المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

إنه لمن الظالمين، فقالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. *ذكر - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ١٨

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

- ‌(28) }

- ‌(29) }

- ‌(30) }

- ‌(31) }

- ‌(32)

- ‌(34) }

- ‌(35)

- ‌(37)

- ‌(39) }

- ‌(40)

- ‌(42) }

- ‌(45) }

- ‌(46) }

- ‌(47)

- ‌(49) }

- ‌(50) }

- ‌(51) }

- ‌(52)

- ‌(54) }

- ‌(55) }

- ‌(56) }

- ‌(57) }

- ‌(58) }

- ‌(59) }

- ‌(60) }

- ‌(61) }

- ‌(62) }

- ‌(63) }

- ‌(64)

- ‌(66)

- ‌(68)

- ‌(71) }

- ‌(72)

- ‌(74) }

- ‌(75)

- ‌(77) }

- ‌(78) }

- ‌(80)

- ‌(82) }

- ‌(83) }

- ‌(84)

- ‌(86) }

- ‌(87) }

- ‌(89)

- ‌(92)

- ‌(95) }

- ‌(98) }

- ‌(99)

- ‌(101) }

- ‌(102) }

- ‌(103)

- ‌(105) }

- ‌(107)

- ‌(109) }

- ‌(110) }

- ‌ مريم

- ‌(1) }

- ‌(2)

- ‌(5)

- ‌(6) }

- ‌(7) }

- ‌(8) }

- ‌(9)

- ‌(11) }

- ‌(12)

- ‌(14)

- ‌(16)

- ‌(18)

- ‌(20)

- ‌(24)

- ‌(26) }

- ‌(27) }

- ‌(28) }

- ‌(29) }

- ‌(30)

- ‌(32)

- ‌(34) }

- ‌(35)

- ‌(37) }

- ‌(38) }

- ‌(39) }

- ‌(40) }

- ‌(43) }

- ‌(44) }

- ‌(47)

- ‌(49)

- ‌(51) }

- ‌(52)

- ‌(54) }

- ‌(55) }

- ‌(58) }

- ‌(59) }

- ‌(60) }

- ‌(61) }

- ‌(63) }

- ‌(65) }

- ‌(66)

- ‌(69) }

- ‌(70) }

- ‌(72) }

- ‌(73) }

- ‌(74) }

- ‌(75) }

- ‌(76) }

- ‌(77)

- ‌(79)

- ‌(81)

- ‌(83)

- ‌(85)

- ‌(87) }

- ‌(88)

- ‌(91)

- ‌(94)

- ‌(96)

- ‌(98) }

- ‌ طه

- ‌(1)

- ‌(4)

- ‌(6) }

- ‌(9)

- ‌(11)

- ‌(13)

- ‌(15)

- ‌(17) }

- ‌(19)

- ‌(22)

- ‌(24)

- ‌(31)

- ‌(36)

- ‌(38) }

- ‌(39) }

- ‌(41)

- ‌(44)

- ‌(46)

- ‌(51)

- ‌(52) }

- ‌(53) }

- ‌(54) }

- ‌(55) }

- ‌(57)

- ‌(59)

- ‌(61) }

- ‌(62)

- ‌(64) }

- ‌(65)

- ‌(67)

- ‌(70)

- ‌(72)

- ‌(74)

- ‌(77) }

- ‌(78)

- ‌(81)

- ‌(83)

- ‌(85)

- ‌(87) }

- ‌(88) }

- ‌(89)

- ‌(92)

- ‌(95)

- ‌(97)

- ‌(99)

- ‌(101)

- ‌(104) }

- ‌(108) }

- ‌(109)

- ‌(111) }

- ‌(112) }

- ‌(113) }

- ‌(114) }

- ‌(115) }

- ‌(116)

- ‌(118)

- ‌(121)

- ‌(123) }

- ‌(124)

- ‌(126) }

- ‌(127) }

- ‌(129)

- ‌(130) }

- ‌(131) }

- ‌(132) }

- ‌(133) }

- ‌(134) }

- ‌ الأنبياء

- ‌(1) }

- ‌(3) }

- ‌(4) }

- ‌(6) }

- ‌(7) }

- ‌(8) }

- ‌(9) }

- ‌(10) }

- ‌(11)

- ‌(13) }

- ‌(14)

- ‌(16) }

- ‌(17) }

- ‌(18) }

- ‌(19) }

- ‌(20)

- ‌(22) }

- ‌(24) }

- ‌(25) }

- ‌(28) }

- ‌(29) }

- ‌(30) }

- ‌(31) }

- ‌(32)

- ‌(34)

- ‌(36) }

- ‌(37)

- ‌(39) }

- ‌(42) }

- ‌(43) }

- ‌(44) }

- ‌(45) }

- ‌(46) }

- ‌(47) }

- ‌(48) }

- ‌(49) }

- ‌(53)

- ‌(58) }

- ‌(59)

- ‌(62)

- ‌(64)

- ‌(66)

- ‌(67) }

- ‌(71) }

- ‌(72)

- ‌(73) }

- ‌(74) }

- ‌(75) }

- ‌(78)

- ‌(80) }

- ‌(81) }

- ‌(82) }

- ‌(83)

- ‌(85)

- ‌(87) }

- ‌(88) }

- ‌(89)

- ‌(91) }

- ‌(92) }

- ‌(94) }

- ‌(96) }

- ‌(97) }

- ‌(98) }

- ‌(99) }

- ‌(100)

- ‌(102) }

- ‌(104) }

- ‌(105) }

- ‌(106)

- ‌(108) }

- ‌(109) }

- ‌(112) }

- ‌ الحج

- ‌(1)

- ‌(3) }

- ‌(4) }

- ‌(6)

- ‌(9)

- ‌(11) }

- ‌(12) }

- ‌(13) }

- ‌(14) }

- ‌(16) }

- ‌(17) }

- ‌(23)

- ‌(24) }

- ‌(25) }

- ‌(26) }

- ‌(27)

- ‌(30) }

- ‌(31) }

- ‌(32) }

- ‌(33) }

- ‌(34) }

- ‌(35) }

- ‌(37) }

- ‌(39) }

- ‌(40) }

- ‌(41) }

- ‌(42)

- ‌(46) }

- ‌(47) }

- ‌(48) }

- ‌(52) }

- ‌(53) }

- ‌(54) }

- ‌(56)

- ‌(59) }

- ‌(61) }

- ‌(63) }

- ‌(64) }

- ‌(65) }

- ‌(66)

- ‌(68)

- ‌(70) }

- ‌(71) }

- ‌(72) }

- ‌(75) }

الفصل: إنه لمن الظالمين، فقالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. *ذكر

إنه لمن الظالمين، فقالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) قال: قول إبراهيم حين استتبعه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: إني سقيم، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر، وهو الذي يقول (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) .

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) قال: نرى أنه قال ذلك حيث لم يسمعوه بعد أن تولَّوا مدبرين.

وقوله (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا)(1) بمعنى جمع جذيذ، كأنهم أرادوا به جمع جذيذ وجذاذ، كما يجمع الخفيف خفاف، والكريم كرام.

وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه (جُذَاذا) بضمّ الجيم، لإجماع قرّاء الأمصار عليه، وأن ما أجمعت عليه فهو الصواب، وهو إذا قرئ كذلك مصدر مثل الرُّفات، والفُتات، والدُّقاق لا واحد له، وأما من كسر الجيم فإنه جمع للجذيذ، والجذيذ: هو فعيل صُرِف من مجذوذ إليه، مثل كسير وهشيم، والمجذوذة: المكسورة قِطَعا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) يقول: حُطاما.

(1) في العبارة هنا قصور، ولعل بها سقطا، وسيوضحها المؤلف في كلامه الآتي بعدها. والحاصل أن قراءة عامة القراء " جذاذا " بضم الجيم، قيل هو مفرد كحطام، وقيل من الجمع العزيز. وقرأ ابن وثاب وجماعة بالكسر، وهو جذيذ، ونظيره كريم وكرام.

ص: 457

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (جُذَاذًا) كالصَّريم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) : أي قطعا.

وكان سبب فعل إبراهيم صلوات الله عليه بآلهة قومه ذلك، كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط عن السديّ أن إبراهيم قال له أبوه: يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا إليه قد أعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه، خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم، يقول: أشتكي رجلي فتواطئوا رجليه وهو صريع؛ فلما مضوا نادى في آخرهم، وقد بقي ضَعْفَى الناس (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هنّ في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما، فوضعوه بين أيدي الآلهة، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا، وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم، وإلى ما بين أيديهم من الطعام (قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ) فلما لم تجبه، قال (مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) فأخذ فأس حديد، فنقر كلّ صنم في حافتيه، ثم علَّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما جاء القوم إلى طعامهم نظروا إلى آلهتهم (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) .

وقوله (إِلا كَبِيرًا لَهُمْ) يقول: إلا عظيما للآلهة، فإن إبراهيم لم يكسره، ولكنه فيما ذكر علق الفأس في عنقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني

ص: 458

حجاج، عن ابن جُرَيج (إِلا كَبِيرًا لَهُمْ) قال: قال ابن عباس، إلا عظيما لهم عظيم آلهتهم، قال ابن جُرَيْج، وقال مجاهد: وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مُسْندة إلى صدر كبيرهم الذي تَرَك.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أقبل عليهنّ كما قال الله تبارك وتعالى (ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) ثم جعل يكسرهنّ بفأس في يده، حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنّ، فلما رجع قومه، رأوا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك وأعظموه وقالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، وقوله (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) يقول: فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا ويعلموا أنها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم، فهي من أن تدفع عن غيرها من أرادها بسوء أبعد، فيرجعوا عما هم عليه مقيمون من عبادتها إلى ما هو عليه من دينه وتوحيد الله، والبراءة من الأوثان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) قال: كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون.

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‌

(59)

قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) }

يقول تعالى ذكره: قال قوم إبراهيم لما رأوا آلهتهم قد جذّت، إلا الذي ربط به الفأسَ إبراهيم: من فعل هذا بآلهتنا؟ إن الذي فعل هذا بآلهتنا لمن

ص: 459

الظالمين! أي لمن الفاعلين بها ما لم يكن له فعله

(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) يقول: قال الذين سمعوه يقول (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) سمعنا فتى يذكرهم بعيب يقال له إبراهيم.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) قال ابن جُرَيج: يذكرهم يعيبهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها.

وقوله (فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) يقول تعالى ذكره: قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض: فأتوا بالذي فعل هذا بآلهتنا الذي سمعتموه يذكرها بعيب ويسبها ويذمها على أعين الناس؛ فقيل: معنى ذلك: على رءوس الناس. وقال بعضهم: معناه: بأعين الناس ومرأى منهم، وقالوا: إنما أريد بذلك أظهروا الذي فعل ذلك للناس كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وشهر: كان ذلك على أعين الناس، يراد به كان بأيدي الناس.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فقال بعضهم: معناه: لعلّ الناس يشهدون عليه، أنه الذي فعل ذلك، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا عليه، وقالوا إنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) عليه أنه فعل ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) قال: كرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لعلهم يشهدون ما يعاقبونه به، فيعاينونه ويرونه.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بلغ ما فعل إبراهيم بآلهة قومه نمرود، وأشراف قومه، فقالوا:

ص: 460

(فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) : أي ما يُصْنع به، وأظهر معنى ذلك أنهم قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقوبتنا إياه، لأنه لو أريد بذلك ليشهدوا عليه بفعله كان يقال: انظروا من شهده يفعل ذلك، ولم يقل: أحضروه بمجمع من الناس.

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ‌

(62)

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) }

يقول تعالى ذكره: فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم؟ فأجابهم إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق، أو تعبر عن نفسها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما أُتِي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)

الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها.

وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار، ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) إنما هو: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم، وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله، قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وقوله (إِنِّي سَقِيمٌ) وقوله لسارة:

ص: 461

هي أختي، وغير مستحيل أن يكون الله تعالى ذكْره أذن لخليله في ذلك، ليقرِّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) ولم يكونوا سرقوا شيئا.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ‌

(64)

ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) }

يقول تعالى ذكره: فذكروا حين قال لهم إبراهيم صلوات الله عليه (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) في أنفسهم، ورجعوا إلى عقولهم، ونظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقيلكم له من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) قال: أرعوَوْا ورجعوا عنه يعني عن إبراهيم، فيما ادّعوا عليه من كسرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ) قال: نظر بعضهم إلى بعض (فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) .

وقوله (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) يقول جلّ ثناؤه: ثم غُلبوا في الحجة، فاحتجوا على إبراهيم بما هو حجة لإبراهيم عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم قالوا:

ص: 462

يعني قوم إبراهيم، وعرفوا أنها، يعني آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش:(لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) : أي لا تتكلم فتخبرنا من صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدّقك، يقول الله (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم:(لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قال الله (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) أدركت الناس حَيرة سَوْء.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم نكسوا في الفتنة.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) قال: نكسوا في الفتنة على رءوسهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.

وقال بعض أهل العربية: معنى ذلك: ثم رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.

وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك، لأن نَكَس الشيء على رأسه: قلبه على رأسه وتصيير أعلاه أسفله؛ ومعلوم أن القوم لم يقلبوا على رءوس أنفسهم، وأنهم إنما نُكست حجتهم، فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم، وإذ كان ذلك كذلك، فنَكْس الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتجّ على خصمه بما هو حجة لخصمه، وأما قول السديّ: ثم نكسوا في الفتنة، فإنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها. وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه، فقول بعيد من الفهوم، لأنهم لو كانوا رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، ما احتجوا عليه بما هو حجة له، بل كانوا يقولون له: لا تسألهم، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك بها، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك، ولكن صدقوا القول (فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) وليس ذلك رجوعا عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به.

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ ‌

(66)

أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ

ص: 463

مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ‌

(67) }

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه: أفتعبدون أيها القوم ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، وأنتم قد علمتم أنها لم تمنع نفسها ممن أرادها بسوء، ولا هي تقدر أن تنطق إن سئلت عمن يأتيها بسوء فتخبر به، أفلا تستحيون من عبادة ما كان هكذا.

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ)

الآية، يقول يرحمه الله: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضرّ الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صنع ذلك بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرّون.

وقوله (أُفٍّ لَكُمْ) يقول: قُبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرّ ولا ينفع، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيده النفع والضرّ.

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ (70) }

يقول تعالى ذكره: قال بعض قوم إبراهيم لبعض: حرّقوا إبراهيم بالنار (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) يقول: إن كنتم ناصريها، ولم تريدوا ترك عبادتها.

وقيل: إن الذي قال ذلك رجل من أكراد فارس.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله:(حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) قال: قالها رجل من أعراب فارس، يعني الأكراد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج،

ص: 464

قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبئي، قال: إن الذي قال حرّقوه "هيزن" فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقالوا (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قال: قلت لا قال: رجل من أعراب فارس. قلت: يا أبا عبد الرحمن، أو هل للفرس أعراب؟ قال: نعم الكرد هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار.

وقوله (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) في الكلام متروك اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو: فأوقدوا له نارا ليحرقوه ثم ألقوه فيها، فقلنا للنار: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وذُكر أنهم لما أرادوا إحراقه بنوا له بنيانا، كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال (قالوا ابنوا له بنيانا فألقو في الجحيم) قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبا لإبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب (1) حتى إن الطير لتمرّ بها فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا، إبراهيم يحرق فيك، فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه، وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل، فقذفوه في النار، فناداها فقال (يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فكان جبريل عليه السلام هو الذي ناداها.

(1) سقطت من هذا الخبر عبارة ذكر نحوها الثعلبي المفسر في عرائس المجالس، وهي: أشعلوا النار في كل ناحية بالحطب، فاشتعلت النار، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق. . . الخ.

ص: 465

وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من شدّة بردها، فلم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، ظنت أنها هي تعنى، فلما طُفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو رجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظلّ، وأنزل الله نارا فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه.

حدثني إبراهيم بن المقدام أبو الأشعث، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، قال: ثنا قتاده، عن أبي سليمان، عن كعب، قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: ذُكر لنا أن كعبا كان يقول: ما انتفع بها يومئذ أحد من الناس، وكان كعب يقول: ما أحرقت النار يومئذ إلا وثاقه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن شيخ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله (قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: وسلاما، قال: لا تضرّيه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل، عن المنهال بن عمرو، قال: قال إبراهيم خليل الله: ما كنت أياما قطّ أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لمَّا ألقي إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم في النار، قال الملك خازن المطر: رب خليلك إبراهيم، رجا أن يؤذن له فيرسل المطر، قال: فكان أمر الله أسرع من ذلك فقال (قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فلم يبق في الأرض نار إلا طُفئت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق

ص: 466

وهو في النار، وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربّ ربك يا إبراهيم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجَبَسِي، قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستّ عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيلياء على ميلين، ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بُطِنت يومين، وماتت اليوم الثالث، قال ابن جُرَيج: قال كعب الأحبار: ما أحرقت النار من إبراهيم شيئا غير وثاقه الذي أوثقوه به.

حدثنا الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام وهو يوثق أو يقمَّط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا.

قال: ثنا معتمر، قال: ثنا ابن كعب، عن أرقم: أن إبراهيم قال حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله (قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: السلام لا يؤذيه بردها، ولولا أنه قال: وسلاما لكان البرد أشدّ عليه من الحرّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله (بَرْدًا) قال: بردت عليه (وَسَلاما) لا تؤذيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: قال كعب: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئا إلا وثاق إبراهيم.

وقال قتادة: لم تأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ.

وقال الزهري: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فُوَيسقا.

وقوله (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا) يقول تعالى ذكره: وأرادوا بإبراهيم كيدا (فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ) يعني الهالكين.

ص: 467

وقد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ) قال: ألقوا شيخا منهم في النار لأن يصيبوا نجاته، كما نجي إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فاحترق.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ‌

(71) }

يقول تعالى ذكره: ونجينا إبراهيم ولوطا من أعدائهما نمرود وقومه من أرض العراق (إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) وهي أرض الشأم، فارق صلوات الله عليه وقومه ودينهم وهاجر إلى الشأم.

وهذه القصة التي قص، الله من نبأ إبراهيم وقومه تذكير منه بها قوم محمد صلى الله عليه وسلم من قريش أنهم قد سلكوا في عبادتهم الأوثان، وأذاهم محمدا على نهيه عن عبادتها، ودعائهم إلى عبادة الله مخلصين له الدين، مسلك أعداء أبيهم إبراهيم، ومخالفتهم دينه، وأن محمدا في براءته من عبادتها وإخلاصه العبادة لله، وفي دعائهم إلى البراءة من الأصنام، وفي الصبر على ما يلقى منهم في ذلك سالك منهاج أبيه إبراهيم، وأنه مخرجه من بين أظهرهم كما أخرج إبراهيم من بين أظهر قومه حين تمادوا في غيهم إلى مهاجره من أرض الشأم، مسلٍّ بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يلقى من قومه من المكروه والأذى، ومعلمه أنه منجيه منهم كما نجى أباه إبراهيم من كفرة قومه.

وقد اختلف أهل التأويل في الأرض التي ذكر الله أنه نجَّى إبراهيم ولوطا إليها، ووصفه أنه بارك فيها للعالمين، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسين بن حريث المروزي أبو عمار، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: الشأم، وما من ماء عذب إلا خرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن فرات القزاز، عن الحسن، في قوله (إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) قال: الشام.

ص: 468

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشأم، وكان يقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال.

وحدثنا أبو قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيْتُ فِيما يَرَى النَّائِمُ كأنَّ الملائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الكِتابِ فَوَضَعَتْه بالشَّأْمِ، فأوَّلْتُه أن الفِتَنَ إذَا وَقَعَتْ فإنَّ الإيمَانَ بالشَّأْمِ".

وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبه: "إنَّهُ كائِنٌ بالشَّأْمِ جُنْدٌ، وبالعِراقِ جُنْدٌ، وباليَمَنِ جُنْدٌ، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم خر لي، فقال: عَلَيْكَ بالشَّأمِ فإنَّ اللهَ قَدْ تكَفَّلَ لي بالشَّأمِ وأهْلِهِ، فَمَنْ أبَى فَلْيَلْحَقْ بأمِنْهِ وَلْيَسْق بِقَدَرِهِ".

وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا كعب ألا تحوّل إلى المدينة فإنها مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره، فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، إني أجد في كتاب الله المنزل، أن الشام كنز الله من أرضه، وبها كنزه من عباده.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: هاجرا جميعا من كُوْثَى إلى الشام.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي بنت ملك حَرّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوّجها على أن لا يغيرها (1) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج

(1) في ابن كثير: على أن يفر بها.

ص: 469

بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حرّان، فمكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برّية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، أو أقرب من ذلك، فبعثه الله نبيا صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: نجاه من أرض العراق إلى أرض الشام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، أنه قال في هذه الآية (بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: ليس ماء عذب إلا يهبط إلى الصخرة التي ببيت المقدس، قال: ثم يتفرّق في الأرض.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: إلى الشأم.

وقال آخرون: بل يعني مكة وهي الأرض التي قال الله تعالى (الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) .

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) يعني مكة ونزول إسماعيل البيت. ألا ترى أنه يقول:(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) .

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها، ولم يتخذها وطنا لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين.

القول في تأويل قوله تعالى

ص: 470

: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ‌

(72)

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) }

ص: 457

القول في تأويل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ‌

(73) }

يقول تعالى ذكره: ووهبنا لإبراهيم إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولده، نافلة لك.

واختلف أهل التأويل في المعني بقوله (نَافِلَةً) فقال بعضهم: عنى به يعقوب خاصة.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) يقول: ووهبنا له إسحاق ولدا، ويعقوب ابن ابن نافلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) والنافلة: ابن ابنه يعقوب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) قال: سأل واحدا فقال (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) فأعطاه واحدا، وزاده يعقوب، ويعقوب ولد ولده.

وقال آخرون: بل عنى بذلك إسحاق ويعقوب، قالوا: وإنما معنى النافلة: العطية، وهما جميعا من عطاء الله أعطاهما إياه.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان. عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) قال: عطية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) قال: عطاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

ص: 457

في الغنى بكثرة الولد والمال، وبسط عليه من الدنيا، فوسَّع عليه في الرزق، وكانت له البَشَنية من أرض الشأم، أعلاها وأسفلها، وسهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله، من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير ما لا يكون للرجل أفضل منه في العِدة والكثرة، وكان الله قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان برًّا تقيا رحيما بالمساكين، يطعم المساكين ويحمل الأرامل، ويكفل الأيتام، ويكرم الضيف، ويبلِّغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله عليه، مودّيا لحق الله في الغنى، قد امتنع من عدوّ الله إبليس أن يصيب منه ما أصاب من أهل الغنى من العزّة والغفلة، والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدّقوه، وعرفوا فضل ما أعطاه الله على من سواه، منهم رجل من أهل اليمن يقال له: أليفز، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما: صوفر، وللآخر: بِلدد، وكانوا من بلاده كهولا وكان لإبليس عدو الله منزل من السماء السابعة يقع به كلّ سنة موقعا يسأل فيه، فصعد إلى السماء في ذلك اليوم الذي كان يصعد فيه، فقال الله له: أو قيل له عن الله: هل قدرت من أيوب عبدي على شيء؟ قال: أي ربّ وكيف أقدر منه على شيء؟ أو إنما ابتليتَه بالرخاء والنعمة والسعة والعافية، وأعطيته الأهل والمال والولد والغنى والعافية في جسده وأهله وماله، فما له لا يشكرك ويعبدك ويطيعك وقد صنعت ذلك به، لو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما كان عليه من شكرك، ولترك عبادتك، ولخرج من طاعتك إلى غيرها، أو كما قال عدوّ الله، فقال: قد سلطتك على أهله وماله، وكان الله هو أعلم به، ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب بالذي يصيبه من البلاء، وليجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به، وليرجوا من عاقبة الصبر في عَرَض الدنيا ثواب الآخرة وما صنع الله بأيوب، فانحطّ عدوّ الله سريعا، فجمع عفاريت الجنّ ومَرَدة الشياطين من جنوده، فقال: إني قد سُلّطت على أهل أيوب وماله، فماذا عليكم؟ فقال قائل منهم: أكون إعصارا فيه نار، فلا أمرّ بشيء من ماله إلا أهلكته، قال: أنت وذاك، فخرج حتى أتى إبله، فأحرقها ورعاتَها جميعا، ثم جاء عدوّ الله أيوب في صورة قيِّمه عليها هو في مصلَّى فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري، فجئتك أخبرك بذلك، فعرفه أيوب، فقال: الحمد لله الذي هو أعطاها، وهو أخذها الذي أخرجك منها كما يخرج الزُّوان من الحبّ النقيّ، ثم انصرف عنه، فجعل يصيب ماله مالا مالا حتى مرّ على آخره، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء، ووطَّن نفسه بالصبر على البلاء، حتى إذا لم يبق له مال أتى أهله وولده، وهم في قصر لهم معهم حَظياتهم، وخدّامهم، فتمثَّل ريحا عاصفا، فاحتمل القصر من نواحيه، فألقاه على أهله وولده، فشدخهم تحته، ثم أتاه في صورة قَهْرمانه عليهم، قد شدخ وجهه، فقال: يا أيوب قد أتت ريح عاصف، فاحتملت القصر من نواحيه، ثم ألقته على أهلك وولدك فشدختهم غيري، فجئتك أخبرك ذلك، فلم يجزع على شيء أصابه جزعه على أهله وولده، وأخذ ترابا فوضعه على رأسه، ثم قال: ليت أمي لم تلدني، ولم أك شيئا، وسرّ بها عدوّ الله منه، فأصعد إلى السماء جَذِلا وراجع أيوب التوبة مما قال، فحمد الله، فسبقت توبته عدو الله إلى الله، فلما جاء وذكر ما صنع، قيل له قد سبقتك توبته إلى الله ومراجعته، قال: أي ربّ فسلطني على جسده، قال: قد سلَّطتك على جسده إلا على لسانه وقلبه ونفسه وسمعه وبصره، فأقبل إليه عدوّ الله وهو ساجد، فنفخ في جسده نفخة أشعل ما بين قرنه إلى قدمه كحريق النار، ثم خرج في جسده ثآليل كأليات الغنم، فحكّ بأظفاره حتى ذهبت، ثم بالفَخَّار والحجارة حتى تساقط لحمه، فلم يبق منه إلا العروق والعصب والعظام، عيناه تجولان في رأسه للنظر وقلبه للعقل، ولم يخلص إلى شيء من حشو البطن، لأنه لا بقاء للنفس إلا بها، فهو يأكل ويشرب على التواء من حشوته، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث.

فحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن ابن دينار، عن الحسن أنه كان يقول: مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية، قال وهب بن منبه: ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، ولا يقدر عدوّ الله منه على قليل ولا كثير مما يريد. فلما طال البلاء عليه وعليها، وسئمها الناس، وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه، قال وهب بن منبه: فحُدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه، فما وجدت شيئا حتى جزّت قَرْنا من رأسها فباعته برغيف. فأتته به

ص: 469