الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأقرا المكتوب جمع بلغ عدد التواتر وحمله عدد مثله. والقطع على كل حال لم نستفده من محض الكتابة وخصوصيتها، وإنما هو من التواتر الكتابي في الحالة الأولى، أو اللفظي بإقرارهم في الحالة الثانية.
الكِتَابَةُ دُونَ الحِفْظِ قُوَّةً:
ومع أن الكتابة تفيد الظن - على ما علمت فهي دون الحفظ في هذه الإفادة. ولذلك ترى: أن علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع وحديث مكتوب، يُرَجِّحُونَ الأول، قال الآمدي (1):«وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَىَ الْمَرْوِيَِّ فَتَرْجِيحَاتٌ. الأَوَّلَ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعِ مِنَ الْنَّبِيِِّ صلى الله عليه وسلم، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى عَنْ كِتَابٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى، لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ الْتَّصْحِيْفِ وَالْغَلَطِ» .
وترى (اَيْضًا): أن علماء الحديث - بعد اتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع - قد اختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة. (فمنهم): من أجازها مُحْتَجًّا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأمير سرية كِتَابًا وقال: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا» . فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في تعاليق البخاري في " صحيحه ". و (منهم): من لم يجزها دافعًا ما تقدم بأن الحجة إنما وجبت بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور، لعدم توهم التبديل والتغيير فيه، لعدالة الصحابي، بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي. وهو دفع ضعيف كما ترى. ولذلك كان الصحيح: صحة الرواية بأحدهما ما دامت العدالة متحققة، وانتفى ما يوجب الشك في المكتوب. قال ابن حجر (2):«وَأَقُولُ: شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» . اهـ.
وبالجملة: فالمكاتبة فيها من الاحتمالات أكثر مما في التحديث شفاها.
(1) في " الإحكام ": ج 4 ص 334.
(2)
في " الفتح ": ج 1 ص 115.
فلذلك وقع الخلاف فيها دونه، وإن كان الصحيح جواز الاعتماد عليها بالشروط التي صرح ببعضها ابن حجر.
…
الكتابة دون الحفظ قوة خصوصا من العرب ومن على شاكلتهم:
وذلك أنا نعلم: أن العرب كانوا أمة أمية، يندر فيهم من يعرف الكتابة، ومن يعرفها منهم قد لا يتقنها، فيتطرق إلى مكتوبه احتمال الخطأ احتمالا قويا، وإذا أتقنها الكاتب فقد لا يتقن قراءتها القارئ منهم: فيقع في اللبس والخطأ، خُصُوصًا قبل وضع قواعد النقط والشكل والتمييز بين الحروف المعجمة والمهملة، الذي لم يحدث قبل عهد عبد الملك (1) بن مروان، ولذلك كان جل اعتمادهم في تورايخهم وأخبارهم ومعاوضاتهم وسائر أحوالهم على الحفظ حتى قويت هذه الملكة عندهم، وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه. بخلاف من يعتمد على الكتابة من الأمم المتعلمة المتمرنة عليها: فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه، وهذه الحال مشاهدة فيما بيننا: فإنا نجد الأعمى أقوى حفظا لما يسمعه من البصير، لأنه جعل كل اعتماده على ملكة الحفظ. بخلاف البصير فإنه يعتمد على الكتاب وأنه سينظر فيه عند الحاجة، وكذلك التاجر الأمي قد يعقد من الصفقات في اليوم الواحد نحو المائة ومع ذلك نجده يحفظ جميع ماله عند الغير وما عليه له بدون ما خطأ أو نسيان لدانق واحد. بخلاف التاجر المتعلم الذي اتخذ الدفاتر في متجره واعتمد عليها في معرفة الصفقات وما له وما عليه: فإنا نجده سريع النسيان لما لم يكتبه كثير الخطأ فيه. ونظير ذلك حاسة السمع عند الأعمى: فإنها أقوى منها بكثير عند البصير. لأن الأول لما فقد بصره استعمل سمعه في إدراك أشياء كثيرة كان يميزها بالبصر لو كان بصيرًا. فقوي عنده السمع وكذلك نجد حواس الحيوانات المفترسة من شم وسمع وبصر أقوى منها في الإنسان
(1) انظر " الوسيط ": ص 133، و " تاريخ القرآن ": ص 67، 68.
بمراحل. لأنها تعتمد على هذه الحواس في حياتها أكثر من اعتماد الإنسان عليها.
ولقد ساعد العرب على تقوية ملكة الحفظ عندهم طبيعة جوهم وبساطة معيشتهم، وَحِدَّةَ ذكائهم. وقوة فهمهم لما يحدث بينهم، وَسَعَةَ خِبْرَتِهِمْ بأساليب لسانهم وطرق بيانهم.
…
وَخُصُوصًا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمْ:
وهذه حالة العرب في جاهليتهم. فما بالك بالصحابة رضي الله عنهم الذين قَيَّضَهُمْ اللهُ لحفظ الشرع وصيانته وحمله وتبليغه لمن بعدهم. وملأ قلوبهم بالإيمان والتقوى والرهبة والخوف: أن يبلغوا من بعدهم شيئًا من أحكام الدين على خلاف ما سمعوا ورأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن غير أن يتأكدوا ويتثبتوا أنه هو الحق من ربهم ومن رسوله صلى الله عليه وسلم. والذين حصلت لهم بركة صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتلمذوا له وتخرجوا على يديه. واستنارت قلوبهم بنوره، وتأدبوا بأدبه واهتدوا بهديه واستنوا بسنته. ودعا لهم بالحفظ والعلم والفقه كما ورد في أبي هريرة وابن عباس.
وقريب من الصحابة في هذا المقام: من اجتمع بهم وشاهد أحوالهم واتبع خطاهم واقتفى آثارهم من التابعين، كل ذلك يكاد ينفي عن سامع الحديث من أحدهم توهم خطأ أو نسيان أو تبديل أو اختلاق.
والأخبار التي تدل على قوة الحفظ عند العرب كثيرة يعلمها الخاصة والعامة.
ولقد كان كثير من الصحابة والتابعين مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك كابن عباس والشعبي وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِي وَقَتَادَةَ. فكان أحدهم يجتزئ بالسمعة، ألا ترى ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي أولها:
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ *
…
*
…
* غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهْجِرٌ؟
في سمعة واحدة ، وهي خمسة وسبعون بيتًا. وما جاء عن الزهري أنه كان