المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب وجوه الوقوف على أحكام النظم - الكافي شرح أصول البزدوي - جـ ٢

[الحسام السغناقي]

الفصل: ‌باب وجوه الوقوف على أحكام النظم

‌باب وجوه الوقوف على أحكام النظم

({وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} فسيق الكلام لإيجاب النفقة على الوالد)، فأول الآية:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية، ومعنى الآية- والله أعلم- والأمهات المطلقات يرضعن أولادهن أي هن أحق بإرضاع الأولاد من أجنبيات ليسترضعهن الآباء؛ لأنهن أرق عليهم وألطف بهم، {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} أي الأب وأريد به الجمع {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وهذا على طريق الأجر؛ لأنهن تحتجن إلى ما يقمن به أبدانهن {بِالْمَعْرُوفِ} أي من غير إسراف ولا تقصير. ومنهم من حمل الآية على الوالدات المنكوحات، وجعل

ص: 1036

الرزق والكسوة والنفقة دون الأجر، فظاهر الآية تدل على أنها في المطلقة؛ لأن ما قبلها وما بعدها في حق المطلقات. كذا في "التيسير".

ودلت الآية على أن الأم أحق برضاع ولدها وليس للأب أن يسترضع غيرها إذا أرضعته؛ لأن الله تعالى قال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} وهذا أمر، وإن كان صيغته الخبر، ودلت أيضًا على أن الأم مخيرة بين أن ترضع أو لا ترضع؛ لأنه قال:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فبهذا يندفع سؤال من سأل: لما كانت الوالدات مأمورات بالإرضاع كان ينبغي أن يجب الإرضاع عليها.

قلنا: ذلك الأمر مصروف إلى الاستحباب بهذا الدليل، ولقوله تعالى أيضًا:{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} وذكر في "الكشاف"{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} . أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، -وله في محل الرفع على الفاعلية نحو {عَلَيْهِمْ} في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} -.

(لأنه نسب إليه بلام الملك) أجمعوا على أنه لا يصير أحق به ملكًا؛ لأن الولد لا يصير ملكًا للوالد، فدل أنه اختص بالأب نسبًا فكان نسبه إلى الآباء فإن قلت: ما فائدة تخصيص نسبة الأولاد إلى الآباء مع أن الولد كما ينسب

ص: 1037

إلى الأب فكذلك نسب إلى الأم؟

فيقال: هذا ولد فلانة كما يقال: هذا ولد فلان، فالولد بجملته منسوب إلى كل واحد منهما كاملًا، وكذلك نصيب الولد في الإرث بينهما على السواء؟

قلت: فائدته تظهر في حق الأمور التي تميز بها بين نسب ونسب، فيصلح الولد لذلك الأمر إن اعتبرنا فيه جانب الأب، ولا يصلح له إن اعتبرنا فيه جانب الأم.

كما في الإمامة الكبرى وهي الخلافة، فإن كان أبوه قرشيًا يصلح الولد لها وأمه أي نسب كانت، وفي عكسه لا يصلح الولد لها، وكذلك في الكفارات يعتبر نسب الآباء دون الأمهات، وكذلك في اعتبار مهر المثل يعتبر نسب الآباء دون الأمهات.

(وفيه إشارة إلى أن للأب حق التمليك)، والفرق بين حق التمليك وحق الملك فلمن له حق التملك ولاية، وأن يجعل ذلك الشيء ملكًا لنفسه في المستقبل.

فأما في الحال فليس له فيه ملك بوجه من الوجوه كالشفيع له أن يتملك الدار المبيعة إن شاء.

وأما ليس فيه حق الملك بوجه في الحال، وحق الملك عبارة عن الملك من وجه في الحال كالمكاتب، فإن له حق الملك في نفسه حتى لا يملك المولى وطء الجارية المكاتبة؛ لأن لها في نفسها حق ملك وهو ملك اليد، وليس

ص: 1038

للأب في مال الابن من وجه، ولهذا يملك الابن وطء جاريته، فلو كان للأب في ماله ملك من وجه لما ملك الابن وطء جاريته.

(وعليه تبنى مسائل كثيرة) منها: أن الأب لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم حرمتها عليه.

ومنها أن نفقة الأب تفرض على الابن إن كان محتاجًا والابن موسر.

سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن.

هكذا ذكره الإمام خواهر زادة- رحمه الله بخلاف الابن إذا كان بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته باعتبار أن للأب زيادة فضله على الولد.

ألا ترى أنه يستحق مال ولده باعتبار الحاجة الضرورية كالنفقة وتعتبر الضرورة كاستيلاد جارية الابن بخلاف الولد، ولم يكن هذا الفرق بينهما إلا باعتبار؛ لأنه الملك في قوله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} .

ومنها أن نفقة خادمة الأب واجبة على الابن سواء كانت الخادمة امرأة

ص: 1039

أو جارية، بخلاف نفقة خادمة الابن حيث لا تجب على الأب. كذا في "النفقات البرهانية" و"فتاوى قاضي خان".

(وفيه إشارة إلى أن النفقة تستحق بغير الولاد) أي وفي آخر هذه الآية إشارة إلى هذا، وهو قوله تعالى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وهي نفقة ذوي الأرحام.

فإن قيل: هذا الحكم معلوم بعبارة النص، فإن النص سيق لإيجاب النفقة وهو قوله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وبعد ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} معطوف عليه، فكان ذلك عبارة لا إشارة، فكيف سماه إشارة النص؟

قلنا: نعم سيق الكلام لإيجاب النفقة على الوارث، لكن لم يسق الكلام على أن يأخذ الاشتقاق علة لإثبات النفقة. ألا ترى أن النفقة لا تجب إذا لم يكن أهلًا للإرث بأن كان الوارث كافرًا سوى قرابة الولاد.

ص: 1040

(وهو اسم مشتق من معنى) أي اسم مأخوذ من اسم له معنى، فإن الوارث مأخوذ من الإرث، فيجب أن يكون الإرث علة لوجوب النفقة، فلذلك وجب بناء الحكم على معناه كما في (الزاني والسارق).

فإن قلت: لو كان وجوب النفقة مبنيًا على علة الإرث ينبغي أن تدور وجوبها مع الإرث أينما دار وجودًا وعدمًا كما في الزاني والسارق وليس كذلك، فإنا نجد وارثًا في غير الولاد، وليس عليه النفقة، وغير وراث وجبت عليه النفقة، فإن الرجل المعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله ويحرز ميراثه ابن عمه.

قلت: وجوب النفقة مبني على علة الإرث، لكن الاعتبار لأهلية الإرث لا لإحرازه، فالحاصل أن تأثير إحراز الإرث في وجوب النفقة إنما هو في ذوي الأرحام لا في غيرهم، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام تعتبر أهلية الإرث لا إحرازه. بيان ذلك أن الرجل إذا كان له عم

ص: 1041

وخال فالنفقة على العم دون الخال؛ لأنهما استويا في المحرمية وترجح العم على الخال بكونه وارثًا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العمة والخالة على قدر ميراثها، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام فالمعتبر هو أهلية الإرث لا إحرازه، كما ذكرناه في صورة الخال وابن العم، فإن النفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم منه والإرث لابن العم؛ لأنه عصبه وهو مقدم على ذوي الأرحام.

قال شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله: وفيه دليل أيضًا على أن النفقة للوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما، فإنه اعتبر صفة الوراثة في حق سائر القرابات، فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأب إنما يعتبر نفس الولاد؛ ولهذا قلنا في أصح الروايتين: أن المعسر إذا كان له ابن وبنت وهما موسران فنفقته عليهما نصفان، ثم معنى قوله:{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} أي وعلى وارث الصغير عند عدم الأب مثل ما كان على الأب من أجر إرضاع الولد للمرضعة.

(وفيه إشارة إلى استواء الكل في الحظر؛ لأنه قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي الكف عن هذه الجملة، فكان حظر الكل بطريق واحد) أي

ص: 1042

الكف عن هذه الأشياء المذكورة في الآية ثبت بخطاب واحد، فكان الكل كشيء واحد لما عرف أن الأمرين المختلفين فصاعدًا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد لما ذكرنا في المشترك، إلا أن يجعل الأشياء المختلفة واحدة في المعنى فحينئذ يراد باللفظ الواحد. كالأشياء المختلفة والمتضادة يتناولها اسم الشيء، إذًا الكل في معنى الشيئية وهو الوجود واحد، (فلم يكن للجماع اختصاص ولا مزية)، فلذلك قلنا: إن الكفارة إذا وجبت بالجماع وجبت بالأكل والشرب لكونها واحدة تقديرًا.

ألا ترى أن غسل جميع اليدين لما وجب بخطاب واحد وهو قوله {فاطهروا} صار جميع اليدين كعضو واحد حتى جاز نقل البلة من عضو إلى عضو بخلاف الوضوء، فإن نقل البلة من اليد إلى الرجل ومن الوجه إلى اليد لا يجوز؛ لأن كل واحد من هذه الأعضاء ثبت بخطاب على حدة، ولا يلزم أن الصلاة وجبت بخطاب واحد والأركان فيها متفاوتة في القوة والضعف، فإن السجدة أقوى من الركوع والقيام؛ لأنا نقول: إن الأصل فيه ما ذكرنا. إلا إذا قام الدليل على مزية البعض، وفي الصلاة قام الدليل على مزية البعض، فإن من سقط عنه السجود سقط عنه القيام والركوع، وإن كان قادرًا عليهما، ولأن الصلاة عبادة والعباد تنبئ عن التذلل والتواضع، يقال:

ص: 1043

طريق معبد أي مذلل، والتواضع والتذلل في السجود أكثر، فصار أقوى لهذا.

فأما فيما نحن فيه لم يقم الدليل على مزية البعض فكان الكل سواء.

(وفيه إشارة إلى أن النبية في النهار منصوص عليه لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ})؛ لأنه لما أباح هذه الأشياء إلى آخر الليل والصوم عبادة تفتقر إلى النية، وقوله:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} أمر بالإتمام فكان امتثال هذا الأمر إنما يقع بعد الفجر لا محالة، عملًا بكلمة التراخي وهي ثم، والإتمام فعل اختياري لا يتصور بدون العزيمة، فتكون النية في النهار منصوص عليها (إلا أنا جوزنا تقديم النية على الصبح بالسنة) لا لأن يكون الليل أصلًا فيه؛ لأن النية لصيرورة الإمساك عبادة، وفعل الصوم قط لا يوجد في الليل، فجواز النية في الليل لا يكون أصلًا بل يكون الجواز في الليل ثابتًا بالسنة.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون النية في النهار أفضل، والأمر بخلافه.

قلنا: النية في الليل أفضل؛ لأنه يكون عملًا بالسنة والكتاب جميعًا؛ لأنا

ص: 1044

جوزنا النية في النهار بإشارة النص وهي غير نافية لجواز النية في الليل، وعملنا بالسنة في الأفضلية كما فعلنا في غير هذا في الوضوء المنوي والوضوء المرتب ومع التسمية، فيكون هذا مكملًا لما كان فرضًا في التسمية والنية والترتيب والوضوء وغير ذلك.

(فالإطعام جعله طاعمًا) أي آكلًا كسائر الأفعال كالإجلاس جعله جالسًا. (خلافًا لبعض الناس) وهو حمدان بن سهل وهو يقول: لا يتأدى

ص: 1045

بالتمليك، وإنما بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى:{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ، والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم وذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام والكلام محمول على حقيقته. كذا في "المبسوط".

(أن الإباحة جزء من التمليك في التقدير)؛ لأن الطعام قضاء حاجة واحدة وهي حاجة الأكل، وللمساكين حوائج كثيرة، (والملك سبب لقضاء الحوائج) وقضاء الحوائج أمر باطن، (فأقيم الملك مقامها والتمليك بمنزلة قضائها كلها). ألا ترى أن الفقير صار مصرفًا في الزكاة لهذا؛ لأن الصرف إليه سبب دفع الحاجة.

فعلم أن الإباحة جزء من التمليك، فالتعدية إلى التمليك في الإطعام

ص: 1046

تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها.

(لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ذلك، وإنما قال هذا تأكيدًا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز التعدية لكونها جزءًا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! بخلاف الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا

ص: 1047

يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة.

والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي- رحمه الله في معنى قوله: "لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام وإعارة الكسوة وإباحتها.

(فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟

(وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطًا).

أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل

ص: 1048

المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكًا غلطًا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطًا، أو كونه غلطًا في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر.

وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان الفعل فيه ضمنيًا وتبعًا وفي الفرع قصدًا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطًا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصًا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلًا له، وليس كذلك فكان غلطًا.

(ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب

ص: 1049

الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعامًا لا محالة، فمعنى الآية {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في باب صدقة الفطر حيث يكون رأسًا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف المؤنة.

فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع لشغب أن أربعة أمنًا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضًا أن يكون المسكين الواحد في اليوم الثاني مسكينًا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرًا في تغيير العين، فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله:(وجوزتم ذلك) أي مع أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة.

ص: 1050