الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلنا: وفي هذه القصة ما لا يخلو من نظر، فإن وهب بن وهب هذا لا نعلم أحدًا ذكره فيمن أخذ عن الإمام مالك، وإنما الآخذ عنه عبد الله بن وهب، وهو لم يرحل إلى المغرب، بل كان بمصر ومات بها.
وأما أسد بن عبد الله فصوابه على ما يظهر أبو عبد الله، ويكون المراد به أبا عدب الله بن أسد بن الفرات، فهو الذي لقي محمد بن الحسن وتفقه بأصحاب أبي حنيفة، ونشر مذهبه بإفريقية، وذلك بعد أن رحل إلى الإمام مالك وأخذ عنه، ولم يصادفه عليلاً، فأحاله على ابن وهب كما ذكروا، بل قال له لما استزاده بعد فراغه من السماع منه:«حَسْبُكَ مَا لِلْنَّاسِ يَا مَغْرِبِيُّ، إِنْ أَحْبَبْتَ الرَّأْيَ فَعَلَيْكَ بِالعِرَاقِ» .
الحَنَفِيَّةُ فِي مِصْرَ:
وكان أهل مصر لا يعرفون هذا المذهب حتى ولو قضاءها إسماعيل بن اليسع الكوفي من قبل المهدي سنة 146 هـ وهو أول قاض حنفي بمصر، وأول من أدخل إليها مذهب أبا حنيفة، وكان من خير القضاة، إلا أنه كان يذهب إلى إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وقالوا: أحدث لنا أحكامًا لا نعرفها ببلدنا: فعزله المهدي (1).
(1)" من " طبقات الحنفية " المتقدم ذكرها و" رفع الإصر " للحافظ ابن حجر، و" قضاة مصر " لعلي بن عبد القادر الطوخي.
ثم فشا فيها بعد ذلك مدة تمكن العباسيين، إلا أن القضاء بها لم يكن مقصورًا على الحنفية، بل كان يتولاه الحنفيون تارة، والمالكيون أو الشافعيون أخرى.
إلى أن استولى عليها الفاطميون، وأظهروا مذهب الشيعة الإسماعيلية، وولوا القضاة منهم، فقوي هذا المذهب بالدولة، وعمل بأحكامه - إلا أنه لم يقض على المذاهب السنية في العبادات، لأنهم كانوا يبيحون للرعية التعبد بما يشاؤون من المذاهب.
وقال القلقشندي في " صبح الأعشى ": «كانوا يتألفون أهل السنة والجماعة، ويكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعونهم من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد (1) على مخالفة معتقدهم في ذلك، ومذاهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشعار في مملكتهم بخلاف مذهب أبي حنيفة، ويراعون مذهب الإمام مالك، ومن سألهم الحكم به أجابوه» انتهى.
قلنا: بل أقام وزيرهم أبو علي أحمد بن الأفضل ابن أمير الجيوش قضاة من المالكية والشافعية، لما حجر على الخليفة الحافظ لدين الله وسجنه، فإنه أعلن مذهب الإمامية وأقام أربعة قضاة: اثنين شيعيين أحدهما إمامي والآخر إسماعيلي. واثنين سُنِّيَيْنِ أحدهما مالكي والآخر
(1) وقع أن بعض خلفائهم كانوا يمنعون الناس من صلاة التراويح، وعاقب أحدهم شخصًا وجد عنده " الموطأ ". فمراد القلقشندي: ما كان متبعًا عندهم في الغالب.
شافعي، فكان كل قاض منهم يحكم بمذهبه، ويورث بمقتضاه. فلما قُتِلَ أبو علي عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلة (1).
ويظهر لنا أن غض الفاطميين من المذهب الحنفي لم يكن إلا لأنه مذهب الدولة العباسية المناوئة لهم في المشرق.
ثم لما قامت الدولة الأيوبية بمصر، وكان من سلاطينها شافعية، قضوا على التشيع فيها، وأنشأوا المدارس للفقهاء الشافعية والمالكية.
وكان «نور الدين الشهيد» حنفيًا فنشر مذهبه ببلاد الشام، ومنها كثرت الحنفية بمصر، وقدم إليها أيضًا عدة فقهاء منهم من بلاد المشرق. فبنى لهم «صلاح الدين الأيوبي» المدرسة اليوسفية (2) بالقاهرة، وما زال مذهبهم ينتشر ويقوى، وفقهاؤهم يكثرون بمصر، إلا في آخر هذه الدولة (3).
وأول من رتب دروسًا أربعة للمذاهب الأربعة في مدرسة واحدة هو «الصالح نجم الدين أيوب» في مدرسته الصالحية بالقاهرة سنة 641 هـ (4).
(1) عن المقريزي وغيره.
(2)
في الأصل: المدرسة السيوفية، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه وذلك نسبة إلى السلطان صلاح الدين بن يوسف بن أيوب. اهـ. الناشر.
(3)
عن المقريزي.
(4)
عن المقريزي، و" تحفة الأحباب " للسخاوي.