الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) يقول: وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة، فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
(72) }
يقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على مشركي قريش العابدين من دون الله ما لم ينزل به سلطانا (آياتُنا) يعني: آيات القرآن (بَيِّناتٍ) يقول: واضحات حججها وأدلتها فيما أنزلت فيه (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ) يقول: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها، لسماعهم بالقرآن.
وقوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يقول: يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لشدّة تكرّههم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله (يَسْطُونَ) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:(يَكَادُونَ يَسْطُونَ) يقول: يبطشون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:(يَكَادُونَ يَسْطُونَ) يقول: يقعون بمن ذكرهم.
حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد:(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)
قال: يكادون يقعون بهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:(يَكَادُونَ يَسْطُونَ) قال: يبطشون كفار قريش.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يقول: يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذا. وقوله: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ) يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي (النَّارُ) وعدها الله الذين كفروا. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: إن المشركين قالوا: والله إن محمدا وأصحابه لشرّ خلق الله! فقال الله لهم: قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشر من محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم أيها المشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت النار على الابتداء، ولأنها معرفة لا تصلح أن ينعت بها الشر وهو نكرة، كما يقال: مررت برجلين: أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزا; وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها، يقول تعالى ذكره: فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه.
وقوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) يقول: وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) }
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى ضرب في هذا الموضع: جعل من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى: جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جعل ذلك عليهم; والمَثَل: الشَّبَه، يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشَّبَه والمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي، وأشركوها في عبادتي. فاستمعوا له: يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبَّان غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان.
وقوله: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا) يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.
واختلف في معنى قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عباس، في قوله:(ضَعُفَ الطَّالِبُ) قال: آلهتهم (والمَطْلُوبُ) : الذباب.
وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: (ضَعُفَ الطَّالِبُ) من بني آدم إلى الصنم حاجته، (والمَطْلُوبُ) إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه:
وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه; والمطلوب: الذباب.
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا، عما هو عنه منقطع، وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالكٌ جميع ذلك والمحيي من أردت، والمميت ما أردت ومن أردت، إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل.
وقوله (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه، وهم يريدون تعظيمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا)
…
إلى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.
وقوله (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ) يقول: إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره عزيز: يقول: منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من مُلكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب، إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.