الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
القضاء
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتولَّى القضاء بنفسه فى
«المدينة» ، ثم أذن لبعض أصحابه بالقضاء بين الناس، لما انتشر
أمر الدعوة الإسلامية فى شبه الجزيرة العربية، وكثرت القضايا
والخصومات، وكانوا يقضون على أساس القرآن الكريم والسنة
النبوية، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص من كتاب الله أو سنة
رسوله، ومن الصحابة الذين كانوا يتولون القضاء فى حياة
النبى صلى الله عليه وسلم «عمر بن الخطاب» و «على بن أبى
طالب»،و «معاذ بن جبل» ، و «عبدالله بن مسعود» ، وغيرهم. ولما
بويع «أبو بكر الصديق» بالخلافة، وانشغل بمحاربة المرتدين
وتسيير الجيوش لفتح «العراق» و «الشام» ، وكثرت عليه أعباء
الدولة؛ خصَّ «عمر بن الخطاب» بالقضاء فى «المدينة» . وفى
عهد «عمر بن الخطاب» اتسعت الدولة اتساعًا كبيرًا، فعيَّن قضاة
من قبله على الولايات، فعيَّن «كعب بن سور» على قضاء
«البصرة» ، و «شريحا» على قضاء «الكوفة» ، ومن أشهر من
تولوا القضاء فى عهد «عمر» «أبو موسى الأشعرى» ، الذى
كتب له «عمر» رسالة مشهورة، بين له فيها أهم الأسس
والمبادئ التى ينبغى للقاضى أن يسير عليها، واستمر
«عثمان» و «على بن أبى طالب» فى تعيين القضاة من قبلهم
على الولايات. وسار الأمويون على سنة الراشدين فى تعيين
القضاة على الأقاليم، وحرصوا على أن يكون قضاتهم من أهل
الاجتهاد والورع والتقى، ولم يتدخلوا فى عملهم، وخضعوا
لأحكامهم مثل غيرهم من عامة الناس. وقد اتسعت دائرة عمل
القضاة فى العصر الأموى، نظرًا إلى اتساع مساحة الدولة،
وكثرة المشاكل والمنازعات بين الناس، مما أدَّى إلى اتساع
دائرة الفقه الإسلامى، لأن كثيرًا من أحكام القضاة فى تلك
الفترة أصبحت قواعد فقهية عند تدوين الفقه بعد ذلك، وكان
بعض القضاة يسجل أحكامه فى القضايا التى يفصل فيها،
وأول من فعل ذلك قاضى «مصر» «سليم التجيبى» فى عهد
«معاوية بن أبى سفيان» . ومن أشهر القضاة فى العصر الأموى
«أبو إدريس الخولانى» ، و «عبدالرحمن بن حجيرة» ، و «أبو بردة
بن أبى موسى الأشعرى»، و «عبدالرحمن بن أذينة» ، و «هشام
بن هبيرة»، و «عامر بن شراحبيل الشعبى» ، و «عبدالله بن عامر
بن يزيد اليحصبى»، وكثيرون غيرهم. وقد استُحدث نظام قضاة
المظالم فى العصر الأموى، وهو نوع من أنواع القضاء
المستعجل، الذى يتطلب البتّ السريع فى القضايا التى لا تحتمل
الانتظار، ويبدو أن الذى أدَّى إلى استحداث هذا النوع من
القضاء هو حدوث خصومات بين أطراف غير متكافئة، كأن يكون
أحد طرفى الخصومة أميرًا أو واليًا أو من عِلْية القوم، الأمر الذى
يتطلب حزمًا وشدة، لردع الخصم المتعالى. ولم يُعمَل بهذا النوع
من القضاء فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولا فى عصر
الخلفاء الراشدين، لأن الناس كانوا فى الغالب لا يتعالى أحدهم
على خصمه، على حين تغيَّر الحال بعض التغيُّر فى العصر
الأموى، ولم يعد الوازع الدينى كما كان فى العهد النبوى
وعصر الراشدين، ولم يعد القضاء العادى كافيًا للفصل فى جميع
المنازعات، لمجاهرة بعض الناس بالظلم والتعالى على الخصوم،
فدعت الضرورة إلى إنشاء هذا النوع المسمى بقضاء المظالم،
وكان له ديوان يعرف بديوان المظالم، وكانت سلطته أعلى من
سلطة القاضى. ونظرًا إلى أهمية هذا القضاء وما يتطلبه من
الحزم والهيبة، فقد كان بعض خلفاء «بنى أمية» يتولونه
بأنفسهم، وأول من جلس منهم لقضاء المظالم هو «عبدالملك بن
مروان». وكما كان قاضى المظالم يقضى بين الأفراد عامة، فإنه
كان يقضى بين الأفراد وكبار المسئولين، الذين يحيدون عن
طريق العدل والإنصاف من الولاة وعمال الخراج. وقد حظى
القضاة فى العصر العباسى بالتبجيل والاحترام، وكان تعيينهم
وعزلهم يتم بأمر الخليفة، وأول من فعل ذلك الخليفة «المنصور» ،
فقد عين قضاة البلاد بأمره سنة (136هـ= 753م). وقد استقرت
المذاهب الفقهية فى عهد «الدولة العباسية» ، وتحددت مهام
القضاة وكيفية الإجراء القضائى، وتوحد القانون وأصبحت
جلسات القاضى علنية فى المسجد وخصوصًا فى عهد
«المأمون» . كما اهتم خلفاء العباسيين بالتثبت من الأحكام،
فعيَّنوا جماعة من المُزَكِّين، وظيفتهم تتبع أحوال الشهود، فإذا
طعن الخصم فى شهادة أحد الشهود سُئل عنه المزكى، كما
اهتموا بأحوال القضاة المادية حتى يعيشوا فى يسر ورخاء.
وقد تطور القضاء بصورة ملحوظة فى العصر العباسى، وظهر
منصب «قاضى القضاة» ، وكان يقيم فى عاصمة الدولة، ويقوم
بتعيين القضاة فى الأقاليم والبلاد المختلفة، وأول من لقب
«قاضى القضاة» «أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم» ، صاحب كتاب
«الخراج» ، فى عهد «الرشيد» . أما فى عصر المماليك فى مصر
والشام فقد تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح
والتعديل، ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب
الأربعة ما يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين
فى سنة (663هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب
لكل منهم تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء
البلاد. امتد اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد
نفوذهم، وامتد فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات
الحقوق والحكم بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال
التى ليس لها ولى معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى،
وتفقد أحوال المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل
السفه، ونظر -أيضًا - فى وصايا المسلمين، وكان القضاة
ينظرون فى مصالح الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها
وتثبيت فروعها، وقبض ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك
كانوا يقبضون المال الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم
بتسلم أموال المواريث المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء
وحفظها حتى يحضر ورثتهم. وانحصرت سلطة القضاة الأربعة
ونوابهم على المدنيين، بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة
عُرف كل منهم باسم: «قاضى العسكر» ، واختصوا بشئون
العسكر للفصل فى القضايا الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين
المدنيين، وكانت جلسات القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية
ويحضرها مَنْ شاء من الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه
الجلسات، كما كانت دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم
يكن هناك دور معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى
الخصومات رتب القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم
أحد على الآخر لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم
قاعة الجلسة بعدد من الموظفين منهم: «الجلواز» ، و «الأعوان» ،
و «الأمناء» ، و «العدول» ، فكان الرجال يجلسون فى جانب
والنساء فى الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا
شهريا، عدا ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى
إدارتها، بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير
والخبز واللحم والكساء. كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك
تنظيمًا دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة
وطهارة الذمة وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم
يقبلوا تدخل أحد - مهما يعلُ مركزه - فى أعمالهم، وكثيرًا ما
كانوا يطلبون إعفاءهم من مناصبهم - دون تردد - إذا ما حاول
أحد تهديد كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على
استقلالهم، فقد كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت
لهم مكانتهم الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر
السلاطين والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة
للتدليل عليهم: «القاضى عبدالعزيز» ، المعروف بعز الدين بن
عبدالسلام (سلطان العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن
الشافعى» ابن بنت «الأعز» ، و «القاضى تقى الدين محمد بن
دقيق العيد»، وغيرهم، فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب
أن يكون عليه القاضى العادل والشريف.