأقاصيص الهندية والفارسية تشوبها روح القصَاص الإسلامية كحكاية قمر الزمان ابن الملك شهرمان، والحكايات البغدادية تظهر فيها اللهجة المصرية كحكاية ابن الحسن الخليع، ثم نراه يُجرى على لسان الخليفة الرشيد ما يأبى عليه جلاله وكماله أن يقوله، ويجعله يفعل مالا يجوز فى العقل أن يفعله كأن ينادى وزيره جعفراً بقوله: ياكلب الوزراء! ويكلفه فى قصة الفتاة المقطعة بالعثور على القاتل فى مدى ثلاثة أيام وإلا شنقه هو وأربعين من بنى برمك، وكأن يخلع فى حكاية على نور الدين مع أنيس الجليس حلة الملك ويرتدى مرقعة بالية قذرة لكريم الصياد فيفيض قملها على أطرافه، ويسيل قذرها على فنكبيه وأعطافه، ولو أن ما كلف به الرشيد من التعب المزرى كان لضرورة ملجئة لوجدنا له مساغاً من الفن، ولكنه جشمه ما جشمه ليتسنى للخليفة أن يسمع غناء أنيس الجليس وهى فى قصر من قصوره وفى ضيافة خادم من خدمه. فهو يدخله فى هذا الزى الزرى على
الحبيب والبستانى ليقدم إليهم ما معه من السمك فيكلفوه شيَّه فى المطبخ فيشويه! !
وكثيراً ما تدفع القصاص شهوة الأغراب إلى تجاوز المبالغة المعقولة، فتفوته من الفن صفة الإمكانية، وهى أن يلبس القصصى الحوادث الخيالية ثوب الحقيقة فيقرب ما بينها من الظروف ويمهد لها أسباب الوقوع حتى لا تتنافر والعقل والعلم والعرف والتقاليد، والأمثلة على هذا العيب مستفيضة فى كل قصة.
وفى الكتاب طائفة هن الحكايات قد استوفت شروط الفن القصصى كلها، كقصة الصياد والجن، وقصة مزين بغداد، ومقدمة حكايات السندباد وقصة على بن بكار وشمس النهار.
هذا إذا نظرنا إلى الأسلوب فى جملته وعمومه، أما إذا تتبعناه باللمح الخاطف فى نواحى الكتاب وجدناه -فيما بقى هن الأقاصيص الهندية والفارسية وما جرى مجراها هن الحكايات المحدثة المقلدة- بين السذاجة أبله الأشارة، لأنها هن نوع الخوارق التى تدخل على القلوب الغريرة، ولا تظفر إلا بتصديق العقل البسيط، فهو جار مع طبيعتها، متفق اللون مع صورتها؛ وفى الطبقة البغدادية تراه متين العبارة، عفيف اللفظ، حسن السبك، دقيق الوصف، كثير السجع، قليل الفضول، لأنه فى الغالب مكتوب يحْذى على المثُل العليا من قصص الفرس وتاريخ العرب.
وقد يسف فى بعض الأقاصيص إسفافا قبيحا، فيثقل بسخفه على الطبع، وينبو بضعفه عن الذوق، كما تراه فى قصة الخليفة مع النائم اليقظان مثلا. أما الأسلوب فى الطبقة المصرية فهو فى قسمها الأول -وخاصة الأقاصيص المكتوبة منه- أشبه شئ باسلوب الطبقة البغدادية مع اتساع فى السجع وجرأة على الحشمة، والغالب عليه التقليد، فتارة يجرى على منهاج الطريقة الهندية كما نرى فى حكاية ورد خان والملك جليعاد، وتارة ينسج على منوال الطريقة الفارسية كفعله فى قصة قمر الزمان الثانية، وحكاية مسرور وزين المواصف، وقد يجرى فى مجراه الخاص من التهكم الساخر
والمزاح المضحك فيكون رقيقاً كما نراه فى قصة الأحدب، وخاصة فى مزين بغداد. ولكنه فى القسم الثانى وفى سائر القصص الإلقائية التى ألفها القصاص ليلقوها فى السوامر مهلهل النسج، عاص اللفظ، مرذول المبالغة، سئ التلفيق، شديد الوطأة على الحياء والمروءة لصدوره عن قصاصين محترفين جهلاء يتملقون فيه شهوات العامة بالأفحاش ويستفزون فضول الجمهور بالمبالغة.
فلسفته ومراميه:
إن من يطلب من ألف ليلة وليلة فلسفة خاصة وفكرة عامة ووجهة مشتركة كان كمن يطلب من كافة الناس عقيدة واحدة وطبيعة ثابتة وأغراضاً متفقة، فهو- كما قلنا من قبل -كتاب شعبى يصور الحياة الدنيا كما هى لا كما ينبغى أن تكون، فإذا رأينا مذاهبه تتناقض، ومراميه تتعارض، وآراءه تختلف، فذلك لأن المجتمع الذى يصوره كذلك.
ولم يكن الكتاب نتاج قريحة معلومة، ولا نتيجة خطة مرسومة حتى نلتمس فى جوانبه الدوافع والنوازع والغاية، إن هو إلا صدى يتردد خافتا لعقائد الشرق القديم وعقلياته وعاداته. ففى الفلسفة نراه يتأثر بالأفلاطونية الحديثة والأخلاق الإسلامية، فيدعو إلى القناعة باليسير والعزوف عن الدنيا، والاعتدال فى اللذة، والمبالغة فى الحذر، والتفويض المطلق للقدر، فروحه من هذه الجهة تتنافر وصوره البراقة ووسائله الطماحة وحوادثه المغامرة. ثم نراه فى أقاصيص أخرى -ولا سيما الحديثة- يزين الأنانية، ويرتضى القسوة ويتشوف إلى المكاسب الدنيئة، ويشره إلى اللذة الخسيسة، ولا يكاد يعتقد بالعواطف الكريمة. وقد يصور المتاع الحسى واللهو الجموح بما لا يتمثل فى الذهن إلا على سبيل الخيال، كالذى يحكيه عن فتى من أبناء الملوك أرسى إلى جزيرة كل من فيها من تجار وصناع نساء كأنهن اللؤلؤ المكنون، فقضى بينهن فى هذا النعيم أياما اقل ما أصاب فيها من اللذة أنه كان يلقى الشبكة فى الماء على سبيل اللهو، فتخرج إليه من الأصداف خريدة من بنات الجان، كأنها حورية من حور
الجنان إلخ. فإذا اختبرناه فى السياسة والاجتماع- رأيناه "ملكياً" يقيم فى كل مدينة عرسا، وينصب على كل مجتمع من الأحياء ملكا، حتى الحيات والحشرات والطيور والوحوش والقردة "ديمقراطياً" يشرك اللك والصعلوك فى متع الحياة ومجالى الأنس، "عائلياً" يبنى نظام البيت وتأثيل المجد على الزوجة والولد، لذلك تجدونه يستهل معظم أقاصيصه بحنين الوالدين إلى النسل، وفزعهما إلى الله أو إلى المنجم من داء العقم. وقد يسمو مغزاه إلى الفلسفة الاجتماعية العالية، مثال ذلك حكاية السندباد والحمّال، فالحمال يئوده الحمل الفادح، وينهكه الحر اللافح، فيلقى حمله على مسطبة أمام بيت من بيوت التجار، يتردد إليه النسيم الرطيب، وتفوح منه روائح العطر والطيب، ثم يرى عظمة ذلك التاجر فى كثرة خدمه وغلمانه، ويسمع تغريد البلابل والفواخت فى بستانه، ويصغى إلى رنين أوتاره وغناء قيانه، وينشق أفاويه الطعام الشهى من صحافه وألوانه، فيرفع طرفه الحائر إلى السماء ويقول: سبحانك يارب! لا اعتراض على حكمك ولا معقب لأمرك! أين حالى من حال هذا التاجر؟ ؟ أنا مثله وهو مثلى، ولكن حمله غير حملى إ!
على أن أسوأ ما سجله ألف ليلة وليلة من ظلم الإنسان وجور النظم هو القسوة الجائرة على المرأة، فإن حظها منه منكود وصورتها فيه بشعة، وكيف تنتظر من كتاب بنى على خيانة المرأة أن ينصف المرأة؟ إن شهر زاد المسكينة إنما تسهر جفنها، وتكد ذهنها لتقص على الملك شهريار أعجب القصص ابتغاء الحظوة لديه حتى تدرأ القتل عن نفسها والخطر عن بنات جنسها. ومن الخطل الأليم أن يسند القصّاص كل هذه النقائص إلى النساء على لسان واحدة منهن فى مقام الدفاع عنهن، وأن يجرى على فمها فى حضرة الملك تلك الكلمات الجريئة المخزية فى وصف بهيميه الرجل! أما تصوير الكتاب لمظاهر الاجتماع الشرقى فى القرون الوسطى من العادات والأخلاق والمراسم فى السوامر والولائم والأعراس والمآتم والأسواق والمحاكم
فقد بلغ الغاية من ذلك كله، إلا أن الطبقة المصرية فى هذا الباب كما قلنا أصدق وأجمع، لأن القصاص -وهم مصريون- تكلموا عن علم ووصفوا عن رويه ونقلوا عن سماع.
أما الطبقة البغدادية فقد عبث بها القصاص وشابوها بلهجاتهم وعاداتهم، ولكنها مع ذلك حرية بثقة الباحث إذا استطاع تنقيتها من شوائب البهرج والدخيل.
بقى علينا أن نعرف وجهة كتابنا فى الدين، وليس من العسير على القارئ العادى أن يتبين تلك الوجهة، فإن فى كل صفحة من صفحاته دليلا على أنه مسلم صادق الإيمان، قوى العقيدة، يأخذ تقاليد الدين -صحيحة أو مشوبة- مأخذ العاص الواثق المطمئن، فلا يبحث ولا يستنبط ولا يطبق، حتى فى مقام الحكمة والموعظة لا يكاد يذكر حديثا أو آية، وإنما يستند فى ذلك إلى مأثور الشعر ومنثور الحكم، فسبيله فى الدين إذن أن يدعو إليه ويهتف به ويتعصب له. لذلك نراه لا يتحدث إلا عن المسلمين، ولا يتخذ أشخاصاً لقصصه -حتى الأجنبية منها- إلا من المسلمين، فإذا كان أحد الجنة أو الناس غير مسلم واضطر إلى الَحديث عنه انتهى به إلى الإسلام أو دبر له عقبى سيئة وذلك نادر، كما فعل فى حكاية مسرور المسيحى وزين المواصف وزوجها اليهوديين، فالحبيب والحبيبة أسلما فورفت عليهما ظلال النعيم والحب، وظل الزوج يهوديا فدفنته امرأته حياً. وألف ليلة وليلة بعد ذلك سنَى لا يكاد يعرف فرقة أخرى من فرق الإسلام، حتى الشيعة -وكان لهم على عهده فى مصر دولة الفاطميين، وفى العراق نفوذ البُوَيهيين- لم يذكرهم إلا فى حكاية علاء الدين وهى مكتوبة بمصر على عهد المماليك. ولقد دل حين تعرض لهم فى هذه القصة على جهالة قبيحة أو دعاية سيئة، فقد أشار فى موضع منها إلى أن الروافض كانوا يكتبون اسمى الشيخين على بواطن الأعقاب، وقال فى موضع ثان: إن الرشيد سأل الرجل الذى همّ باغتياله وهو يلعب الكرة والصولجان فنجّاه أصلان بن علاء الدين! أما أنت مسلم؟ فقال: كلا، وإنما أنا رافضى.
وقال فى موضع ثالث: إن أهل بغداد كانوا يغلقون الأبواب خوفاً من الروافض أن يلقوا الكتب فى دجلة.
أحمد حسن الزيات
+ ألف ليلة وليلة: عنوان أشهر مجموعة عربية من الحكايات الخرافية وغيرها من القصص؛ وكثيراً ما يسمع المرء اليوم عبارة "مثل قصة خيالية من قصص ألف ليلة"، والحق إن القصص الخيالية هى أبرز جزء فى هذه المجموعة. وقد كان العرب -شأن جميع المشارقة- يتذوقون القصص الخيالية منذ أقدم العصور. ولما كان الأفق العقلى للعرب الأقحاح -فى العصور القديمة قبل ظهور الإسلام- يميل إلى الضيق، فإن مادة هذه الليالى قد استقيت فى جوهرها من الخارج أى من فارس ومن الهند كما نتبين من أخبار منافس النبى صلى الله عليه وسلم التاجر النضر (1). وفى العصور المتأخرة عن ذلك نمت الحضارة العربية فأصبحت أكثر غنى وشمولا، فقوى بطبيعة الحال النفوذ الأدبى الوافد عليها من البلاد الأخرى. ولا يلبث القارئ الواعى لألف ليلة أن يتولاه العجب من تعدد محتوياتها وتنوع أشكالها، فهى تشبه بوجه ما مرجاً شرقيا يحفل بأزهار جميلة مختلفة تخالطها أعشاب قليلة. على أن القارئ سوف يلاحظ أن هذه القصص تشمل ميداناً مترامى الأطراف، فثمة قصص عن الملك سليمان وملوك فارس الأقدمين وعن الإسكندر الأكبر وعن الخلفاء والسلاطين، وثمة قصص عن المدافع والقهوة والتبغ.
ظهورها فى أوربا: ينتظم المجموعةَ كَها قصةٌ هى هيكل القصص أو نواتها، وهذا كان معروفا فى إيطاليا أيام القرون الوسطى. وتوجد آثار منه فى رواية لكيوفانى سيركامبى Giovanni Sercambi (1347 - 1424 م) وفى قصة أستولفو وكيوكوندو Astolfo و Gincondo التى رويت فى المقطوعة الثامنة والعشرين من "أورلاندو فيوريوزو" Orlando Furioso لأريوستو (بداية القرن السادس عشر الميلادى). وربما كان الرحالة الذين زاروا المشرق هم الذين أتوا بهذه المعرفة إلى إيطاليا.
(1) سبق أن رددنا على هذا القول فى صدر هذه المادة.
ولكن ألف ليلة وليلة كلها انتقلت إلى أْوربا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر. فقد نشرها للمرة الأولى العالم والرحالة الفرنسى جان أنطوان كلّان Jean Antoine Galland (1646 - 1715)، ذلك أن كلّان استطاع فى تجواله بالشرق الأوسط كاتباً لسر السفير الفرنسى ثم جامعا للتحف للمتاحف بوصفه وكيلا عن الهواة، أن يعرف عالم الشرق، وقد انصرف همه إلى جمع عدد كبير من الحكايات والقصص الخيالية التى تروى هناك. وبعد عودته إلى فرنسا بدأ ينشر سنة 1704 مجلداته المعنونة: Les Mille et une nuits، contes arabes traduits en Francais . وما وافى عام 1706 حتى صدر منها سبعة مجلدات، وصدر المجلد الثامن سنة 1709 ، والمجلدان التاسع والعاشر سنة 1712، والمجلدان الحادى عشر والثانى عشر سنة 17 ى بعد وفاة كلّان بسنتين. وإن هذا التأخير فى ظهور المجلدات الأخيرة ليدل على الصعوبات التى لقيها كلّان فى العثور على مادة القصص وعلى عدم احتفاله بالجانب العلمى من عمله. كان كلّان قصاصاً بالفطرة يتذوق القصة الجيدة وله براعة فى رواية القصة ومن ثم فهو قد طوع ترجمته لذوق القراء الأوربيين، يغير أحيانا فى النص العربى ويوضح الأمور الغريبة على الأوربيين، ولذلك حازت ترجمته لليالى نجاحا عظيما. على أنه كان إلى ذلك موفقاً فى المادة التى وقعت بين يديه، فقد بدأ بترجمة قصة السندباد الملاح من مخطوط غير محقق الأصل، ثم علم أن هذا المخطوط كان جزءاً من مجموعة كبيرة من القصص تعرف بألف ليلة وليلة ثم كان من حسن حظه أن أرسلت إليه من سورية أربعة مجلدات من مخطوط لهذا الكتاب كُشف على يد نابيا أبوت Nabia Abbott فيما عدا قطعة صغيرة منه، وهو أقدم مخطوط فيما يعرف ويشمل خير نص بقى لنا، ولا تزال المجلدات الثلاثة من هذا المخطوط محفوظة فى المكتبة الأهلية بياريس، أما الرابع فقد ضاع. وقد استنفد كلّان فى المجلدات السبعة الأولى من ترجمتة المجلدات الثلاثة من النص العربى التى بقيت لنا وأضاف قصة السندباد وقمر الزمان
من مخطوطات غير محققة الأصل ومن ثم توقف كلّان عن العمل ثلاثة أعوام حتى أجبره ناشره على إصدار المجلد الثامن بلا تحقيق، وهو يشمل قصة غانم وقد ترجمها كلّان من مخطوط غير محقق الأصل، وقصتى زين الأصنام وخداداد وقد ترجمهما يتى ده لاكروا وقصد بهما أن تنشرا فى كتابه Mille et un إول jours، ونضبت المادة تماماً من كلّان مرة أخرى فتوقف عن العمل، وكان قد تعب أيضاً ومل الأمر كله. ولكنه لقى سنة 1709 رجلا مارونيا من حلب يدعى حنا كان قد استقدمه إلى ياريس الرحالة بول لوكاس، واكتشف كلاّن للوهلة الأولى أنه عثر على مصدر يروى له مادة القصص. وراح حنا يروى له قصصاً بالعربية وكلان يسجل فى يومياته ملخصات لبعضها. على أن حنا زوده ببعض المخطوطات أيضاً، وبذلك تمت المجلدات الأربعة الأخيرة من ترجمة كلّان، وقد بيتت "يومياته" ذلك بجميع تفصيلاته. واختفت مخطوطات حنا، على أن مخطوطين عربيين خاصين بقصة علاء الدين ظهرا إلى عالم النور، وظهر كذلك مخطوط عن قصة على بابا. وهذا إذن هو أصل الكتاب الذى جعل "الليالى" تعرف فى أوربا وتسمى فى النص الفرنسى وفى جميع الترجمات عن الفرنسية "الليالى العربية" لدى جمهرة كبيرة من القراء (انظر تفصيل ذلك فى Histoire d'Ala' al-: H. Zotenberg -quelques ma؟ din
…
avec Notices sur -nuscrits des Mille et une nuits et la tra duntinn dv C: allanti. باريس، ويشمل هذا النص العربى لقصة علاء الدين ودراسة لبعض مخطوطات "الليالى" وما سجله كلّان فى يومياته، وانظر أيضاً Bibliographie arabe: V.Chauvin . جـ 4، لييج سنة 1900،
A bibliographical study: D.B. Macdonlad of the 3 first appearance of the Arabian Library Quarterly Nights in Europe، The. المجلد 2، عدد 24 أكتوبر سنة 1932، ص 387 - 430).
وظلت ترجمة كلّان الفرنسية أكثر من قرن تدل على "الليالى" فى أوربا، بل إن قصتين من قصصه لا يعرف نصهما العربى قد ترجمتا إلى اللغات الشرقية. على أنه قد ظهرت فى هذه الأثناء مخطوطات أخرى تتصل بألف ليلة إتصالاً يتفاوت قرباً وبعدًا،
وبالاعتماد على هذه المخطوطات ترجمت ونشرت عدة ملاحق لترجمة كلاّن. وكما أن مخطوطات ألف ليلة نفسها تختلف اختلافاً عظيماً فيما يتعلق بالقصص التى تحتويها كذلك كان هؤلاء المترجمين على استعداد لإلحاق أية قصة عربية بألف ليلة. والملاحق الآتية -التى ظهر بعضها مستقلا وبعضها ملحقاً بطبعات كلاّن- لها أهمية فى ذاتها بوصفها دلائل على اهتمامات القراء فى تلك الأيام (ومن شاء تفصيلات أو فى عن هذه الملاحق جميعا فليِرجع إلى Biblio-: Chauvin E graphie جـ 4 ، ص 82 - 120).
وفى سنة 1788 ظهرت على هيئة ملحق لكتاب Cabinet des Fees (المجلدات 38 - 41) سلسلة من الحكايات ترجمها عن العربية دنيس شافى Denis Chavis . ومما له مغزى بالنسبة لاهتمامات القراء فى تلك الأيام بموضوع ألف ليلة وليلة أنه ظهرت ما بين عامى 1792 - 1794 ثلاث ترفجمات إنكليزية مستقلة لهذا الملحق. وفى سنة 1795 نشر وليام بلو Liam Beloe فى المجلد الثالث من كتابه Miscellanies بعض القصص العربية التى نقلها له شفويا باتريك راسل - Pat L rick Russell مؤلف كتاب History of Aleppo (سنة 1794). وفى سنة 1800 ترجم جوناثان سكوت athan Scott فى كتابه and Ietter.c بعض قصص نقلها من مخطوط لألف ليلة أحضره من الهند جيمس اندرسون james Anderson وفى سنة 1811 أضاف إلى طبعته لنسخة إنكليزية من ترجمة كلاّن مجلداً من قصص جديدة نقلها من مخطوط هو مخطوط ووتلي لبهى مونتاكو ague[المحفوظ الآن فى أوكسفورد. وكان كوسان ده يرسيفال Perceval سنة 1806 قد أضاف بالفعل مجلدين من ملحق طبعته لترجمة كلّان. على أن إدوارد كوتييه Fdnuard Gauttier قد ذهب إلى أبعد من هذا فى طبعته المعتمدة لكلان (1822 - 1825)، ذلك أنه لم يكتف بالمجلدين المحتويين على قصص جديدة استقاها من جميع أنواع المصادر بل أطلق لنفسه الحرية فأدخل غيرها فى تضاعيف ترجمة كلّان لألف ليلة. أما فون هامر (Von Hammer: Die noch nicht iibersetzen Erzahungen
der Tausend and einen / Nacht، شتوتكارت) فقد كان أثبت منه سنداً واستخدام نسخة حقيقية من ألف ليلة، ذلك أنه حصل فى مصر على مخطوط منها يعرف الآن بنسخة زوتنبرغ المصرية أصبح -بطبعاته العديدة- النص الشائع لألف ليلة (انظر طبعات هذا النص فيما يلى). وقد فقدت الترجمة الفرنسية التى قام بها فون هامر لعدد من القصص لم ترد فى نسخة كلاّن، ولكن تسنسر لنك - Zin serling (سنة 1823) ترجمها إلى الألمانية ونقلها إلى الإنكليزية لام Lamb سنة 1826، وترجمها إلى الفرنسية تريبوتيان Trebutien سنة 1828 وفى سنة 1825 بدأ هابشت M.Habicht بنشر خمسة عشر مجلداً مصرحاً بأنها ترجمة جديدة لألف ليلة، ولكنها فى الواقع كانت تضم نسخة كلاّن مع بعض الملاحق نقلا عن كوسان وكوتييه وسكوت وخاتمة زعم أنها نقلت عن مخطوط تونسى؛ وبدأ هابشت أيضاً ينشر نصاً عربياً. واعتمد فايل Weil على هذا النص ثم على نسخة كلّان من بعد، وعلى مخطوطات محفوظة ففى مكتبة كوتا، وعلى نص مطبوع فى مصر، ونشر ترجمته ما بين سنتى 1837 - 1867.
الطبعات والترجمات: أهم الطبعات العربية لكتاب ألف ليلة وليلة هى:
- طبعة كلكتة الأولى: وعنوانها The Arabian Nights Entertainments; In the Original Arabic، published under the Patronage of College of Fort Willam، by -Shuekh Uhmud bin Moohummud Shir ee wanee ul Yumun. كلكتة، المجلد 1، سنة 1814؛ المجلد 2، سنة 1818. وهذه الطبعة لا تضم بين دفتيها إلا المائتى ليلة الأولى وقصة السندباد الملاح.
2 -
طبعة بولاق: وهى طبعة عربية كاملة طبعت سنة 1251 هـ (1835 م) عن مخطوط (عثر عليه فى مصر) بالمطبعة الأميرية التى أنشأها محمد على ببولاق قرب القاهرة.
3 -
طبعة كلكتة الثانية بعنوان The Laila or the Book of the Thousand ALif Nights and one Night، Commonly known as "The Arabian Nights Entertainmentso"
now، for the first time، published complete in the Original Arabic، from an Egyptian manuscript brought to India by the late ، Major Turner، editor of the Shah-Nameh . Edited by W.H. Macnaghten، Esq؛ فى أربعة مجلدات، كلكتة سنة 1839 - 1842.
4 -
طبعة برسلاو: Tausend und - Eine Nacht Arabisch. Nach einer Hands .chrift aus Tunis herausgegeben von Dr Maximilian Habicht، Professor and der). knoiglichen Universitat zu Breslau (etc .nach seinem Tode fortgesetzt von M -Heinrich Leberecht Fleischer، or dentlichen Prof. der morgenlandischen ،Sprachen and der Universitat Lepipzig برسلاو سنة 1825 - 1843. وقد درس ماكدونالد D.B. Macdonald قيمة هذه النسخة فى مقاله عن نسخة هابشت). Journal Roy.As. Soc، سنة 1909، ص 685 - 704 (وفى مقال آخر له) Classification of some A Preliminary .MSS of the Arabian Nights، in the E.G Browne Volume، كمبردج، سنة 1922 ، ص 304 (. ورأيه - الذى هو رأى خبير - هو أن هابشت قد أقام عن قصد أسطورة أدبية وأصاب بالاضطراب العظيم تاريخ ألف ليلة؛ ذلك أنه لم يكن ثمة وجود قط لنسخة تونسية، وقد أقام من بعض القصص الكثيرة التى وصلت إليه من كثير من المصادر نسخة جديدة لألف ليلة على نفس النحو تقريباً الذى أقام به ترجمته التى وصفناها من قبل. على أن ماكدونالد اعترف بأن نصوص هابشت قد نقلها بالحرف دون أن يبذل فى تصحيحها أية محاولة، ومن ثم جاءت "مبتذلة" بالمعنى الدقيق للكلمة، على حين أن جميع النسخ الأخرى قد صححت نحوياً ولغوياً بمعرفة بعض المشايخ الدارسين.
5 -
نسخ بولاق والقاهرة المتأخرة: فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر وفى بداية القرن العشرين طبع عدة مرات النص الكامل لطبعة بولاق الأولى الذى هو فى جوهره نفس طبعة كلكته الثانية. وهذه الطبعات تمثل نسخه زوتنبرغ المصرية التى هي ثمرة
تصنيف قام به شيخ من الشيوخ فى القرن الثامن عشر كما يستدل من ملاحظة لسيتزن) Reisen: U.J. Settzen durch Syrien، Palastina، Phonicien، die Transjordan Lander. Arabia Petraea und Unter-Aegyten ، برلين سنة 1854 - 1855 جـ 3، ص 88)؛ واسم هذا الشيخ غير معروف، ولكن ملاحظة سيتزن تؤيد نظرية زوتنبرغ. وقد نشرت مطبعة الجزويت ببيروت نسخة قائمة بذاتها ولكنها مختصرة نقلا عن مخطوط آخر للنسخة نفسها (1888 -
1890).
ومن النسخة المصرية أخذت جميع الترجمات الغربية الحديثة. وبدأت ترجمة لين Lane فى الظهور أجزاء سنة 1839 ، وتمت سنة 1841 ، وهذه الترجمة غير كاملة ولكنها حافلة بتعليقات وافية عظيمة القيمة، وقد نقلت عن طبعة بولاق الأولى. أما ترجمة باين Payne المأخوذة من نسخة ماكناتن Macnaghten ، فكاملة، وقد طبعت طبعة خاصة، وظهرت فى تسعة مجلدات من سنة 1882 إلى سنة 1884 ، وألحق بها ثلاثة مجلدات إضافية شملت حكايات وردت فى طبعة برسلاو وطبعة كلكتة الأولى سنة 1884 ومجلداً هو الثالث عشر (سنة 1889) يضم قصتى علاء الدين وزين الأصنام. وقد أعيد طبع ترجمة باين عدة مرات منذ وفاته وتعتمد ترجمة سير ريتشارد بيرتون - Sir Richard Bur ton، المأخوذة أيضاً عن طبعة ماكناتن، على ترجمة باين اعتماداً كثيراً بل تنقلها فى كثير من الأحيان حرفياً (عشرة مجلدات سنة 1885)؛ وستة مجلدات إضافية من سنة 1886 إلى سنة 1888، وقد طبعت هذه الترجمة كاملة عدة مرات علاوة على طبعة سميذرس Smithers وطبعة زوجة بيرتون (انظر عن العلاقة العجيبة بين نسختى باين وبيرتون: Life of Sir: Thomas Wright Richard Burton، فى مجلدين، لندن سنة 1906 ، و Life of John Payne، لندن سنة 1919؛ وانظر عن محاولة عمل تقدير مقارن بين الترجمات الإنكليزية السابقة On Translating the: Macdonald Arabian Nights فى مجلة The Nation ، نيويورك عددى 30 أغسطس و 6
سبتمبر سنة 1900). وقد نشر ماكس هننك) Max Henning فى - Reclam's Uni` versal-Bibilothek سنة 1895 - 1897) ترجمة ألمانية فى أربعة وعشرين مجلداً صغيراً؛ وهى ترجمة مختصرة بعض الاختصار أقرب إلى الركاكة ولا تورد إلى نصف الشواهد الشعرية. وتشمل السبعة عشر مجلداً الأولى الليالى نقلا عن طبعة بولاق، أما المجلدات من 18 - 24 وهى الملاحق المختلفة فمترجمة عن نسخة بيرتون. وفى سنة 1899 بدأ ماردروس J.C. Mardrus ترجمة فرنسية لليالى اعترف صراحة بأنها منقولة عن طبعة بولاق سنة 1835. وليست ترجمته بالترجمة التى يوثق بها، وهى تضم قصصاً من جميع المجموعات الأخرى فضلا عن ألف ليلة. زد على ذلك أن ثمة ترجمات أخرى لألف ليلة بالأسبانية والإنكليزية والبولندية والألمانية والدانمركية والروسية والإيطالية. وقد قام بالترجمة الأسبانية بلاسكو إيبانيز - Vincente Rlac co ibanez ، وقام بالإنكليزية بوويز ماثرز Powys Mathers؛ والترجمة البولندية غير كاملة. وقد ظهرت الترجمة الألمانية التى قام بها إينو ليتمان Eno Littman بليبسك فى ستة مجلدات ما بين سنتى 1921 و 1928 ، وأعيد طبعها لأول مرة فى فيسبادن سنة 1953، ولثانى مرة فى المدينة نفسها سنة 1954؛ وهى تشمل الترجمة الكاملة لطبعة كلكتة الثانية كما تشمل القصص الآتية: علاء الدين والمصباح السحرى نقلا عن مخطوط باريس الذي نشره زوتنبرغ (انظر ما سبق)؛ و "على بابا والأربعين حرامى" نقلا عن مخطوط أكسفورد الذي نشره ماكدونالد (Journ. Roy. As. Soc ، سنة 1910 ،ص 221 وما بعدها؛ سنة 1913 ، ص 41 وما بعد ها)؛ والأمير أحمد وبارى بانو نقلا عن بيرتون وهى ترجمة إنكليزية لنسخة هندوستانية استقيت من كلآن؛ وأبى الحسن أو النائم اليقظان نقلا عن نسخة برسلاو؛ وحيلة النساء نقلًا عن طبعة كلكتة الأولى؛ وختام الرحلة السادسة للسندباد ورحلته السابعة نقلا عن طبعة كلكتة الأولى؛ وملحقاً فى قصة مدينة النحاس؛ وختام قصة السندباد
والوزراء السبعة؛ وقصة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى والحراس الستين نقلا عن نسخة برسلاو؛ والأخوات الغيورات نقلا عن نسخة بيرتون وكلآن؛ وزين الأصنام نقلا عن مخطوط بباريس نشره كروف F.Groff؛ ومغامرة الخليفة الليلية؛ وخداداد وإخوته؛ وعلى خواجه وتاجر بغداد، نقلا عن نسخة بيرتون وكلآن. وقد نشرت ترجمة أو يستروب إلى الدنماركية فى كوبنهاجن سنة 1927؛ وظهرت الترجمة الروسية بقلم كراتشكوفسكى سنة 1934. والترجمة الإيطالية بقلم كابرييلى سنة 1949.
مشاكل أصل ألف ليلة ونموها: عندما عرفت ألف ليلة وليلة لأول مرة فى أوربا لم تحقق إلا غرضاً واحدا هو تسلية القراء الأوربيين. على أن العلماء الغربيين بدءوا فى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى يهتمون بأصل ألف ليلة وليلة. وقد ناقش سلفستر ده ساسى منشئ فقه اللغة العربية الحديث هذه المسألة فى عدة رسائل) - Journal des Sa vants سنة 1817 ، ص 687؛ Recherces sur l`origine du recueil des contes in- titulés les Mille et une nuits باريس سنة 1829؛ وفى Mémoires de l'Academie des Inscriptions et Bells-Letters جـ 10 ، سنة 1833، ص 30). وقد أنكر بحق أن يكون الذي كتب ألف ليلة مؤلفاً واحداً؛ ورأى أن الكتاب قد كتب فى زمن متأخر جداً خلواً من العناصر الفارسية والهندية. ومن ثم فإنه قال بأن الفقرة التى وردت فى كتاب مروج الذهب للمسعودى (كتب سنة 336 هـ = 947 م) وأعيد تحريره سنة 346 هـ = 957 م منحولة؛ وقد نشر باربييه ده مينار هذه الفقرة بالعربية والفرنسية) Les prairies d'or ، جـ 4، ص 89) ونصها كما يأتى:"إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب من الملوك برواياتها، وإن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة إلينا من الفارسية والهندية (وفى رواية أخرى الفهلوية بدل الهندية) والرومية مثل كتاب "هزار أفسانه"، وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها أفسانه والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة (وفى
روايتين أخريين ألف ليلة وليلة) وهو خبر الملك والوزير وابنته شهر زاد وجاريتها دنيا زاد (فى روايات أخرى مرضعتها؛ وفى مخطوطات غيرها: ابنتيه) ".
أما كتاب الفهرست لمحمد بن إسحق ابن أبي يعقوب النديم الذى كتب سنة 377 هـ (987 م)؛ طبعة فلوكل، جـ 1، ص 304) فقد ذكر "هزار أفسانه" وساق ملخصا لقصة النواة فيه، ويضيف كتاب الفهرست أن أبا عبد الله ابن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة 33 اهـ (942 م) وصاحب كتاب الوزراء بدأ يصنف كتابًا اختار فيه ألف قصة من قصص العرب والفرس والروم وغيرهم من الشعوب، وقد جمع الجهشيارى أربعمائة وثمانين قصة ولكنه توفى قبل أن يبلغ غرضه ويكملها حتى يبلغ بقصصها ألفا.
وقد خالف ده ساسى de Sacy جوزيفُ فون هامر) - Joseph von Ham Wiener Jahrbücher: mer` سنة 1819. ص 236، Jour. As. ، السلسلة الأولى جـ 10: السلسلة الثالثة جـ 8؛ مقدمة بحثه - übersetzten Er Die noch nicht zahlungen، انظر ما أسلفنا بيانه) وأكد صحة فقرة المسعودى بجميع ما يترتب عليها من نتائج. وحاول وليام لين أن يثبت أن كتاب ألف ليلة كله من عمل كاتب واحد وأنه كتب فى الفترة ما بين سنتي 1475 و 1525) William Lane: -Preface to the Arabian Nights Entertain ments ، لندن سنة 1839 - 1841).
واستانف المناقشة ده غويه) de De Arabische Nachtvertellingen،: Goeje De-Gids، سنة 1886 ، جـ 3 ،385؛ The Thousand and one Nights فى دائرة المعارف البريطانية، جـ 23، ص 316) فقارن بين الفقرة التى وردت فى الفهرست والتى جاء فيها أن هزار أفسانه قد كتبت فيما يقال لهُماى (وفى رواية هُمانى) ابنة الملك بهمن وبين الفقرة التى جاءت فى الطبرى (القرن التاسع الميلادى، جـ 1، ص 688) والتى أطلقت على إستر أمَّ بهمن وأطلقت اسم شهر زاد على هماى، وحاول اعتمادًا على ذلك أن يبين أن القصة النواة فى ألف ليلة تتصل بكتاب إستر. والظاهر أن ميلر كان رائدًا لرأى
أكثر تحرراً من ذلك فى رسائله) Sendschreiben: Auguste Müller (عن هذا الموضوع إلى ده غويه de Goeje): Bezzenbergers ، جـ 13 ، ص 222) وفى المقال الذى نشره (فى Die deutsche Rundschau، جـ 13، عدد 10 يولية سنة 1887، ص 77 - 96) فقد فطن إلى وجود عدة طبقات فى ألف ليلة: طبقة يظن أنها كتبت فى بغداد، على حين ردَّ طبقة أخرى أكبر من الأولى إلى أصل مصرى. وقد بلوَر نولدكه فكرة وجود عدة طبقات فى الكتاب بدقة أكبر من ذلك) Zu den': Th. Noldeke aegyptischen Marchen فى Zeitscher. der Deutsch. Morgenl. Gesells . سنة 1888، ص 68) وحدد تحديداً تقريبيا النصوص التى نستطيع بها أن نميز كل طبقة من الأخرى.
وقد وصف نولدكه محتويات الليالى ودرسها عدة مرات. وبحث أويستروب له أهمية خاصة فى هذا الصدد) Studier over 1001 Nat: Oestrup، كوبنهاغن سنة 1891 (، فقد ترجم إلى الروسية بمعرمْة كريمسكى) Krymski: Izsliedowanie o 1001 noche، موسكو سنة 1905 وقد صدّرت الترجمة بمقدمة طويلة) وترجمه إلى الألمانية ريشر) " Oestrups Studien über: Rescher 1001 Nacht" aus dem Danischen، nebst cinigen Zusatzen، شتوتكارت سنة 1925) ونشر كالتييه Galtier ملخصاً فرنسياً له مع تعليقات فى القاهرة سنة 1912. وثمة مناقشات أخرى بارعة لهذا الموضوع ساقها هوروفتز وخاصة فى مقالته الآتية: ) Die Entstrhung von Tau-: Horovitz sendundeine Nacht فى مجلة The Review of Nations ، عدد 4 أبريل سنة 1927؛ الكاتب نفسه فى Islamic Culture ، سنة 1927؛ وانظر أيضاً: Tau-: Littmann -sendundeine Nacht in der arabischen Lit teratur توبنكن سنة 1923؛ وانظر أيضاً Die Entstehung und Geschichte von Tausendundeine Nacht فى مقدمة Anhang ترجمة ليتمان السالفة الذكر).
وقد اكتشف بمعرفة نابيا أبوت أقدم شاهد على وجود كتاب ألف ليلة وليلة (A Ninth-Century Frag-: Nabia Abbott ment of the "Thousand Nights": New Light on the Early History of the Arabian
Nights، Journal of the Near Eastern، Studies سنة 1949). وذكر الكتاب بعد ذلك المسعودى ثم الفهرست وفى القرن الثانى عشر الميلادى كانت تعرف فى مصر مجموعة من القصص باسم "ألف ليلة وليلة" نستبين ذلك من رجل يدعى القُرْطى كتب تاريخاً لمصر فى عهد آخر الخلفاء الفاطميين (1160 - 1171 م)؛ وقد نشر الغزولى المتوفى سنة 815 هـ (1412 م) فى مجموعته قصة من ألف ليلة وهو أمر فطن إليه تورى) Torrey فى - Journal of the American Oriental So ciety ، سنة 1894 ، ص 42). وعثر ريتر A. Ritter على مخطوط فى إستانبول يرجع إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادى، ويشمل هذا المخطوط أربع حكايات من النسخة المصرية، ولم يذكر أنها جزء من ألف ليلة، وستنشر هذه الحكايات وتترجم بمعرفة فهر Wehr بالاعتماد على الدراسات التى قام بها فون بولمرينك A.von Bulmerincq ، ثم ياتى بعد ذلك مخطوط كلآن ومخطوطات أخرى من ألف ليلة تغطى المدة من القرن الخامس عشر الميلادى إلى القرن الثامن عشر الميلادى.
ومن ثم فنحن نعلم أنه كان يوجد جزء بغدادى وجزء مصرى على الصورة المالوفة لليالى. وقد صنف أويستروب القصص القائمة بذاتها ثلاث طبقات: الطبقة الأولى منها تشمل الحكايات الخيالية الماخوذة من كتاب هزار أفسانه الفارسي ومعها القصة النواة فى الكتاب؛ أما الطبقة الثانية فهي تلك القصص المستقاه من بغداد؛ وأما الطبقة الثالثة فهي القصص التى أضيفت إلى صميم الكتاب. وقد أدخلت فيه- على سبيل المثال- الرواية الطويلة الحافلة بالحب والخيال والبطولة، رواية عمر النعمان، وذلك عندما أخذ بالمدلول الحرفى لعنوان الكتاب وهو "ألف ليلة وليلة". ولكن قصة "سول وشمول" التى وردت فى مخطوط محفوظ بتوبنكن هو -بصريح العبارة- جزء من الليالى نشره تسيبولد على هذا الاعتبار، فلم تكن قط على التحقيق جزءاً متمماً لليالى لأنه يرد فيها خبر مسلم يعتنق النصرانية، على حين أن المسلم فى الليالى لا يخرج أبداً عن إسلامه إلى أي دين آخر، وإنما يحدث فى كثير من الأحوال أن يخرج النصرانى أو الزرداشتى أو الوثنى عن عقيدته إلى عقيدة أخرى.
والصور الآتية لليالى هى التى قررها ماكدونالد) The Ear-: Macdonald lier history of the Arabian Nights فى Jour. Roy.As.Soc. سنة 1924 ، ص 353 ومابعدها) قاصدًا بذلك آية مجموعة من القصص تدخل فى هيكل الكتاب الذى نعرفه:(1) الكتاب الفارسى الأصل "هزار أفسانه" أي القصص الألف (2) نسخة عربية من هزار أفسانه (3) القصة النواة فى هزار أفسانه تتبعها قصص من أصل عربى (4) الليالى التى ترجع إلى العهد الفاطمى المتأخر والتى يشهد برواجها القُرْطى (5) التهذيب الذى عمل لمخطوط كلآن. ويستدل من تعليقات فى هذا المخطوط أنه كان فى طرابلس الشام سنة 943 هـ (1536 م) وفى حلب سنة 1001 هـ (1512 م)، وقد يكون أقدم من ذلك بطبيعة الحال، على أنه كُتب فى مصر. ولا تزال تقوم إلى اليوم من غير حل مسألة الصلات بين هذا المخطوط وغيره من المخطوطات القديمة القائمة بذاتها: ويوجد من هذا القبيل -فى قول ماكدونالد- ستة مخطوطات على الأقل يجب دراستها.
وقد ورد عند نابيا أبوت (انظر ما سبق) الست الصور الآتية من كتاب الليالى: (1) ترجمة لكتاب هزار أفسانه ترجع إلى القرن الثامن الميلادى؛ وقول بأن هذه الترجمة هى فى أغلب الاحتمالات ترجمة كاملة حرفية ولعلها كانت تعرف باسم "ألف خرافة"(2) رواية إسلامية من القرن الثامن الميلادى لهزار أفسانه عنوانها "ألف ليلة"، وربما كانت هذه الرواية كاملة أو مجزوءة (3) نسخة مركبة من "ألف ليلة" ترجع إلى القرن التاسع الميلادى، وهى تضم بين دفتيها مواد فارسية وعربية، ومع أن معظم المواد الفارسية فيها مأخوذة من هزار أفسانه فإنه ليس ببعيد أنها أخذت من غيرها من كتب القصص وخاصة كتاب سندباد وكتاب شماس. وأما المواد العربية فهي لم تكن -كما بيَّن ليتمان من قبل- من القلة أو التفاهة بمقدار ما وهم ماكدونالد (4) كتاب "ألف سمر" لابن عبدوس من القرن العاشر الميلادى، وليس من الواضح هل كان الغرض من هذا الكتاب أن يشتمل فيما يشتمل على جميع القصص الشائعة فى ألف ليلة ويحل غيرها محلها أم لا؟ (5) مجموعة ترجع إلى القرن الثانى عشر
الميلادى زيدت عليها مواد من كتاب ألف سمر وحكايات أسيوية ومصرية من تأليف مصرى محلى. وأرجح الاحتمالات أن تغيير عنوان الكتاب إلى "ألف ليلة وليلة" يرجع إلى هذا العهد.
(6)
المراحل الأخيرة من هذه المجموعة النامية من القصص التى تمتد إلى صدر القرن السادس عشر الميلادى. ومن أبرز الزيادات عليها قصص البطولة التى تشيد بقتال المسلمين للصليبيين. وربما كانت فارس والعراق قد أسهمتا فى المجموعة ببعض الحكايات المتأخرة الخاص معظمها بالشرق الأقصى وذلك فى أعقاب الفتح المغولى لهذه الأصقاع فى القرن الثالث عشر الميلادى. وقد ختم الفتح الأخير للشام ومصر المملوكيتين على يد سليم الأول (1512 - 1520 م) الفصل الأول فى تاريخ ألف ليلة العربية فى موطنها الشرقى.
وربما كان العنوان "الحكايات الألف" قد غير إلى"ألف ليلة" عندما جمع العرب بين القصة النواة والقصص الأخرى. ولا يمكن أن يكون ذلك قد تم فى وقت متأخر عن القرن التاسع الميلادى،. وقد كانت "الحكايات الألف" تدل فى الأصل على عدد كبير من الحكايات؛ وعلى هذا النحو قيل إن شهر زاد قد جمعت "ألف كتاب". وفى نظر البسطاء يدل العدد مائة نفسه على رقم كبير، وقولنا "قبل مائة عام " يدل فى نظر المؤرخين المشارقة أنفسهم على معنى يساوى"منذ زمن طويل"، ولذلك فإن الرقم 100 لم يكن يؤخذ بلاشك بمعناه الدقيق، وإنما كان الرقم 100 يكاد يدل على "عدد لا يحصى من السنين". وقد كان كتاب ألف ليلة الذى
كان معروفا فى بغداد قلما يحتوى على ألف ليلة قائمة بذاتها. ولكن لماذا غير العنوان من "ألف ليلة" إلى "ألف ليلة وليلة"؟ . ربما كان بعض السبب فى ذلك يرجع إلى الكراهية الخرافية للأعداد التى تقبل القسمة على عشرة، وهى خرافة شائعة بين العرب كما هى شائعة عند غيرهم من الشعوب. على أن الاحتمال الغالب هو أن ذلك يرجع أيضًا إلى تأثير الاصطلاح التركى "بك بر" أي الألف وواحد الذى يطلقونه للدلالة على العدد الكبير. وفى الأناضول يقوم أثر يعرف باسم "بك بركليسه" أى "الألف الكنيسة وكنيسة" ولكن لا
يوجد هناك منها عدد بمثل هذه الكثرة. وفى استانبول مكان يعرف باسم "بك برديرك" أى "الألف العمود وعمود"، ولكن لا يقوم فيها إلا عدة عشرات منها. والجناس الحرفى التركى "بك بر" يشير إلى الأصل فى المصطلح الفارسى "هزاريك" أى "1001" وإلى عنوان "ألف ليلة وليلة". وقد كانت فارس والجزيرة والشام وغيرها من بلاد الإسلام الشرقية واقعة تحت نفوذ الترك، ومن ثم فإن العنوان "ألف ليلة وليلة" كان مدلوله فى أول الأمر لا يتعدى "عدد كبير من الليالى"، ولكن حدث من بعد أن أخذ بمدلول العنوان الحرفى وأصبح من المحتم اضافة عدد كبير من الحكايات إلى الكتاب ليبلغ عدد الليالى الف ليلة وليلة.
العناصر المختلفة الداخلة فى تكوين الكتاب:
إذا سلمنا إذن بأن الهند وفارس والجزيرة ومصر، والأتراك بوجه من الوجوه، كانت لهم مشاركة فى أصل الليالى فإننا يجب أن نذهب إلى أن مواد مستقاة من جميع هذه البلاد والشعوب تدخل فى هذه الليالى. وأول المقاييس الخارجية الدالة على ذلك هى أسماء الأعلام. فثمة أسماء هندية مثل السندباد، وأسماء تركية مثل على بابا وخاتون؛ أما الأسماء: شهر زاد ودينازاد (دنيازاد) وشاه زمان فأسماء فارسية وهى ترد، كما بين ده غويه، فى الأساطير الفارسية. وكذلك بهرام ورستم واردشير وشابور (سابور) وكثير غيرها فإنها فارسية. ومع ذلك فإن أغلب الأسماء عربية: منها أسماء عربية قديمة كانت تستعمل بين البدو، ومنها أسماء إسلامية متأخرة. وترد الأسماء الرومية والأوروبية فى حالات قليلة، وذلك فى القصص التى تتناول الصلات بين المسلمين والبوزنطيين (الروم) والفرنجة. وتشير الأسماء المصرية إلى أماكن وإلى شهور بصيغتها القبطية. أما الأسماء العبرية فيذكر منها بصفة خاصة سليمان وداود، وكلاهما له شأن هام فى الأخبار الإسلامية، وعلاوة على هذين يذكر آصف وبرخيا وبلوقيا وغيرهم. ولكن يجب ألا تعول تعويلًا كبيراً على الأسماء لأن الكثير جدًا من قصص الكتاب تغير فيها الأسماء إلى أشخاص آخرين، كما يحدث كثيرًا أن يكون لأشخاص غير مسمين دور فيها.
على أن الطريقة التى تقوم على قصة تكون هيكل القصص أو نواتها -وهى طريقة شائعة جدًا فى الهند، نادرة كل الندرة فى غيرها من البلاد- لدليل على وجود أصل هندى لبعض أجزاء ألف ليلة؛ ومن لوازم الكتب الهندية الشعبية أن تقول:"لا تفعل ذلك وإلا أصابك ما أصاب فلانا" فيسأل السامع: "وكيف ذلك؟ " وهنالك يبدأ المحذِّر قصته.
وقد درس أويستروب العناصر الأجنبية لليالى فى عناية، ومن أهم ما كشف عنه أن العفاريت أو القوى الخارفة فى الخرافات الإيرانية تتصرف من تلقاء نفسها مستقلة عن غيرها، أما فى القصص المتأخرة من ألف ليلة وليلة، وخاصة تلك القصص التى استقيت من مصر، فإنه يهيمن عليها فى جميع الأحوال طلسم أو تعويذة سحرية، ومن ثم فإن صاحب الطلسم أو التعويذة يسيطر على تطور الحوادث ولا يسيطر عليها الجن أو العفاريت. ولا يتسع المكان هنا إلا لتلخيص العناصر الأجنبية فى ألف ليلة اختصارًا موجزًا.
إن القصة النواة -أو القصة التى هى هيكل ألف ليلة- هندية الأصل؛ أما أن هذه النواة تتكون من ثلاثة أجزاء مختلفة كان كل منها فى الأصل قصة مستقلة، فأمر بيَّنه إمانويل كوسكان) Etudes folk-: Emmanuel Cosquin loriques باريس سنة 1922، ص 265)، وهذه الأجزاء هى:(1) قصة الرجل تحزنه زوجة خائنة فيأتسى إذ رأى هذا المصير المحزن ينزل برجل من وجوه القوم (2) قصة العفريت أو المارد تخونه زوجه أو أسيرته مع كثير من الرجال على نحو يتسم بأشد الجرأة، وهى نفس الحكاية التى يحكيها الوزير السابع فى قصة السندباد الحكيم (3) قصة الفتاة الأريبة تبرع فى رواية القصص فتتحاشى شرا يهددها أو يهدد والدها أو يهددهما جميعا. والجزء الثالث من هذه الأجزاء هو الذى ينتسب فيما يظهر إلى القصة النواة الأصلية كما بيّن المسعودى وكتاب الفهرست. وفيها إذن لم يعرف إلا الملك القاسى والابنة الأريبة للوزير وحاضنتها المخلصة. ومن الراجح أن قصة الابنة الأريبة للوزير قد انتقلت فى تاريخ متقدم من الهند إلى فارس وهناك صبغت بالصبغة الفارسية وضمت إلى الجزئين الآخرين من
القصة النواة. وثمة عدد من قصص ألف ليلة من أصل هندى، مثل قصة الأتقياء التى تذكرنا بالأولياء البوذيين أو الجيتاويين، والخرافات الخاصة بالحيوان، وسلسلتى قصص السندباد الحكيم وجليعاد وشماس. ونجد الموضوعات الهندية كاملة فى فقرات مختلفة من ألف ليلة مثل قصة الجواد المسحور، والتسميم بأوراق كتاب (بمعرفة الطبيب دوبان) وهى عادة تشير إلى ما درج عليه الهنود) Scriptorum Arabum De: Gildmeister Rebus Indicis loci et opuscula، بون سنة 1838 ص 89)، وكل ذلك قد انتقل إلى فارس قبل أن ينتقل إلى العرب.
وهناك جملة يعتد بها من القصص أصلها فارسى، وخاصة تلك الخرافات التى تتصرف فيها الأرواح أو الجن والجنيات كلّ مستقلا عن الآخر (انظر ما سبق). والقصص التى أحصاها أويستروب على اعتبار أنها هندية فارسية الأصل هى القصص الآتية:(1) قصة الجواد المسحور (2) قصة حسن البصري (3) قصة سيف الملوك (4) قصة قمر الزمان والأميرة بدور (5) قصة الأمير بدر والأميرة جوهر السمندلية (6) قصة أردشير وحياة النفوس. ومن أقوال أو يستروب يتبين أن الصلة بين قصة على شار وبين أصلها الفارسى غير محققة، علما بأن قصة على شار تشتمل على عدة تفصيلات تتردد فى القصة التى يرجح أنها متأخرة عنها فى الزمن وهى قصة نور الدين على والفتاة ذات الزنار، وهذه القصة ترد أيضا فى ألف ليلة: أما قصة الفتيات الغيورات وقصة أحمد وبارى بانو اللتان لا تردان إلا فى نسخة كلآن ففيهما طابع قوى يوحى بأنهما فارسيًّا الأصل، ولكننا لا نعرف بعدُ النماذج الفارسية الأصلية التى نسجتا على منوالها.
وبغداد تقع فى إقليم بابل القديم، ومن ثم فإن الراجح أن الأفكار البابلية القديمة بقيت قائمة هناك حتى العهود الإسلامية، وربما كانت قد انعكست فى ألف ليلة، بل إن قصة حيقار الحكيم كلها -التى تبدو فى بعض المخطوطات جزءًا من ألف ليلة- أصلها من بلاد الجزيرة القديمة، ولعلها ترجع إلى القرن السابع قبل الميلاد، وقد تسربت عن طريق الأدبين اليهودى والنصرانى
إلى الأدب العربى. والخضر -صاحب الشباب الخالد- له أصل بابلى. وربما كانت رحلات بلوقيا وماء الحياة الذى كان يفتش عنه الأمير أحمد تعكسان موضوعات من ملحمة كلكمش البابلية. ومع ذلك فمن المرجح أن خضرا وماء الحياة قد انتقلتا إلى العرب عن طريق قصة الإسكندر، وأن رحلات بلوقيا قد عرفوها عن طريق الأدب اليهودى. وفوق ذلك كله نجد أن الحكايات التى تتردد فى ألف ليلة كثيرًا عن الخلفاء العباسيين وبلاطهم وكذلك بعض الحكايات عن رعاياهم تنتسب إلى النسخة البغدادية من ألف ليلة. والراجح أن قصة السندباد الحكيم قد استقرت فى شكلها النهائى ببغداد، وأن قصة عمر بن النعمان تضم بين دفتيها مواد من فارس ومن الجزيرة ومن الشام. وتشير قصة عجيب وغريب إلى الجزيرة وإلى فارس. وقد نشأت قصة الجارية البارعة تودد فى بغداد كما أنه قد أعيد صوغها من بعض الوجوه فى مصر. والمحقق أن قصص بلوقيا والسندباد الحكيم، وجليعاد وورد خان كانت معروفة فى بغداد.
ولكن ليس ثمة شاهد معين على أن جميع هذه القصص كانت أجزاء من نسخة بغداد. ويصدق هذا على القصص الأربع الواردة فى مخطوط إستانبول الذى عثر عليه ريتر Ritter .H (انظر ما سبق) فهو يضم بين دفتيه أربع قصص من ليالينا ولكنه لا يشير إلى ألف ليلة وليلة. وهذه القصص هى: (1) قصة الرجال الستة أى الاخوة الستة وحلاق بغداد (2) قصة جلنار وفتاة البحر (3) قصة بدور وعمير بن جبير (4) قصة أبي محمد الكسلان.
أما القصص التى يفترض أن أصلها مصرى فهي القصص التى تروى فيها الحيل البارعة للصوص والصعاليك. وا القصص التى تتحدث عن الأرواح والجن الذين يظهرون بمظهر الخدام لطلسمات أو تعاويذ سحرية، والقصص التى يمكن أن نسميها القصص البرجوازية والتى يشبه بعضها الروايات الحديثة التى يدور موضوعها حول العشق. وكل هذه القصص ترجع بطبيعة الحال فى شكلها الحالى إلى أيام سلاطين المماليك والحكم التركى فى مصر، ومع ذلك فإن بعض
الموضوعات ترجع إلى مصر القديمة، ذلك أن الصعلوك الأريب على الزيبق وصاحبه أحمد الدنف نجد أصلهما ماثلا فى القائد المأجور أماسيس، وكذلك نجد كنز رهابسينيث ماثلا فى قصة على الزيبق كما بيّن نولدكه. وربما كان أصل الكاتب القرد فى قصة سيدات بغداد الثلاث ماثلا فى توت المصرى القديم، الذى، وهو كاتب الآلهة المصرية القديمة الذى يصوَّر دائما على هيئة القرد، أو فى هنومان قائد القردة فى كتاب "الرامايانا" الهندى.
وذهب بعضهم أيضا إلى أن القصة القديمة -التى تتحدث عن المصري الذى نجا من سفينة غارقة- لها صلة برحلات السندباد، وأن قصة فتح يافا على يد مقاتلين مصريين اختفوا فى غرائر تتردد فى قصة على بابا. على أن هذه الصلات ليست قريبة الاحتمال (انظر Tau-: Littmann -sendundeine Nacht in der arabischen Lit eratur ، ص 22.
وانظر عما يمكن أن يكون هناك من تأثيرات إغريقية فى ألف ليلة كتاب كرونباوم) Medieval Is-: Von Grunbaum lam، شيكاغو سنة 1946 ، الفصل الثامن وعنوانه Greece in the Arabian Nights).
الصور الأدبية المختلفة فى ألف ليلة: يبقى أن نسوق بيانا موجزا بالأشكال الأدبية المختلفة الماثلة فى ألف ليلة. ومن المستحيل فى هذا المقام بطبيعة الحال أن نذكر كل قصة من القصص جميعا كما اتبع فى مقدمة ترجمة ليتمان) Anhang: Littmann (وقد وجد أن أهم هذه الأشكال ستة: (1) خرافات (2) روايات وقصص (3) أساطير (4) حكايات تهذيبية (5) حكايات فكاهية (6) نوادر. وحسبنا أن نضرب أمثلة قليلة على كل شكل:
1 -
تشتمل القصة النواة على ثلاث خرافات هندية، وإلى هذا الشكل الأدبى تنتسب القصص التى تأتى فى أول جميع المخطوطات (التاجر والجن، الصياد والجن، الحمّال، الدراويش الثلاثة وسيدات بغداد الثلاث، الأحدب). وهذه القصص نفسها شواهد على طريقة القصة النواة وفيها سمات تذكرنا بالنماذج الهندية الأصلية بل تذكرنا ببعض الموضوعات التى لها نظائر فى القصص الواردة من الشرق الأقصى،
وأشهر هذه القصص هى قصة علاء الدين والمصباح السحرى وقصة على بابا. ومن الشواهد الأخرى قصة قمر الزمان وبدور، وقصة الأخوات الغيورات وقصة الأمير أحمد وبارى بانو، وقصة سيف الملوك، وقصة الحسن البصرى، وقصة زين الأصنام.
2 -
وأطول الروايات هى رواية عمر ابن النعمان وأولاده، وقد درسها باريت) Der Ritterroman von': Paret` Umar an-Nu'mân توبنكن سنة 1927 (وكريكوار وكوسنس H.Gregoire & R.) Gossens فى - Zeitschr. der Deutsch. Mor genl. Gesells سنة 1934، ص 213: - Byzantinisches Epos und arabishcer Rit terroman وقصة عجيب وغريب هى نموذج الرواية الإسلامية الشعبية. أما قصص الحمال والثلاث بنات، وعلاء الدين أبي الشامات، ونور الدين وشمس الدين، ونور الدين ومريم الفتاة ذات الزنّار فيمكن أن نسميها الروايات أو القصص "البورجوازية" وكذلك قصة أبي قير وأبى صير.
وهنا نستطيع أن نضيف قصص الحب، وقد احتوت الليالى على جملة كبيرة منها، تشمل ثلاث مجموعات:(أ) وهى تتحدث عن الحياة العربية القديمة أيام الجاهلية (ب) وتتحدث عن الحياة الحضرية فى بغداد والبصرة، وعن قصص حب فتيات أو جوار فى المدن أو فى قصور الخلفاء (ج) وتتحدث عن قصص حب من القاهرة تتسم فى بعض الأحيان بالعبث (انظر بيرن سنة 1927).
ويمكن أن نذكر فى هذا المقام أيضا قصص الصعاليك وجوّابى البحار (أما عن قصة على الزيبق فانظر ما أسلفنا بيانه) وهناك عدة قصص قصيرة عن الأوصياء رويت أمام حكام مصر. وتقوم قصة السندباد الحكيم على كتاب "عجائب الهند" الذى يشتمل على مغامرات وتلفيقات لبحارة التقطهم ربان فارسى من البصرة فى القرن العاشر الميلادى. والجزء الأول من قصة أبي محمد الكسلان مكوّن من قصص بحارة وموضوعات حكاياتهم الخرافية.
3 -
وهناك أساطير عربية قديمة أدخلت فى ألف ليلة مثل: حاتم الطائى،
إرم ذات العماد، ومدينة النحاس ومدينة لبدة وهى تشير إلى فتح العرب شمالى إفريقية. وتشير أساطير أخرى إلى رجال ونساء أتقياء، ومن بينهم أتقياء من بني إسرائيل (ولا يقتضى هذا نسبتها إلى كتاب يهود). أما أسطورة الأمير التقى الذى كان ابنا لهارون الرشيد ثم غدا درويشا، ففيها أثر من أسطورة ألكسيوس المشهورة.
4 -
والحكايات والخرافات والأمثال التهذيبية معروفة لدى عدة شعوب، وقد وجدت سبيلها إلى الليالى أيضا حيث يبدو على معظمها أنها نشات فى الهند مثل السلسلتين الطويلتين للسندباد الحكيم، وجليعاد وورد خان، وكثير من الخرافات التى تدور حول الحيوانات على أنه قد أعيد صوغها فى القوالب العربية: وتنتسب إلى هذا الشكل الأدبى القصة الطويلة عن الجارية تودد (وفى أسبانيا: لادونسلاّ تيودور La doncella Teoder ، وفى الحبشة: تَوْدد) بما يتصف به من أصل يرجح أنه يونانى، وقد أصاب هوروفتز كبد الحقيقة فى دراسته هذا الأصل.
5 -
والخرافات الفكاهية هى قصص أبي الحسن أو النائم اليقظان، والخليفة والصياد، وجعفر البرمكى والبدوى الشيخ، وعلى الفارسى، والقصة الأخيرة مثال لقصة الأكاذيب؛ وفى قصتى معروف الإسكافى والأحدب سمات فكاهية كثيرة.
6 -
ومجموعة النوادر تشمل فى هذا المقام جميع القصص التى لا تدخل فى مجموعة من المجموعات السابقة. ومن جملة النوادر قصتا الأحدب والحلاق وإخوته، وتتكوّن منهما مجتمعتين رواية فكاهية من طراز عظيم. ويمكن تقسيم سائر النوادر ثلاث مجموعات: مجموعة الحكام، ومجموعة الأجواد، ومجموعة انتزعت من الحياة الإنسانية العامة. ومجموعة الحكام تبدأ بالإسكندر الأكبر وتنتهى بسلاطين المماليك، وقليل منها يشير إلى ملوك فارس، وتشير جملة كبيرة منها إلى الخلفاء العباسيين وفوق هؤلاء جميعا هارون الرشيد الذى أصبح الحاكم الأمثل فى نظر المسلمين. وربما يكون بعض هذه النوادر لم ينشأ فى بغداد بل نشأ فى مصر وهناك نسب إليه. أما الأجواد الذين تتحدث عنهم ألف ليلة فهم بخاصة: حاتم الطائى، ومعن بن زائدة، والبرامكة. وأما مجموعة
النوادر المنتزعة من الحياة الإنسانية العامة فهى من عدة أصناف فهى تتحدث عن الغنى والفقير، والشيوخ والشباب والحالات الجنسية الشاذة (مثل وردان والمرأة صاحبة الدب، والأميرة والقرد) وعن الخصيان من أهل السوء، وعن القضاة الظلمة
والقضاة النابهين، وعن نظار المدارس السفهاء (وهم صنف معروف فى الأدبين اليونانى والرومانى كما هو مأثور فى الحكايات المصرية العربية الحديثة). أما قصة المغامرة الليلية للخليفة التى نشرها كلآن دون سواه فهى تشمل ثلاث نوادر طويلة رويت فى إفاضة واختلطت بموضوعات من موضوعات الخرافات.
وفى طبعة كلكتة الثانية من ألف ليلة 1420 قصيدة أو قطعة من الشعر بحسب قول هوروفتز) Horovitz فى Festschrift Sachau ، برلين سنة 1915، ص 375 - 379)، تكرر منها عدد يبلغ 170 قصيدة أو قطعة يجب حذفها، فيبقى من الشعر 1250 دخل فى ألف ليلة. وقد استطاع هوروفتز أن يثبت أن هذه الشواهد الشعرية التى أدخلت على ألف ليلة واستطاع هو أن يتعرف على قائلها، ترجع إلى حقبة بين القرنين الثانى عشر والرابع عشر الميلاديين أى إلى الفترة المصرية من تاريخ ألف ليلة. وهذه القصائد والأشعار من ذلك الطراز الذى تستطيع أن تحذفه دون أن يخل بسياق النصوص النثرية لليالى ومن ثم فإنه قد أضيف إليها فى عهد متأخر.
المصادر:
(1)
ذكرت فى صلب المادة.
(2)
ويجب أن نلفت النظر بخاصة إلى Studier: Oestrop والترجمة ذات التعليقات التى قام بها ريشر Rescher لهذا البحث؛ انظر ما سبق أن بيناه.
(3)
motifs des: N.Elisséef Thémes et Mille et une Nuit بيروت، سنة 1949.
(4)
المصادر المستفيضة التى زودنا بها Brocklemann . جـ 2، ص 72 - 74، قسم 2، ص 59 - 63.
(5)
وانظر عن أثر ألف ليلة وليلة فى الأدب الأوربى: The Legacy of Islam ص 199 وما بعدها.
(6)
- Cassel's Encyclopacdia of Lit' erature هذه المادة.
خورشيد [ليتمان Littmann.E]