الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقسام الحكمة
قال ابن القيم: والحكمة، حكمتان: علمية، وعملية. فالعلمية: الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقا وأمرا، قدرا وشرعا. والعملية، كما قال صاحب المنازل: وضع الشيء في موضعه.
قال: وهي على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه.
الدرجة الثانية: أن تشهد نظر الله في وعده، وتعرف عدله في حكمه، وتلحظ بره في منعه. ومن معاني هذه الدرجة قول أهل الإثبات والسنة: إنها -أي الحكمة- الغايات المحمودة المطلوبة له -سبحانه- بخلقه وأمره، التي أمر لأجلها، وقدر وخلق لأجلها.
الدرجة الثالثة: أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وفي إرشادك الحقيقة، وفي إشاراتك الغاية. قال ابن القيم: يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة، وهي أعلى درجات العلماء (1) .
(1) انظر: مدارج السالكين، منزلة الحكمة 2 / 478.
وتظهر الحكمة في قصتهم بما يلي:
1-
أن هدايتهم إلى دين الله، وعدم تقليد قومهم على ما هم عليه هو عين الحكمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
2-
اعتزالهم لقومهم، بعد أن أدركوا أنه لا ينفع معهم نصح ولا دعوة، وهذه هي العزلة المشروعة، وبخاصة عند وقوع الفتن أو الخشية منها، وهذا مصداق الحديث الصحيح:«يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» .
3-
صمودهم على الحق عند مواجهتهم للباطل.
4-
العزلة الثانية، وهي عزلة سرية، لأن العزلة الأولى كانت عزلة دون تخف، حيث علم بهم قومهم، وعلموا ما هم عليه.
أما هذه العزلة، فكانت عزلة سرية، لا يعلم مكانهم، لما قد يترتب على ذلك من مفاسد. {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف: 20) .
وكأنهم يشيرون إلى العزلة الأولى، ثم الفرصة التي أعطيت لهم، حيث علموا أن الفرصة لن تتكرر.
5-
حكمتهم في قضاء حوائجهم، {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} (الكهف: من الآية 19) .
إن هذه القصة، قصة عجيبة، فيها الحكمة، والعبرة، وبيان منهج الدعوة، وحسن استخدام الوسائل، وتقدير المصالح والمفاسد، ومعرفة ما آلت إليه الأمور، إلى غير ذلك من الدروس والعبر.
إن إبراز مواطن الحكمة في هذه القصة تبرز من خلال ما يلي:
1-
العدل.
2-
التثبت.
3-
بُعدُ الرؤية، وسعة الأفق.
4-
إتقان قاعدة المصالح والمفاسد.
5-
القوة بدون عنف، واللين بدون ضعف.
6-
أداء المسئولية على وجهها.
7-
الشورى.
8-
نسبة الفضل لأهله.
9-
التنبه والحذر من الاستدراج.
10-
القوة في اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
4 -
أن الداعية يخرج من قصة لقمان بعدة دروس أهمها:
(أ) حسن الأسلوب، واختيار أفضل الكلمات للوصول إلى قلوب المدعوين.
(ب) التركيز على الأصول من التوحيد وغيره، مع عدم الإخلال بالفروع.
(جـ) الإيجاز مع التركيز والشمول.
(د) أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليس بالأمر الهين واليسير، ولذا يخشى على صاحبه من المزالق، ويستطيع الداعية أن يتخلص من ذلك بالصبر، والتواضع، والتزام منهج الوسطية في أموره كلها.
وبعد:
فهذه وقفة سريعة مع هذه القصة العظيمة التي تنبض حكمة وعلما وفقها {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة: من الآية 269) .