المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(سنة تسع وأربعين وسبعمائة) - السلوك لمعرفة دول الملوك - جـ ٤

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌(سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة)

- ‌(وَفِي يَوْم الْأَحَد أول شَوَّال)

- ‌(سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة)

- ‌(وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس عشر ربيع الآخر)

- ‌(سنة خمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(وَفِي عَاشر جُمَادَى الآخر)

- ‌(سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(وَفِي رَجَب)

- ‌(وَفِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشريه)

- ‌(سنة اثْنَتَيْنِ فِي خمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشرى شَوَّال)

- ‌(سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سبعين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة)

الفصل: ‌(سنة تسع وأربعين وسبعمائة)

(سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة)

أهلت بِيَوْم الثُّلَاثَاء وَهُوَ الْخَامِس من برمودة وَالشَّمْس فِي الدرجَة التَّاسِعَة عشر من برج الْحمل أول برج فصل الرّبيع. فِي يَوْم الثُّلَاثَاء أول الْمحرم: قدم الْخَبَر بقتل إِسْمَاعِيل الوافدي وَالِي قوص بعد فراره مِنْهَا وَقد جمع عَلَيْهِ عدَّة من الوافدية يُرِيد تملك بِلَاد السوادن فحاربوه وقتلوه وَمن مَعَه بأسرهم وَأخذُوا مِنْهُم مَالا كَبِيرا. وَفِيه خلع على الْأَمِير عَلَاء الدّين على بن الكوراني وَاسْتقر فِي ولَايَة الْقَاهِرَة عوضا عَن أسندمر القلنجقى بعد مَوته - وَأخرج ابْن الكوراني من السجْن أَرْبَعِينَ مسجوناً وَفعل بهم من الْقَتْل وَالْقطع مَا توجبه جرائمهم شرعا. وَفِيه قبض على الشَّيْخ عَليّ الكسيح نديم المظفر حاجي وَضرب بالمقارع والكسارات ضربا عَظِيما وقلعت أَضْرَاسه وأسنانه شَيْئا بعد شَيْء فِي عدَّة أَيَّام وَنَوع لَهُ الْعَذَاب أنواعاً حَتَّى هلك. وَكَانَ شنع المنظر لَهُ حدبة فِي ظَهره وحدبة فِي صَدره كسيحاً لَا يسْتَطع الْقيام إِنَّمَا يحمل على ظهر غُلَامه. وَكَانَ يلوذ بألجيبغا المظفري وَهُوَ مَمْلُوك فَعرف بِهِ ألجيبغا الْملك المظفر حاجي فَصَارَ يضحكه. وَصَارَ المظفر يخرج عَلَيْهِ ويعاقره الشَّرَاب فتهبه الحظايا شَيْئا كثيرا. ثمَّ زوجه المظفر حاجي بِإِحْدَى حظاياه وَصَارَ يسْأَله عَن النَّاس فينقل لَهُ أخبارهم على مَا يُرِيد وداخله فِي قَضَاء الأشغال فخافه الْأُمَرَاء وَغَيرهم خشيَة لستانه وصانعوه بِالْمَالِ حَتَّى كثرت أَمْوَاله بِحَيْثُ أَنه إِذا دخل خزانَة الْخَاص لابد أَن يُعْطِيهِ نَاظر الخزانة مِنْهَا شَيْئا لَهُ قدر وَيدخل عَلَيْهِ الْخَاص حَتَّى يقبله مِنْهُ. وَإِذا دخل إِلَى النَّائِب أرقطاى استعاذ من شَره ثمَّ قَامَ لَهُ وترحب بِهِ وسقاه مشروبا وَقضى شغله الَّذِي جَاءَ بِسَبَبِهِ وَأَعْطَاهُ ألف دِرْهَم من يَده وَاعْتذر إِلَيْهِ فَيَقُول للنائب: هَا أَنا أَدخل على ابْني السُّلْطَان فأعرفه أحسانك. فَلَمَّا زَالَت دولة المظفر حاجي عَنى بِهِ ألجيبغا إِلَى أَن شكاه عبد الْعَزِيز العجمي - أحد أَصْحَاب الْأَمِير قراسنقر - على مَال أَخذه مِنْهُ لما قبض عَلَيْهِ غرلو بعد قتل قراسنقر حَتَّى خلصه مِنْهُ فتذكره أهل الدولة وسلموه إِلَى الْوَالِي فعاقبه وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَزير منجك حَتَّى أهلكه. وَفِيه رجمت الْعَامَّة ابْن الأطروش الْمُحْتَسب. وَسَببه أَن السّعر لما تحسن بلغ الْخبز سِتَّة

ص: 69

أَرْطَال وَسَبْعَة أَرْطَال بدرهم عمل بعض الخبازين خبْزًا ونادى عَلَيْهِ ثَمَانِيَة أَرْطَال بدرهم فَطَلَبه الْمُحْتَسب وضربه فثارت الْعَامَّة بِهِ وَرَجَمُوا بَابه حَتَّى ركب الْوَالِي وَضرب مِنْهُم جمَاعَة. وَفِيه توحش مَا بَين الْأَمِير شيخو والأمير بيبغا روس نَائِب السُّلْطَان. وَسَببه أَن نَفَقَة السُّلْطَان الْمِائَة دِرْهَم دخلت إِلَيْهِ على الْعَادة فَطلب مِنْهُ أحد المماليك ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَبعث إِلَى الْأَمِير شيخو يطْلب مِنْهُ ذَلِك فَقَالَ لقاصده: أيش تعْمل بِالدَّرَاهِمِ وأيش لَهُ حَاجَة بهَا وَمَا ثمَّ هَذَا الْوَقْت شَيْء. فعز عَلَيْهِ ذَلِك لما بلغه وَأرْسل يطْلب هَذَا الْمبلغ من النَّائِب بيبغا روس فَبعث إِلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. وَقَامَت قِيَامَة شيخو وَأقَام أَيَّامًا لَا يحدث النَّائِب بيبغا روس حَتَّى دخل بَينهمَا الْوَزير منجك وَسَأَلَ عَن سَبَب الْغَضَب على النَّائِب. فَقَالَ لَهُ شيخو: أَنا مَا كَانَ عِنْدِي دَرَاهِم أَسِيرهَا للسُّلْطَان لَكِن حفظت مَا اتفقنا عَلَيْهِ فَعمل النَّائِب وَجهه أَبيض عِنْد السُّلْطَان وسود وَجْهي فَمَا زَالَ بِهِ الْوَزير منجك حَتَّى رضى. وَفِيه قدم الْخَبَر بِوُقُوع الْحَرْب بَين سيف بن فضل وَعمر بن مُوسَى بن مهنا أسر فِيهَا سيف وَقتل أَخُوهُ وَجَمَاعَة من أَصْحَابه. وَفِيه توقف أَمر الدولة على الْوَزير منجك فَقطع سِتِّينَ من السواقين ووفر لحمهم ومعلومهم وكسوتهم وعليقهم وَقطع كثيرا من الركابين والنجابة وَقطع كثيرا من المباشرين حَتَّى وفر فِي كل يَوْم أحد عشر ألف دِرْهَم. وَفتح ابْن منجك بَاب

ص: 70

المفايضات بالأخباز والنزولات عَنْهَا وَأخذ من ذَلِك مَالا كثيرا وَحكم على أَخِيه الْأَمِير بيبغا روس النَّائِب بتمشية هَذَا فَاشْترى الإقطاعات كثير من الْعَامَّة. وَفِيه قدم خبر من طرابلس بِأَن قبرص وَقع بهَا فنَاء عَظِيم هلك فِيهِ خلق كثير. وَفِيه مَاتَ ثَلَاثَة مُلُوك فِي شهر وَاحِد وَأَن جمَاعَة مِنْهُم ركبُوا الْبَحْر إِلَى بعض الجزائر فهلكوا عَن آخِرهم. وَفِي رَابِع عشريه: قدم الْحَاج. وَفِي خَامِس عشريه: قبض على الطواشي عنبر السحرتي مقدم المماليك فِي الدولة المظفرية وَكَانَ قد أخرج إِلَى الْمُقَدّس وَحج مِنْهُ بِغَيْر إِذن وَقدم الْقَاهِرَة. فَأنْكر عَلَيْهِ حجه بِغَيْر إِذن وَأخذت أَمْوَاله ثمَّ أخرج إِلَى الْقُدس. وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث ربيع الأول: عزل الْأَمِير منجك من الوزارة. وَسبب ذَلِك أَن علم الدّين عبد الله بن زنبور نَاظر الْخَاص قدم من الاسكندرية بِالْحملِ على الْعَادة فَوَقع الِاتِّفَاق على تفرقته فِي الْأُمَرَاء فَحمل إِلَى الْأَمِير بيبغا روس النَّائِب مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَإِلَى الْأَمِير شيخو ثَلَاثَة آلَاف دِينَار ولجماعة من الْأُمَرَاء كل وَاحِد ألف دِينَار ولجماعة أُخْرَى مِنْهُم كل أَمِير ألف دِينَار فَامْتنعَ شيخو من الْأَخْذ وَقَالَ: أَنا مَا يحل لي أَن أَخذ من هَذَا شَيْئا وَقدم أَيْضا حمل قطيا وَهُوَ مبلغ سبعين ألف دِرْهَم وَكَانَت قطيا قد أرصدت لنفقة المماليك فَأخذ الْوَزير منجك من الْحمل أَرْبَعِينَ ألف وَزعم أَنَّهَا كَانَت قرضا فِي نَفَقَة المماليك. فَوقف المماليك إِلَى الْأَمِير شيخو وَشَكوا الْوَزير بِسَبَبِهَا فَحدث الْأَمِير شيخو الْوَزير فِي الْخدمَة ليردها فَلم يفعل وَأخذ فِي الْحَط على ابْن زنبور نَاظر الْخَاص وَأَنه يَأْكُل المَال جَمِيعه وَطلب إِضَافَة نظر الْخَاص لَهُ مَعَ الوزارة والأستادرية. وألح منجك فِي ذَلِك عدَّة أَيَّام فَمَنعه شيخو من ذَلِك وَشد من أزر ابْن زنبور وَقَامَ بالمحاققة عَنهُ حَتَّى غضب منجك بِحَضْرَة الْأُمَرَاء فِي الْخدمَة. فَمنع الْأَمِير بيبغا روس النَّائِب الْوَزير منجك من التحدث فِي الْخَاص وانفض الْجمع وَقد تنكر كل مِنْهُمَا على الآخر. فكثرت القالة بالركوب على النَّائِب ومنجك حَتَّى بلغهما ذَلِك فَطلب النَّائِب الاعفاء من النِّيَابَة وَإِخْرَاج أَخِيه منجك من الوزارة وأبدأ وَأعَاد حَتَّى طَال الْكَلَام. وَوَقع الِاتِّفَاق على عزل منجك من الوزارة واستقراره أستادارا وشادا على عمل الجسور فِي النّيل. وَفِيه طلب الْأَمِير أسندمر الْعمريّ الْمَعْرُوف برسلان بصل من كشف الجسور ليتولى الوزارة. فَخلع عَلَيْهِ فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشريه خلعة الوزارة وَخرج إِلَى قاعة

ص: 71

الصاحب وَجلسَ والموفق نَاظر الدولة والمستوفون وَطلب جَمِيع المشدين وأرباب الْوَظَائِف. وَفِيه أخرج الْأَمِير أَحْمد شاد الشربخاناه إِلَى نِيَابَة صفد وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ قد كبر فِي نَفسه وَقَامَ مَعَ المماليك على المظفر حَتَّى قتل. ثمَّ أَخذ فِي تَحْرِيك الْفِتْنَة وَاتفقَ مَعَ ألجيبغا وطنبرق على الرّكُوب. فَبلغ الْأَمِير بيبغا روس النَّائِب الْخَبَر فَطلب الإعفاء من النِّيَابَة وَذكر مَا بلغه. وَرمى أَحْمد شاد الشرابخاناه بِأَنَّهُ صَاحب فتن ولابد من إخراجهم من بَينهم فَطلب أَحْمد وخلع عَلَيْهِ وَأخرج من يَوْمه. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشريه: اجْتمع الْقُضَاة الْأَرْبَعَة وَالْفُقَهَاء وَكثير من الْأُمَرَاء بالجامع الحاكمي وقرأوا الْقُرْآن ودعوا الله. ثمَّ اجْتَمعُوا ثَانِيًا فِي عصر النَّهَار فَبعث الله مَطَرا كثيرا. وَفِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشريه: امْتنع النَّائِب من الرّكُوب فِي الموكب وَأجَاب بِأَنَّهُ ترك النِّيَابَة. فَطلب إِلَى الْخدمَة وَسُئِلَ عَن سَبَب تغيره فَذكر أَن الْأُمَرَاء المظفرية تُرِيدُ إثارة الْفِتْنَة وتبيت خيولهم فِي كل لَيْلَة مشدودة وَقد اتَّفقُوا على مسكه وَأَشَارَ لألجيبغا وطنيرق. فأنكرا مَا ذكر عَنْهُمَا فحاققهما الْأَمِير أرغون الكاملي أَن ألجيبغا واعده بالْأَمْس على الرّكُوب فِي الْغَد إِلَى الموكب ومسك بيبغا روس النَّائِب والوزير منجك فعوتب ألجيبغا على هَذَا فَاعْتَذر بِعُذْر لم يقبل مِنْهُ وَظهر صدق مَا رمي بِهِ فَخلع عَلَيْهِ بنيابة طرابلس وعَلى طينرق بإمرة فِي دمشق وَأَخْرَجَا من يومهما. فَقَامَ فِي حق طينرق صهره الْأَمِير طشتمر طلليه حَتَّى أعفي من السّفر وَتوجه ألجيبغا لطرابلس فِي ثَانِي ربيع الآخر بَعْدَمَا أمْهل أَيَّامًا فَأَقَامَ الْأُمَرَاء على حذر وقلق مُدَّة أَيَّام. وَكَانَ مَاء النّيل قد نشف فِيمَا بَين مَدِينَة مصر ومنشأة المهراني إِلَى زربية قوصون وفم الخور وَفِيمَا بَين الرَّوْضَة والجزيرة الْوُسْطَى وَصَارَ فِي أَيَّام احتراق النّيل رمالاً وَكَانَ قد ركب فِي الْأَيَّام الْمَاضِيَة جمَاعَة من الْأُمَرَاء والمهندسين ورؤساء المراكب للكشف عَن ذَلِك وقاسوا مَا بَين الجيزة والمقياس ليعملوه جِسْرًا. فَقَالَ الريس يُوسُف: مَا يستد هَذَا الْبَحْر أبدا وَمَتى مَا سديتوه مَال على الجيزة وأخربها وَرَأى الْأَمِير طقزدمر النَّائِب أَن عمل هَذَا الجسر يدْفع قُوَّة المَاء إِلَى بر مصر وبولاق وَيخرب مَا هُنَاكَ من الْأَمْلَاك. فَقَامَ الْأَمِير ملكتمر الْحِجَازِي فِي شكر رجل عِنْده قد تكفل بسد

ص: 72

ذَلِك وَقَامَ الْأَمِير طغيتمر النجمي بشكر رجل آخر. فرسم بإحضار الرجلَيْن وَنزل النَّائِب والوزير لعمل ذَلِك وهما مَعَهُمَا فاستدعى صَاحب الْحِجَازِي بالخشاب والصواري الْكِبَار والحلفاء وَطلب مراكب لتملأ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يغرقها من جِهَة المقياس ويعمله سداً ثمَّ يرجع إِلَى السد الثَّانِي فيسده بِالتُّرَابِ وَطلب الأبقار والجراريف فخالفه الآخر صَاحب طغيتمر وَقَالَ بل يسد من بُسْتَان الذَّهَبِيّ إِلَى رَأس الجزيرة وَالْتزم أَنه لَا يصرف عَلَيْهِ سوى أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَسخرَ مِنْهُ جَمِيع من حضر النَّائِب كَيفَ يكون هَذَا فَذكر أَنه يسده بالحلفاء والخوص فعادوا إِلَى السُّلْطَان المظفر حاجي فالتزم لَهُ أَن يسد الجسر. مِمَّا تقدم ذكره على أَن يُعْطِيهِ إقطاعاً ويرتب لَهُ لَحْمًا وعليقاً وَأَن لم يسده شنقه السُّلْطَان. فرسم للأمير أسندمر الكاشف ولشاد العمائر بِالْوُقُوفِ مَعَه فِي الْعَمَل فاستدعى الرجل بأخشاب وحلفاء وخوازيق وَطلب الرِّجَال وابتدأ الْعَمَل من مَوضِع قَلِيل المَاء تجاه بُسْتَان الذَّهَبِيّ وَرمى فِيهِ التُّرَاب والحلفاء ودكه بالرمال مُدَّة أُسْبُوع. وَكلما سد موضعا بِالنَّهَارِ قطعه المَاء بِاللَّيْلِ وَعَاد كَمَا كَانَ فَظهر جَهله وَقصد السُّلْطَان تأديبه حَتَّى شفع فِيهِ النَّائِب. فَقَامَ صَاحب الْحِجَازِي بِالْعَمَلِ وَكتب تَقْدِير مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من صواري وأخشاب وَغَيرهَا مائَة وَخمسين ألف دِرْهَم وَذَلِكَ عَن ثمن خَمْسمِائَة صاري وَألف حسنية وَألف حجر عرض ذراعين فِي مثلهَا وَخَمْسَة آلَاف شنف وَغير ذَلِك فرسم بجباية ذَلِك من الْأَمْلَاك الَّتِي على شاطئ النّيل من رَأس الخليج إِلَى آخر بولاق فاستخرج مِنْهَا هُوَ سبعين ألف دِرْهَم وَكَانَ من انْتِقَاض الدولة المظفرية مَا كَانَ. فَلَمَّا كَانَ فِي سنة تسع وَأَرْبَعين هَذِه وَقع الْكَلَام فِي ذَلِك فَأَرَادَ الْأَمِير شيخو أَن يكون عمله على الْأُمَرَاء والأجناد وفلاحي الْبِلَاد فَلم يُوَافقهُ الْأَمِير منجك وَاحْتج بِقرب زِيَادَة النّيل وَأَن الغلات قد تعطل حملهَا فِي النّيل من النواحي لقلَّة المَاء فِي مَوَاضِع الْحمل وَالْتزم بِعَمَلِهِ من غير أَن يسخر فِيهِ أحدا. فيكب الْأَمِير بيبغا روس النَّائِب والأمير شيخو والأمير منجك وَعَامة الْأُمَرَاء إِلَى الجزيرة وقاسوا مِنْهَا إِلَى المقياس ليعْمَل هُنَاكَ جسر. فَذكرت البحارة أَن هَذَا الْموضع لَا يُمكن سَده لِكَثْرَة كلفه

ص: 73

وَأَنَّهُمْ إِن سدوه أضرّ بِبِلَاد الجيزة وقوى المَاء على جِهَة مصر وأضر وأتلف مَا على النّيل من الدّور فسفه الْأَمِير منجك رَأْيهمْ ورد قَوْلهم وَالْتزم لِلْأُمَرَاءِ بسده. فعادوا وقدروا مصروفه على الْأُمَرَاء والأجناد وَالْكتاب وَأَصْحَاب الْأَمْلَاك وَسَائِر النَّاس وَكتب أوراق من ديوَان الْجَيْش بأسماء الأجناد والأمراء وَعبر إقطاعاتهم. وَفرض على كل مائَة دِينَار دِرْهَم وَاحِد وَفرض على كل أَمِير من أُمَرَاء الألوف مَا بَين أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم إِلَى خَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَفرض على بَقِيَّة الْأُمَرَاء الطبلخاناه والعشرات بحسبهم. ورسم أَن يُؤْخَذ من كل كَاتب أَمِير مقدم مبلغ مِائَتي دِرْهَم وَمن كل كَاتب أَمِير طبلخاناه مائَة دِرْهَم. وَفرض على كل حَانُوت من حوانيت التُّجَّار والباعة دِرْهَم وعَلى كل دَار بِالْقَاهِرَةِ ومصر وظواهرهما دِرْهَمَانِ وعَلى كل بُسْتَان عشرَة دَرَاهِم الفدان وَبَعضهَا أَخذ مِنْهُ عَن كل فدان عشرُون درهما وعَلى كل حجر من حِجَارَة الطواحين خَمْسَة دَرَاهِم. وجبى من كل صهريج مَاء بتربة أَو مدرسة مَا بَين عشر دَرَاهِم إِلَى خَمْسَة دَرَاهِم وَمن كل تربة مَا بَين ثَلَاثَة دَرَاهِم إِلَى دِرْهَمَيْنِ وضقعت الْأَمْلَاك الَّتِي استجدت من الدّور والبساتين وَغَيرهَا فِيمَا بَين بولاق إِلَى كوم الريش ومنية السيرج والأحكار الَّتِي عمزت على الخليج الناصري وبركة الطوابين الْمَعْرُوفَة ببركة الرطلى وقنطرة الْحَاجِب وَأَرْض الطبالة وجامع حكر أخي صاروحا وقيست كلهَا وَأخذ عَن كل ذِرَاع خَمْسَة عشر درهما وَأخذ من أقمنة الطوابين والفواخير. وَطلب مباشرو أوقاف الشَّافِعِي وأوقاف الْمدَارِس الصالحية والظاهرية والمارستان وَسَائِر الْأَوْقَاف وألزموا بِمَال. وَكتب بِطَلَب الرهبان من الديارات بِالْأَعْمَالِ وَقرر على كل مِنْهُم مَا بَين المائتي دِرْهَم إِلَى الْمِائَة دِرْهَم وَأَن يُؤْخَذ عَن كل نَخْلَة بِبِلَاد الصَّعِيد دِرْهَم. وجبى من المتعيشين فِي الْقَاهِرَة ومصر مَا بَين دِرْهَم كل وَاحِد إِلَى عشرَة دَرَاهِم وَمن كل قاعة ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن كل طبقَة دِرْهَمَانِ وَمن كل مخزن أَو اسطبل دِرْهَم وَمن كل فندق وخان بِحَسبِهِ. وَقرر على ضامنة المغاني خَمْسَة آلَاف دِرْهَم. وَعمل مَوضِع الْمُسْتَخْرج من النَّاس خَان مسرور بِالْقَاهِرَةِ وشاد الْمُسْتَخْرج الْأَمِير تِلْكَ. وَعمل لكل جِهَة من هَذَا الْجِهَات شاد وَكَاتب وعدة أعوان من الرُّسُل وصيرفي. فارتجت أَحْوَال المدينتين وأعمالهما وَبَطلَت الْأَسْبَاب لسعى النَّاس فِيمَا عَلَيْهِم وتسلطت العرفاء وَالضَّمان وَأَصْحَاب الرباع وَالرسل على كل أحد فَلم يبْق رجل وَلَا امْرَأَة حَتَّى جبوا مِنْهُ وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يغرم للرقاص والصيرفي والشاد وَيُعْطِي أُجْرَة الشُّهُود الَّذين يشْهدُونَ عَلَيْهِ أَنه قَامَ. مِمَّا عَلَيْهِ.

ص: 74

وَشرع منحك فِي جَمِيع الْأَصْنَاف الْمُحْتَاج إِلَيْهَا وَضرب لَهُ خياماً على جَانب النّيل بالروضة. وَنُودِيَ فِي النَّاس من أَرَادَ الْعَمَل فَلهُ دِرْهَم وَنصف وَثَلَاثَة أرغفة خبز فَاجْتمع لَهُ خلائق وَعمل لَهُم موضعا يَسْتَظِلُّونَ فِيهِ حر الشَّمْس ورفق منجك بهم فِي الْعَمَل. وَأقَام منجك عدَّة من الحجارين لقطع الْحِجَارَة من الْجَبَل ونقلها إِلَى السَّاحِل وَحملهَا فِي المراكب لبر الجيزة لعمل جسر من الجيزة إِلَى المقياس. ورتب منجك عمل جسر آخر من الرَّوْضَة إِلَى الجزيرة الْوُسْطَى وَأقَام الأخشاب بجانبي كل جسر مِنْهُمَا وردم التُّرَاب وَالْحِجَارَة فِي وَسطه مَعَ الحلفاء ورتب جمال السُّلْطَان لقطع الطين من بر الرَّوْضَة ورميه بوسط الجسر وَأقَام على كل جِهَة شادين ومستحثين. وَأقَام منجك الصارم شاد العمائر على الْعَمَل ورسم أَلا يتاخر عَنهُ صانع والزم تجار مصر وَغَيرهم بِنَقْل التُّرَاب إِلَى الجسر فَكَانَ الرجل مِنْهُم يغرم فِي نقل التُّرَاب مَا بَين الْخَمْسمِائَةِ إِلَى آلَاف دِرْهَم ورميت عشر مراكب مَمْلُوءَة حِجَارَة فِي وسط جسر المقياس. وَلم يزل الْعَمَل مُدَّة أَرْبَعَة أشهر أَولهَا مستهل الْمحرم وَآخِرهَا سلخ ربيع الآخر. وَكَانَ منجك قد حفر أَيْضا خليجاً تَحت الدّور من موردة الحلفاء إِلَى بولاق فَلَمَّا زَاد النّيل جرى المَاء فِيهِ ودخلته المراكب الصغار. ففرح النَّاس بِهِ وسروا سُرُورًا زَائِدا ونسوا مَا نزل بهم من الغرامة وَالْمَشَقَّة. غير أَن الشناعة قَامَت على منجك لِكَثْرَة مَا جبى من الْأَمْوَال الْعَظِيمَة حَتَّى أَرَادَ بيبغا روس النَّائِب مَنعه من ذَلِك فَلم يقبل مِنْهُ وَلم يتم من الْعَمَل سوى ثُلثَيْهِ وقويت الزِّيَادَة فَبَطل الْعَمَل. وَكَانَ القاع فِي هَذِه السّنة أَرْبَعَة أَذْرع وَنُودِيَ فِي أول الزِّيَادَة بإصبعين ثمَّ بِعشر أَصَابِع ثمَّ بِخَمْسَة عشر إصبعا ثمَّ بثمان ثمَّ بِعشْرين. وَلم تزل الزِّيَادَة تقوى حَتَّى غرقت المقاتي والتقى الْبَحْر بِرَأْس الخليج الَّذِي استجد فِيهِ المَاء. ثمَّ علا المَاء على الجسر وَكَاد يقطعهُ. فَركب منجك وَمَعَهُ وَالِي الجيزة وخلائق من الْعَامَّة والأمراء وردمه بِالتُّرَابِ فَانْدفع المَاء إِلَى جِهَة الميدان وزربية قوصن. فَكَانَ قِيَاس جسر الجزيرة الْوُسْطَى مِائَتي قَصَبَة فِي عرض ثَمَانِي قصبات وارتفاع أَربع قصبات وَطول جسر المقياس مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ قَصَبَة وعدة مَا رمى فِيهِ من المراكب الْحجر اثْنَا عشر ألف مركب سوى التُّرَاب والطين وَغرم عَلَيْهِ مَا لَا يُمكن حصره. وَيُقَال إِنَّه جبى من النَّاس بِسَبَبِهِ زِيَادَة على ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار فَإِن الرجل كَانَ يفْرض عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ فَيغرم فِيمَا تقدم ذكره عشرَة دَرَاهِم.

ص: 75