المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - ٦/ ٢

[محمد الخضر حسين]

الفصل: ‌المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية

‌المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية

(1)

شبَّت اللغة العربية في ربوع عدنان وقحطان، فصيحةَ الكلمات، محكمة الأساليب، وكانت تسير بعهد الجاهلية على قدر سيرهم في الحياة الفكرية والمدنية حتى طلع الإسلام، فوجد في حكمة وضعها، وقوانين استعمال ألفاظها، ما يساعد على توسيع دائرتها، وإعلاء سمائها، وتكثير طرق بيانها، فاتخذها لسان دعوته الحكيمة، فأصبحت هذه اللغة تنتقل مع الدعوة الإسلامية حيثما انتقلت، ودخلت في أمم ذات علوم خصبة، وحضارة بعيدة المدى، فلم تقف وقفة اللغة المعسرة، لا تجد في ألفاظها ولا أصول وضعها واستعمالها ما يكفي حاجات العلوم والحضارة، بل كانت اللغة التي تسع العلوم على اختلاف موضوعاتها، والحضارة على كثرة مظاهرها، فنهضت بالعلوم الشرعية والعربية، والفنون الأدبية، وصارت لسان الفلسفة والسياسة، ولا يعرض معنى غامض إلا دلت عليه بأسنى عبارة، وأضفى بيان.

وَسِعت هذه اللغة العلمَ والسياسة والصناعة وضروب المعاملات، وكل معنى يراد نقله من ذهن إلى آخر، وساعدها على ذلك كله غزارةُ مادتها،

(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة - الجزء الأول - تشرين الأول (أكتوبر)1934.

ص: 4

وما تفتح فيها من أبواب الاشتقاق والتصرف في الكلم على وجوه المجاز أو النقل، ثم تهيؤها لقبول الكلمات الأعجمية بعد تهذيب حروفها، وحيث تدعو الحاجة إلى تعريبها.

والكلام في هذه المزايا كثير الشعاب، بعيد مابين الجوانب، وحظ القلم منه في هذا المقال: بحثُ المجاز والنقل، وأراني في موقف الباحث الذي يسوق حديثه إلى أدباء درسوا فن البيان، وكانوا منه على بينه، فلا أطيل في تعريف المجاز وذكر أقسامه، ولا أتعرض للعلاقات التي هي شرط صحته: علاقةً فعلاقة، بل أمرّ على معنى المجاز بكلمة وجيزة، وأتحدث عن العلاقة من الناحية التي يأخذ بها الكلام صحته أو فصاحته العربية، وأتخلص إلى الفرق بين المجاز والنقل، وأريك كيف يكسبان اللغة ثروة، وكيف يقومان بجانب عظيم من حاجات العلوم، وما يتجدد من مرافق الحياة.

* المجاز:

كلمة "المجاز" وزنها مَفْعَل، وهو من جاز المكان؛ أي: سلكه، وسار فيه، ومن ثم قيل للطريق: مجاز؛ لأنه مكان يجوزه الناس عند الانتقال من أحد جانبيه إلى الآخر، ثم استعمل المجاز فيما يشبه الطريق من الأمور التي تتخذ وسيلة إلى بعض الأغراض، فقالوا:"جعل فلان ذلك الأمر مجازاً إلى حاجته؛ أي: اتخذه وسيلة إلى قضائها".

ثم استعملت هذه الكلمة في العلوم لمعان خاصة، وأول من نحا بها هذا النحو - فيما عرفنا - أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثنَى المتوفى سنة 209 هـ؛ إذ وجدناه يستعملها قاصداً بها الوجه الذي يخرّج عليه الكلام، وما يحسن أن

ص: 5

يقال في تفسيره، وذلك ما يعنيه في كتابه "المجاز في غريب القرآن" كما قال:"والرحمن: مجازه: ذو الرحمة، والرحيم: مجازه: الراحم". ورأينا الشريف الرضىّ المتوفى سنة 406 هـ يطلق المجاز على اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويضيف إلى ذلك التشابيه التي ذكر فيها المشبّه والمشّبه به، وحذفت منها أداة التشبيه، وهذا كتابه "المجازات النبوية" يورد فيه التشابيه البليغة، نحو حديث:"المرء مرآة أخيه"، وحديث:"الناس معادن"، وصرح بأن التشابيه المصرح فيها بأداة التشبيه خارجة عن المجاز (1).

وتعرض ابن رشيق المتوفى سنة 463 هـ في كتاب "العمدة" لكلمة المجاز، فذكر لها معنى عاماً هو:"طريق القول ومأخذه"، وقال:"فصار التشبيه والاستعارة وغيرها من محاسن الكلام داخلة تحت اسم المجاز". ثم نبه ابن رشيق على أن هذه الكلمة نقلت بعدُ إلى معنى أخص، فقال:"إلا أنهم خصوا به - أعني: اسم المجاز - باباً بعينه، وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه، أو كان منه بسبب".

وأراد من قوله: "ما قاربه": الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر مشابهة، ومن قوله:"أو ما كان منه بسبب": الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر صلة غير المشابهة؛ كالسببية والمجاورة.

وهذا المعنى الخاص الذي صارت إليه كلمة المجاز، هو الذي جرت عليه كلمة المجاز، في عرف البيانيين؛ فإنهم إنما يطلقونه على اللفظ الذي ينقله المتكلم من معنى وضع له اللفظ، إلى معنى بينه وبين ذلك المعنى

(1) انظر: (ص 169) من ذلك الكتاب.

ص: 6

مناسبة؛ أي: علاقة (1)، والعلاقة إما المشابهة، وهو مَبْنَى الاستعارة، وإما غير المشابهة، وذلك مبنى ما يسمونه: المجاز المرسل. وهذا المعنى الذي انتهت إليه كلمة المجاز هو ما نقصده بالبحث في هذا المقال.

* العلاقة:

تتبع علماء البيان الكلام العربي؛ ليتعرفوا وجوه العلاقات التي يراعيها العرب في نقل اللفظ إلى غير معناه على سبيل المجاز، فالمُّوا بها خُبرًا، وأحصوها عَدّاً، واختلفوا بعد هذا الاستقراء والضبط في موقف المولَّدين إزاء هذه العلاقات، فبعضهم ضيَّق عليهم الدائرة، وبالغ في تضييقها، فلم يبح لهم - ولو عند تحقق العلاقة - إجراء أي لفظ شاؤوا مجرى المجاز، وجعل حظهم من هذا الفن البديع لا يزيد على استعمال الألفاظ التي نطق بها العرب من قبل؛ كالأسد للرجل الشجاع، والغيث للنبات، واليد للنعمة، وهذا المذهب صريح في أن المولد لا يباح له نقل لفظ من معنى إلى معنى لم ينقله إليه العرب، وإن كان بين المعنيين علاقة من تلك العلاقات المقررة في فن البيان، فلا يستعير لفظ الغضنفر- مثلاً - للرجل الشجاع، إلا إذا ثبت أن العرب استعاروه له، كما استعاروا له لفظ الأسد، ولا يطلق لفظ المُدام على عصير العنب، مع تحقق العلاقة، وهي مصير العصير إلى أن يكون مُدامًا، إلا إذا ورد إطلاقه عليه في الكلام العربي، كما أطلق عليه لفظ الخمر في نحو قوله تعالى:{أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36].

(1) وممن فسر المجاز بهذا المعنى: عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 هـ، فقال في كتاب "دلائل الإعجاز":"وأما المجاز، فقد عول الناس في حده على النقل، وإن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز".

ص: 7

وهذا المذهب ساقط بنفسه، ولا أظنك تجد له نظيراً بين علماء لغة يجري في عروقها دم الحياة (1).

وجمهور العلماء على أن مدار صحة المجاز على تحقق ما كان يراعيه العرب من نوع العلاقات، فلا تقف عند حد الألفاظ التي استعملوها في غير ما وضعت له؛ كالأسد والقمر والغيث، فإذا رأيناهم قد نقلوا اسم شيء إلى آخر لعلاقة السببية- مثلاً -، جرينا على أثرهم، وساغ لنا أن نتصرف في الألفاظ تصرفهم، فننقل اسم كل سبب إلى المعنى الذي ينشأ عنه، كما ننقل اسم كل محل إلى ما يحل فيه، وننقل اسم كل معنى إلى ما بينه وبين ذلك المعنى وجه من المشابهة، فنطلق لفظ "الاستقلال" على راحة البال وهناءة العيش، ونسمي الكتب: خِزانة، ونستعمل الرعد في أصوات المدافع، وان لم يذهب العرب بلفظ الاستقلال والخزانة والرعد هذا المذهب من المجاز.

وقد جرى على هذا المذهب أئمة الأدب، فما كانوا ليتوقفوا في الأخذ بسبيل المجاز إلا على تحقق نوع العلاقة، دون يبحثوا عن اللفظ بعينه، ليتعرفوا: هل سلك به العرب مسلك المجاز؟.

ولو لم يكن باب القياس في المجاز مفتوحاً إلى هذا الحد، لما وجد الشعراء والخطباء في فن البيان متسعًا، ولما أحرزت اللغة من ضروب المجاز والاستعارات هذه الثروة، التي زادت مكانتها رفعة، وآدابها بهاء وسناء.

(1) ليس هذا المذهب باقرب ولا أنفع - ولو قليلاً - من مذهب من ينكر وجود المجاز في اللغة، بزعم أن الواضع وضع الأسد للرجل الشجاع، كما وضعه للحيوان المفترس، ووضع الغيث للنبات كما وضعه للمطر.

ص: 8

ويزيدك علماً بقوة هذا المذهب: صنيع علماء اللغة؛ فإنهم يقصدون في كتبهم لبيان المعاني الحقيقية، ولو كان استعمال الألفاظ على سبيل المجاز موقوفاً على النقل، لدعاهم الاحتفاظ بهذا الفن من البيان: أن يلتزموا بعد بيان المعاني الحقيقية: ذكر المعاني التي استعمل العرب فيها اللفظ على وجه من المجاز، وما رأيناهم يفعلون.

ولا يقصد الزمخشري بتعرضه في كتاب "أساس البلاغة" للمعاني المجازية بعد الحقيقية أن يقصر المجاز على تلك الألفاظ، ولا أن يحجر على الناس التصرف في تلك الألفاظ بنقلها إلى معان لم ينقلها إليها العرب، وإنما قصده التنبيه على جانب عظيم من أساليب البلغاء، وتصرفاتهم في المعاني؛ ليقتدي بها الناشئون، ويتخذوها سُلَّمًا يرتقون به إلى المرتبة العليا من مراتب البلاغة.

وقد يبدو لك أن الاكتفاء بنوع العلاقة ينحط بالكلام - في كثير من الأحيان- إلى ما لا ترتاح له النفوس، ولا يليق بحسن بيان اللغة العربية، ومئال هذا: أنهم يعدون في العلاقات: "التضاد"، ومقتضى الاكتفاء بنوع العلاقة: أن نستعمل لفظ النور في الظلام، ولفظ الظلام في النور، ونطلق البياض على السواد، والسواد على البياض، ويعدون في العلاقات: "علاقة اعتبار ما كان دا، ومقتضى الاكتفاء بنوع العلاقة: أن ننقل لفظ الطفل إلى الشيخ، ونطلق على من آمن بعد شرك لفظ: مشرك، ومثل هذا الصنيع لا تسلم معه اللغة من غمز. فمن أين لنا أن نعده في فنون فصاحتها

؟

وتحقيق البحث: أننا نكتفي في صحة المجاز بمراعاة نوع العلاقة. وللبيانيين في كل علاقة نظر خاص؛ من حيث الاكتفاء بمجرد وجودها، أو

ص: 9

إضافة بعض قيود إلى أصلها. وهم لا يكتفون في إطلاق اسم الشيء على ضده بعلاقة التضاد، حتى يفيد معنى لطيفًا؛ كالتهكم في تسمية قبيح المنظر: قمرًا، أو التفاؤل؛ كتسمية الصحراء: مفازة، أو اللسيع: سليمًا. ولا يجيزون تسمية شيء باسم ما كان له، ثم انقطع متى صار الشيء متلبسًا بضد ما كان عليه؛ كمن صار إلى الشيخوخة، ليس لك أن تطلق عليه اسم الطفل، مراعيا علاقة أنه كان طفلًا. فإن سميته طفلًا لصغر عقله، أو قلة تجاربه، فقد خرجت عن علاقة التضاد، إلى علاقة المشابهة.

ولا يكتفون في إطلاق الجزء على الكل بعلاقة الجزئية، حتى يكون للجزء اختصاص بالمعنى الذي يقصد من الكل. نحو:"عين" يستعمل في "الجاسوس"؛ لأن للعين مزيد اختصاص بحرفة التجسس.

وللذوق السليم بعد هذا التحقيق مدخل في الحكم على بعض الاستعمال المجازي، بالرد أو القبول. وإطلاق الحلواء على البنين (1) لا يخلو من علاقة المشابهة، ولكن الذوق يمجه، كما يمج استعارة ماء الملام (2).

* النقل:

يذكر الكاتبون في طرق استعمال الألفاظ: المجاز، والنقل، وقد يختلف علماء العربية، أو يترددون في لفظ أخذ من معنى إلى آخر: أطريق أخذه المجاز، أم النقل؟. فالنقل إذاً طريق من طرق استعمال اللفظ يقع في

(1) إشارة إلى قول أبي الطيب المتنبي:

وقد ذقت حلواء البنين على الصبا

فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل

(2)

إشارة إلى قول أبي تمام:

لاتسقني ماء الملام فإنني

صب قد استعذبت ماء بكائي

ص: 10

مقابلة المجاز، وإليك بيانه:

قد يغلب استعمال اللفظ في معنى على سبيل المجاز، حتى يصير المعنى المجازي هو الذي ينساق إليه الذهن عند الإطلاق، وذلك ما يسمى في عرف البيانيين:"المجاز الراجح"، وإذا صار اللفظ لغلبة استعماله في المعنى المجازي لا يفهم منه عند التجرد من القرينة إلا هذا المعنى، سُمِّي: منقولًا، وكان النقل اسماً لغلبة هذا الاستعمال.

وعلى هذا الوجه من النقل حمل كثير من العلماء الألفاظ الإسلامية؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وقالوا:"إن الشارع نقل هذه الألفاظ من معانيها اللغوية، واستعملها في معانيها الشرعية على سبيل المجاز، ثم غلب استعمال الناس لهذه الألفاظ في هذه العبادات على الوجه الذي استعملها عليه الشارع، حتى صارت مجازاً راجحًا، فتكون هذه الألفاظ الإسلامية بالنظر إلى أصل استعمال الشارع من قبيل المجاز اللغوي، صدر التجوز فيها من الشارع نفسه، ثم صارت بغلبة الاستعمال المسماة بالنقل، حقائق في عرف حملة الشريعة"

وعلى هذا الوجه من النقل أيضا يجري جانب كبير من الأسماء المستحدثة في العلوم وغيرها، كما أطلق الفقهاء على اتباع قول أحد العلماء تقليدًا، والتقليد: وضع القلادة في العنق؛ كأن المتبع جعل قول غيره قلادة في عنقه، وكما أطلق العروضيون على حذف الثاني من "متفاعلن": وَقْصًا، والوقص في الأصل: كسر العنق؛ كأن حذف الشاعر للحرف الثاني المتحرك من "متفاعلن" كسرٌ للعنق الذي هو العضو الثاني بالنسبة إلى الرأس، ويدخل في هذا الوجه: نقل كلمة "البرق" إلى "تلغراف"، وكلمة "المدرعة" أو

ص: 11

"الدارعة" إلى سفينة على جوانبها ما يحميها من ضربات العدو كما تحمي الدروع الضافية رجل الحرب من الطعان.

ومن الألفاظ ما يكون موضوعاً في أصل اللغة لمعنى كلي يتناول جزئيات متعددة، فيكون إطلاقه على كل فرد من أفراد هذه الجزئيات من قبيل الحقيقة، ثم يغلب استعماله في جزئي خاص حتى يكون هذا المعنى الجزئي هو المتبادر منه عند الإطلاق؛ مثل: لفظة "الدابة" يتناول بحسب مفهومه اللغوي كل ما دب على وجه الأرض من حيوان، فاستعماله بحسب هذا الوضع- في أي حيوان يمشي على الأرض- من قبيل الحقيقة، وقد يغلب استعماله في بعض الأزمنة أو المواطن في نوع خاص من أنواع الحيوان؛ كالذي يمشي على أربع، حتى يكون هذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وغلبة استعمال اللفظ على هذا الوجه تسمى: (نقلًا" أيضاً

ولهذا النوع من النقل أمثلة كثيرة في أسماء ما تجدد من العلوم وغيرها من الشؤون المدنية، فانظر إلى كلمة "الإنشاء"- مثلاً -، تجدها موضوعة في أصل اللغة لمعنى عام هو الإيجاد، ثم أكثر استعمالها في إيجاد القول المحرر خاصة، حتى صار هذا المعنى الخاص هو المتبادر منها عند الإطلاق. وشمهل عليك أن ترد إلى هذا النوع كلمة:"الحلول، والاتحاد" في علم الكلام والتصوف، وكلمة:"التالي" للجزء الثاني من القضية الشرطية في علم المنطق، إلى ما يشابه هذا من نحو: المندوب، والعميد، والمدير، والمأمور، والحاجب، والمحافظ، والمحامي، والسيارة، والغواصة.

هذا الوجهان هما المعروفان في معنى النقل، وقد يبدو لك أن للنقل وجهاً ثالثاً لا يأتي من ناحية غلبة الاستعمال، وإنما هو اللفظ ينقل من معناه

ص: 12

الأصلي، ويوضع لمعنى علمي أو مدني حديث وضعاً مستانفًا؛ لمناسبة بين المعنيين؛ كأن يتفق طائفة على نقل اسم "السَّلوف" من الناقة التي تكون أوائل الإبل، إذا وردت الماء، ووضعه للعربة التي تكون أول القطار- مثلاً -، ثم أخذوا يستعملونه في هذا المعنى الجديد، بانين استعمالهم على هذا الوضع المتفق عليه، لا لملاحظة علاقة المشابهة، والظاهر أن هذا النقل لا يرجع إلى واحد من الوجهين المذكورين آنفاً.

أما امتناع رجوعه إلى الوجه الأول، فلأن استعمال اللفظ في معنى بناء على أنه وضع له وضعاً خاصاً، لا يسمى مجازاً، وأما امتناع الوجه الثاني، فلأن العربة التي تكون في أول القطار ليست فردًا من أفراد المعنى الذي وضع له لفظ "السلوف".

ويدلك على أن اللفظ الذي يستأنف وضعه لمعنى غير معناه الأصلي، لا يكون استعماله في هذا المعنى من قبيل المجاز: أن طائفة كبيرة من أهل العلم خالفوا من ذهب إلى أن الأسماء الشرعية؛ كالصلاة ونحوها قد استعملها الشارع في معانيها الإسلامية على وجه المجاز، وقالوا: إن صاحب الشريعة نقل هذه الأسماء، ووضعها لهذه المعاني بوضع جديد؛ كمولود يولد، فيوضع له اسم يعرف به بين الناس، فيكون استعمال الصلاة في العبادة المخصوصة لأول مرة من قبيل الحقيقة الشرعية.

فإن خطر على بال أحد أنَّ وضع الألفاظ للمعاني لا يملكه إلا العرب، وأجاز مع هذا للطوائف من أرباب العلوم والصناعات أن يتفقوا على لفظ معين يجعلونه دليلاً على معنى علمي أو صناعي، غير أنه يرى استعمال اللفظ بعد هذا الاتفاق من قبيل المجاز، لم يكن للخلاف بينك وبينه ثمرة عملية،

ص: 13

وإنما هو خلاف في هذا اللفظ المستعمل في معناه الجديد لأول مرة: أمن باب الحقيقة هو، أم من باب المجاز؟

* شرط المناسبة في النقل:

أشرنا في البحث السابق إلى شرط المناسبة بين المعنى المنقول منه، والمعنى المنقول إليه، وذلك ما صرح به كثير من الراسخين في العلم، فمن الحق مراعاة المناسبة في النقل، ومما نراه بعيداً وغير لائق: أن يعرض لطائفة من العلماء معنى لا يجدون له اسماً خاصاً في اللغة، فيمدون أيديهم إلى الألفاظ غير ناظرين إلى معانيها اللغوية، فينقلون إليه لفظاً ليس بين معناه الأصلي والمعنى المنقول إليه مناسبة.

* أثر المجاز والنقل في حياة اللغة:

إن المعاني التي تتجدد بحسب رقي الأفكار، واتساع العلوم، وامتداد ظلال المدنية، لا بد لها من أسماء تدل عليها، وقد كان للألفاظ المنقولة على سبيل المجاز، ثم النقل، جولة واسعة في العلوم وشؤون الاجتماع.

والناظر في العلوم وكتب التاريخ والأدب يقف على مقدار كبير من الألفاظ التي دخلت في اللغة من هذا الطريق، فاتسع به نطاقها، ويسر على الأقلام الخوض في موضوعات علمية أو سياسية أو أدبية لم تخض فيها العرب من قبل، وهذا باب واسع لو أرسلنا فيه القلم، لجرى فيه أشواطاً بعيدة، دون أن يدنو من النهاية، وقد سقنا إليك أمثلة منها في حديثنا عن النقل، ففي تلك الأمثلة الكفاية.

وربما يحوم في خاطرك: أن الرجوع إلى المجاز والنقل، والتعلق بهما في سد حاجات المعاني المستجدة، يوقعنا في تكثير الالمفاظ المشتركة، وكثرة

ص: 14

الاشتراك في الألفاظ يعد مرضاً من أمراض اللغة، التي يجب النظر في طرق علاجها، ولا سيما ألفاظاً تشترك فيها معان كثيرة.

فإذا عمدنا إلى كلمة "القطار" - مثلاً -، ونقلناها من الإبل، تجئ على نسق إلى مجموع مراكب "عربات" السكة الحديدية، كنا قد داوينا حاجتنا إلى وضع اسم لمجموع هذه العربات بأمر يقتضي قانون الفصاحة أن نعمل لنقصه، لا للازدياد منه، وهو اشتراك المعاني المتعددة في كلمة واحدة.

وهذا ما يتعلق به بعض من يميل إلى استعمال الأسماء الأجنبية، ويؤثره على أن نتخير لها أسماء عربية، فقال: وضعُ الكلمة العربية لمعنى جديد، وقد وضعت من قبل لمعنى آخر، يصيرها من قبيل المشترك، فبعد أن يكون لها معنى يتبادر إلى الذهن عند سماعها، يلابسها شيء من الإبهام لا ينكشف إلا بنصب قرينة.

ونحن نرى أن المعاني التي تشترك في اللفظ الواحد قد تختلف مواطنها اختلافاً بعيداً؛ كان يكون لها معنى يرجع إلى الشؤون المدنية، ومعنى آخر يرجع إلى مصطلحات علم خاص؛ كالنحو، أو الطب، أو الحساب، والاشتراك في هذا القبيل لا باس به؛ فإن مقام البحث أو المحاورة يعين أحد المعنيين، ويتجه بذهن المخاطب أو القارئ إلى المعنى المراد، حتى كأن اللفظ لا معنى له غير ما قصد في ذلك الكلام الخاص، ومن ذا الذي يأخذ كتاباً في النحو - مثلاً -، أو يشهد درساً، أو محاورة في بعض مباحثه، فيمر على كلمة الفاعل أو المفعول، أو الظرف أو المجرور أو الحال، ولا يذهب توًا إلى المعنى الذي يريده النحاة من هذه الأسماء؟.

أما إذا كانت المعاني المشتركة في اللفظ الواحد ترجع إلى جهة واحدة؛

ص: 15

كأن تكون راجعة إلى علم واحد، أو يكون كل منها يجري في الشؤون السياسية أو الإدارية أو الصناعية، فذلك هو الاشتراك الذي ينبغي لنا أن نتحاماه، حتى تكون المعاني سهلة المأخذ من الألفاظ.

ثم إننا - وإن رأينا إبقاء طريق المجاز والنقل مفتوحًا في وجوه العاملين لحياة اللغة- لا نريد إطلاق العنان فيها ما أمكن، بل نرى في كتب اللغة المبسوطة ألوفًا مؤلفة من الألفاظ التي لا تجري في مخاطبات الجمهور، ولا ترد في كلام أدباء العصر، وإن وردت، فعلى وجه الندرة، فيمكننا أن نرجع إلى هذه الألفاظ المهجورة، وننتقي منها ما يسد الحاجة، ويصلح لأن يكون غذاء للغة حية راقية، مؤثرين له على الأسماء الأجنبية التي لا تمت إلى العربية بسبب، ولا تلتقي معها في أب ولا جدّ، وسلامة الذوق وجودة الاختيار كفيلان بأن نسوق إلى ميدان الحياة اللغوية ما يجري على الألسنة جريان الألفاظ المأنوسة في الاستعمال، وليس كل غريب يثقل على السمع، ولا كل مهجور ينبو عنه الطبع، ومثال هذا: أننا نرى لأوعية الأمتعة أسماء كثيرة، ومنها ما أصبح غريبًا لا يراه الناس إلا في كتب اللغة المبسوطة، أو في شعر قديم لا يدور على ألسنة الأدباء إلا قليلاً؛ مثل:"الوفضة": اسم لما يضع فيه الراعي زاده وأدواته، و"الكنف": اسم لوعاء أداة الراعي، أو وعاء أسقاط التاجر، و "الزنفليجة": وعاء شبه الكنف، و"العيبة": زبيل من أدم (1)، وما يجعل فيه الثياب، و"الخريطة": وعاء من أدم يشرج (2) على ما فيه.

(1) اسم جمع للأديم، وهو الجلد.

(2)

يشرج: يشدّ.

ص: 16

فما الذي يضرنا لو نقلنا بعض هذه الأسماء إلى ما نسميه: "شنطة"، وبعضها إلى ما نسميه:"سَبَتْ" مثلاً، وندع لزاد الراير وأدواته اسماً واحداً، ففيه الكفاية.

وقد يعلق بالظن: أن نقل هذه الألفاظ العربية إلى معان غير معانيها المعروفة في عهد العرب الخلص، يجر- ولو بعد طول العهد- إلى التباس في فهم بعض الكلام العربي القديم، وربما سبق المخاطب إلى حمل اللفظ على المعنى الطارئ، فيقع في خطأ مبين، والذي يدفع هذه الشبهة: أن ليس في استطاعتك حماية العامة أو أشباه العامة من الخطأ في فهم الكلام العربي الفصيح في كل حال، أما الناشئون المتعلمون، فما يدفع هذا اللبس والخطأ عن أذهانهم ما سيؤلف بعد من المعاجم؛ حيث يلتزم فيها عند التعرض لمعاني الألفاظ الإشارة إلى عهد نقل اللفظ إلى معناه الحديث.

ولنا الأمل الوطيد في أن يكون نشؤنا كلهم متعلمين، وما ذلك على الله بعزيز.

ص: 17