المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - ٦/ ٢

[محمد الخضر حسين]

الفصل: ‌نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير

‌نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير

(1)

اطلعت على مقال نشر في إحدى المجلات (2) الأسبوعية تحت عنوان: "إعرابان جديدان في صيغة التحذير"، فرأيت كاتب المقال قد أنكر ما قاله أعلام النحويين في إعراب صيغة التحذير، ورماه بالتكلف، وأبدى الكاتب تأويلين في إعرابها، وادعى أنهما خير مما قاله النحويون، وختم مقاله بقوله:"فكم ترك الأول للآخر! ".

ولما تراءى لي أن تأويلَي كاتب المقال ليسا خيراً مما قاله النحويون، خطر على بالي أن كتب كلمة أُلم فيها بوجهة نظر أولئك الأعلام، وأترك القول الفصل للقارئ الذي لا يضع المسائل موضع القبول إلا بعد عرضها على أصول العلم الذي تتصل به، وبحثها بروية وأناة.

قال كاتب المقال: "اضطرب النحويون في إعراب صيغة التحذير مع الواو التي يجعلونها للعطف اضطراباً كبيراً، ومن هذه الصيغة قول الشاعر:

فلا تصحب أخا الجهل

وإياك وإياه

(1) نقد منشور في مجلة "الهداية الإسلامية"، الجزء التاسع من المجلد الرابع عشر.

(2)

مجلة "السياسة" عدد (7 شعبان سنة 1306 - 13 أغسطس سنة 1941) بالقاهرة.

ص: 111

ولم يأتهم هذا الاضطراب إلا من هذه الواو الداخلة على المحذَّر منه، فقد اتفقت كلمتهم على أنها للعطف، مع أن معنى الصيغة ينبو عن ذلك نبواً كبيراً".

يأتي العرب عند قصد التحذير من المكروه بضمير المخاطب المنصوب، أو باسم مضاف إلى ضمير المخاطب المتصل، ويأتون بعده باسم المحذَّر منه مقروناً بالواو، فيقولون - مثلاً -: إياك والأسدَ، ويقولون: رأسَك والسيفَ. ومن الواضح أن إعراب هذين التركيبين لا يتم إلا بتقدير عامل في المنصوب، أعني: إياك في المثال الأول، ورأسك في المثال الثاني.

ولما كان المتبادر من الواو الواردة في الصيغة هو العطف، لاحظ النحويون في التقدير صحة معنى التحذير، وقد اختلفت عباراتهم في المقدَّر، فمنهم من راعى الاقتصاد في التقدير، فجعل العطف من قبيل عطف المفردات، وقدر فعلاً يصح تسليطه على المحذَّر والمحذَّر منه مع إفادة الغرض الذي هو التحذير، فقال: التقدير: إياك باعدْ (1) والشر، ويهذا التقدير يكون الإعراب قد أخذ حقه، ثم إن الذهن ينساق من طلب مباعدته لنفسه والشر إلى أن المراد باعد نفسك من الشر، وباعد الشر منك.

ومن النحويين من قصد إلى أن يكون المقدر أوضح دلالة على التحذير، فجعل العطف من قبيل عطف الجمل، وقدر لكل واحد من المنصوبين في الصيغة فعلاً، فقال: التقدير: إياك باعد، واحذر الشر.

(1) إذا قدر النحويون في الصيغة فعلاً، لا يريدون أن لفظ هذا الفعل متعين للتقدير، بل يصح تقدير ما كان موافقاً لذلك الفعل في المعنى ووجه الاستعمال من نحو التعدية واللزوم.

ص: 112

ومن قلَّب نظره في طرق الإيجاز في كلام العرب، ورآهم كيف يعتمدون على ظهور المعنى من الجمل، ولا يبالون حذف ما كان عمدة في الكلام أو فضلة، لم ير في حذفهم لفعلين في صيغة التحذير، واكتفائهم بالمفعولين، ما ينبو عنه المعنى نبواً كبيراً أو صغيراً.

وقد تكلم العرب بمثل هذا الضرب من الإيجاز، إذ قالوا: كلَّ شيء ولا شتيمةَ حُر، والتقدير: اصنع كل شيء، ولا ترتكب شتيمة حر، وقالوا: أهلَك والليلَ، والتقدير: ألحق أهلك، وبادر الليل.

والتقدير الصحيح المقبول ما كان مطابقاً لأصول اللغة، ملائماً للغرض الذي يرمي إليه المتكلم، غير زائد على قدر الحاجة.

إذا اختلفت عبارات النحويين في المقدر في صيغة التحذير، فإن من تلك المقدرات ما نجده مطابقاً لأصول اللغة، مؤدياً معنى التحذير، مقتصراً فيه على قدر الحاجة.

وإن كان اختلاف النحويين في الألفاظ المقدرة في التحذير يعدّ اضطراباً كبيراً، فسترى أن كاتب المفال لم يفعل شيئاً سوى أن زاد في طين هذا الاضطرابِ بلَّة.

قال كاتب المقال: "والحقيقة أن الواو في قولك: إياك والشر، ليست للعطف كما فهم النحويون؛ لأن واو العطف تقتضي دخول المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيكون العامل في المعطوف عليه بحيث يصح تسليطه في اللفظ والمعنى على المعطوف".

قد عرفت أن الذين يجعلون صيغة التحذير من قبيل عطف المفردات يقدرون عامل النصب في المعطوف والمعطوف عليه لفظ: باعدْ، ونحوه،

ص: 113

على معنى أن المطلوب من المخاطب تبعيد نفسه من الشر، وتبعيد الشر منه، وذلك قصد المحذر، والمباعدة يصح تسليطها على المحذر الذي هو المخاطب، والمحذر منه وهو الشر.

أما الذين يجعلون الصيغة من قبيل عطف الجمل، فيقدرون للمحذر عاملاً من نحو احذر، فلكل من المحذر والمحذر منه عامل يصح تسليطه عليه في اللفظ والمعنى.

قال كاتب المقال: "وأنت إذا قلت: إياك والشر، فالمعنى القريب لهذه الصيغة: أحذرك والشر، ولكن هذه الواو لا تستقيم أن تكون للعطف في هذا المعنى القريب لهذه الصيغة؛ لأن هذا العامل الذي قدرناه، لا يصح تسليطه على ما بعدها؛ إذ لا يصح أن تقول: احذر الشر، كما تقول: أحذرك؛ لأن الشر محذر منه، لا محذر كالمخاطب، وللواو استعمالات كثيرة غير استعمالها في العطف، وإذا عرضنا هذه الواو التي معنا على تلك الاستعمالات، وجدنا أقربها إليها أن تكون زائدة".

يتلخص تأويل كاتب المقال لصيغة التحذير في تقدير "احذر"، وجعل الواو في المحذر منه زائدة، أما تقدير احذر، فإن صح، إنما يصح في الصيغة المبدوءة بضمير المخاطب "إياك"، أما الصيغة المبدوءة باسم مضاف إلى المخاطب؛ نحو: رأسَك والسيَف، فإن فعل احذر غير صالح للعمل فيها؛ إذ لا يصح أن يقال: احذر رأسك والسيف، فلا بد من تقدير فعل من نوع ما يقدره النحاة، وهو: باعدْ أو نخِّ، وإذا رأى كاتب المقال نفسه مضطراً إلى العدول عن "احذر" في هذا القسم من التحذير، لزمه أن يسلم أن تقدير باعد أو نح، في نحو إياك والشر، لا يعد في قبيل التعقيد والخروج

ص: 114

عما نستسيغه الآن.

ثم إننا إذا وجدنا جملتين عطفت إحداهما على الأخرى، وكانت إحداهما صريحة في طلب أو نهي، والأخرى قد حذف منها المسند، وساعد المعنى على أن يقدر المسند فعلاً مضارعاً، أو فعل طلب، فمراعاة التناسب تقتضي أن يكونا متفقين في الطلبية، وقد وجدنا العرب يأتون بصيغة التحذير معطوفة على أمر أو نهي، أو معطوفاً عليها أمر أو نهي، ومن أمثلة ذلك البيت الذي ساقه كاتب المقال، أعني قوله:

ولا تصحب أخا الجهل

وإياك وإياه

فإن قوله: "وإياك وإياه" معطوف على قوله: "ولا تصحب".

ومما عطف فيه النهي على صيغة التحذير قول أمية بن طارق الأسدي:

إياك والظلم المعبس إنني

أرى الظلم يغشى بالرجال المغاشيا

ولاتك حفّاراً بظلفك إنما

تصيب سهام الغي من كان غاويا

فقوله: "ولا تك حفّاراً" معطوف على قوله: "إياك والظلم". ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا".

ومما عطف فيه الأمر على صيغة التحذير قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، وليذِّك لكم الأسلُ والرمح"، فقوله:"وليذك" معطوف على قوله: "إياي وأن يحذف". ومن هذا الباب قوله رضي الله عنه: "إياكم والبطنة؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم".

ومما وردت فيه صيغة التحذير بين أمر ونهي تقدما عليها، وأمر تأخر

ص: 115

عنها: قول عمر بن الخطاب: "أما بعد: فاستعينوا على الناس وكل ما ينوبكم بالصبر والصلاة، وأمر الله أقيموه، ولا تدهنوا فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشر بأيسره؛ فإن قليل الشر كثير".

وكون المعنى في نحو: "إياك والأسد" على قصد التحذير، لا يقتضي تقدير عامل النصب من مادة حذر، كما أن القصد من نحو:"أخاك أخاك" هو الإغراء، ولا يصح أن يقدر عامل النصب هنالك من مادة أخرى.

وأما دعوى كاتب المقال أن الواو الداخلة على المحذر منه زائدة، فكلمتنا في نقده هي أن الألفاظ وضعت للدلالة على ما يقوم بالنفس من المعاني، فأصل الكلام أن يكون لكل كلمة منه معنى يقوم بنفس المتكلم، ويريد نقله إلى نفس المخاطب، فلا يصح لأحد أن يدعي زيادة كلمة في صيغة من صيغ الكلام إلا حيث يعجز الناس عن أن يذكروا لها معنى يلائم الغرض الذي صيغ له الخطاب، وقد وجد النحويون حروفاً ترد في مواضع من التراكيب مرة، وتسقط منها مرة أخرى، دون أن يظهر لها عندما تذكر معنى زائد على ما يفيده التركيب الخالي منها، فحكموا بزيادتها، مثل "أنْ" الواردة بعد "لما"، و "ما" الواردة بعد بعض حروف الجر.

وهؤلاء الذين يحكمون في بعض الحروف بالزيادة، لا يجيزون حمل كلمة على الزيادة إلا إذا تعذر فهم التركيب على وجه تحمل فيه على أحد معانيها الأصلية، قال الرضي في "شرح الكافية":"والأصل عدم الحكم بالزيادة ما كان للحكم بالأصالة محتمل". والنحويون قد فهموا من صيغة التحذير أن الواو عاطفة، وذكروا في تقدير عامل النصب وجهاً يلائم العطف، فصرْف الواو إلى الزيادة مع إمكان بقائها عاطفة خروج عن الأصل.

ص: 116

أراد كاتب المقال أن يؤيد دعوى أن الواو في صيغة التحذير زائدة بذكر نظائر في كلام العرب، فقال: كالواو في قول الشاعر:

فمابال من أسعى لأجبر عظمه

حفاظاً وينوي من سفاهته كسري

فالواو في قوله: "وينوي" زائدة؛ لأنها حال، والمضارع المثبت لا يقترن بالواو، ومثلها:

ولقد رمقتك في المجالس كلها

فإذا وأنت تعين من يبغيني

فالواو في قوله: "فإذا وأنت" زائدة؛ لأن ما بعد إذا الفجائية "لا يقترن بالواو".

قد تكون زيادة الواو في البيتين ظاهرة بحيث تساوي أو ترجح رأي من يذهب فيهما إلى تأويل غير دعوى زيادة الواو، ولكن الحكم بزيادة حرف في تركيب جزئي على نحو ما ورد في البيتين، أمره هين بالنسبة إلى الحكم بزيادة حرف في صيغة عامة كصيغة التحذير تواردَ عليها الفصحاء من العرب، حتى كادوا لا يلفظون هذه الصيغة إلا مقرونة بهذه الواو.

قال كاتب المقال:

"ومن الواو الزائدة أيضاً: قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]، وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ} [الصافات: 103 - 104] ".

ذهب بعض المعربين للقرآن الكريم إلى أن الواو في قوله تعالى: {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ، وفي قوله:{وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ} زائدة، ولكن فريقاً ممن يقدرون بلاغة القرآن قدرها أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد، وذهبوا إلى أن الواو في الآيتين عاطفة، وجعلوا الآية الأولى من قبل ما حذف

ص: 117

فيه جواب إذا.

وجعلوا الآية الثانية من قبيل ما حذف فيه جواب لما، والتقدير: فلما أسلما، وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم؛ فإن هناك ما لا يوصف من ألطافه تعالى.

وممن أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد صاحب "المثل السائر"، فقال راداً على من قال: إنَّ "أنْ" في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96]، زائدة: إن هذه اللفظة لو كانت زائدة، لكان ذلك قدحاً في كلام الله تعالى، وذلك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، فلا يكون كلامه معجزاً. وممن أنكروا ما أنكره ابن الأثير العلامة ابن قيم الجوزية، وألف كتاباً سماه "الفتح المكي" قرر فيه أن ليس في القرآن حرف زائد، وتكلم فيه على ما قيل: إنه زائد، وبين أن كل لفظة لها فائدة متجددة.

ولما قال أبو عبيدة: إنَّ "إذْ" في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 30]، زائدة، أنكر عليه المفسرون، حتى قال الزجّاج: هذا اجترام من أبي عبيدة.

ونحن لا نمنع أن يجيء في القرآن شيء من الحروف التي يسميها النحاة حروف الصلة؛ مثل: إن، وأن، وما، ومن، والباء؛ مما شاع استعماله في كلام البلغاء دون أن تدل على معنى من معانيها الخاصة بها، ونكتفي بالمعنى العام الذي هو التوكيد حتى يبدو لنا منها معنى غير التوكيد، ولا نجيز لأحد أن يقصد إلى حرف في القرآن من غير هذه الحروف المعهود استعمالها في كلام البلغاء ويحمله على الزيادة، وتخريجُ الآيات على حذف بعض

ص: 118

أجزاء الكلام لظهور معناه، أيسرُ من الحكم على بعضها بالزيادة.

قال كاتب المقال: "فلتكن تلك الواو التي ترد في صيغة التحذير داخلة على المحذر منه، زائدة، لا عاطفة؛ لأنك تقول: إياك والشر، كما تقول: إياك الشر، سواء بسواء، وهذه هي علامة الزيادة، الواو ونحوها من الحروف الزائدة، فيكون إعراب الصيغتين واحداً، وإياك فيها مفعول أول، والشر مفعول ثاني، ولا فرق بينها إلا زيادة الواو في الأولى دون الثانية".

يُحكَم على الحرف بالزيادة إذا لم يوجد وجه لحمله على معنى معروف في الاستعمال، أو معنى يناسب الغرض الذي سيق له الكلام، ولا يكفي في الحكم على الحرف بالزيادة أن يذكر في التركيب مرة، ويسقط منه مرة أخرى على وجه الندرة، ويكون المعنى مستقيماً في الحالين؛ فإن شأنهم فيما ورد مقروناً بحرف له معنى وروداً غالباً، ثم ورد على وجه الندرة غير مقرون بهذا الحرف: أن يحملوا الكلام على وجه يلائم المعنى المعروف للحرف، ويحملوا تلك الأمثلة النادرة على وجه لا يخدش في أصالة ذلك الحرف، وهذا حال صيغة التحذير من نحو قولك:"إياك والأسد"؛ فقد وردت مقرونة بالواو في كلام الفصحاء، ولم ترد مجردة من الواو إلا في قول نادر، ولما رأى النحويون حمل الواو الواردة في غالب الكلام الفصيح على العطف لا ينبو عنه المقام، أخذوا به في الإعراب، وحملوا ما ورد مجرداً من الواو على وجوه سنذكرها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

بل شأنهم فيما يستعمل مقروناً بحرف مرة، ومجرداً منه مرة أخرى: أن يحملوا ما اقترن بالحرف على معنى يقتضيه الحرف، ويحملوا المجرد على معنى يقتضيه الخلو من ذلك الحرف، وإن شاع كل منهما في الاستعمال،

ص: 119

ولا يذهبون إلى الحكم بزيادة الحرف إلا إذا تعذر عليهم تخريج الكلام على وجه يلائم معنى الحرف، وانظروا إلى الأخيار حين تتعدد؛ إذ يصح عطف بعضها على بعض تارة، فنقول: زيد وشاعر وكاتب، ويصح تجريدها من حرف العطف تارة أخرى، فنقول: زيد عالم شاعر كاتب. ووجه هذا: أنك قد تنظر إلى تعداد الصفات وهي متغايرة، والتغاير يقتضي العطف، وقد تنظر إلى أن الذات الحاملة للصفات واحدة، وهذا الاتحاد يسوّغ تجريدها من حرف العطف.

قال كاتب المقال: "وبعضهم يوجب جر المحذر منه بمن إذا لم تذكر هذه الواو، ولكنه محجوج بقول الشاعر:

فإياك إياك المراء فإنه

إلى الشر دعَّاء وللشر جالبُ

فقوله: "المراء" هو المحذر منه، وهو غير مجرور بمن؛ لأنه لا يلزم تقدير المحذوف فعلاً يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى الثاني بمن، بل يجوز تقديره فعلاً يتعدى إلى مفعولين بنفسه".

قد أريناك أن الوارد على وجه الندرة لا يقضى به على الغالب في استعمال البلغاء، بل تحمل الواو الواردة في غالب الاستعمال على أحد معانيها المعروفة حتى يمنع منه مانع لفظي أو معنوي.

والصيغة المجردة من الواو لم ترد إلا في وجه نادر، ولندرته لم يبن عليها جمهور النحويين صحة نحو: اياك الأسد، وقالوا: المحذر منه الذي يذكر بعد المحذر، يجب أن يكون مقروناً بالواو، أو بمن، وحملوا البيت الذي أورده كاتب المقال على ضرورة الشعر، أو على أن المراء جرى على قاعدة النصب بنزع الخافض، والأصل: من المراء، وذهب سيبويه إلى أن

ص: 120

الشاعر أضمر بعد إياك فعلاً آخر هو الناصب للمراء، فقال في "الكتاب":"ولو قلت: إياك والأسد، تريد: من الأسد، لم يجز"، ثم قال سيبويه: "إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز هذا البيت في شعر:

إياك إياك المراء فإنه

إلى الشر دعاء وللشر جالبُ

كأنه قال: إياك، ثم أضمر بعد إياك فعلاً آخر، فقال: اتق المراء".

وذهب إلى هذا الذي ذكره كاتب المقال في صحة نحو: إياك والأسد بدرُ الدين بن محمد بن مالك، وخالف الجمهور في منعه، وقدر عامل النصب في الاسمين لفظ "احذر"، غير أن بدر الدين بن مالك لم يتسرع إلى أن يقول: إن الواو في مثل: إياك والأسد، زائدة، بل يوافق الجمهور في أن الواو في نحو هذه الصيغة عاطفة. أجاز بدر الدين بن مالك نحو: إياك الأسد، ولم يقل: إن الواو في نحو: إياك والأسد زائدة بشبهة أن المعنى في الصيغتين واحد، كما قال كاتب المقال، ذلك أن معنى التركيب قد يأخذ في حال ذكر الحرف صورة غير الصورة التي يأخذها حال تجرده من ذلك الحرف، فتختلف الصورتان، ويكون المعنى في ظاهر الكلام واحداً، فلو قلت: إياك الأسد، مقدراً: احذر - مثلاً - أخذ المعنى صورة غير الصورة التي يأخذها عندما تقول: إياك والأسد، مقدراً فعلاً يقع على المعطوف والمعطوف عليه؛ نحو: باعدْ، فصورة المعنى في التركيب الأول تشتمل على الإخبار بأن المتكلم يحذر المخاطب من الأسد، وصورة المعنى في التركيب الثاني تشتمل على أمر المخاطب بأن يباعد نفسه من الأسد، ويباعد الأسد منه، والصورتان يلتقيان على غرض واحد هو: تحذير المخاطب من أن يدنو من الأسد.

ص: 121

قال كاتب المقال: "وهناك استعمال لواو العطف تأتي فيه بمعنى باء الجر، فلا تقضي من التشريك في الحكم ما يقتضيه الاستعمال المشهور لواو العطف، وذلك كالواو في قولهم: أنت أعلم ومالك، وكذلك الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، فالواو فيهما حرف عطف تقتضي التشريك في اللفظ، ولا تقتضي التشريك في الحكم؛ لأنها بمعنى باء الجر، ومعنى الأول: أنت أعلم بمالك، ومعنى الثاني: بعت الشاة شاة بدرهم".

ورد عن العرب أنهم قالوا: أنت أعلم ومالك، وقالوا: بعت الشاة شاة ودرهماً، فمن النحويين من ذهب إلى هذا الذي حكاه كاتب المقال، فقالوا: الواو بمعنى الباء، وهي مع دلالتها على هذا المعنى عاطفة، والعطف من قبيل التشريك في اللفظ دون الحكم.

ومن النحويين من ذهب في تأويل التركيبين إلى تقدير ألفاظ تكون بها الواو مستعملة في معناها المعروف، أعني: العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.

وإذا عقدنا موازنة بين المذهبين، وجدنا في المذهب الأول ضعفاً من ناحيتين:

أولاهما: أن في جعل الواو بمعنى الباء زيادة معنى في معانيها الدائرة في كلام العرب، ومن الأصول المعقولة التقليل من الاشتراك في الألفاظ ما أمكن التقليل.

ثانيتهما: أن جعل الواو للعطف في اللفظ دون الحكم، مخالف لأصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.

أما المذهب الثاني، فيعتمد على تقدير ألفاظ في نظم الكلام، والتقدير

ص: 122

لا يرتكب إلا عند الحاجة، فهو خلاف الأصل.

وتقدير كلمات يقتضيها الإعراب، وتتصيد من مجرى الخطاب، قد يكون أخف من تكثير الاشتراك في الألفاظ، والخروج بالعطف عن التشريك في اللفظ والحكم، ولكنه قد يكون أضعف من مخالفة ذينك الأصلين متى كانت الألفاظ المحذوفة كثيرة لا تتسابق إلى الذهن حين التلفظ بأصل الجملة، كما قال بعضهم في تقدير المحذوف في المثال الأول: أنت أعلم بحال مالك، فأنت ومالك، ثم خفف بحذف معمول أعلم "بحال مالك"، وحذف المبتدأ "أنت" المعطوف عليه "مالك"، وكما قال بعضهم في تأويل المثال الثاني: دفعت شاة، وأخذت درهماً.

فهذه الألفاظ التي أدعي حذفها في المثالين لا تنساق إلى ذهن السامع على أنها ملاحظة لتصحيح الإعراب يسهولة.

قال كاتب المقال: "وإذا صح للنحويين أن يجعلوا الواو عاطفة في هذين المثالين بمعنى باء الجر، فإنه يصح لي أن أجعل الواو الداخلة على المحذر منه عاطفة أيضاً، ولكنها بمعنى "من" الجارة، وليست هي الواو العاطفة التي تقتضي التشريك في اللفظ والحكم معاً، ويكون معنى قولك: إياك والشر: إياك من الشر، وهذا أيضاً إعراب تجري هذه الصيغة عليه بسهولة التأويل، وليس فيها شيء من التكلف الذي يشوه جمال العبارة، وينبو عنه الذوق الصحيح، والطبع السليم".

قد أريناك أن الوجه الذي حكاه كاتب المقال عن بعض النحاة في تخريج المثالين السابقين خارج عن أصل التقليل من الاشتراك في الألفاظ، وخارج عن أصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.

ص: 123

واذا سلك بعض النحاة في المثالين ذلك الوجه الخارج عن الأصول، فلأن غيره من الوجوه لا يخلو أيضاً من مخالفة بعض الأصول.

فتأويل كاتب المقال يشارك تأويل الجمهور في تقدير عامل النصب، ولكن تأويل الجمهور موافق للأصول من جهة إبقاء الواو على معنى العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.

ثم ذكر كاتب المقال وجوهاً أبداها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وقال:"ومن يوازي بين هذه التكلفات التي ذهبوا إليها، وبين التأويلين السهلين اللذين اخترتهما، لا يتردد في اختيارهما على تكلفاتهم، ولا يهمه نسبتهما إلى علمائنا الأوائل، فكم ترك الأول للآخر! ".

حدثناك عن بعض الوجوه التي يراها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وأريناك أنهم لم ينصرفوا فيها إلا بتقدير عامل النصب، وكاتب المقال يشاركهم فى هذا التقدير، ومن وجوه الفرق بينهما: أن ما يقدره النحاة يدل على طلب الابتعاد من المحذر منه بأصل وضعه، وما يقدره كاتب المقال موضوع للإخبار، وإنما يؤخذ منه الطلب بدليل خارج عن مدلول الصيغة بحسب وضعها.

ثم إن العامل الذي يقدره النحاة يجري في نحو: رأسَك والسيفَ، والفعل الذي يقدره كاتب المقال لا يجري في نحو هذا الضرب من التحذير.

ويلاقيك في تأويل كاتب المقال وجوه من الضعف لا تجدها فيما يقوله النحويون، مثل: دعوى زيادة الواو، أو أنها بمعنى من، أو أن العطف بها للتشريك في اللفظ دون الحكم.

ص: 124