الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[باب العام إذا لحقه الخصوص]
(سواء كان المخصوص معلومًا) كما في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} في حق الذمي، وقوله:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} في حق المستأمن بعد قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (أو مجهولًا) كما في قوله تعالى:
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وكذلك ما دون ثمن المجن مخصوص من آية السرقة وهو مجهول.
(ودلالة صحة هذا المذهب أي مذهبنا إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم)، فإن أبا حنيفة- رحمه الله استدل على فساد البيع بالشر المفسد بما روى عن النبي عليه السلام "أنه نهى عن بيع وشرط" مع أنه مخصوص، فإن كل شرط يوافق مقتضى العقد غير مراد بهذا النص، واحتج أصحابنا جميعا في استحقاق الشفعة بالجوار بقوله عليه السلام:"الجار أحق بصقبة" أي: بقربة مع أنه مخصوص؛ لأن الشريك في نفس المبيع أو في حق المبيع أحق من الجار، واحتج محمد- رحمه الله في عدم جواز بيع العقار قبل القبض بـ "نهى النبي عليه السلام عن بيع ما لم يقبض" مع أنه مخصوص،
ودلالة أنه مخصوص جواز بيع المهر قبل القبض فيما إذا كان المهر عروضًا أو عقارًا.
(وذلك دون خبر الواحد) أي العام الذي خص منه البعض دون خبر الواحد.
ألا ترى أن القياس الصحيح يترك بخبر واحد. مثل قوله عليه السلام "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك"، فإن القياس الصحيح هو أن أكل الناسي أن يفسد الصوم، ومع ذلك لا يعمل بموجبه بل يعمل بموجب خبر الواحد، وكذلك تركنا القياس الصحيح في القهقهة في الصلاة في حق الوضوء بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام:"ألا من ضحك منكم قهقهة" الحديث، وكذلك في الحدث الذي سبق في الصلاة في جواز البناء.
ترك القياس الصحيح وعمل بخبر الواحد، ثم لا يترك القياس بالعام الذي خص منع البعض بل يعمل بالقياس.
علم بهذا أن العام الذي خص منه البعض أدنى رتبة من خبر الواحد.
(لأن الخصوص بمنزلة الاستثناء؛ لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كما في الاستثناء) حيث يتبين بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه، ولهذا لا يكون دليل الخصوص إلا مقارنًا.
فأما ما يكون طارئًا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص، ثم إذا كان المستثنى مجهولًا يصير ما وراءه مجهولًا بجهالته. كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك يصير وراءه مشكوكًا فيه، حتى إذا قال: مماليكي أحرار إلا سالمًا أو بزيعًا، لم يعتق واحد منهما، وإن كان المستثنى أحدهما؛ لأنه مشكوك فيه، فيثبت حكم الشك فيهما، وإذا صار ما بقى مجهولًا لم يصلح حجة بنفسه، بل يجب الوقف فيه كما في قوله تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} .
(لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه فيصح تعليله)؛ لأنه مستبد بصيغته غير مفتقر إلى صدر الكلام، فصار بمنزلة سائر النصوص، والأصل في سائر النصوص التعليل لما أن المراد من التعليل هو أن يكون معقول المعنى، والعقل حجة من حجج الله تعالى كالنص، فكان الأصل في حجج الله تعالى الموافقة لا التناقض، إذ التناقض الحقيقي من أمارات الجهل، والله تعالى عليم لا يجهل وحكيم لا يسفه، فكان التناقض الحقيقي منه محالًا، وإنما قال: لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه «احترازا عن الاستثناء، فإن الاستثناء غير معلول بالاتفاق، فيتخايل أن دليل الخصوص لا يحتمل التعليل لمشابهته الاستثناء في الحكم، وذكر ذلك رفعًا لذلك الخيال.
(أن دليل الخصوص إذا كان مجهولًا فعلى ما قلنا) أي في وجه الكرخي أي لا يبقى العام حجة أصلًا؛ لأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء على ما قلنا أي بقولنا: لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء، فلا يؤثر في الباقي؛ لأن دليل الخصوص لا يتعرض لما وراءه، فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة قطعًا، ولا معنى لما قال الكرخي: إنه محتمل للتعليل؛ لأنه إذا كان بمنزلة الاستثناء لم يحتمل التعليل، فإن المستثنى معدوم على معنى أنه
لم يكن مرادًا من الكلام أصلا، والعدم لا يعلل؛ لأن لتعليل شيء والعدم ليس بشيء، ولا يقوم التعليل إلا بشيء، وعلى هذين القولين يسقط الاحتجاج بآية السرقة؛ لأنه لحقها خصوص مجهول وهو ثمن المجن على ما روى "كانت الأيدي لا تقطع على عهد رسول الله عليه السلام فيما دون ثمن المجن".
(سقط بنفسه) أي سقط دليل الخصوص بنفسه (بخلاف الاستثناء؛ لأنه وصف قائم بالأول) بحيث إنه لا يعقل انفكاك الاستثناء من صدر الكلام كما لا يعقل انفكاك الوصف عن الموصوف، ومتى كان الاستثناء وصفًا قائمًا بالأول صار بمنزلة البعض للكل، وقيام الجهالة بالبعض يوجب الجهالة في الكل، فلذلك كانت الجهالة في المستثنى أوجبت الجهالة في
المستثنى منه بخلاف دليل الخصوص، فغنه نص قائم بنفسه غير متصل بالعام اتصال الاستثناء بصدر الكلام، ولهذا يجوز انفكاكه عن العام صيغة وإفادة، فلم يوجب جهالته جهالة ما لم يتصل هو به؛ لأن قيام الصفة بالذات لا يوجب اتصاف ذات آخر بتلك الصفة التي لم تقم هي به.
(ودليل ما قلنا: إن دليل الخصوص يشبه الاستثناء بحكمه) وهو أن كل واحد منهما تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم، ويشبه الناسخ بصيغته من حيث أن كل واحد منهما قائم بنفسه مفيد لحكمه، (فلم يجز إلحاقه بأحدهما بعينه) أعني الناسخ والاستثناء، (بل وجب اعتباره في كل باب) أي في كل نوع إذا كان معلومًا أو مجهولًا، كما هو الأصل في المتردد بين الشيئين يأخذ حظًا معتبرًا من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما حظا فكذلك هاهنا.
(فقلنا إذا كان دليل الخصوص مجهولًا أوجب جهالة في الأول بحكمه اعتبارًا يشبه الاستثناء)، فإن المستثني إذا كان مجهولا يصير المستثنى منه.
مجهولًا، فيسقط حكم العموم لجهالته.
(وسقط في نفسه بصيغته إذا اعتبر بالناسخ) أي وسقط دليل الخصوص إذا كان مجهولًا اعتبارًا لشبهه بالناسخ إذا لم يكن معلومًا لا يثبت النسخ، فبقى النص الأول موجبًا للحكم قطعًا كما كان، فكذاك دليل الخصوص إذا كان مجهولًا بقى العام موجبًا للحكم كما كان.
(فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك) حتى يكون العام بعد جهالة دليل الخصوص حجة عملًا بشبه الناسخ المجهول، وغير قطعي عملًا بشبه المستثنى للمجهول، فإن المستثنى إذا كان مجهولًا أوجب جهالة في المستثنى منه، فلا يبقى المستثنى منه معلومًا أصلًا، وأحد الشبهين لم يؤثر في العموم والآخر أسقط حكم العموم ومشابهتهما أورثت الشك، فلم نبطل دليل العموم بالشك، والكناية في قوله:"فلم نبطله" جاز أن ينصرف إلى دليل الخصوص وجاز أن ينصرف إلى دليل العموم وهو الأوجه.
وكذلك قوله: والدليل "أي ودليل الخصوص أو دليل العموم بيانه أن دليل الخصوص لما كان ساقطًا لاعتباره بالناسخ ومعتبرًا لاعتباره بالاستثناء صار هو مشتبهًا فلم نبطله بالشك، فقلنا بسقوطه من وجه دون وجه، فلذلك بقا العام موجبًا للعمل دون العلم، وكذلك العام يسقط من وجه لاعتبار شبه دليل الخصوص بالاستثناء ولم يسقط لاعتبار شبه دليل
الخصوص بالناسخ، فصار دليل العموم مشتبهًا، فلم نبطله بالشك، ولكن انصرافها إلى العام أولى، لأن الكلام وقع فيه، لأن قولنا:" فلم نبطله بالشك "إنما وقع بمقابلة قول الكرخي إنه لا يبقى حجة أصلًا أي إن العام الذي لحقه بالخصوص لا يبقى حجة أصلًا، وكذلك قول غيره، فكذلك قولنا:"فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك" إنما يكون في العام الذي لحقه الخصوص لا في دليل الخصوص.
(وكذلك إذا كان المخصوص معلومًا، لأنه يحتمل أن يكون معلومًا، وعلى احتمال التعليل يصير مخصوصًا من الجملة) يعني يصير ما وراء الثابت بالنص الخاص مخصوصًا أيضًا بالتعليل، ولا يدري أن القدر صار مخصوصًا؟ فأشبه دليل الخصوص إذا كان مجهولا، فتذكر هاهنا السؤال المعروف الجاري على ألسنة العلماء وأندية الفقهاء وهو: أن دليل التخصيص لما شابه الناسخ والاستثناء وجب أن لا يقبل التعليل كما أنهما لا يقبلانه.
والجواب فيه على وجه الاختصار هو أن الناسخ والاستثناء إنما لا يقبلان التعليل لمعنى اختص بهما، وهو أن الناسخ ورد على معارضة النص المنسوخ وخالفته، والتعليل فرع النص، فلو قلنا بجواز تعليل الناسخ لقلنا بكون جواز التعليل معارضًا للنص وهو لا يصح، وفي الاستثناء كون المستثنى معدومًا في التقدير، والتعليل سيء موجود فلا يقوم إلا بشيء موجود وليس
في دليل التخصيص هذان المانعان. بل فيه جهة الاستبداد والبيان، وهما لا يمنعان التعليل فيعلل هو وإن كان الناسخ والمستثنى لا يعللان.
(كأنه لا يدخل لا على سبيل المعارضة للنص) أي للنص العام، وبهذا الذي ذكر احترز عن الناسخ، فإنه على سبيل المعرضة للمنسوخ.
وأما دليل الخصوص فلم يعارض النص العام فلم يمتنع عن التعليل؛ لأن العلة فرع النص، والنص المخصص لبيان أن المخصوص لم يدخل في العام، فكذلك العلة بيان لذلك (فوجب العمل بالتعليل) لخلوه عن معارضة النص (فيصير قدر ما يتناوله لنص العام مجهولا. هذا على اعتبار صيغة النص) أي أن احتمال التعليل باعتبار صيغة النص.
فأما الاعتبار بالحكم فلا يوجب هذا الاحتمال؛ لأنه من حيث الحكم يشبه الاستثناء؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فلم يكن صدر الكلام موجبا مقدار المستثني، والتعليل إنما يجري لإثبات الحكم، والمستثني معدوم تقديرًا بالعدم الأصلي.
(والعدم لا يعلل)؛ لأن كوم المذكور معلولًا يستدعي سابقة العلة ليثبت الحكم به، وهذا لا يتصور في العدم؛ لأن العدم أصل فاعتبار دليل الخصوص بالاستثناء لم يوجب شبهة في صدر الكلام؛ لأنه لما لم يعلل دليل الخصوص.
باعتبار شبهه بالاستثناء من حيث الحكم بقي صدر الكلام موجبًا قطعًا كما كان، واعتباره بالصيغة يوجب جهالة في الأصل على ما ذكرنا، فوفرنا للشبهين حظهما فقلنا: يبقى موجبًا للعمل لشبهه بالاستثناء، ولم يبق موجبًا قطعًا لشبهه بالناسخ.
وهو معنى ما قال في الكتاب: (فدخلت الشبهة وقد عرف موجبًا فلا يبطل بالاحتمال).
(وهذا بخلاف الناسخ إذا ورد معلومًا في بعض ما تناوله النص، فإن الحكم فيما بقي لا يتغير لاحتمال التعليل) وقوله: لاحتمال التعليل "ليس بدليل لقوله: لا يتغير" لأنه لا يناسب للمدعى؛ لأن احتمال التعليل يوجب التغير فلا يصلح أن يكون دليلًا لعدم التغير، بل المراد أن احتمال التعليل في النسخ لا يوجب التغير فيما بقي؛ لأن العلة لو صحت هاهنا لكانت معارضة للنص العام، وشرط صحة التعليل أن لا يكون معارضًا للنص، فلم يصح التعليل للناسخ لهذا المعنى، فألحق بما لا يحتمل التعليل أصلًا، فلم يتغير ما بقي عما كان عليه، وهو كونه موجبًا قطعيًا فبقي موجبًا قطعيًا كما كان ولا
كذلك دليل الخصوص، فإنه لبيان أن المخصوص لم يدخل تحت الجملة فلا تصير العلة معارضة للنص على ما ذكرنا فلابد من اعتبار التعليل، فحينئذ يوجب شبهة فيما بقي فلم يبق النص العام قطعيا لذلك؛ لأن الناسخ إنما يعمل على طريق المعارضة؛ لأن الناسخ إنما يرد بعد ثبوت النص المنسوخ فكان النص الناسخ معارضًا.
وأما دليل التخصيص فإنما يرد مقارنا للنص العام عند عامة العلماء، فلا يقع إلا مبينًا بأن قدر المخصوص غير داخل تحت العام من الأصل كالاستثناء. تبين أن قدر المستثني غير داخل تحت المستثني منه من الأصل؛ لوروده مقارنًا وهو بمعزل من المعارضة، وقولنا: عند عامة العلماء "احتراز عن قول الإمام أبي منصور- رحمة الله- فإنه لا يشترط المقارنة لورود دليل التخصيص. كذا ذكر في "تبصير الأدلة" في بيان الوعد والوعيد.
(فصار الدليل مشكوكًا) أي العام الذي ص منه البعض صار مشكوكًا.
(أن البيع إذا أضيف إلى حر وعبد بثمن واحد إلى قوله: فهو باطل).
هذا بالاتفاق.
وأما إذا سمى لكل واحد منهما ثمنا بأن قال: اشتريتهما بألف كل واحد منهما بخمسمائة، فكذلك الجواب عند أبي حنيفة- رحمه الله وعندهما العقد جائز في العبد بما سمى بمقابلته؛ لأن أحدهما منفصل عن الآخر في البيع ابتداءً وبقاءً، فوجود المفسد في أحدهما لا يؤثر في العقد على الآخر؛ لأن تأثيره في العقد على الآخر إما باعتبار التبعية وأحدهما ليس بتبع للآخر، أو باعتبار أنهما كشيء واحد وليس كذلك، وكل منهما منفصل عن الآخر في العقد.
ألا ترى أنه لو هلك أحدهما قبل القبض بقى العقد في الآخر، وذلك فيما إذا كان واحد منهما عبدا ويؤذن ذلك. في هذا انفصال أحدهما عن الآخر.
وأبو حنيفة- رحمه الله يقول: البائع لما جمع بينهما في الإيجاب وقد شرط في قبول العقد في كل واحد منهما قبول العقد في الآخر؛ بدليل أن المشتري لا يلك العقد في أحدهما دون الآخر، واشتراط قبول العقد في الحر في بيع العبد شرط فاسد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد، فصارت هذه الجملة نظير الاستثناء؛ لأنه يجعل في الاستثناء عبارة عما وراء المستثنى حكمًا، فكذلك هاهنا جعلت إضافة البيع إليهما عبارة عن إضافته إلى العبد
ابتداء؛ لأن الحر ومن في معناه غير داخل في العقد أصلا؛ لأن دخول الشيء في العقد بصفة المالية والتقوم، وذلك لا يوجد في الحر ومن في معناه، فلو جاز العقد في العبد إنما يجوز بالحصة، والبيع بالحصة لا ينعقد ابتداء على الصحة لمعنى الجهالة كما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بما يحصه من الألف إذا قسم على قيمته، وقيمة هذا العبد الآخر، فإنه لا يجوز لجهالة الثمن كذا هاهنا. كذا في "المبسوط".
(وإذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم) إلى آخره. يبقى العقد صحيحًا في الآخر؛ لأن العقد تناولهما باعتبار قيام صفة المالية والتقويم فيهما، وهو المعتبر في المحل لتناول العقد إياه، ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما للعبد في نفسه أو للغير فيه أو لتعذر التسليم بهلاكه، فيبقى العقد في الآخر صحيحًا بحصته، والبيع بالحصة بقاء لا يفسد البيع، وكذلك إذا كان أحدهما أم الولد وهذا الذي ذكرنا مذهبنا، وقال زفر- رحمه الله لا يجوز لما إذا كان أحدهما حرًا. كذا في "المبسوط".
وقوله: (يدخلان في البيع).
والدليل على الدخول ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله في "المبسوط" بقوله: لأن دخول الآدمي في العقد باعتبار الرق والتقوم وذلك موجود في المدبر والمكاتب، ثم استحق أحدهما نفسه فكان بمنزلة ما لو استحقه غيره بأن باع عبدين فاستحق أحدهما، وهناك البيع جائز في الآخر سواء سمي لكل واحد منهما ثمنا أو لم يسم.
يوضحه أن البيع في المدبر ليس بفاسد على الإطلاق بدليل جواز بيع المدبر من نفسه، فإنه إذا باع نفس المدبر من نفسه يجوز. بدليل أن القاضي إذا قضي بجواز بيع المدبر ينفذ قضاؤه، وكذلك المكاتب فإن بيعه من نفسه جائز ولو باعه من غيره برضاه جاز في أصح الروايتين، وكذلك بيع أم الولد من نفسها جائز، ولو قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-.
(فصار هذا من قسم دليل النسخ) حيث وقع الحكم الثابت في مقدار ما يتناوله التص الذي هو ناسخ بعد الثبوت ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان قبل ورود الناسخ.
(في رجل باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما)، والمسائل على أربعة أوجه:
أحدها- أن لا يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
الثاني- أن يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
والثالث- أن لا يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن.
والرابع- أن يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، والكل فاسد إلا الوجه الأخير.
(فصار في السبب نظير دليل النسخ وفي الحكم نظير الاستثناء)، وهذا لأن شرط الخيار لا يدخل في أصل السبب، وإنما يدخل على الحكم، فيجب اعتباره في كل جانب بنظيره، حتى إن باعتبار السبب إذا سقط الخيار استحق المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة وباعتبار الحكم إذا أعتق المشتري والخيار مشروط البائع، ثم سقط الخيار لم ينعقد العتق. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله في "أصول الفقه" وهذا لأن خيار الشرط يشبه الناسخ ويشبه الاستثناء.
أما أنه يشبه الناسخ على معنى أن الخيار لا يمنع دخولهما تحت الإيجاب،
ويشبه الاستثناء على معنى أن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فلشبهة بالناسخ إذا عين وبين يجوز. بخلاف الحر والميتة، فإنه لا يدخل تحت الإيجاب عين أو لم يعين ولشبهة بالاستثناء إذا لم يعين ولم يبين لا يجوز.
وقوله: (بمنزلة الحر والعبد) متصل بقوله: وفي الحكم نظير الاستثناء أي أن شرط الخيار في البيع يمنع السبب في حق الحكم، ويصير كأن البيع لم يوجد في حق الحكم بمنزلة المستثنى، فإنه غير داخل في الإيجاب كما إذا جمع بين حر وعبد في البيع ولم يفصل الثمن لم يدخل العبد أيضًا في الإيجاب كما أن المستثنى لم يدخل في الإيجاب.
(بخلاف الحر والعبد وما شاكل ذلك في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه) إذا جمع بين الحر والعبد في البيع، وفصل الثمن لم ينعقد العقد في العبد صحيحًا عند أبي حنيفة- رحمه الله خلافًا لهما؛ لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط فاسد، وقد جعله مشروطًا في قبول العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة.
فأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا يكون شرطًا فاسدًا، لأن
البيع بشرط الخيار منعقد صحيحًا من حيث السبب، فكان العقد في الآخر لازمًا كما إذا جمع بين قن ومدبر في البيع كان العقد في القن لازمًا، فكان في هذا المجموع الذي ذكر نظير الاستثناء والنسخ دليل الخصوص، فنظير الاستثناء ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع وأمثاله. ونظير النسخ ما إذا جمع بين عبد ومدبر في البيع وأنواعه.
ونظير دليل الخصوص مسألة من باع عبدًا بشرط الخيار، والله أعلم.
| | |