الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول
في فضل الحسبة، و
شروط المحتسب
اعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، وهي بين خطة القضاء وخطة الشرطة، جامعة بين نظر شرعي ديني وزجر سياسي سلطاني، فلعموم مصلحتها، وعظيم منفعتها، تولى أمرها الخلفاء الراشدون، والأمراء المهتدون لم يوكلوا أمرها إلى غيرهم مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش للمكافحة والجلاد.
شروط المحتسب
ومن شروط المحتسب، أن يكون ذكراً، إذ الداعي إلى اشتراط الذكورية أسباب لا تحصى، وأمور لا تستقصي. ولا يرد ما ذكره ابن هرون أن عمر رضي الله عنه ولي الحسبة على سوق من أسواق المدينة لامرأة تسمى الشفاء "بنت عبد الله". وهي أم سليمان ابن أبي
خيثمة الأنصارية، لأن الحكم على الغالب، والشاذ لا حكم له وتلك القضية من الندور بمكان، أو لعله في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة ومن شروطه أيضاً أن يكون مسلماً، إذ لا ولاية لكافر على مسلم ولا أمامه، وأن يكون بالغاً، إذ الأمور مع الصبي لا تكاد تنضبط غالباً بزمام، لامتزاجه في الغالب، بقلة التثبت، وكثرة الأوهام، وأن يكون عدلا إذ هي أصل في الخطط، والولايات، والأمور المباينة للجنايات، ومن شروط الكمال، أن يكون لا يخاف في الله لومة لائم- ذا مهابة، ووقار، وهمته عالية عن دني الأقدار، وفظاظة يشوبها رفق وروي عن علي رضي الله عنه، أنه أدب رجلا فقال له: قتلتني يا أمير المؤمنين، فقال الحق قتلك فقال له ارحمني فقال: الذي أوجب عليك الحد ارحم بك مني.
ومن حقه ألا يؤدب أحد حتى يتقدم له فيما أمر به، أو نهى عنه ويتأنى ولا يؤدب أحداً إلا بعد التحقيق، قال تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وقد أدب عمر رضي الله عنه رجلا رآه يصلي بين النساء فقال له: والله لئن كنت أحسنت، فقد ظلمتني وإن كنت اسأت فما اعلمتني، فقال له عمر أما سمعت ينهي أن يطوف الرجال مع النساء فقال له والله، ما سمعت، ثم ألقى له الدرة، فقال له: اقتص، فقال لا اقتص اليوم، فقال فاعف فقال لا، وانصرف ثم لقيه غداً فقال له: أما لك أن تقتص، أو تعفو، فقال قد عفوت.
وعلى المحتسب أن يحتسب في كل ما يراه مصلحة للمسلمين وأن ينظر في جميع الأمور الجليلة، والحقيرة، وقد كان بعض أصحاب الشافعي لما قدم لها من بغداد، أقام قاضياً وجده يقضي في المسجد فقال له ألم تسمع قوله تعالى {في بيوت أذن الله أن ترفع} . ولكن هذا يخالف ما روي من استحباب
مالك الجلوس للقاضي، في المسجد، ليتوصل إليه القوي، والضعيف، والصغير، والكبير، وقد كان محتسب أمر المؤذنين أن يعصبوا على أعينهم، وقت صعودهم للتأذين على السطوح والمنائر وليكن ليناً في فظاظة، ضعيفاً في قوة: يوبخ ويزجر، ويتوعد ويسجن ويضرب، ويعاقب سراً وجهراً، ويطوف بعد التثبت، كما قال تعالى فتثبتوا أو فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين الآية. ويتخذ من ثقات أهل السوق، من يعرف ثقته وأمانته ونصيحته للمسلمين يبحث له عن أحوال الباعة ويتفقد الموازين، والامداد بنفسه مرة بعد مرة، في الأوقات المعهودة وغير المعهودة فما ظهر من المناكر غيره، بحيث لا يتجسس على أحد ممن ابتلي بشيء من هذه القاذورات الخاصة به إلا الجماهير وقد قال صلى الله عليه وسلم (من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عليه، فإن من