المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل: ما يتناوله اسم الرسل في قوله فقد كذب رسل من قبلك] - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ: إِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم لَمْ يُبَشَّرْ بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِ النَّصَارَى عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ] [

- ‌طُرُقُ إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ هِيَ إِثْبَاتٌ لِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[إِبْطَالُ دَعْوَى النَّصَارَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ عليه السلام]

- ‌[فَصْلٌ: الْمُسْلِمُونَ لَمْ يُصَدِّقُوا نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى خُصُوصِيَّةَ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِ كِتَابِهِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ: دَفْعُ مَا يُوهِمُ الْخُصُوصِيَّةَ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِ النَّصَارَى عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ الْمُتَرْجِمِينَ لِلْإِنْجِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى زَعْمِهِمْ الِاسْتِغْنَاءَ بِرُسُلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ عَنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِهِمْ بِأَنَّ عَدْلَ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُطَالَبُوا بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ عَقِيدَةِ النَّصَارَى فِي الصَّلْبِ وَالْفِدَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا. . . تَقْتَضِي الْعَرَبَ وَحْدَهُمْ]

- ‌[فَصْلٌ: تَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ تَقْصِيرِ الْيَهُودِ وَغُلُوِّ النَّصَارَى]

- ‌[فَصْلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ مَمْلُوكَاتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِبْطَالُ دَعْوَاهُمُ اتِّحَادَ كَلِمَةِ اللَّهِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمُ الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَدَفْعُ اعْتِقَادِ النَّصَارَى أُلُوهِيَّتَهُ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي احْتِجَاجِهِمْ بِآيَةِ سُورَةِ الْحَدِيدِ عَلَى مَدْحِ الرَّهْبَانِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي احْتِجَاجِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَهُمْ فِي قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ تَعْظِيمَ الْإِسْلَامِ لِمَعَابِدِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَاهُمْ وُجُوبَ التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ الْحَوَارِيِّينَ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ إِنْجِيلَهُمُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرُّسُلِ]

- ‌[فَصْلٌ: أَسْبَابُ ضَلَالِ النَّصَارَى وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: الْخَوَارِقُ الَّتِي يُضِلُّ بِهَا الشَّيَاطِينُ أَبْنَاءَ آدَمَ]

- ‌[فَصْلٌ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ]

- ‌[فَصْلٌ: إِثْبَاتُ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا يُثْبِتُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ صَدَّقَ كُتُبَهُمُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ تَنَاقُضُ خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: وُقُوعُ التَّبْدِيلِ فِي أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَانْقِطَاعِ سَنَدِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ أَنَّ التَّحْرِيفَ وَقَعَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ]

- ‌[فَصْلٌ: دَعْوَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْحُكْمِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الصَّحِيحَةِ]

الفصل: ‌[فصل: ما يتناوله اسم الرسل في قوله فقد كذب رسل من قبلك]

[فَصْلٌ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ]

قَالُوا: وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] فَأُعْنِيَ أَيْضًا بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الْمُقَدَّسُ.

فَيُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ تَتَنَاوَلُ قَطْعًا الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا أُولُو الْعَزْمِ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - خَصَّهُمُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا - لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: 7 - 8]

ص: 346

وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] فَالدِّينُ دِينُ رُسُلِ اللَّهِ دِينٌ وَاحِدٌ ; كَمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ وَأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» .

وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا اسْمَ الرُّسُلِ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ فِي الْقُرْآنِ قَالَ - تَعَالَى -: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 163 - 165]

ص: 347

وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ وَوَصَفَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَبِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ ; كَمَا أَنْزَلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ - رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 52 - 53] وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] وَقَالَ - تَعَالَى -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] .

ص: 348

وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمُ الْبَتَّةَ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَلْهَمَهُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111] لَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]

وَأُمُّ مُوسَى لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً بَلْ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ ; كَمَا تَقُولُهُ: عَامَّةُ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ ذَكَرَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلُ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي يَعْلَى بْنِ أَبِي الْفَرَّاءِ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] فَجَعَلَ غَايَةَ مَرْيَمَ الصِّدِّيقِيَّةَ ; كَمَا جَعَلَ غَايَةَ الْمَسِيحِ الرِّسَالَةَ.

ص: 349

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ» يَعْنِي مِنْ نِسَاءِ الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّسَاءِ فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيَّةً، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -:{جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ - تَعَالَى -:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 8] وَقَوْلُهُ: وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْمَعْنَى فَيَعُمُّ كُلَّ كِتَابٍ مُنِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْإِنْجِيلَ لَقِيلَ وَلَا الْكِتَابِ الْمُنِيرِ، وَأَيْضًا

ص: 350

فَالتَّوْرَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فَقَالَ تَعَالَى:{قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ} [القصص: 48] وَقُرِئَ سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 48] وَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْإِنْجِيلُ وَلَا الزَّبُورُ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْكِتَابُ الْمُنِيرُ هُوَ الْإِنْجِيلُ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخُصُّ بِالذِّكْرِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّوْرَاةَ دُونَ غَيْرِهَا فَهِيَ الَّتِي يُقْرِنُهَا بِالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 91 - 92]

ص: 351

وَقَدْ وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّ فِيهَا نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ النُّورَ فِي الْإِنْجِيلِ دُونَهَا وَقَالَ - تَعَالَى -: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 154 - 156] فَقَدْ ذَكَرَ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُمْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ هُنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] فَذَكَرَ الْكِتَابَ بِلَفْظِ الْمُنْفَرِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَرَادَ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى ; كَمَا قَالَ:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام: 156] .

ص: 352

وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُفَسِّرُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ.

وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلَ وَحْدَهُ ; كَمَا لَمْ يُرِدْ بِالرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ أَرَادَ بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ; كَمَا أَرَادَ بِالرُّسُلِ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ -.

ص: 353