الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشتقاق الكلمات
ذكروا أنّ اشتقاق الكلمات بحسب الأصل قد يكون من طبائع الحروف، كالشدة والجهر وضديهما. ومثَّل له ابن جني في «الخصائص» بما مثّل. وذكروا أنّه قد يكون من أصوات الحيوانات ونحوها، ومثّلوه بنحو الصّرير، والأزيز.
وقال قائل: كيف يحتاج الإنسان إلى أن يَستمدَّ كلامه من أصوات الحيوانات ونحوها، في حين أنّ الحيوانات لا تستمدُّ كلامها الذي تتفاهم به إلا من أصواتها أنفسها، مع أنّ الإنسان أشرف من الحيوان؟!
وأقول أنا: إنّ كثيرًا من الكلام ــ ولاسيّما ألفاظ الأصوات الإنسانية ــ مشتق من الأصوات نفسها، كالنخير، والشخير، والتنحنح، والنفخ، والقهقهة، والأنين، والحنين، والرنين.
ولكن بعض ذلك مما يُفهم بسهولة، وبعضه يحتاج إلى إمعان نظر واستقراء لأنواع الصوت، كالضحك والبكاء.
وأقول أيضًا: إنّ كثيرًا من الكلام مأخوذ من الإشارة، وهذا باب واسع جدًّا؛ فإن الإنسان الذي لا يعلم الكلام كالأبكم يستطيع أن يُفهِم صاحبه كثيرًا من أغراضه بمجرد الإشارة. ولكن الإشارة قد تكون باليدين، وبغيرهما من الأعضاء.
واستمدادُ الكلام منها إنّما يمكن من الإشارة بأعضاء الفم، كاللسان والشفتين، فإنّها هي التي يكون بها الكلام.
ومن أمثلة هذا: اسم الإشارة وهو (ذا). فالإنسان إذا أشار إلى حاضر يُبرز عضوًا منه موجِّهًا إلى ذلك الشيء، وقد يصوِّت معه بصوت خالٍ عن معنى ليوجِّه نظر السامع إلى الإشارة فالمشارِ إليه.
ومن جملة الأعضاء التي تُبرَز للإشارة: اللسان، وهو الذي يمكن منه استمداد اللفظ.
فرأى الواضعُ أنّه ينبغي وضع كلمة الإشارة استمدادًا من إخراج اللسان والنطقِ ببعض الحروف التي يتيسّر النطق بها حينئذ. فوجد ثلاثة أحرف: الذال، والثاء، والظاء. والثاء خفيّة، والظاء لا تخلو من خفاء، فتعيَّن الذال. وزاد معها الألف ليَبِين الصوتُ، ثم تصرّف فيها في أسماء الإشارة، والموصول، وبعض الظروف كإذ، وإذا، ومُذ، ومنذ؛ لوجوهٍ يطول بيانها، والأصل فيها ما تقدم.
ومن ذلك: أنّ إشارة الإنسان إلى نفسه تكون بعطف عضوٍ منه إلى جسمه، فتعيَّن هاهنا اللسان.
وأنت إذا عطفت لسانك إليك محرِّكًا له كما يفعل المشير، ثم التمست حرفًا تنطق به حينئذٍ، تعيَّنَ النون. فجُعلت النون أصلاً لضمير المتكلم، وتُصرِّف فيها في غيره.
ومن ذلك: أنّ إشارة الإنسان إلى الوقت الحاضر تكون بتحريك يديه حركة معترضة، ثم الإشارة إلى نفسه، يريد وقتنا الحاضر، مع تصويتٍ يصحب الإشارة.
فرأوا أنّ الصوت الذي يؤدّي معنى الصوت
(1)
ويمثِّل الإشارة، هو المَدَّة، والذي يؤدي معنى الإشارة إلى النفس هو النون كما مرّ، فقالوا:«ءان» ، ثم تصرّفوا في ءان، ومن جملة تصرّفهم فيه
(2)
: قلبُهم لبعضه ليدلّ على تغيير في معناه، فقالوا:«أنَى» لساعةٍ غير معيَّنة.
ثم تصرفوا في هذه أيضًا، فقالوا: أنَى الشيءُ يأني، أي: حضر إناهُ، أي وقته. ومن ذلك:«أنَى الطعام» أي بلغ وقته، أي المطلوب منه، وهو النضج.
ثم قالوا للوعاء: «إناء» ؛ لأن الطعام إذا بلغ إناه جُعِل فيه.
وقال تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] أي بلغ وقته المطلوب منه، وهو شدة الحرارة.
وقالوا: «أنيت الشيءَ» أي أخَّرته إلى إناه، أي إلى وقته المناسب، ومنه «الأناة» و «التأنِّي» ، [و] هو تأخير الشيء إلى إناه، أي إلى وقته المناسب.
ومن هنا كان التأني ممدوحًا مطلقًا. ولو كان معناه: تأخير الشيء عن إناه، أي عن وقته، كما زعم الراغب
(3)
= لكان مذمومًا أو على الأقلّ لا يدلّ على مدح ولا ذمّ. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»
(4)
.
(1)
كذا في الأصل.
(2)
في الأصل: فيهم، سبق قلم.
(3)
«المفردات» (ص 96).
(4)
أخرجه مسلم (17/ 25).