الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعتبر الربا بين السيد وعبده على المشهور
أي: لا يجوز بين السيد وعبده ربا الفضل ولا ربا النساء. والشاذ لابن وهب، إما لأن العبد لا يملك، أو لأن السيد قادر على الانتزاع. وينبغي أن يقيد هذا بمن له انتزاع ماله ليخرج المكاتب ونحوه، ولهذا قالوا: إن كان على العبد دين لم تجز مراباته اتفاقاً. بعض المتأخرين: إلا أن يلتزم السيد الدين فالخلاف، وليس هذا خاصاً بالربا، بل يجري في فسخ الدين، وضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك، وما أشهبه.
و
المراطلة:
لقب في بيع العين بمثله وزنا
اعلم أن العين إن بيع بعين مخالف سمي صرفاً، وإن بيع بمماثل سمي مماثلة، فإن كان وزناً سمي مراطلة، وإن كان عدداً سمي مبادلة. والمراطلة: مفاعلة، ومعناها: موازنة ذهب بذهب حتى كأن أحدهما رطل وزن به الآخر.
والظرفية بـ (في) مجاز، أي: مستقرة في بيع العين بمثله وزناً، ويحتمل أن يكون (في) بمعنى (على). واعترضه ابن عبد السلام بأن هذا الحد غير مانع لدخول ما ليس بمراطلة في اصطلاح الفقهاء فيه، وهو بيع الفضة بالذهب مثلاًز قال: ولا يصح أن يريد بالمثلية النوع، لأن (وزناً) تمييز لتلك المثلية.
وقد يجاب عنه: بأن (وزناً) حال، و (بمثله) صفة لمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي: بعين مثله حال كونه موازنة. والمراطلة جائزة في غير المسكوك بلا إشكال، وكذلك المسكوك على الصحيح، وهو قول أبي عمران، وأبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهما، وعليه حمل عياض المدونة، [448/أ] ومنع ذلك القابسي إلا بعد معرفة وزنه، لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافاً، وإليه يرجع كلام الباجي.
ابن يونس: والأول هو الصواب، إذ لا غرر فيه، لأنه إنما يأخذ مثل ذهبه أو دراهمه.
عياض: وعلى قول القابسي إذا كانت عدداً فلابد من معرفة عدد الدراهم من الجهتين أو الدنانير بخلاف الوزن، لأن معرفة وزن أحدهما معرفة لوزن الآخر، بخلاف معرفة العددي إلا في مثل القائمة وشبهها، المعروف اتفاق وزنها وعددها، فمعرفة ما في الكِفَّةِ الواحدة منها معرفة لما في الأخرى من وزن أو عدد.
فإن كانا سواء، أو أحدهما أجود جاز اتفاقاً، وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى، امتنع وفاقاً ....
أي: فإن كان الذهبان أو الفضتان متساويين في الجودة أو كان أحدهما أجود جاز اتفاقاً، لانحصار الفضل في جهة.
وقاعدة هذا ونحوه: أنه مهما تمحض الفضل من جانب جاز، لانتفاء قصد المكايسة، وإن دار الفضل من الجانبين امتنع اتفاقاً لقصد المكايسة كما قال.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى امتنع اتفاقاً، مثاله: لو كان لأحدهما درهم أسكندري ودرهم مغرب وللآخر درهمان مصريان، لأن صاحب المصريين إنما ترك جودة مصرية الواحد بالنسبة إلى الأسكندري لجودة درهم الآخر المغربي على جود المصري فيحصل التفاضل متقابلاً.
ابن المواز: وقد خفف مالك في القطعة من الذهب تجعل مع الجيد من المالين ليعتدل الميزان فيها ثمن أو سدس أو ثلث إذا لم يغتن بها فضل عيون التي معها.
وظاهره أنه قيد المنع بما إذا كان الرديء الذي مع الجيد كثيراً، لكن قال محمد بإثراء هذا الكلام: ما لم تكن القطعة رديئة.
مالك: وإن كان فيها قدر الدينار لم يجز، إلا أن يكون مثل المفردة فأجود.
فرع:
ابن يونس وغيره: ولا يجوز إذا رجح ذهب أحدهما أن يترك ذلك ولا أن يأخذ عنه شيئاً.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه مساو، جاز خلافاً لسحنون
مثاله: درهمان مغربيان في مقابلة درهم مغربي ودرهم مصري، فالمذهب الجواز لتمحض الفضل. ورأى سحنون أن الدنئ قد يقصد لشيء فيه، فيبقى قصد المكايسة. وثبت هنا في بعض النسخ ما نصه:
قاسها على مدي شعير بمد قمح ومد شعير، للذريعة
أي: أن سحنوناً قاس المنع في هذه الصورة على ما منعه مالك وابن القاسم في صورة الطعام، وإن كان ابن حبيب أجاز مدي قمح بمد قمح مد شعير. والجامع بينهما عند سحنون ما ذكره من الذريعة إلى التوسل للتفاضل، لأنهما لم يتبايعا على هذا الوجه إلا لغرض لهما في المكايسة، إذ لو كان الغرض المكارمة بالأجود لباعه بالأدنى ولم يخلط المساوي، فخلطهما دليل على قصد المبايعة. وفرق اللخمي بأن الذهب يساوي ما كان منه من سكة واحدة قطعاً، بخلاف الطعام فإن الأعراض تختلف فيه.
ابن عبد السلام: وبقي عليه إذا كان بعضه أردأ وبعضه مساوٍ، فأجازها أيضاً ابن القاسم ومنعها سحنون.
خليل: وفيه نظر، لأنه إذا كان بعضه أجود وبعضه مساو لزم ببديهة العقل أنه من الجانب الآخر، أحدهما أدنى والآخر مساو- وهو واضح- فليس هما صورتين بل صورة واحدة، والله أعلم. و (بعضه) يحتمل أن يكون مرفوعاً على الابتداء، و (أجود) خبره، ويحتمل أن يكون بدلاً من أحدهما فينصب أجود خبراً لكان.
والوزن بصنجة جائز، وقيل: في كفتين
الصنجة- بفتح الصاد-: لفظ عربي، قاله الجوهري. ابن السكيت: ولا يقال سنجة. الجوهري: وكل ما استدار سمي كِفة- بكسر الكاف- ككفة الميزان وكفة الصائد وهي حبالته. ويقال أيضاً: كَفة بالفتح.
وظاهر كلام المصنف: أن الخلاف في الجواز، وليس كذلك بل لا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في الأرجح. فقيل: الأول أرجح، وهو أن يزن أحدهما ثم يزن الآخر بالصنجة التي وزن بها الأول ليتحقق التماثل، سواء كان في الميزان عيب أو لا، وإليه ذهب صاحب البيان.
وقيل: الثاني أرجح، وهو أن يضع هذا ذهبه من ناحية والآخر ذهبه من الناحية الأخرى لسرعة التناجز.
وفي اعتبار زيادة السكة والصياغة كالجودة طريقان: الأولى ثالثها الصياغة خاصة ....
قد تقدم أن الجودة يدور بها الفضل من الجانبين ولا خلاف في ذلك. واختلف هل تعتبر السكة والصياغة كالجودة على طريقين.
الأولى: فيها ثلاثة أقوال، الأول: يعتبران، لأن الغرض يتعلق بهما كالجودة، كالعرضين مع التعيين، وهو الظاهر.
الثاني: لا يعتبران، لأن الشرع إنما طلب المساواة في القدر خاصة، وهو منقوص بالجودة، وهو قول القابسي، واختاره ابن يونس.
ابن عبد السلام: وفهم الأكثرون المدونة عليه، ومنهم من تأولها على الأول.
الثالث: اعتبار الصياغة دون السكة، لأن الصياغة مقصودة لنفسها دون السكة، فإن المقصود فيها إنما هو العلامة.
الثانية: تقييد الأقوال باتحاد العوضين واعتبارهما إذا اختلف العوض
يعني: أن أصحاب الطريقة الثانية يرون أن الخلاف المذكور إنما هو إذا اتحد العوضان، وأما إن اختلفا حتى يقوى اختلاف الأغراض فيهما فيتفق على اعتبارهما إلحاقاً بالجودة. وهكذا نقله ابن شاس وعليه مشاه ابن راشد وغيره، وعكس ابن عبد السلام هذا التقييد [448/ب] ولعله سهو.
المبادلة لقب في المسكوكين عدداً
أي: لقب في بيع المسكوكين عدداً بشرط اتحاد النوع.
وهي جائزة في العددي دون الوزني
يعني: فلا تجوز إلا في الدنانير والدراهم إذا كان التعامل بها عدداً، وهو مراده بالعددي. أما لو كان التعامل بها وزناً لم يجز إلا بالوزن فتعود مراطلة، وكان الأصل منعها، إلا أنهم رأوا أنه لما كان التعامل بالعدد أن النقص يجري مجرى الرداءة والكمال يجري مجرى الجودة، ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار إبداله معروفاً، والمعروف يوسع فيه ما لم يوسع في غيره، وبخلاف التبر وشبهه. ولا يقال هذا تكرار مع الأول، لأن الأول أفاد أن المبادلة بيع مسكوك بمسكوك عدداً، وهو أعم من أن يكون التعامل في ذلك المسكوك وزناً وعدداً، والثاني أفاد اشتراط أن يكون التعامل بينهم فيه بالعدد لا بالوزن.
واللخمي: ويشترط في الجواز أن تكون السكة واحدة.
ويجوز إبدال القليل بأوزن منه يسيراً للمعروف والتعامل بالعدد
أي: إذا كان التعامل بينهم بالعدد جاز بدل الناقص بالوازن، بشرط أن يكون ذلك في القليل وأن يكون دافع الأكثر قصد المعروف في حال كون التعامل بالعدد. ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض، ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع، فإذا كان على وجه القرض جاز.
واحترز بالقليل من الكثير فلا يعتبر ذلك، وبالوزن من الزيادة في العدد فلا يجوز، وباليسير مما لو كان أوزن منه كثيراً، لأن اليسير هو الذي يسمح به في العادة غالباً، فلذلك قصروا الجواز على الرجحان اليسير في العدد اليسير.
والثلاثة قليل، والسبعة كثير، وفيما بينهما قولان
أي: فلا يجوز بدل سبعة بأوزن منها، لزيادته على ضعف أقل الجمع، ويجوز ذلك في الثلاثة اتفاقاً لأنها أقل الجمع. ومذهب المدونة فيما بينهما على ما في الأمهات الجواز، فإنه أجاز له أن يبدله ستة تنقص سدساً بستة وازنة على المعروف، والقول الآخر في الموازية. وأصلح سحنون المدونة عليه، وجعل موضع الستة الثلاث.
ومن شرط المبادلة أن تكون بلفظ المبادلة وأن تكون بغير مراطلة، وأن تكون واحداً بواحد احترازاً من واحد باثنين.
واليسير: سدس في الدينار، وقيل: دانقان
الدانقان: الثلث. وفي الجواهر: الدانق: السدس.
والأنقص أجود ممتنع باتفاق
أي: لا يجوز أن يبدل الناقص الأجود بالأكمل الأردأ اتفاقاً، لدوران الفضل من الجهتين.
وإلا فجائز باتفاق
أي: وإن لم يكن الأنقص أجود بل كان متساويا جاز، لتمحض الفضل من جهة واحدة.
وأورد ابن عبد السلام إذا كان الأوزن أجود فإن كلامه يدل على أنه متفق عليه، ونص الباجي على أنه مختلف فيه.
وأجيب بأنه لما لم يكن بين الأزيد والأجود سكة وبين الأزيد والأجود جوهراً فرق اكتفى بذلك الخلاف.
والأزيد أجود سكة جائز عند ابن القاسم، ممتنع عند مالك وهو مشكل، وعلل بأن السكك يختلف نفاقها فيمتنع كما منع القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض ....
يعني: أن ابن القاسم أجاز بدل الأوزن الأجود سكة كضرب ملك الوقت لتمحض الفضل من جهة، ومنعه مالك وربيعة، واستشكل لانحصار الفضل من جهة.
وعلل أبو الطيب ابن خلدون قول الإمام بأن السكك تختلف فيها أغراض الناس بحسب البلدان والأزمان، فربما كان الأدنى في بلد أو في زمان أنفق فلا يتمحض الفضل.
وقاس المصنف ذلك على منع اقتضاء القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض وإن كان القمح أفضل، لأن الشعير قد يرغب فيه في وقت أو بلد. وعللها القابسي بأن الأصل منع التفاضل بين الذهبين. فخض الإجماع ببدل الناقص بالوازن من سكة واحدة وبقاء ما سواه على الأصل.
والقضاء بالمساوي، والأفضل صفة جائز
القضاء: أداء الدين، ثم لا يخلو أن يكون عن قرض أو عن ثمن مبيع. والكلام الآن على الأول، وأما الثاني فسيأتي، ولا شك في جواز التساوي.
وأما الأفضل صفة، فالأصل في جوازه ما في الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام استسلف بكراً فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكراً، فرجع إليه وقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء. ولهذا أجاز أصحابنا إذا كان التعامل بالعدد لمن استسلف عشرة دراهم ناقصة أو أنصافاً يقضيه عشرة دراهم كاملة بغير خلاف. فإن قيل: لا دلالة فيه لأنه عليه الصلاة والسلام اقترضه للمساكين، وإلا فلو اقترضه لنفسه لما أعطاه من الصدقة لكونها لا تحل له، وعلم صلى الله عليه وسلم أن المقرض مسكين فأعطاه الزيادة لفقره.
قيل: التعليل ينافيه، لكن قد يقال: ظاهر التعليل يقتضي جواز الزيادة في الوزن والعدد. فإن قلت: زيادته صلى الله عليه وسلم رخصة والأصل عدمها، ولا يصح القياس على الرخص على الصحيح. قيل: لم نتمسك بالقياس وإنما تمسكنا بعموم النص. والله أعلم.
وبالأفضل مقداراً، لا يجوز إلا في اليسير جداً، وقال أشهب: مطلقاً
أي: فإن قضاه أجود قدراً فلا يجوز إلا أن تكون الزيادة يسيرة جداً، كما قال ابن المواز، مثل رجحان الموازين. [449/أ] وقال أشهب: تجوز الزيادة اليسيرة، أي: مطلقاً، سواء كانت الزيادة اليسيرة مقيدة بحد أو لا.
وكذا نقل اللخمي: والمازري، وابن يونس، وابن شاس وغيرهم عن أشهب، وإنما نقلوا في الزيادة مطلقاً كثيرة كانت أو قليلة الجواز عن عيسى بن دينار وابن حبيب، وفسر أشهب في الموازية الزيادة اليسيرة بزيادة إردب أو إردبين في المائة، أو درهم أو درهمين فيها. وهذا تقييد زيادة في القول الأول كما ذكرناه.
وقوله: (وبالأفضل مقداراً) يريد في الوزن، وأما الأفضل عداً فلا، وإن كان ظاهر لفظه يتناوله، لأن المشهور لا تجوز الزيادة في العدد. قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عدداً في مجلس القضاء، فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة إلى أن قال: فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه. وظاهره أنه يجوز عند أشهب مطلقاً، وقد يتمسك بهذا في أن أشهب يجيز زيادة القدر مطلقاً، لأنه إذا جاز في العدد فأحرى في الوزن. لكن نقل ابن زرقون قول أشهب وبين فيه أن أشهب إنما يجيز الزيادة اليسيرة في العدد.
وبالأقل صفة ومقداراً جائز بعد الأجل ممتنع قبله
جاز بعد الأجل لأنه حسن اقتضاء، ومنع قبله لأنه ضع وتعجل.
فإن كل الفضل في الطرفين منع وفاقاً كالمراطلة
مثاله: لو اقتضى تسعة محمدية عن عشرة يزيدية، فإنه يمنع سواء كان بعد الأجل أو قبله، لأنه ترك فضل العدد لفضل المحمدية وهو ظاهر.
وثمن المبيع من النقود كالقرض
يعني: أن من باع سلعة بدنانير أو بدراهم أو بعين غير مسكوكة، فإنه يعتبر في قضاء ثمن تلك السلعة مما يجوز ويمتنع ما اعتبر في قضاء القرض إلا ما خصصه من جوازه بأكثر. واعترضه ابن عبد السلام بأن إطلاقه القضاء في القرض وتخصيصه في القرض وتخصيصه ثمن المبيع بالنقود لا يصح، لإيهامه عموم حكم القرض بالنسبة إلى العين والطعام وخصوص الثمن بالنقود، وليس كذلك، بل هما متساويان. ورد بأن تخصيص المصنف صواب، لأن قضاء الأفضل قبل الأجل في البيع ممتنع، سواء كان عرضاً أو طعاماً، لما فيه من حط الضمان وأزيدك قولاً واحداً، بخلاف القرض فإنه جائز إلا أن يكون الفضل في
النوعية، كأخذ سمراء عن محمولة قبل الأجل فيه خلاف في المدونة وغيرها. فقد تبين الاختلاف في الطعام إذا كان ثمناً وإذا كان قرضاً، فلهذا خصصه المصنف بالنقود كابن بشير وابن شاس.
ولم يختلف في جوازه بأكثر مقداراً
لأنه حسن قضاء، وفي القرض سلف جر منفعة فافترقا.
والسكة والصياغة في القضاء كالجودة اتفاقاً
يعني: أن حكمها إذا كانا في مقابلة التبر والقراضة حكم الجودة بالاتفاق، فحيث يمتنع فيها يمتنع هنا. مثاله: لو كان عنده عشرة مسكوكة أو مصوغة فاقتضى عنها عشرة تبراً أطيب.
ابن راشد: وإنما اتفقوا على اعتبارهما في القضاء واختلف فيهما في المراطلة، لأن المراطلة لم يجب لأحدهما قبل الآخر شيء فيتهم في ترك الفضل لأجل ما أخذ، وها هنا قد وجب له أخذ ذهب مسكوك أو مصوغ، فإذا أخذ عنه تبراً أجود فيتهم أن يكون ترك فضل السكة أو الصياغة لفضل الجودة.
والاتفاق الذي حكاه المصنف إنما هو فيما بين المسكوك أو المصوغ والتبر لا فيما بين المصوغ والمسكوك، لأنه اختلف في جواز اقتضاء المسكوك من المصوغ على قولين حكاهما ابن عبد السلام وغيره.
وخرج اللخمي مما إذا باع أو أسلف قائمة وزناً جاز أن يقضي مجموعة وزنها إلغاءهما، ورده ابن بشير بأن التعامل بالوزن يلي معه العدد ....
يعني: وخرج اللخمي إلغاء السكة والصياغة من مسألة المدونة، وهي: إذا باع قائمة بالوزن أو أسلف قائمة بالوزن جاز أن يأخذ مجموعة بوزنها، لأنه قد ألغى الجودة، إذ لو
اعتبرها لمنع اقتضاء المجموعة من القائمة، لأن القائمة فضلت المجموعة بالجودة، والمجموعة فضلتها بالعدد. و (إلغاءهما) مفعول خرج، و (قائمة) يتنازعه: باع وأسلف وأعمل فيه أسلف، و (وزناً) حال.
واعترض ابن عبد السلام التخريج بأن دوران الفضل إنما يكون حيث يكون في كل منهما ما ليس في الآخر وليس هنا كذلك، إذ القائمة والمجموعة مشتركتان في السكة. ولئن سلم هذا التحريم في السكة فلِمَ قلت: إنه يلزم مثله في الصياغة، فإن الأمر فيها أشد عند بعضهم كما تقدم. ورد بوجهين.
الأول: بأن الجهتين هنا كما ذكرنا.
والثاني: بأنه إنما يرد لأجل أن المصنف لم يذكر الصورة التي خرج منها اللخمي إلغاء الصياغة، ولو ذكرها لم يأت. وهي: من أصدق زوجته مائة دينار ثم قضى وزونها من الحلي، فمنع ذلك في الموازية، قال فيها: ويفسخ إن قوع، لأن الدنانير لها فضل السكة وليس ذلك للحلي، وللحلي فضل الصياغة وليس ذلك للدنانير. وأجاز ذلك في مختصر ابن عبد الحكم، بناء على إلغاء الصياغة والسكة، وعلى ذلك خرج اللخمي.
ورد ابن بشير تخريج اللخمي بأن العدد يعتبر إذا كان التعامل به، وأما إذا كان التعامل بالوزن فلا، لأن العدد حينئذ مطرح، لأنه لما ترتبت في الذمة بالوزن فلم يدخل إلا عليه.
ابن عبد السلام: وهذا الرد ضعيف، لأنه عير محل النزاع، لأن كلام اللخمي إنما هو في السكة والصياغة لا في العدد. ورد بأن اللخمي استقرأ إلغاء السكة بناء على اعتبار العدد، لأن الفضل إنما يدور من جهتين إذا كان العدد معتبراً، فرده ابن بشير بأن العدد هنا غير معتبر فلم يدر الفضل من جهتين. لكن صورة الموازية والمختصر لا يتصور [499/ب] فيهما هذا الرد.
ولو قطعت الفلوس، فالمشهور المثل
أي: لو باعه بفلوس أو أسلفه فلوساً فقطع التعامل بها، فالمشهور أنه لا يلزمه إلا مثلها، لأنها من المثليات. وذكر ابن بشير أن الأشياخ حكوا عن كتاب ابن سحنون أنه يقضي بقيمتها، وظاهره بقيمة الفلوس. لكن حكى بعضهم عن كتاب ابن سحنون أنه يتبعه بقيمة السلعة، وعلى هذا فالشاذ في كلامه متنازع في معناه. لكن ذكر المازري عن شيخه عبد الحميد أنه أوجب قيمة الفلوس، لأنه أعطى شيئاً منتفعاً به لأخذ منتفع به فلا يظلم بأن يعطي ما لا منفعة فيه. وألزمه اللخمي عليه أن لمن أسلم في طعام ثم صار الطعام لا يساوي شيئاً له قدر أن يبطل السلم.
وأجاب المازري بأن الأصل في السلم ألا يجوز، لأنه بيع ما ليس عندك، ولكن رخص فيه لأجل الرفق، والارتفاق الذي هو سبب الرخصة إنما هو اختلاف الأسواق، ولهذا لم يجز مالك السلم الحال، فلو أثر اختلاف الأسواق في فسخه وهو السبب في جوازه وصحته لكان كالمتناقض بخلاف الدراهم والدنانير.
فلو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم
اعلم أن اجتماعهما لا يحصل إلا بالأخير منهما، وحاصله: إن كان الاستحقاق أولاً فليس له القيمة إلا في يوم العدم، وإن كان العدم أولاً فليس له القيمة إلا يوم الاستحقاق، وهذا كأقصى الأجلين في العدة.
وما ذكره المصنف من وجوب القيمة يوم اجتماع الاستحقاق والعدم هو اختيار اللخمي وغيره. وقال بعض الشيوخ: تؤخذ منه القيمة يوم التحاكم، لأنها لم تزل في ذمته إليه.
وفيها: لا تقضي المجموعة من القائمة والفرادى، وتقضي القائمة منهما، وتقضى الفرادى من القائمة دون المجموعة ....
نسبها للمدونة لإشكالها لما سيذكره من قوله: (ومقتضى) .... إلخ. وإنما لم تقض المجموعة من القائمة والفرادى، لأن القائمة والفرادى أطيب والمجموعة أكثر عدداً، فدار الفضل وأجاز اقتضاء القائمة منهما، لأن القائمة أوزن منهما فجاز اقتضاؤها منهما لانفرادها بزيادة فيهما. وبأن اقتضاء الفرادى من القائمة لانفراد القائمة بفضيلة الوزن، ولم يجز اقتضاء الفرادى من المجموعة لدوران الفضل، إذ الفرادى أطيب والمجموعة أكثر عدداً.
اللخمي: وهذه الثلاثة في الاقتضاء على ثلاثة أوجه، فيجوز في القائمة والفرادى أن يقتضى بعضها م نبعض من غير مراعاة في الفرادى. ولا يجوز في الفرادى والمجموعة أن يقتضى بعضها من بعض على حال. ويجوز أن تقتضي القائمة من المجموعة ولا تقتضي المجموعة من القائمة.
هذا قوله في الكتاب، والصواب جواز اقتضاء المجموعة من القائمة كما يجوز أن تقتضي القائمة منها.
فالمجموعة: المجموع من ذهوب ومن وازن وناقص
أخذ يفسر معاني هذه الألفاظ. وقوله: (من ذهوب) أي: ذهوب مختلفة من جيد ورديء، وكذلك قال ابن شاس. ولم يذكر في المدونة ولا غيرها في تعريفهما إلا الاختلاف في الوزن. والذهوب: جمع ذهب، ويجمع على أذهاب، قاله الجوهري.
والقائمة: جيدة تزيد إذا جمعت
أي: هي نوع واحد جيد، كاملة في قدرها إذا جمعت منها المائة تزيد قدر الدينار، وهذا في المدونة.
والفرادى: جيدة تنقص يسيراً إذا جمعت
هي كالقائمة إلا أنها تنقص الدينار في المائة، وهي أجود من المجموعة وأردأ من القائمة، قاله المازري.
فللقائمة فضل الوزن والجودة
أي عليهما.
وللمجموعة فضل العدد
أي عليهما.
وللفرادى فضل الجودة والعدد
أي: لها فضل الجودة بالنسبة إلى المجموعة. أما العدد فليس كذلك، لأن عددها وعدد القائمة واحد، والمجموعة أفضل عدداً كما تقدم.
ومقتضى منع المجموعة من القائمة منع القائمة منها، وفرق بأن المجموعة لما ثبتت في الذمة والاعتبار فيها بالوزن ألغي العدد فصار الفضل في جهة ....
أي: ومقتضى منع اقتضاء المجموعة من القائمة منع اقتضاء القائمة منها، لأن للمجموعة فضل العدد وللقائمة فضل الوزن والجودة فدار الفضل. وقد قيل: يمتنع اقتضاء كل منهما عن الأخرى وقد ذكرنا أن اللخمي أجاز اقتضاء كل من الأخرى.
وفرق ابن أبي زيد بأن المجموعة إذا تقدم ترتبها في الذمة فإنما دخل صاحبها على الوزن فقط، لأنه لم يترتب له عدد معلوم، ولو أعطاه أقل ما يمكن من العدد ما كان له أن يمتنع ولا يدري ما يعطيه، بخلاف ما إذا تقدمت القائمة في الذمة فإنه قد ترتب له عدد، فإذا قضاه مجموعة فإن النفس إذ ذاك تتشوف إلى زيادة العدد فافترقا.
المطعومات: ما يعد طعاماً لا دواء
لما انقضى كلامه على النوع الأول من الربوي أتبعه بالكلام على النوع الثاني. وليس المارد بالمطعوم ما له طعم، بل الأخص وهو ما كان مقتاتاً مدخراً في زمنه في سائر الأقطار. ولا خلاف بين العلماء أن الحكم ليس مقصوراً على الأربعة المذكورة في الحديث الصحيح، أعني: قوله عليه الصلاة والسلام: ((البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يداً بيد، مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)).
واختلف في العلة، فقيل: المالية. فكل مالين من جنس واحد يحرم فيه التفاضل، فلا يباع ثوب [450/أ] بثوبين، ونسبه بعضهم لابن الماجشون. المازري: وأنكر بعضهم هذا النقل وأضاف الغلط لناقله.
ومذهب الشافعي: أنها الطعم في الجنس الواحد. ومذهب أبي حنيفة: أنها الكيل مع الجنس. ومذهب ربيعة: أنها مالية الزكاة.
وليس الغرض هنا الحجاج مع الخصوم ولا التطويل بالتوجيه والفروع، بل ذكر ما لابد منه مما يتعلق بكلام المصنف.
العلة: الاقتيات، وفي معناه: إصلاحه. وقيل: الادخار. وقيل: غلبته. وقيل: الاقتيات والادخار، وعليه الأكثر. وقيل: أو التفكه والادخار، وأنكره اللخمي. وقال القاضيان: الاقتيات والادخار للعيش غالباً، وأنكره اللخمي
انظر كيف قدم القول بالاقتيات وهو خلاف ما عليه الأكثرون، ولعله- والله أعلم- لما سيقوله أن لبن الإبل يقوي الاقتيات، يعني: أنه اختلف في العلة في مذهبنا. فقال القاضي إسماعيل، وابن بكير: العلة الاقتيات، خلاف ما عليه الأكثرون. وفي معنى الاقتيات إصلاحه ليدخل الملح والتوابل.
والقول بالادخار لابن نافع، وبغلبته لمالك، هكذا قال الباجي وغيره.
ويظهر الفرق بين الادخار وغلبته في العنب الذي لا يزبب، والرطب الذي لا يثمر، فعلى الادخار يخرج وعلى غلبته يدخل. فما نسبه المصنف للأكثر عليه تأول ابن رشد مذهب الكتاب.
وقوله: (وقيل: أو التكفه) يعني: أن هذا القائل يرى أن العلة الادخار مع الاقتيات أو مع التفكه، وذكره الأبهري عن بعض الأصحاب، فقال: من أصحابنا من يعلل الأربعة التي في الحديث بثلاث علل: فالبر مدخر، فكل مقتات مدخر فهو مردود إليه. والتمر متفكه مصلح للقوت، فكل ما وجد فيه ذلك فهو مثله. والملح مؤتدم، فكل ما وجد فيه ذلك فهو مثله.
اللخمي: والقول بأن التمر متفكه غلط، لأنه كان بالمدينة أصلاً للعيش، وكذلك مدائن اليمن هو العمدة في أقواتهم، ويلزم القائل بأنه متفكه أن يسقط الزكاة منه أو يوجب الزكاة في الفواكه. والقاضيان ابن القصار، وعبد الوهاب. وتأول أبو جعفر القرطبي مذهب المدونة على مذهبهما. وأنكر اللخمي التعليل بكونه أصلاً للمعاش غالباً، قال: وإنما يحسن أن يكون هذا تعليلاً لوجوب الزكاة، ولهذا لم تجب الزكاة في الجوز واللوز وما أشبه ذلك.
وفي الموطأ: أن الجوز ونحوه ربوي، وهو قول ابن حبيب. وفي المدونة ما يدل عليه، لأن فيها: وكل طعام أو إدام يدخر فلا يجوز التفاضل فيه إلا ما لا يدخر من رطب الفواكه، كالتفاح، والرمان، والخوخ، واللوز، والموز
ولبن الإبل يقوي الاقتيات، وأجيب بأن دوام وجوده كادخاره، وبالخلاف في الموز ....
يعني: أن اتفاق أهل المذهب على أن لبن الإبل ربوي دليل على أنه يكفي وصف الاقتيات فقط. وأجيب: بأنه وإن تخلف منه وصف الادخار لكن خلفه ما يقوم مقامه،
وهو دوام الوجود. وأجيب أيضاً: بأن الخلاف في الموز هل هو ربوي أو لا، وليس بمدخر إلا أن دوام وجوده يقوم مقام ادخاره. ومذهب المدونة والموطأ جواز التفاضل في الموز. قال في البيان: وهو الصحيح خلافاً لابن نافع.
فما اتفق فيه وجودها فربوي كالحنطة، والشعير، والسلت، والعلس، والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني، والتمر، والزبيب، واللحم، والملح، والزيتون، والخردل، والقرطم، وبذر الفجل لما يعتصر منها، والبصل، والثوم، وتردده في التين لأنه غير مقتات بالحجاز، وإلا فهو أظهر من الزبيب ....
ابن عبد السلام: الضمير المضاف إليه (وجود) عائد على الاقتيات والادخار. وكأ، هـ وقع في نسخته:(وجودهما) على التثنية، وفيه نظر، فإن الموجود فيما بأيدينا من النسخ:(وجودها) ولأن غرض المصنف أن يجعل الأقسام ثلاثة: قسم اتفق على أنه ربوي. ومقابله. والثالث مختلف فيه.
ولا يحصل الاتفاق بمجرد حصول الاقتيات والادخار، لأن من يشترط في الادخار أن يكون للعيش غالباً لا يكتفي بمطلقه.
والذي يؤخذ من كلام ابن شاس أنه عائد على الثلاثة: الاقتيات والادخار والاتخاذ للعيش غالباً، فإنه قال: وينقسم الطعام ثلاثة أقسام: قسم اتفق أهل المذهب على أنه ربوي، فهو ما اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة فكان مقتاحاً مدخراً للعيش غالباً.
خليل: ويمكن عوده على الستة، وعلى ذلك مشاه ابن راشد.
فإن قيل: المصنف مثل بأشياء لم يتفق وجودها في بعضها كالملح والزيتون وما بعده.
قيل: ينبغي أن يكون في الكلام حذف معطوف، أي: فما اتفق فيه وجودها أو كان مصلحاً للقوت.
ابن رشد: ويرد على المصنف، وابن شاس قول ابن القاسم في المستخرجة: إن كل زريعة تؤكل ويخرج من حبها طعام فلا تباع حتى تستوفى ولا يباع منها اثنان بواحد، وكل زريعة لا تؤكل ويستخرج من حبها ما يؤكل فتباع قبل أن تستوفى ويباع منها اثنان بواحد ويباع بعضها ببعض إلى أجل. فعلى هذا يباع حب الفجل الأحمر بعضه ببعض إلى أجل وهو خلاف ما في الجواهر. انتهى.
والربوي- بكسر الراء- منسوب إلى الربا. والسلت: قال في المشارق: حب بين البر والشعير لا قشر له. الجوهري، والعلس: ضرب من الحنطة تكون حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء.
والقطاني: مفرده قطنية، عياض: بضم القاف وكسرها وتسهيل الياء. والفجل: بضم الفاء، الجوهري: هو معروف واحده فجلة. [450/ب] وكذلك قال في الثوم: معروف. وذكر الجوهري في الأرز ست لغات: أَرُزٌّ تتبع الضمةُ الضمةُ. وأُرْزٌ، وأُرُزٌ، مثل: رُسْلٌ ورُسُلٌ. ورُزٌّ ورُنْزٌ.
والخردل: بالدال المهملة. ابن قتيبة: ويقال: قُرطم وقِرطم بالضم والكسر، وهو حب العصفر. والأظهر في التين أنه ربوي لما قاله المصنف أنه فيه أظهر من الزبيب، وقد ذكر صاحب التلقين فيه خلافاً.
وما لم يوجد فيه أحدها فغير ربوي، كالخس، والهندباء، والقضب، والفواكه التي لا تقتات ولا تدخر، وكذلك ما ليس بمطعوم كالصبر، والزعفران والشاهترج ....
الخَس- بالفتح- معلوم. والهندباء: يمد ويقصر يقال: هندبة وهندبات بفتح الدال وهو البقل. والقضب: هو الفصفصا وهي من العلف.
وقوله: (والْفوَاكِهِ) أي: كالبطيخ والقثاء والأترج.
الجوهري: والصِّبر: بكسر الباء هو الدواء المر، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر. ونقل ابن سحنون إجماع العلماء على أن الزعفران ليس بطعام، ويجوز بيعه قبل قبضه.
وما اختلف فيه قد يكون كذلك كاللوز، والفستق، والجوز، والبندق، والجراد، لأنه يدخر ولا يقتات، أو لا يدخر للاقتيات ....
الإشارة بذلك للخلاف في العلة، فإنه قد يوجد في الشيء أحد الأوصاف، فإن الجوز، واللوز، والبندق، والجراد يدخر ولا يقتات. المازري: المعروف من المذهب أن الجراد ليس بربوي خلافاً لسحنون.
وذكر سند أن ظاهر المذهب أنه ربوي، واختاره اللخمي. ونسب اللخمي القول بأنه ليس بربوي لأشهب.
وقوله: (لأنه يدخر ولا يقتات، أو لا يدخر للاقتيات) ابن راشد: والضمير في (لأنه) يحتمل أن يعود على الجراد لأنه أقرب مذكور، ويحتمل أن يعود على الجميع. وجوز فيه ابن عبد السلام وجهين:
أحدهما: أن يرجع قوله: (لأنه يدخر ولا يقتات) لما قبل الجراد، ويرجع قوله:(أو لا يدخر للاقتيات) للجراد خاصة، لأنه يقتات ولا يدخر، لذلك فتكون (أو) للتفصيل.
والثاني: أن تكون (أو) للإبهام ويكون القسمان راجعين إلى مجموع ما تقدم.
والُستَق: بضم الفاء وفتح التاء. والبُنُدق: بضم الباء والدال، وفيه لغة أخرى بالفاء عوض الباء.
وكاللبن، لأنه يقتات ولا يدخر
أي: أن اللبن مما اختلف فيه، لأنه مما وجد فيه الاقتيات دون الادخار. فإن قيل: قد ذكر أولاً ما يقتضي أنه غير مختلف فيه، لأنه لو كان الاختلاف حاصلاً فيه لما تمت له التقوية. وقد تقدم أنهم جعلوا دوام وجودة يقوم مقام ادخاره، فكيف يعده من المختلف فيه؟ فجوابه أن فيه خلافاً ولكنه ضعيف، وسيذكره المصنف، وهو قوله:(والمعروف أن اللبن مطلقاً ربوي) وذلك أن وجود الخلاف لا ينافي التقوية، وهذا الخلاف إنما هو في اللبن المخيض، كما سيأتي، وأما الحليب، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، فيمتنع التفاضل في ذلك بالاتفاق، صرح به اللخمي.
وكالعنب الذي لا يزبب، والرطب الذي لا يتمر، لأنه يدخر غالبه ولا يدخر
هذا ظاهر مما تقدم، ولما كان غالبه يدخر لا يلتفت إلى نادره.
وكالرمان، والخوخ والكمثرى مما يدخر في قطر دون قطر، لأنه يدخر ولا يدخر غالبه، أو لا يقتات ....
القول بأنه ربوي لابن نافع، وأجاز مالك في الموطأ التفاضل في الخوخ والرمان، والمشهور- وهو مذهب الكتان- جواز التفاضل في الخوخ والرمان وشبهه، بناء على اعتبار الادخار الغالب، وأنه لا يلتفت إلى الادخار النادر.
والفرق بين هذين وبين العنب الذي لا يزبب: أن العنب غالبه يدخر وهذه على العكس، ولأن ذلك في المقتات وهذه في الفواكه.
والكمثرى: بفتح الميم المشددة، والثاء المثلثة، الجوهري: الواحدة كمثرات، وهي نوع من الإجاص.
وقد يكون لتحقق العلة كالبيض، قيل: يدخر، وقيل: لا. وقيل: يقتات، وقيل: لا ....
هذا الذي يقول الفقهاء فيه: خلاف في شهادة، وخلاف في حال. والمشهور في البيض أنه ربوي.
وذكر ابن شعبان قولاً بجواز التفاضل فيه، واختار الباجي، وقال: إنه مقتات. وقال ابن بشير: ليس بمقتات. ونص المتيطي على أن القولين في علة البيض روايتان.
محمد: والبيض كله صنف، بيض ما يستحيي وبيض ما لا يستحيي، وما يطير وما لا يطير.
وكالسكر والعسل
يعني: أنه مما اختلف فيهما لتحقق العلة هل هما إدامان أو دواءان. والأقرب في العسل أنه ملحق بالإدام، لغلبة هذا المعنى فيه في أكثر البلاد دون السكر. وقد نص في المدونة على أن السكر ربوي.
وكالتوابل: كالفلفل، والكزبرة، والأنيسون، والشمار، والكمونين. قال ابن القاسم: مطعم مصلح للقوت مدخر، وقال أصبغ: دواء، بخلاف البصل والثوم
عياض: الفلفل بضم الفاءين. الجوهري: والكزبرة بضم الباء وقد تفتح، وأظنه معرباً.
وقال عياض: والكسبرة بضم الكاف والباء، ويقال بالزاي أيضاً. وكلامه ظاهر التصور.
ونسب المصنف لأصبغ أن الفلفل وما عطف عليه دواء. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: وليس كذلك، إنما حالف في الأنيسون والشمار والكمونين. ففي الموازية، قال ابن القاسم: والشمار والأنيسون صنف، وذلك كله من الطعام.
وقال أصبغ ومحمد: هذه الأربعة ليست من الطعام هي من الأدوية، وإنما التي من الطعام: الفلفل، والكرويا، والكسبرة، والقرفة، والسنبل. قال: وإنما وهمه في ذلك ابن شاس، فإنه ذكر التوابل ولم يعرف، ونسب الخلاف فيها إلى ابن القاسم وأصبغ. انتهى.
وذكر المازري أنه اختلف في التوابل، قال: كالفلفل، والكمون، والكرويا هل هي من الربويات أم لا؟
وقوله: (بخلاف البصل الثوم)[451/أ] أي: أنهما لم يختلف في أنهما ربويان، لأنهما مصلحان للطعام، وهما جنسان مختلفان، حكاه ابن المواز عن مالك.
وكالحبة وفيها: طريقان، الأولى: ثالثها الخضراء مطعوم، واليابسة دواء. والثانية: الثالث ....
أي: ومما اختلف فيه لتحقق العلة الحلبة، وفيها طريقان، الأولى: وفيها ثلاثة أقوال: الأول لابن القاسم في الموازية: أنها طعام مطلقاً. الثاني لابن حبيب: أنها دواء مطلقاً. والثالث لأصبغ في الموازية: أن الخضراء طعام واليابسة دواء. ورأى بعض المتأخرين هذا التفصيل تفسيراً، وأن المذهب على قولٍ واحد.
وعلى هذا فالخلاف في الحلبة إنما هل هي طعام أو دواء؟ لا في أنها ربوية أو لا، وكلام المصنف يوهم ذلك، لأنه إنما تكلم في الربوي. والله أعلم.
وكالطلع، والبلح الصغير، وقيل: والكبير، ولم يختلف في البسر أنه ربوي
اعلم أن الخلاف الذي في الطلع والبلح الصغير إنما هو هل هو طعام أو ليس بطعام؟ هكذا ذكر ابن شاس وغيره، ومذهب المدونة في البلح الصغير أنه علف، وإذا كان كذلك فالطلع أحرى.
وفي الموازية: لا بأس بالطلع متفاضلاً أو بصغير البلح، وكذلك الجمار. والطلع: طعام فلا يصح بالطعام يداً بيد، نقله ابن يونس. وكذا ذكر اللخمي الخلاف في البلح الصغير، فقال: اختلف فيه هل له حكم الطعام؟ فقال مالك: هو علف. وقال ابن القاسم: هو بمنزلة البقل. قال: وأرى أن ينظر للعادة فيه، فإن كانوا يريدونه للعلف واستعماله للأكل قليل فله حكم العروض، وإن كانوا يريدونه للأكل وغيره نادر وكان استعماله في كليهما كثيراً فله حكم الطعام.
وأما البلح الكبير فليس الخلاف فيه هل هو طعام أو لا؟ وإنما الخلاف فيه هل هو طعام ربوي يحرم فيه التفاضل؟ ففي المدونة: لا يجوز إلا مثلاً بمثل وهو المشهور. وقال الشيخ أبو إسحاق: وليس هو بربوي، لأنه لا يدخر فأشبه الخضروات. اللخمي: وهو أحسن لأنه غير مدخر، فكذلك البلح الكبير بالبسر أو الثمر. قال مالك: لا خير فيه. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: تركه أحب إلي، وعسى أن يجوز. قال: وهذا أقيس، لأنه قد يدخر ما ليس بمدخر. وإذا تقرر ما ذكرناه فكان ينبغي للمصنف ألا يخلط البلح الكبير مع الصغير والطلع، لأن الخلاف فيهما متباين كما ذكرنا. وخلطه لهما ملزم لأحد أمرين، لأن ظاهر كلامه أن في البلح الكبير طريقين، وإن أراد أن الطريقين في أنه طعام أو لا؟ فليس كذلك، لأنه طعام اتفاقاً، وإنما الخلاف هل هو ربوي أو لا؟ وإن أراد أن الطريقين فيه في أنه ربوي أو لا؟ وعليه حمله بعضهم فيبقى كلامه يفيد أن في البلح الصغير قولاً بأنه ربوي، وليس بموجود.
والمعروف أن اللبن مطلقاً ربوي، وخرج اللخمي من المدونة من قوله: ويجوز سمن بلبن قد أخرج زبده، فقال: لو كان ربويا لكان من الرطب باليابس. ورده ابن بشير بأن السمن نقلته الصنعة والنار
مقابل المشهور للخمي، فإنه رأى جواز التفاضل بين المخيض والمضروب. فإن قلت: لِمَ لَمْ يجعل مقابل المعروف تخريجاً؟ قيل: لأنه لو أراد ذلك لقال على المنصوص، كما هو الأغلب في كلامه.
فإن قلت: اللخمي إنما رأى ذلك اعتماداً على ما فهمه من المدونة. قيل: لا بل ذكر أولاً التخريج ثم ذكر بعد ذلك رأيه فيه، وسيظهر لك ذلك من لفظه.
ومراد المصنف بالإطلاق، سواء كان لبن الإبل أو غيرها مضروباً أو غيره.
ابن بشير: لم يختلف أهل المذهب في كون اللبن ربوياً على اختلاف أصنافه، وهو وإن كان لا يدخر على حالته فإنه يستخرج منه ما يدخر كالسمن والجبن.
وقال اللخمي: لم يختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضرب بالمضروب متفاضلاً، لأنهما لا يدخران، فمن منع التفاضل فيهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن، لأنه كالرطب باليابس، ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب، كان من الحليب أو غيره.
قال، وقال مالك في المدونة: لا بأس بالسمن باللبن الذي قد أخرج زبده. وهذا لا يصح إلا على القول أن التفاضل بينهما جائز لا أنه كرطب باليابس.
وأرى أن يجوز التفاضل بين المخيض والمضروب، لأنه مما لا يدخر. ومن منع ذلك. حمله على الأصل. انتهى.
ورد ما أشار إليه اللخمي من التخريج أنه إذا ثبت له أنه ربوي قبل إخراج زبده لكونه مقتاتاً وكون دوام وجوده كادخاره، فلا يزيل عنه إلا زوال ذلك الوصف. نعم لو ثبت له حكم الربوية، لأنه مشتمل على الزبد أمكن زوال الحكم بزوال الزبد.
قوله: (ورده ابن بشير) يعني: رد ابن بشير ما خرجه اللخمي من هذه المسألة أن السمن صار بالصنعة والنار كجنس آخر وسيأتي ذلك. وتبع المصنف في نسبة هذا لابن بشير ابن شاس، وليس هو في تنبيهه ولعله في غيره.
ووهما فإن بعده فأما بلبن فيه زبد فلا
أي: وهم اللخمي في تخريجه، وابن بشير في رده، لأن بعد اللفظ الذي خرج منه اللخمي:(فأما بلبن فيه زبد فلا) فأما وهم ابن بشير فظاهر، لأن السمن لو نقلته الصنعة لجاز باللبن الذي فيه الزبد. وأما وهم اللخمي منه ففيه بعد، ولهذا وقع في بعض النسخ (ووهم) بالإفراد. ووجهه على (بعده) أن ترتيب المنع على وجود الزبد فيه، لقوله:(فيه زبد) دليل على أن المنع لأجل الزبد لما يؤدي إليه من المزابنة، وحينئذ يكون من باب الرطب باليابس، إذ لا يعلم [451/ب] مقدار الأجزاء التي فيه من الزبد لو تجمعت هل هي مساوية لأجزاء السمن المجموعة أم لا؟ وليس كذلك إذا لم يكن فيه زبد، لأنه ليس فيه ما يتقى منه المزابنة المقتضية للمنع مطلقاً، إلا أنه لا يجوز به متفاضلاً كما توهم اللخمي.
والمعروف أن الماء ليس بربوي
يجوز فيه التفاضل والنسيئة.
وخرجه عبد الوهاب على غير المشهور في منع بيع الماء بالطعام إلى أجل
يعني: أن المشهور جواز بيع الماء بالطعام إلى أجل، ومنعه ابن نافع، وخرج عبد الوهاب قولاً بمنع التفاضل فيه من قول ابن نافع، لأنه لما دخل فيه ربا النساء دخل فيه التفاضل.
ووهم بأن هذا حكم الطعام غير الربوي أيضاً
هذا التوهيم للمازري، ووجهه: أن ربا النساء أعم من ربا التفاضل فلا يلزم من وجود ربا النساء الذي هو الأعم وجود ربا الفضل الذي هو الأخص، ألا ترى أن الخس ونحوه يمتنع بعضه ببعض إلى أجل.
واختلاف الجنسية يبيح التفاضل، والمعول في اتحادها على استواء المنافع وتقاربها ....
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)). ثم ذكر ضابط الجنس الواحد والجنسين الواحد والجنسين، فإن كان الطعامان يستويان في المنفعة كأصناف الحنطة أو يتقاربان كالقمح والشعير كانا جنساً، وإن تباينا كالتمر مع القمح كانا جنسين.
فمنه ما اتفق على جنسيته، كأنواع الحنطة وأنواع التمر وأصناف الزبيب
هذا ظاهر.
وكلحوم دواب الأربع مطلقاً
أي: إنسية كانت أو حشية، صغيراً أو كبيراً.
وكلحوم الطير
أي: أنها صنف واحدٌ إنسيتها ووحشيتها، لتقارب منافعها.
وكدواب الماء
أي: كذلك صنف واحد.
وكالجراد
أي: جنس مفرد على القول بأنه ربوي وقد تقدم، وقيل: إنه من جملة الطير.
وكالألبان مطلقاً، وإن لم تتساو في وجود الزبد والجبن
أي: فإنها جنس، والجبن: بسكون الباء وهي الفصحى، ذكرها صاحب الفصيح.
ويقال: جبن بضم الباء والنون مع تخفيفها وتشديدها.
ومنه ما اتفق على اختلافها كبعض ما ذكر مع بعض
أي: كبعض ما ذكر أنه متحد مع غير جنسه ونوعه، كالتمر مع الزبيب.
ومنه ما اختلف فيه، كالقمح والشعير المنصوص الجنسية لتقارب منفعتهما في القوتية ....
مقابل المنصوص اختيار السيوري وتلميذه عبد الحميد أنهما جنسا، وهو مذهب الشافعي، لقوله عليه الصلاة والسلام:((فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم)) ووجه المصنف المشهور بقوله: لتقارب منفعتهما في القوتية، ودليله ما في مسلم عن معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلامه بصاع من قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيراً. فذهب الغلام وأخذ صاعاً وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمراً فأخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذ إلا مثلاً بمثل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((الطعام مثلاً بمثل)) وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل: فإنه ليس مثله، قال: فأنا أخاف أن يضارع.
مالك في الموطأ بعد أن ذكر ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود، ومعيقيب الدوسي- رضي الله عنهم مثله: أنه الأمر عندنا.
ومثله السلت، وقيل: والعلس
أي: السلت ملحق بالقمح والشعير، ولعله إنما فصله عنهما لعدم تحقق قول السيوري فيه. والمشهور أن العلس لا يلحق بالثلاثة، وهو قول المصريين، وضمه المدنيون إليها.
بخلاف الأرز، والذرة، والدخن على المشهور
أي: أن المشهور أن الأرز وما ذكر معه لا يضم إلى القمح، والشاذ لابن وهب، وهو بعيد.
ثم في جنسيتها قولان
أي: إذا فرعنا على المشهور من أنها مباينة لما تقدم، فهل هذه الثلاثة جنس واحد أو أجناس؟ المازري، والمتيطي: والمشهور أنها أجناس. ونقل عن ابن وهب أنها جنس.
واختلف في القطاني، فقيل: جنس، وقيل: أجناس، وقيل: الحمص واللوبيا جنس، والبسيلة والجلبان جنس ....
الحمص: قال ثعلب: الاختيار فيه فتح الميم. وقال المبرد: هو بكسر الميم. وذكر المصنف ثلاثة أقوال: القول بأنها كلها جنس واحد، رواه ابن وهب. والقول بأنها أجناس، رواه ابن القاسم وهو المشهور. والقول الثالث في الجلاب، ونسب لابن القاسم وأشهب. وروى أشهب عن مالك: أن الحمص والعدس صنف واحد وسائر القطاني أصناف.
والكرسنة: قيل: من القطاني، وقيل: لا
القول بأنها منها لمالك في التعبية، والآخر لابن حبيب.
واختلف في الأمراق باللحوم المطبوخة المختلفة، والمشهور أنها جنس
لا شك أن المطبوخة صفة للحوم، والمختلفة الأحسن جعلها صفة للأمراق، ويكون بمعنى أنه اختلف في اللحوم إذا طبخت بأمراق مختلفة، والباء بمعنى مع، فالمشهور أن ذلك جنس. قال في المدونة: والمطبوخ كله صنف وإن اختلفت صفة طبخة كقلية بعسل وأخرى بخل أو لبن، يعني: وكذلك إذا اختلفت اللحوم.
ومقابل المشهور للخمي قال: القياس جواز التفاضل لتباين الأغراض. ويجوز أن تكون المختلفة صفة للحوم ويصير المعنى: أنه اختلف اللحمان من جنسين مختلفين كلحم الوحش ولحم الطير هل يصيبر بالطبخ جنساً واحداً أو لا؟
وقلنا: الوجه الأول أحسن، لأن المسالة منقولة عنه في الدواوين عليه. وتكلم في الجواهر على الصورتين، [452/أ] فقال: المذهب أن الأمراق واللحوم المطبوخة صنف، ولا يلتفت إلى اختلاف اللحوم ولا اختلاف ما يطبخ به. وتعقب هذا بعض المتأخرين ورأي أن الزبرباج يخالف الطباهجة، وكذلك ما يعمل من لحم الطير مخالف لما يعمل من لحم الغنم. واختار ابن يونس أن اللحمين المختلفي الجنس إذا طبخا لا يصيران جنساً واحداً. والباء في الأمراق للمصاحبة كما تقدم. باللحوم، أي: تعاوضا لحمين مع كل واحد منهما مرق. ولا ينبغي أن تكون سببية لإيهامه أن التعاوض في المرقتين وليس هو مراده، وكذلك لا يجوز أن تكون للعوض، لأنه يلزم أن يكون المعنى أنه اختلف في التعاوض بين اللحم وحده مع المرق وحده وليس هو مراده.
واعلم أن ظاهر المذهب جواز بيع المطبوخ وزناً، وهو الذي يؤخذ من المدونة.
سند: وعلى قول ابن حبيب يمنع القديد بالقديد، والمشوي بالمشوي، لا يجوز المطبوخ بالمطبوخ لاختلاف تأثير النار. وعلى الجواز، فهل تراعى المثلية في الحال أو حال كون اللحم ينافيه، قولان، وإن راعينا المثلية في الحال. سند: وهو الظاهر.
فمذهب ابن أبي زيد القيرواني: أن الأمراق داخلة في حكم اللحم وأنها معها جنس واحد، فإنه قال: يتحرى اللحمان وما يتبعهما من المرق، لأن المرق من اللحم. قال: وكذلك الهريسة بالهريسة. وقال غيره: إنما يتحرى اللحم خاصة حيث كان نيئاً ولا يلتفت إليه بعد ذلك ولا إلى ما معه من المرق. وصححه عبد الحق وأيده بتحري الخبز بالخبز، والعجين بالعجين أنه يتحرى ما دخلها من الدقيق ولا يراعى تماثل الأعيان الآن. وأما ما يطبخ تبعاً مع اللحم فضربان: ضرب له بعد الطبخ عين قائمة، كاللفت والباذنجان، فابن أبي زيد يجعله تبعاً لحكم اللحم- وقد تقدم قوله في الهريسة- وغيره يقول: لا يباع مع اللحم ولا يتبعه، لأنه لحم وبقل بلحم وبقل.
ويجوز بيع بعضه ببعض متماثلاً ومتفاضلاً إن كان من البقول غير المدخرة، وإن ادخر كالبصل والثوم فلا يباع منها متفاضلاً. وضرب ليس له عين قائمة، فمن أصحابنا من يعطيه حكم اللحم، ومنهم من يعطيه حكم الماء، لأنه في أصله جنس غير اللحم فلا يتغير بطبخه معه.
واختلف في التوابل أنها ربوية، والمشهور أنها أجناس، وقال ابن القاسم: الأنيسون والشمار جنس، والكمونان جنس وأنكره الباجي
التوابل: جمع تابل بفتح الباء. وتبع المصنف في تعيين المشهور ابن شاس، وهو مقتضى النقل، ففي ابن يونس أن ابن القاسم قال في الموازية: الفلفل، والقرفاء، والسنبل، والكسبرة، والقرنباد وهو الكرويا، والشونين وهو الكمون الأسود، والملح هذا كله طعام لا يباع إذا اشترى على الكيل والوزن حتى يستوفى، ولا يصلح منه اثنان بواحد إلا أن تختلف الأنواع. ابن المواز، قال ابن القاسم: ومثله الشمار، والأنيسون، والكمونان كلها صنف واحد وهو طعام. وقال أصبغ، ومحمد في هذه الأربعة أصناف: أنها ليست بطعام وهي من الأدوية. قال أشهب، قال مالك: كل واحد من ذلك صنف. انتهى.
فما رواه أشهب عن مالك مؤيد لما شهره المصنف أنها أجناس. ومقابل المشهور في كلامه يحتمل أن يريد به قول ابن القاسم، ويحتمل أن يريد به أنها كلها جنس.
وأنكره الباجي- أي: قول ابن القاسم- وفي بعض النسخ: (وكرهه) وهي بمعناها. وليس المراد الكراهة التي تقابل الإباحة. ولفظه في المنتقى بعد أن حكى قول ابن القاسم: والأظهر عندي أن تكون أجناساً لاختلاف منافعها وتباين الأغراض فيها، وأنها لا تتمازج في منبت ولا محصد، ولا يجزئ بعضها عن بعض في شيء، وإنما يجمعها اسم الكمون، وليس بظاهر في الكمون الأسود، لأن اسم الشونين فيه أظهر لفظاً وأكثر استعمالاً.
قوله: (على أنها ربوية) أي: على قول ابن القاسم المتقدم.
واختلف في الأخباز المختلفة الحبوب، وفي الخلول
أما الأخبار، ففيها ثلاثة أقوال، الأول: أنها كلها صنف. ابن رشد: وهو المشهور. الثاني: أنها تابعة لأصولها، وهو قول البرقي. والثالث: أن خبز القطاني صنف وخبر غيرها صنف، ونسب لان القاسم وأشهب.
والمعروف من المذهب أن الخلول صنف لاتحاد المنفعة، والمشهور: أن الأنبذة أيضاً جنس، خلافاً لأبي الفرج.
واختلف في الخبز والكعك بالأبزار، والمذهب أنهما جنسان
الأبزار راجعة إلى الكعك. وذكره الخلاف أولاً مع ذكر المذهب ثانياً فيه إشارة على أن القول بأنهما جنس، إما اختيار أو تخريج، وهو كذلك. قال ابن شاس، قال بعض المتأخرين: وانظر هذا، أي: كونهما جنسين مع قولهم أن الألوان كلها صنف، ومقتضى هذا أن يجعل الكعك والخبز صنفاً واحداً. ومفهوم كلامه أنه لو كان الكعك بغير أبزار لكان مع الخبز جنساً واحداً. وألحق اللخمي بالأبزار ما إذا كان يده، قال: لأن الزيت ينقل الطعم كما ينقل الأبزار.
خليل: والظاهر أن الكماج حكمه حكم الخبز، لأنه الكعك الذي لا أبزار فيه.
والصنعة متى كثرت أو طال الزمان نقلت على الأصح، لأن المصنوع يصير معداً لغير الأصل كالتمر وخله، والزبيب وخله ..
لما ذكر أن الجنس [452/ب] الواحد من الربوي لا يجوز فيه التفاضل، أتبعه بأن الصنعة إذا كثرت أو طال الزمان تنقل على الأصح، لأن المصنوع يصير معداً لغير الأصل، ومثل المصنف ذلك بالتمر وخله.
وقد حكى الباجي واللخمي هذا الخلاف، وعزا الباجي الشاذ للمغيرة، وزاد عن ابن الماجشون ثالثاً بالجواز في اليسير دون الكثير للمزابنة.
واستبعد ابن عبد السلام وجود الخلاف، قال: ولا يلزم من وجود الخلاف في هذين المثالين وجوده في القاعدة لاحتمال أن يكون مبيناً على خلاف في شهادة. وقد يقال: هذا لا يلزم، لأنه تابع لابن شاس، وابن بشير في حكاية الخلاف. وعبر بالأصح عن المشهور، لكن لم يذكر الخلاف إلا في الطول، وعلى هذا فيكون الأصح راجعاً إلى الطول فقط، ويمكن أن يرجع لهما لما حكاه ابن زرقون عن ابن نافع: أنه لا يجوز القمح أو الدقيق بالخبز. وعن ابن عبد الحكم: أنه لا يجوز اللحم النيئ بالمطبوخ بحال، وإن طبخ بأبزار أو خل.
ومتى قلت بغير نار لم تنقل على الأصح، كالتمر ونبيذه، والزبيب ونبيذه
قال في المدونة: سألت مالكاً عن النبيذ بالتمر، قال: لا يصلح. والعصير مثله. وغيره: الأصح ليس نصاً بل أشار الباجي إلى أخذه من رواية أبي زيد عن ابن القاسم في الفقاع بالقمح أنه لا يجوز لتغيير الطعم.
وأجاب سند: بأن الفقاع قد انتقل بما فيه من كثرة الصنعة والتوابل.
والمشهور أن نبيذ التمر والزيت صنفان، والزيوت أصناف
هذه الجملة وقعت في بعض النسخ ونحوه لابن شاس، وهو وهم، بل مذهب المدونة وهو المشهور على ما قاله المازري: أنهما صنف واحد. ونقل الباجي، واللخمي، والمازري ما شهره المصنف عن أبي الفرج.
وما ذكره من أن الزيوت أصناف هو كذلك في المدونة، وعلله باختلاف منافعها، أي: لأن منافعها مختلفة وليست كالخلول واللحم.
اللخمي: والعسول أصناف، قال: ويجوز التفاضل في زيت الكتان لأنه لا يراد للأكل غالباً، ويجوز بيعه بزيت الزيتون نقداً أو إلى أجل، ويجوز التفاضل في زيت اللوز لأنه لا يراد للأكل غالباً، وإنما يراد للعلاج ويدخل في الأدوية، وكذلك الجوز.
والمذهب أن الطحن والعجن لا ينقل
قال سند: ذهب عامة الفقهاء إلى أن القمح بدقيقه جنس واحد، إلا أبا ثور فإنه جعلهما جنسين وجوز فيهما التفاضل، ووافقه المغيرة من أصحابنا واحتج باختلافهما في الاسم، وأنه لو حلف ألا يأكل دقيقاً لم يحنث بأكل القمح، وكذلك العكس. فلعل المصنف عبر المذهب عن المعروف، كما في قوله: والمذهب أنهما جنسان.
وإن كانت بنار لمجرد تجفيف لم تنقل، وإن كانت بزيادة أبازير كشي اللحم بها، أو تجفيفه بشمس بها، أو طبخه بماء أو غيره، أو خبز الخبز فناقل ....
قوله: وإن كانت- أي: الصنعة- بمجرد تجفيف- أي: كشي اللحم- بلا أبازير، فإن ذلك لا ينقل ليسارة الصنعة، وفيه إشكال، لأن المقصود منه حينئذ غير المقصود من غير المشوي. وإن كانت الصنعة بزيادة أبازير كشي اللحم بها- أي: بالأبزار- أو تجفيفه بشمس بها، أو طبخه بماء- أي: مع الأبازير- وغيره كالخل مثلاً مع الأبازير، وخبز الخبز، يعني: بتابل.
وقوله: (فناقل) راجع إلى جميع ما تقدم من قوله: (وإن كانت بزيادة أبازير) والضمير في (بها) في المواضع الثلاثة عائد على الأبازير. اللخمي، والمازري: وإن طبخ بالماء صرفاً والملح لم ينتقل. واستشكل شيخنا- رحمه الله جواز الخبز بالعجين لأنه مزابنة، قال: ولو جعلوا السلق ناقلاً ولم يجعلوا الخبز ناقلاً للمزابنة لكان أقرب.
وفي قلي القمح وشبهه قولان
المشهور: النقل، لأنه يزيل المقصود من النقل غالباً، وإذا كان مجرد القلي ناقلاً فمن باب أولى السويق بالقمح. اللخمي: ويجوز الدقيق بالمقلو بالاتفاق.
وفي السلق، ثالثها في الترمس ناقل، وفي الفول غير ناقل
الثلاثة للأشياخ، والأقرب النقل. والله أعلم. ورأى في الثالث أن السلق في الترمس ناقل، لأنه لا يمكن إلا بعد صنعة طويلة، بخلاف غيره مما لا يؤكل إلا مسلوقاً.
ونص ابن القاسم في العتبية على أنه لا يجوز بيع البيض المسلوق بالنيئ متفاضلاً.
وتعتبر المماثلة حال الكمال، فلا يباع رطب بتمر ونحوهما باتفاق، لتوقع الربا، ولأنه مزابنة ....
لما قدم أن المماثلة تطلب ذكر الوقت الذي تعتبر فيه، وذكر أنها تعتبر في حال كماله لأنه المقصود، ولهذا لم يجز بيع الرطب بالتمر، لأن الرطب إلى الآن لم يكمل، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال:((أينقص الرطب إذا جف؟)). فقالوا: نعم. فقال: ((فلا إذاً)). صححه الترمذي. واعترض عليه في لفظه التوقع، لأنها إنما تستعمل في المتوهم، والربا هنا متحقق.
وأجيب بأن التوقع بمعنى الوقوع، أو عبر بذلك اعتباراً بالغالب في الأمور المستقبلية، ولأن بعض الرطب لا يتمر فلا يتحقق فيه النقص.
وظن اللخمي أنه كاللحم الطري باليابس
يعني: أن اللخمي خرج قولاً بجواز بيع الرطب بالتمر من أحد القولين اللذين يذكرهما بعد في جواز بيع اللحم الطري بغير الطري.
ابن البشير: ليس كما ظن، لأن الرطب حالة كماله اليبس وله يُرادُ، واللحم حالة كماله الرطوبة فلا يطلب فيه شيء بعد ذلك كما يطلب في الرطب. وإلى هذا الرد أشار بقوله:(وظن) إذ هو مشعر به، وكأنه [453/أ] اكتفى بما قدمه أولاً من أن المعتبر في المماثلة حال الكمال، ولأن قياس اللخمي فاسد الوضع لمقابلة النص.
والمشهور: جواز الرطب بالرطب
الشاذ لابن الماجشون، ومنشأ الخلاف هل يعتبر الحال فيجوز، أو المآل فيجوز؟ لاحتمال أن ينقص أحدهما من الآخر. الباجي: وانظر إن كان نصف التمر بسراً ونصفها قد أرطب، فهل يجوز بيع بعضه ببعض أو قديمين.
فرع:
ويجوز بيع التمر بالتمر إذا كانا جديدين أو قديمين. اللخمي: واختلف في الجديد بالقديم، فأجازه مالك في الموازية، ومنعه عبد الملك وهو أحسن.
وفي الحليب بالحليب قولان
مذهب المدونة الجواز. ابن شاس: وهو المشهور. والمنع رواية أبي الفرج. ولعله- والله أعلم- لم يعين المشهور في هذه لقوة الشاذ هنا، لأن الحليب بالحليب قد يطلب منهما الزبد فتظهر المزابنة فيهما، وليس كذلك الرطب. والله أعلم.
ويجوز الزيتون بمثله اتفاقاً كاللحم باللحم، واختلف في رطبهما بيابسهما بتحري النقص ....
نقل ابن شاس الاتفاق في الزيتون، وابن بشير الاتفاق في اللحم. ووجهه اللخمي: بأنه يجوز بيع القمح بالقمح وإن كان الريع يختلف، فكذلك الالتفات إلى الزيت.
ابن عبد السلام: ولولا الاتفاق لكان الأنسب في الزيتون المنع، لأن المطلوب الزيت وهو غير معلوم التساوي بخلاف اللحم باللحم. وقيد اللخمي الجواز في اللحم بأن يكونا ذبحا في وقت واحد أو متقارب. ويريد: كل واحد من العوضين رطب، أو كل واحد منهما يابس بدليل ما سيقوله بعد.
وقوله: (كاللحم باللحم) تنظير في كل وجه. والقولان في جواز بيع رطبهما بيابسهما لمالك في المدونة. والذي رجع إليه وأخذ به ابن القاسم المنع، إذ لا يحاط بالتحري. ووجه الجواز: أن الرطوبة في الزيتون واللحم هي حالة الكمال، وهذا مقيد بأن لا يكون في القديد أبازير، وأما إن كان فيه أبازير فهو جنس آخر.
والمشهور: منع القمح المبلول بمثله، وجواز المشوي بالمشوي، والقديد بالقديد
مقابل المشهور في المبلول في الجلاب الجواز، بشرط كون البلل واحداً. وتبع المصنفُ في حكايته القولين اللخميَّ، وقيد اللخمي الشاذ بما إذا كان البلل واحداً كما ذكرنا. وزعم سند أن ما في الجلاب هو قول ابن القاسم الذي علل عنه المصنف بالمشهور. قال: لأن ابن القاسم علل باختلاف البلل، فإذا تحقق الاتحاد جاز. والشاذ في القديد بالقديد، والمشوي لابن حبيب. والفرق للمشهور: أن البلل في القمح يكثر فيه الاختلاف عادة، ولأن أسفله لا يساوي أعلاه، بخلاف الشيء فإنه لا يختلف في الغالب، وفيه نظر. وأجاز في المدونة بدل العفن بالعفن إذا اشتبها في العفن. ابن رشد: وأجاز سحنون بدل العفن بغيره.
ابن عبد السلام: يعني- والله أعلم- بالسالم، وعلى ذلك ساق المسالة التي ذكر فيها هذا القول، قال: ومنع بدل المأكول بغيره، يعني: بالمأكول المسوس. قال: ومنع أشهب بدلهما بغيرهما. وذكر عن مالك، وابن القاسم، وابن وهب إجازة ذلك في المأكول.
فإن لم يكن فبالعادة العامة، فإن اختلفت فبعادة محله
فإن لم يكن للشرع فيه معيار، فالمعتبر العادة العامة. الباجي: كاللحم الذي يعتبر بالوزن في كل بلد. وقوله: (فإن اختلفت) أي: العوائد، كالجوز، والرمان، وكالسمن، واللبن فبعادة محله.
فإن عسر الوزن، فثالثها: يتحرى في اليسير
خص العسر بالوزن، لأن الكيل لا يعسر، الباجي: ولو تغير المكيال المعهود. وذكر ابن شاس عن بعض المتأخرين جواز التحري مطلقاً من غير تقييد بوزن ولا يسارة.
وقال ابن عبد السلام: تقييد المصنف لهذه المسالة بعسر الوزن هو مذهب الأكثر، وظاهر المدونة عدم هذا الشرط، وأنه جار في القليل والكثير. انتهى.
وكذلك ذكر ابن رشد أن ظاهر المدونة جواز التحري وإن لم تدع إليه ضرورة. وذكر ذلك قولاً صريحاً لبعضهم، خلاف مفهوم قول المصنف عنه، فإنه يفهم منه عدم الجواز إذا لم يعسر.
وفي البيان: الاتفاق على أن ما يباع كيلاً لا وزناً مما يحرم فيه التفاضل أصلاً أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض على التحري، ولا قسمة على التحري. وحكى المصنف ثلاثة أقوال، الجواز مطلقاً، وقيده ابن رشد بأن لا يكثر جداً حتى لا يستطع على تحريه. الثاني: المنع مطلقاً، رواه ابن القصار وهو أقرب، لأن التساوي مطلوب وهو غير محقق. والقول الثالث لابن حبيب، وعزي لمالك. زاد ابن رشد رابعاً: لا يجوز عند عدم الميزان إلا في الطعام الذي يخشي فساده.
أما من وجب عليه طعام لا يجوز التفاضل فيه، فلا يجوز أن يأخذ عنه تحرياً إلا عند عدم الميزان، قاله سحنون.
فرع:
واختلف فيما يجوز فيه التفاضل، هل تجوز قسمته وبيع بعضه ببعض تحرياً؟ على ثلاثة أقوال، أحدهما: الجواز فيما يباع وزناً أو جزافاً، والمنع فيما يباع كيلاً، وهو مذهب ابن القاسم، حكاه عنه ابن عبدوس.
والثاني: أن ذلك جائز فيما يبتاع كيلاً أو وزناً أو عدداً، وهو مذهب [453/ب] أشهب وابن حبيب، ونسب أيضاً لابن القاسم.
والثالث: أنه لا يجوز مطلقاً، وهو في آخر كتاب السلم الثالث من المدونة: أنه لا يجوز أن يقسم البقل حتى يجز.
وفي القمح بالدقيق طريقان، الأولى ثالثها: بالوزن لا بالكيل، والثانية: الثالث
يعني: أن الطريق الأولى في المذهب ثلاثة أقوال: يجوز بيع أحدهما بالآخر مطلقاً.
ابن عبد السلام: وهو المشهور. والثاني: المنع لمالك أيضاً، لاختلاف الريع. والثالث: يجوز موازنة ولا يجوز كيلاً، حكاه اللخمي عن ابن القصار، وعكسه غيره. ثم اختلف في القول الثالث، هل هو خلاف للقولين الأولين وهو قول أهل الطريقة الأولى، أو تفسير لهما وهو قول أهل الطريقة الثانية.
وحكى ابن الماجشون عن مالك قولاً آخر، وهو أنه يجوز في اليسير على وجه المعروف بين الرفقاء، فإذا كثر وخرج إلى حد المكايسة فلا يجوز.
ابن عبد السلام: والطريقة الثانية باطلة، لأن ابن القصار الذي هو أصل هذه الطريقة فسر قولي مالك بما نص مالك على خلافه، وذلك أن لمالك في كتاب الصرف من المدونة أنه لا يباع القمح بالقمح وزناً، فإذا لم يجز بيعه بمثله وزناً خشية الوقوع في التفاضل لو كيل بمكياله الشرعي، فكيف يجوز بيعه وزناً بالدقيق. وقد تقدم أنه تعتبر المماثلة بمعيار الشرع.
والمشهور إلغاء العظام، وقيل: تتحرى وتسقط
أي: إذا بيع اللحم باللحم وزناً أو تحرياً فهل يباع بعظمه على ما هو عليه ويعد العظم كأنه لحم وهو المشهور، واحتجوا له ببيع التمر بالتمر من غير اعتبار بنواه.
والقول الثاني لابن شعبان: أنه يتحرى ما فيه من العظم ويسقط العظام معنى لا حساً. فعلى المشهور إذا بيع تحرياً إنما يتحرى المجموع، وعلى قول ابن شعبان لابد فيه من تحريين، قاله ابن عبد السلام.
وقال شيخنا: إنما يحتاج إلى التحري في اللحم فقط، وأما العظم فيسقط. والله أعلم. وهو أظهر من جهة المعنى، لكن كلام ابن عبد السلام هو الذي يؤخذ من كلام المصنف. واستحسن سند قول ابن شعبان، وفرق بأن التمر يفسد بنزع النوى.
فرع:
فإذا بنينا على المشهور أن البيض ربوي وأجزنا بيع بعضه ببعض تحرياً، فإن كان فيه بيض نعام فاختلف هل لا يجوز بيعه إلا أن يستثني بائعه قشره، لأنه كسلعة مع ربوي، أو لا، لأنه غير مستقل إلا بالقشر ولا يمكن بقاؤه مفرداً، فهو من ضرورته فيعطى حكم العدم أو حكم ما هو حافظ له.
وكذلك جلد الشاتين المذبوحتين
أي: جلد الشاتين كالعظم، وذكره الخلاف في الجلد يقتضي جوازه ابتداء وهو المشهور. قال في المدونة: ولا خير في شاة مذبوحة بشاة مذبوحة إلا مثلاً بمثل تحرياً إن قدر على تحريهما. ومنعه أصبغ، لأنه لحم مغيب. ورده الباجي بأن ذلك لا يلزم إذا قلنا أن الجلد لحم. ورأى اللخمي المنع ولو استثنى الجلدين. وعلى الجواز، فظاهر المدونة دخول الجلد في البيع، وهو الذي يؤخذ من تشبيه المصنف.
وقال فضل بن أبي سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما، إلا أن يستثني كل واحد جلد شاته. وروى يحيي بن يحيي نحوه عن ابن القاسم، لأنه لحم وجلد بلحم وجلد. ورده الباجي بما تقدم، فإنه يؤكل كثيراً مسموطاً. سند: وعلى قول الباجي الصوف فيفرق بين المجزورتين وغيرهما. ونقل بعضهم قولاً بجواز بيع الشاتين المذبوحتين في السفر لا في الحضر.
وأجيز بيع الخبر بالخبز تحرياً، وفي التحري، ثالثها: بالدقيق في خبز الصنفين، وبالرطوبة الواحد. قال الباجي: ينبغي الوزن وحده
…
يعني: أنه يجوز بيع الخبز بالخبز تحرياً، نص مالك على ذلك في الموطأ، وفي السلم الأول من المدونة. وحكى بعض الشيوخ عن مالك أن الخبز بالخبز يجوز فيه التفاضل، وهو مشكل.
وقوله: (وفي التحري) أي: إذا أجزنا بيع بعضه ببعض متماثلاً فاختلف في كيفية التحري على ثلاثة أقوال، الأول: يتحرى دقيقهما، وهو قول ابن القاسم في العتبية. الباجي: وهو مذهب جمهور أصحابنا. وقال في موضع آخر: هو ظاهر المذهب، لكن قيده بما إذا كان الخبزان من صنف واحد.
وذكر ابن راشد: لا خلاف أن المعتبر في الخبزين إذا كان أصلهما مختلفاً على مذهب من يرى أن الأخبار كلها صنف واحد، فليس هذا القول على عمومه كما قاله المصنف.
والثاني: أن المعتبر الوزن، وهو الذي أراده بقوله:(وبالرطوبة) أي: أنه تعتبر الرطوبة في الوزن فلا التفات إلى الدقيق. الرطوبة: ما يجعل في الدقيق من الماء والملح والخبز.
والثالث: أنه يتحرى الدقيق إن كانا من صنفين ويتحرى الوزن إن كانا من صنف واحد. وفي كلامه نظر من وجوه:
أولها: ما تقدم أن كلامه يقتضي أن الأول يعتبر الدقيق مطلقاً، وليس كذلك.
ثانيها: أن القول الثالث عكس فيه النقل، لأن المنقول أن الخبزين إن كان الأصل الذي خبزا منه لا يحل التفاضل فيه كقمح وشعير يوزن الدقيقان لا يوزن الخبزان. وإن كان ما خبزا منه يجوز فيه التفاضل كقمح وفول اعتبر تساويهما في الوزن، قاله بعض القرويين، هكذا نقله المازري، وابن يونس وغيرهما. [454/أ].
ثالثها: أن هذا لا يكون ثالثاً إلا إذا كان القول الأول على عمومه، وقد تقدم ما فيه.
رابعها: يوهم ما نقله عن الباجي أنه قول رابع، وليس كذلك إذ هو الثاني.
والمذهب أن النهي يدل على الفساد إلا بدليل
هكذا حكاه عبد الوهاب، وهو المختار عند أهل الأصول، ومحل ذلك كتب الأصول، ويستدل لهذه القاعدة بالحديث الصحيح:((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)).
فمنه بيع الحيوان باللحم، ومحمله عند مالك على الجنس الواحد للمزابنة، فيجوز بيع الطير بلحم الغنم وبالعكس ....
روى مالك في مراسله عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. والمحمل: اسم مصدر، أي: اسم للحمل. فقياسه على هذا: أن يكون مفتوح اليمين، لأن كل مضارع على يفعل كيضرب، ولم تكن فاؤه واواً اسم مصدره على مفعل بفتح العين، وللزمان والمكان بكسرها، أي: ومحمل هذا النهي عند مالك- رحمه الله على الجنس الواحد، لأن بيع اللحم بالحيوان بيع معلوم بمجهول، وهو معنى المزابنة. وفي كلامه إشارة إلى أنه لو كان هذا الحيوان غير مباح الأكل لجاز بيعه باللحم وهو كذلك، فيجوز بيع الخيل باللحم لعدم المزابنة حينئذ. وأشار بقوله:(عند مالك) إلى محمل الليث والشافعي، فإنهما حملاه على عمومه. وروي عن أشهب جواز بيع اللحم بالحيوان.
قوله: (فيجوز بيع
…
) إلى آخره. لأن المزابنة شرطها اتحاد الجنس.
وخصصه القاضيان بالحي الذي لا يراد إلا للذبح
أي: كالشاة المعلوفة والكبيرة، فهو تخصيص للنهي بعد تخصيص الإمام، وهو متجه لظهور القصد إلى المزابنة في هذا النوع وبعدها في الصحيح، وهو قول الأبهري وغيره من البغداديين. فلا يقال: يرد عليه ما أورده المازري وغيره على قول مالك من أن المزابنة تمتنع حيث لا تكثر في إحدى الجهتين كثرة بينة. ومالك منع مطلقاً فلم تطرد العلة، لأنا نقول: إذا ظهرت الزيادة فالمنع لأجل التفاضل عندهما- وإن شك- فالمنع عندهما للمزابنة والتفاضل. ولأجل أن مالكاً لم يطرد العلة وقال بالمنع وإن ظهر الفضل، مع كونه علل بالميزانية، أجرى اللخمي قولاً ثالثاً بالجواز في الجنس الواحد إذا تبين الفضل.
وما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه، إلا اللحم كاللحم خلافاً لأشهب، وهما روايتان ....
يعني: أن قول مالك اختلف فيما لا تطول حياته من الحيوان كطير الماء، وما لا منفعة فيه من الحيوان إلا اللحم.
ابن عبد السلام: كالخصي من المعز، هل هو كاللحم فلا يجوز بيعه بحيوان من جنسه وبه أخذ ابن القاسم، أولاً وبه أخذ أشهب، لأنه يصدق عليه أنه حيوان. ومنع ابن القاسم أيضاً بيع هذا الحيوان بلحم، لأنه حي إلا أن يجعله مع الحيوان لحماً ومع اللحم حيواناً احتياطياً.
فإن طالبت أو كانت المنفعة يسيرة كالصوف في الخصي فقولان
يعني: إذا فرعنا على ما أخذ به ابن القاسم، فإن كان الحيوان تطول حياته كالشارف الذي لا يراد إلا للذبح، أو كانت منفعته يسيرة كصوف الخصي من الضأن، ففي كل نوع قولان. أما ما تطول حياته، فقال ابن المواز: كره مالك، وابن القاسم الشارف والمسكور
من الأنعام باللحم، ثم أجازه مالك، وخففه أصبغ. والمراد بالكراهة التحريم. وقد صرح اللخمي بذلك في تعليله.
وأما ما فيه منفعة يسيرة، فقال ابن القاسم: لا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل، إلا أن يكون مما يقتني لصوفه. قال: وأما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتني لصوفه إنما هو للذبح، وأجازه أصبغ وأشهب، كان فيه منافع أو لا.
وفهم من قوله: (المنفعة يسيرة) أنها لو كانت كثيرة- كما إذا كان لها صوف ولبن ويقصد منها الولادة- أنها ليست كاللحم. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك.
ومن ثم اختلف في بيعه بالطعام نسيئه
يعني: ولأجل الخلاف في كونه كاللحم أو كالحيوان اختلف المذهب في بيع هذا الحيوان بالطعام إلى أجل، فمن عده طعاماً منع، لأنه طعام بطعام إلى أجل، وهو قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم في العتبية: فلا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل إلا أن يكون كبشاً يقتني لصوفه. مالك: ،اما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتنى لصوفه إنما هو للذبح.
ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ. مالك: وليس كل شارف سواء، وإنما ذلك في الذي قد شارف الموت، فأما ما كان يقبل ويدبر ويرتفع فلا.
وفي المطبوخ بالحيوان قولان
ظاهر كلامه: أن القولين بالإجازة والمنع، والذي حكاه ابن المواز أن ابن القاسم أجازه، وأشهب كرهه. وإذا كان اللحم ينتقل بالطبخ عن جنسه فلا يجوز بالحيوان من باب الأولى. ووجه الكراهة: الوقوف مع لفظ الحديث.
ومنه المزابنة، وهو بيع معلوم بمجهول ومجهول بمجهول من جنسه، فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه
…
أي: ومن المنهي عنه- وكذلك في كل ما يأتي- وصح من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة.
والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً. وضمير (هو) يعود على المضاف المحذوف، أي: بيع المزابنة. وتفسيرها الواقع في الحديث إنما هو في الربوي، لأن غير الربوي وإن لم يدخل تحت المزابنة فثم عمومات يدخل تحتها كالنهي عن الغرر.
وقوله: (فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه) لانتفاء المزابنة عنه إذ منعت من حلابها، ومنه الزبانية لدفعهم الكفرة، فكان كل واحد من المتابعين يدفع صاحبه عن مراده ويعتقد أنه الغالب، فإذا علم أن أحدهما أكثر انتفى هذا.
وعموم قوله: (جاز فيما لا ربا فيه) يشمل غير المطعومين والمطعومين غير الربويين، وهو مقتضى النظر، لكن ذكر ابن راشد في جواز بيع الرطب باليابس إذا كان غير ربويين ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل، وهو دليل ما في سماع عيسى وما في سماع أصبغ، لعموم النهي عن الرطب باليابس.
الثاني: أنه يجوز بشرط تحري المساواة، وهو أيضاً في سماع عيسى.
والثالث: التفصيل- كما أشار المصنف إليه- جائز إن لم يتبين الفضل، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح. وقد ذهب فضل إلى أن هذا ليس باختلاف، وأن القولين الأولين راجعان إليه.
ولو دخلته صنعة معتبرة جاز
أي: أن المصنوع يصير معداً لغير الأصل كالخبز بالعجين.
وقوله: (جاز) يعني: البيع إن كان نقداً أو إلى أجل، تقدم المصنوع أو تأخر زمناً لا يُصنع في مثِلِه مثلُهُ، فإن تأخر قدر ما يصنع فيه منع لأنه مزابنة.
وفيها: منع بيع الفلوس بالنحاس نقداً لأنه مزابنة، وجواز بيع النحاس بالتور النحاس نقداً، واستشكله الأئمة، وفرق بقلة الصنعة في الفلوس ....
التور: بالتاء المثناة المفتوحة. الجوهري: إناء يشرب فيه. ونسب هذه للمدونة لإشكالها، لأنه جعل الصنعة في الفلوس غير معتبرة بخلاف التور. وما حكاه المصنف من التفرقة هو المشهور. ومسألة الفلوس في السلم من المدونة.
ابن عبد السلام: ومسألة التور ليست بجلية في المدونة، ولكن هو المشهور. وذكر في البيان: في تور النحاس ثلاثة أقوال:
أحدهما: جواز ذلك نقداً وإلى أجل لأجل الصنعة، وهو قول مالك في إحدى روايتي ابن وهب.
الثاني: جوازه نقداً وإن لم يتبين الفضل، ولا يجوز إلى أجل، وهو ظاهر المدونة لتشبيهه فيها ذلك بالكتان بثوب الكتان، وهي رواية ابن وهب الأخيرة.
والثالث: أن ذلك لا يجوز إلى أجل ويجوز في النقد إن تبين الفضل، وهو قول مالك في العتبية، وعليه تأول التونسي المدونة، وتأول غيره عليه عدم الجواز وإن تبين الفضل.
قال في البيان: ولا أعلم خلافاً في منع بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة. قال: وأما مصنوع بمصنوع من النحاس فلا خلاف في جوازه. واعترضه التونسي وقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بغير مصنوع أو مصنوع، لأن الصناعة إذا لم يكن لها تأثير في جهة فكذا في جهتين. انتهى.
واستشكل الأشياخ المنع في الفلوس، وقالوا: القياس جوازه، لأن الصنعة نقلته كما في التور. والفرق الذي ذكره المصنف لابن بشير، وفيه نظر.
ومنه بيع الكالئ بالكالئ
الكالئ: مهموز، مأخوذ من الكلاءة بكسر الكاف، وهي الحراسة والحفظ. فإن قيل: فالدين مكلوٌّ فكيف أطلق عليه كالئاً، فجوابه: يحتمل أن يكون مجازاً في المفرد، أطلق الكالئ على الدين المكلو مجازاً والعلاقة الملازمة.
وقد يرد اسم الفاعل بمعنى المفعول، كقوله تعالى:{مِن مَّاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6] أي: مدفوق. ويحتمل في الإسناد، أي: إسناد الفعل إلى ملابس له بتأويل، أي: كالئ صاحبه كعيشة راضية. ويكون في الحديث إضمار تقديره: نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع مال الكالئ بمال الكالئ، لأن كل واحد من المتابعين يكلأ صاحبه، أي: يحرسه لأجل ما له قِبَلَهُ، ولهذا وقع النهي عنه لأنه يفضي إلى كثرة المنازعة والمشاجرة. والنهي المشار إليه ذكره عبد الرازق، وقال: أخبرني الأسلمي، قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وضعفه دينار قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ، وهوالدين بالدين.
قال عبد الحق: الأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن يحيي وهو متروك، كان يرمى بالكذب. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: ووثقه الدارقطني، والشافعي، ومحمد بن سعيد الأصفهاني، وقد رواه الدارقطني من حديث موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار:
أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. وموسى بن عقبة مولى آل الزبير ثقة روى له الجميع.
وحقيقته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر
اعلم أن هنا ثلاث حقائق:
الأولى: فسخ الدين في الدين، وهو أن تبيع الدين ممن هو عليه بشيء مؤخر من غير جنسه أو من جنسه، وهو أكثر، والمنع في هذه أشد من الأخيرتين، لأنها ربا الجاهلية أو من رباها فهي محرمة بالقرآن، بخلاف الأخيرتين فإن الآية لا تقتضيها، وإنما المنع فيهما بالحديث. ولا يجوز فيهما التأخير إلى مثل ذهابه إلى البيت، وأما أن يفارقه ثم يطلبه فلا يجوز إلا قدر ما لا يمكن القبض إلا به، فإن كان يسيراً فبقدر ما يأتي بمن يحمله. فإن كان طعاماً كثيراً جاز مع اتصال العمل ولو شهراً، قاله أشهب. قال: وهذا إذا كان ما يأخذه منه حاضراً أو في حكمه كالشيء [455/أ] يكون في منزلة أو حانوته فيذهبان من فورهما إلى قبضه، وأما إن كان على ستة أميال، فقد كرهه مالك في الموازية حل الدين أو لم يحل.
الحقيقة الثانية: ابتداء الدين بالدين، وهو تأخير رأس مال السلم، وهذه المرتبة أخف المراتب، لأنهم أجازوا التأخير فيه بلا شرط ثلاثة أيام على المشهور.
الحقيقة الثالثة: بيع الدين بالدين، وهي كالواسطة بينهما.
اللخمي: واختلف في التأخير في بيع الدين، فمنع ذلك في المدونة إلا على المناجزة. وقال محمد: يجوز التأخير اليوم واليومين. قال: وهو أصوب، ولا فرق بين بيع الدين وابتداء الدين. وحكى ابن بشير في الصرف قولين: هل يلحق بيع الدين بابتداء الدين أو بفسخ الدين؟ ولابد في حقيقة بيع الدين أن تتقدم عمارة الذمتين أو أحدهما، كمن له دين على رجل ولثالث دين على رابع فباع كل واحد ما يملك من الدين بدين صاحبه. وكذلك لو
كان لرجل دين على رجل فباعه من لثالث بدين. وعلى هذا فلابد في حقيقة بيع الدين بالدين من ثلاثة أشخاص، بخلاف فسخ الدين في الدين فإنه لا زيادة فيه على اثنين، فقد اتضح الفرق بينهما وبين ابتداء الدين بالدين، لأن ابتداء بالدين إنما يعمر الذمتين عند المعاوضة بخلافهما.
إذ تقرر هذا فكلامه يشمل بيع الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين، لأن كلا منهما قد بيع فيه ما في الذمة بشيء مؤخر، ولا يشمل ابتداء الدين بالدين، لأنه لم يبع شيئاً قد تقرر في الذمة. وقد يقال: بل كلامه يشمل الثلاثة، لأن تقدير كلامه: بيع شيء كائن نفي الذمة بشيء مؤخر، والكائن في الذمة أعم من أن يكون تقرر قبل ذلك أولاً، وإنما يأتي الحمل الأول إذا جعلت (ما) موصولة، وأما إذا جعلت نكرة موصوفة فلا، على أنه يمكن أن يشمل كلامه الثلاثة ولو جعلناها موصولة. واعلم أن العقود التي تشترط فيها المناجزة ستة: الصرف، وبيع الطعام بالطعام، والإقالة من الطعام، والإقالة من العروض وفسخ الدين في الدين، وبيع الدين بالدين.
قال في المقدمات: وباب الصرف أضيق أبواب الربا.
ابن راشد: والإقالة من العروض دون الإقالة من الطعام في طلب المناجزة، لأن الإقالة من الطعام يحذر فيها من بيع الطعام قبل قبضه ومن فسخ الدين بالدين، والإقالة من العروض إنما يحذر فيها من فسخ الدين في الدين. وتقدم الخلاف في بيع الدين هل هو كابتداء الدين أو فسخه؟
وكذلك بيعه بمنافع، وقيل: إلا منافع عين
يعني: وكذلك يمتنع بيع الدين بمنافع مطلقاً، سواء كانت منافع معين أو منافع مضمونة.
وقال أشهب: إنما يمتنع إذا كانت المنافع مضمونة، وأما منافع معين فيجوز، لأن المنفعة إذا استندت إلى معين أشبهت المعينات المقبوضة لأنه أسندت إلى معين، كأن يفسخ الدين في ركوب دابة معينة إلى بلد، أو في كراء مضمون إلى بلد، وسبب الخلاف هل قبض الأوائل كقبض الأواخر؟ ورأى ابن القاسم أن المنافع وإن كانت معينة كالدين لتأخر أجزائها، أي: لأنها لا تقبض ناجزاً، ولأن الضمان من مالك الرقبة. وسبب الخلاف في المعين هل النظر إلى التعيين، أو النظر إلى عدم القبض وتأخيره.
وكلام المصنف هنا إنما هو في بيع الدين من المدين، لأنه سيتكلم في بيعه من غيره.
وصحح المتأخرون قول أشهب، لأنه لو كانت منافع المعين كالدين يمتنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراء الدواب واستئجار العبد وشبهه بدين، والمذهب جوازه. وفرق بأن اللازم في محل المنع هو فسخ الدين، وفي محل الجواز ابتداء الدين بالدين، وهو أخف.
وفي بيعه بمعين يتأخر قبضه كالدار الغائبة والمواضعة، والمتأخر جذاذه، قولان ....
يعني: فلو باع الدين لمن هو عليه بدار غائبة أو أمة متواضعة أو ثمر بدا صلاحه ولا يجذ في الحال، فقولان: المشهور، وهو مذهب المدونة: المنع، لأنه قد تأخر القبض فأشبه الكالئ بالكالئ. والقول بالجواز لأشهب.
واستشكل الشيوخ المنع في الدار الغائبة، لأنه كالمقبوضة بنفس العقد على المشهور كما تقدم، بخلاف الأمة المتواضعة فإن ضمانها من بائعها، وكذلك المتأخر جذاذه فيه ضمان الجوائح. ولهذا قال جماعة: إن معنى المسألة أن الدار بيعت مدارعة فصار فيها حق توفيه.
فإن بيع من غير المدين اشترط حضوره وإقراره
يعني: فإن بيع الدين من غير من عليه الدين فيشترط حضور المديان وإقراره، أما حضوره فليعلم ملاؤه وعدمه، وأما إقراره فلئلا يكون من شراء ما فيه خصومة
وهو غرر. وإذا حصل هذا الشرطان جاز شراؤه اتفاقاً، وأما شراؤه وهو على ميت فمنعه في الموطأ.
ابن رشد: ولا خلاف فيه لأنه غرر، إذ قد يكون عليه أكثر من تركته فلا يكون له إلا ما نابه في الخصاص، وهو مجهول. وأما إن كان حياً ولكنه غائب فإن لم تكن عليه بينة فنص مالك في غير موضع على المنع. وظاهر قول أصبغ في العتبية: جواز بيعه، وعلى ذلك فهمها ابن رشد، وتأوله في موضع آخر على أن الغيبة قريبة، وإن كانت عليه بينة فالمشهور: أنه لا يجوز، إذ لا يدري أهو حي أم ميت، مقر هو أم منكر؟
ابن رشد: وأجازه ابن القاسم في سماع موسى إذا كانت غيبته قريبة بحيث يعرف حاله، وقاله أصبغ في نوازله، ورواه ابن دينار عن مالك. وإن كان حاضراً فهل يشترط إقراره؟ المشهور: اشتراطه.
ابن رشد: وتقوم إجازته [455/ب] من إجازة ابن القاسم بيع الدار التي في خصومة على ما وقع في بعض روايات المدونة.
ومنه بيع الغرر، وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم
في مسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وبيع الغرر. وهو يشتمل على ثلاثة أنواع، أحدها: هذا، والجهل بينه في قوله:(كزنة حجر مجهول، وكتراب الصواغين). الثاني: هو الخطر، وهو ما تردد بين السلامة والعطب، كبيع المريض في السياق، والآبق، والشارد، والثمار قبل بدو صلاحها على التبقية.
الثالث: تعذر التسليم نحو الطير في الهواء، والسمك في الماء، وقد يحتمل اثنان في محل واحد كالطير في الهواء، وكلامه ظاهر.
وبعضه معفو، قال الباجي: اليسير. وزاد المازري: غير مقصود للحاجة إليه
أي: وبعض الغرر مفعو، إذ لا يكاد يخلو بيع عنه. وقوله:(قال الباجي) هو تفسير للبعض المعفو عنه. و (اليسير): خبر مبتدأ محذوف.
وزاد المازري مع قيد اليسارة قيدين آخرين: أن يكون غير مقصود، وأن يكون محتاجاً إليه. وقرره في المعلم بأن العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر، كالأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء. وأجمعوا على صحة بعضها، كالجبة وإن كان حشوها مغيباً، وكإجازة الدار مشاهرة مع كون الشهر ناقصاً وكاملاً، وكدخول الحمام والشرب من السقاء مع اختلاف الناس في الاستعمال والشرب من السقاء. واختلفوا في بعضها، فيجب أن يبحث عن الذي يعرف منهم اتفاقهم واختلافهم، ففهمنا عنهم أنهم إنما منعوا بيع الأجنة لعظم غررها وأن الغرر فيها مقصود، وأجازوا تلك المسائل لأن الغرر فيها يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه.
والخلاف في بعضها لتحققه، ففي بيع الإماء وغيرهن بشرط الحمل الظاهر، ثالثها: إن قصد البراءة منه صح وإلا فسد ....
يعني: والخلاف في بعض البياعات المشتملة على الغرر لتحقق ذلك القدر هل هو من اليسير فيعفى عنه أو من الكثير فلا يعفى عنه. وينبغي إذا شك في محل هل هو من اليسير أو من الكثير المنعُ، لأنه أسعد بظاهر الحديث. وقد يقال: بل الغرر مانع والشك فيه غير قادح، إذ الأصل الجواز.
وقوله: (ففي بيع الإماء) إلى آخره. يعني: أن المذهب اختلف في جواز بيع الأمة، والشاة، والناقة، والبقرة بشرط أنها حامل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائز، سواء قصد بشرط التبرؤ أو زيادة الثمن، لأنه تبرأ في الأول من عيب، وفي الثاني الغالب سلامته وولادته.
الثاني: أنه ممتنع وهو مذهب المدونة، وعلله بأنه كأنه أخذ لجنينها ثمناً.
والثالث: لمالك في الموازية: إن قصد البراءة صح، وإن قصد الاستزادة لم يصح.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب، وبعضهم رد القولين الأولين عليه.
خليل: وفي كلام المصنف نظر، لأنه يقتضي أن القول الثاني أنه لا يصح وإن قصد البراءة، وهذا لا ينبغي أن يختلف في جوازه. وقد صرح ابن زرقون بذلك، وإنما الخلاف إذا قصد الاستزادة في الثمن والمشهور المنع ولفظ ابن زرقون: اختلف في بيع الجارية التي يزيد في ثمنها الحمل على أنها حامل والبقرة وغيرها، على ذلك فمنعه مالك في سماع ابن القاسم وإن كانت ظاهرة الحمل، وأجازه سحنون إذا ظهر الحمل، وأجازه أشهب وإن لم يظهر. فإذا قلنا بهذا القول فوجدها غير حامل، فقال أشهب: يردها. وقال ابن أبي حازم: إن باعها وهو يظن أنها حامل فإذا هي غير حامل فلا يردها، وإن علم أنها غير حامل بمعرفته أن الفحل ينزو عليها فله أن يردها، لأنه غره وأطمعه. وأما إن كانت الجارية رفيعة ينقصها الحمل فباعها على أنها حامل وهي ظاهرة الحمل، فلا خلاف في جوازه، لأن ذلك على معنى التبرؤ، وإنما لا يفسد البيع في الرمكة على أنها حامل في قول من أجازه إذا قال ذلك قولاً مطلقاً. ولو قال: إنها حامل من فرس أو من حمار لفسد البيع، لاحتمال أن يكون انفلت عليها غير الذي سماه.
وأما بشرط الخفي ففاسد إلا في البراءة
أي: فلا يجوز اشتراط الحمل الخفي إذا قصد به الاستزادة، قد تقدم قول أشهب أنه أجازه، سواء كانت ظاهرة الحمل أم لا. وما ذكره من جواز التبرؤ في الحمل الخفي إنما هو في الأمة الوخش، وأما الرائعة فلا يكون بيعها بشرط البراءة منه، لأن الحمل يضع من ثمنها كثيراً ذلك غرر، نص عليه في المدونة وغيرها. قال: وهذا مع انتفاء السيد من