الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14-
الرفق ولين الجانب
وخير ما أختم به هذا المبحث من الأركان والأسباب التي تؤدي إلى الحكمة هو: الرفق واللين، فإن الله رفيق يحب الرفق، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (1) .
وكان صلى الله عليه وسلم وهو الرفيق بأمته يوصي صحابته بالرفق والسكينة دائما، وقد مدح الله -جل وعلا- رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران: من الآية 159) . فالرفق واللين من سمات الحكماء.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هناك فهما خاطئا لمفهوم اللين؛ حيث يتصور الكثير أن الرفق واللين مرادف للضعف. وهذا فهم خاطئ، فإن الرفق واللين لا يضاد القوة، ولا يستلزم الضعف، وإنما يضاد العنف والفظاظة والغلظة، ومن الأدلة على ذلك:
1-
أن الله -تعالى- وصف رسوله صلى الله عليه وسلم باللين، ومدحه بذلك، ونفى عنه الفظاظة والغلظة، ولا يمدح إلا بالممدوح.
2-
أن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوى الرجال بل هو أقواهم، مع اللين والرحمة، والرفق وخفض الجانب.
(1) مسلم (2593) ، (2594) .
3-
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى الذي يريد أن يذبح ذبيحته باللين والرفق، والذبح من مظاهر القوة لا الضعف «وليحد شفرته وليرح ذبيحته» (1) . وفي هذا الحديث دليل على أن القوة باللين والرفق، فحد الشفرة، دليل على القوة بلين ورفق.
4-
أن الجهاد مظهر من مظاهر القوة، بل هو القوة بعينها، ومع ذلك ينهى فيه عما يؤدي إلى العنف والغلظة، فنهى عن المثلة ونحوها.
وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين اللين، والرفق وبين القوة، وكلها من صفات الحكماء.
وبعد:
فهذه أهم وأبرز أركان الحكمة وأسبابها، حسب ما ظهر لي بالتتبع والاستقراء لكتاب الله عز وجل.
وقد تجتمع هذه الأركان في شخص واحد، وهو نادر وقليل، وقد تتوافر في مجموعة من الأفراد، فبمجموعهم تتوافر فيهم أركان الحكمة وسماتها.
وكما ذكر العلماء، أن المجدد قد يكون فردًا واحدًا، وقد يكونون مجموعة من العلماء، والدعاة يجددون لهذه الأمة أمر دينها (2) .
ولهذا فإن الحكمة قد تكون كاملة وقد تكون نسبية، وهو الأكثر (3) وهذا المفهوم يساعدنا في البحث عن الحكمة والحكماء عند مواجهة الأحداث والأزمات.
(1) رواه مسلم (1955) .
(2)
انظر: كتاب التجديد والمجددون.
(3)
قال ابن القيم في مدارج السالكين 4 / 479: والله - تعالى- أورث الحكمة آدم وبنيه، فالرجل الكامل من له إرث كامل من أبيه، ونصف الرجل كالمرأة له نصف ميراث، والتفاوت في ذلك لا يحصيه إلا الله تعالى. وأكمل الخلق في هذا: الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، وأكملهم أولو العزم، وأكملهم محمد، صلى الله عليه وسلم، ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى عليه، على أمته بما آتاهم من الحكمة، كما قال - تعالى-: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وقال: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
1-
الوالدان، والأولاد والزوجة، والأهل والأرحام.
فموضوع بر الوالدين وتربية الأولاد، ومصاحبة الزوجة ومعاشرتها، وصلة الأهل والأرحام والأقارب موضوع وقع الناس فيه بين إفراط وتفريط، وقليل منهم من يوفق إلى الأسلوب الأمثل ويؤدي حق الله في هذا الجانب.
فمثلا: الزوجة، هناك من أساء فهم حق القوامة التي منحه الله إياها، {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: من الآية 34) . فتسلط على زوجته واعتبرها مملوكة له، يعاملها كما يعامل السيد مملوكه، وتجاهل حقوقها، والمنهج الشرعي في معاشرتها، {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: من الآية 19) . وهذا استعباد لم يأذن به الله، وآخرون خضعوا لسلطان الشهوة. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} (آل عمران: من الآية 14) . فاستعبدتهم النساء، وأصبحت المرأة هي السيدة في البيت، فلا يقضى أمر دونها، ولا يعتذر عن مطلب من مطالبها، فضاعت القوامة، ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.
والقليل من وفق إلى العمل بهذه الأدلة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: من الآية 34) . {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: من الآية 228){وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: من الآية 19) . وقول الرسول، صلى الله عليه وسلم «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر» (1) . وقوله: «إنما هن عوان عندكم» (2) . أي: أسيرات، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين حق الزوجة والزوج.
(1) مسلم (63،1470) .
(2)
أخرجه الترمذي (1163) وقال: وهذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (1851) .