المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب جملة ما تترك به الحقيقة - الكافي شرح أصول البزدوي - جـ ٢

[الحسام السغناقي]

الفصل: ‌باب جملة ما تترك به الحقيقة

‌باب جملة ما تترك به الحقيقة

لما ذكر الحقيقة والمجاز، والحال أن الحقيقة قد تترك في مواضع مع أصالتها في الكلام- لم يكن بد من ذكر المعاني الموجبة للترك، فذكرها في هذا الباب.

(وهي خمسة) فوجه الحصر على هذه الخمسة هو: أن الموجب إما أن يكون أمرا عاما أو خاصا، فإن كان عاما فهو دلالة الاستعمال والعادة، وإن كان خاصا فلا يخلو إما أن كان في المفرد أو في المركب، فإن كان في المفرد فهو دلالة اللفظ في نفسه، وإن كان في المركب فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى الكلام أم لا، فإن كان فهو دلالة سياق النظم، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى المتكلم أو إلى غيره، فالأول هو دلالة ترجع إلى المتكلم، والثاني هو دلالة في محل الكلام.

قوله: (وهو خمسة) أي ما تترك به من الدلائل التي تدل على ترك الحقيقة خمسة أنواع، ثم الفرق بين الاستعمال والعادة، أن العادة: هي مشتقة من العود، فتدل هي على التكرار في الفعل بخلاف الاستعمال فإنه

ص: 838

لا يدل على التكرار في الفعل.

(وكذلك نظائرها من العمرة)، فإن العمرة في اللغة: عبارة عن الزيارة يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وفي الشرع: عبارة عن زيارة مخصوصة، وهي زيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة مع الإحرام.

وقوله: (أو المشي إلى بيت الله) فإنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله؛ في القياس لم يلزمه شيء؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما يكون من جنسه إيجاب شرعا، والمشي إلى بيت الله ليس بواجب شرع، ولأنه لا يلزمه عين

ص: 839

ما التزم وهو المشي، فلأن لا يلزمه شيء آخر- وهو الحج أو العمرة- أولى، وفي الاستحسان يلزمه حجة أو عمرة. هكذا روي عن علي- رضي الله عنه ولأن في عرف الناس يذكر هذا اللفظ بمعنى التزام الحج أو العمرة، وفي النذور والإيمان يعتبر العرف، فجعلنا هذا عبارة عن التزام حجة أو عمرة مجازا وهو مخير بينهما؛ لأنهما النسكان المتعلقان بالبيت لا يتوسل إلى أدائهما إلا بالإحرام وبالذهاب إلى ذلك الموضع، ثم يتخير إن شاء مشى وإن شاء ركب وأراق دما.

(أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة،) فضرب الثوب على حطيم الكعبة في العرف عبارة عن إهداء الثوب إلى مكة.

قال الإمام شمس الأئمة رحمه الله. لو قال: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة- يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا، واللفظ حقيقة لغير ذلك، ومثاله كثير.

ومن ذلك المثال ما لو قال: لله علي أن أذبح الهدي في الحرم يجب عليه ذبح الهدي بالحرم.

ومن ذلك أيضا ما لو قال: أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي أو أضحي

ص: 840

بولدي - يلزمه ذبح شاة في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- استحسانا.

وقوله: (علي حسب ما اختلفوا)، فإن عند أبي حنيفة رحمه الله في قول الحالف لا يشتري رأسا يقع على رأس البقر والغنم، وعندهما يقع على رأس الغنم خاصة.

(وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز) هذا جواب إشكال يرد على قوله: وقالوا فيمن لا يأكل رأسا: "إنه يقع على المتعارف".

ص: 841

وكذلك في قوله: لا يأكل بيضا أنه يختص ببيض الإوز والدجاج إلى آخره، فإنه لما أورد هذه الأشياء مثالا للكلام الذي ترك حقيقته بدلالة الاستعمال والعادة.

قيل له: كيف يكون هذا الذي ذكرته من قبيل ترك الحقيقة في الكلام، فإن حقيقته مرادة، فإن رأس الغنم مثلا رأس حقيقة، فإنه يحنث بأكله في يمينه: لا يأكل رأسا بالاتفاق، وكذلك بيض الإوز والدجاج بيض حقيقة، وقد أراد هو في يمينه لا يأكل بيضا، فكيف يكون هذه الصور من قبيل ترك الحقيقة؟

فأجاب عنه بهذا وقال: نعم كذلك. إلا أن هذا يشبه المجاز من حيث إن حقيقة العموم هي أن يراد عمومه فلما لم يجر العموم على عمومه تركت حقيقته وكان مجازا، ولما أريد بعض تلك الحقيقة كان حقيقة، فلذلك قلنا: هو حقيقة تشبه المجاز، فحقيقة من حيث إنه أريد به بعض ما تكلم في موضعه الأصلي، ومجاز من حيث أنه تركت حقيقة العموم؛ إذ إجراء العام على عمومه حقيقة.

(وهو لحم في الحقيقة)، ولهذا لا يصح نفي اللحمية عن لحم السمك؛ لأن اللحم يتكامل بالدم؛ لأن ما يشتق من اللحم يدل على القوة والشدة،

ص: 842

ومنه قولهم: التحمت الحرب إذا اشتدت، والملحمة الوقعة العظيمة بالفتنة وفيها شدة وإظهار قوة، وإنما تحصل القوة للحم من الدم ولما كان كذلك لم يكن لحم السمك لحما كاملا؛ لأنه لا دم له.

(فخرج عن مطلقه) أي عن مطلق اللحم، بدلالة اللفظ أي لفظ اللحم وهو ما ذكرنا.

(وكذلك قول الرجل: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب)؛ لأن المكاتب قاصر في المملوكية؛ لأنه غير مملوك يدا وإن كان مملوكا ذاتا، فلذلك لم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخل.

وكذلك قوله: (امرأته طالق لم يتناول المبتوتة)، لقصور معنى اللفظ؛ لأن النكاح لم يبق لكنه بقي بعض أحكامه، فصار قاصرا فلم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخلت هي أيضا.

(وللمخصوص شبه بالمجاز)؛ لأن الحقيقة في العام أن يجري على عمومه

ص: 843

وكونه مخصوصا مجاز له؛ لأن العام لا يكون مخصوصا إلا بدلالة دلت عليه.

(ومن هذا القسم ما ينعكس) يعني في الفصل الأول اللفظ كامل لا يقع على الناقص وههنا عكس ذلك، فإن اللفظ ناقص لا يقع على الكامل كالفاكهة هي اسم للتابع فلا تتناول ما هو أصل من وجه وهو الأشياء الثلاثة وهي: الرطب والرمان والعنب.

(وإذا كان كذلك كان فيها) أي في هذه الأشياء الثلاثة. (والاسم ناقص) أي اسم الفاكهة ناقص (مقيد في المعنى) أي مقيد بنقصانه في المعنى.

(وكذلك طريقه) أي طريق أبي حنيفة- رضي الله عنه في عدم تناول

ص: 844

الأدنى للأعلى، وإنما صرف الضمير إليه؛ لأنه تقدم ذكره قبل هذا.

وكذلك صرح شمس الأئمة رحمه الله فقال: وكذلك لو حلف لا يأكل إداما. عند أبي حنيفة- رحمه الله لا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا؛ لأنه اسم للتابع.

(كما في المسألة الأولى) أي في مسألة الفاكهة، فكان فيه رد المحلف إلى المحلف.

(وحمل على الإنكار والتوبيخ مجازا) من حيث إن الأمر والتخيير ضد الإنكار والتوبيخ، فجاز ذكر أحد الضدين وإرادة الآخر لملازمة بينهما في المعاقبة، لما أن الأمر والتخيير شرع للمأمور به والذي خير فيه وفتح

ص: 845

لهما، والإنكار والتوبيخ للإذهاب له والإعدام، فكان بينهما ملازمة من حيث التضاد، أو يلزم عند ترك المأمور به ما يوجب الإنكار والتوبيخ، فكان الذي يوجب الإنكار بمنزلة موجب موجب المأمور به، فيجوز إرادته عند دلالة الدليل عليه حمل على إمكان الأمر وإقداره عليه مجازا؛ لأن الأمر الموجب يقتضي إمكان الفعل من المكلف وإقداره عليه؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع غير مشروع، فاستعير الأمر للأقدار فيكون ذكر السبب وإرادة المسبب، والمراد بالقدرة هنا القدرة الظاهرة وهي سلامة الآلات والأسباب.

فإن قلت: ما الفرق بين قوله تعالى:} واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ {هذه صيغة أمر بالمعصية والكفر، وكذلك قوله تعالى:} فَلْيَكْفُرْ {صيغة أمر

ص: 846

بالكفر. فكيف جعل الأول من قبيل ترك الحقيقة بدلالة من قبل المتكلم وجعل الثاني من قبيل ترك الحقيقة بدلالة سياق النظم؟

قلت: كل ما كان ترك الحقيقة فيه من قبل المتكلم لم يذكر فيه سياق يدل على ترك الحقيقة، وكل ما كان ترك الحقيقة فيه بسياق النظم كان في سياقه لا محالة شيء مذكور يدل على ترك الحقيقة في الأول وإن اتفق هذان الموضعان في وصف واحد.

ألا ترى أن من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى حيث تركت حقيقة العموم بدلالة من قبل المتكلم لا بدلالة في السياق؛ لأنه لا سياق له.

وأما في قوله: (أنت آمن ستعلم ما تلقى) "كيف ألحق به ما هو الدال في سياقه على نفي حقيقة الأمان، وكذلك في قوله:} فَلْيَكْفُرْ {كيف ألحق في السياق به ما يدل على ترك حقيقة الأمر وهو قوله:} إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ {وإن كان يعلم ذلك أيضا من قبل المتكلم، ولكن المنظور إليه السياق بخلاف قوله} واسْتَفْزِزْ {لأنه ليس في السياق دليل على ترك حقيقة الأمر بل الدليل فيه من قبل المتكلم.

(فحلف لا يتغدى أنه يتعلق به) حتى إنه بعد الحلف لو رجع إلى بيته

ص: 847

وتغدى لم يحنث، لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه، وقد أخرج المجيب كلامه مخرج الجواب، ولما تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم يتقيد الجواب به أيضا.

فحاصله أن المخرج عنا عن العموم صفة كونه مجيبا؛ إذ الجواب يقتضي إعادة ما في السؤال يقع على الفور ولم يقدر في الكتاب وقت الفور إلى أي وقت يكون.

وقال شمس الأئمة- رحمه الله في "أصول الفقه": س لو قامت امرأة لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق، فرجعت ثم خرجت بعد ذلك اليوم لم تطلق، ولم يذكر وقته في "المبسوط" بل قال: ونوع من اليمين مؤبد لفظا مؤقت معنى كيمين الفور.

وفي "الهداية" إشارة إلى أن ما يقطع الفور فهو كاف وإن قل في نفي

ص: 848

العموم حيث قال: ولو أرادت المرأة الخروج فقال: إن خرجت فأنت طالق فجلست ثم خرجت لم يحنث.

(ومثاله كثير) ومن ذلك المثال ما لو قالت له زوجته: إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من الجنابة فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، ثم اغتسل في غير تلك الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث.

} ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ {حقيقة هذا الكلام لعموم نفي الاستواء بينهما من جميع الوجوه؛ لأن الفعل المستقبل يقتضي مصدرا منكرا.

أما مصدرا فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، فكان ذكر الفعل ذكرا للمصدر، وأما المنكر فلأنه هو الأصل، إذ المعرف إنما يكون بأحد الأشياء الخمسة على ما وصلناها في "الموصل" فكان التعريف عارضا والأصل عدم العارض، والموضع موضع النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، والعمل بعموم نفي المساواة بينهما من كل الوجوه متعذر لقيام المساواة بينهما في أشياء كثيرة من الوجود والإنسانية والرجولية والتكليف وغيرها، (فوجب الاقتصار) نفي المساواة بينهما.

ص: 849

على ما دل عليه صيغة الكلام (وهي التغاير في) عمى القلب وبصره؛ إذ صرف نفي المساواة إلى الأمر المعلوم في ذهن كل أحد غير مستحسن لعدم احتياجه إلى البيان.

وكذلك في قوله تعالى:} لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ {على هذا الطريق؛ لأن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم يراد به أخص الخصوص الذي دل عليه الكلام، وهو في الفوز ها هنا وعدمه بدلالة قوله تعالى:} أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ {.

فإن قلت: على هذا التقرير الذي ذكرته كان هذا من قبيل ما تركت حقيقة الكلام بدلالة سياق النظم لا من قبيل ما تركت حقيقته بدلالة محل الكلام.

قلت: لا؛ بل هذا من قبيل الكلام الذي تركت حقيقته بمحل الكلام، وهذا لأنه لما قيل:} ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ {علم أن هذه صيغة العموم، ولم يرد حقيقة العموم بدلالة محل الكلام؛ لأن هذا المحل لا يقبل

ص: 850

ذلك العموم؛ لأن المساواة بينهما ثابتة في وجوه كثيرة على ما ذكرنا.

فعلم بموجود المساواة بينهما في وجوه كثيرة أنه لم يرد به حقيقة العموم في نفي المساواة، وإنما نشأ ذلك من محل الكلام، ثم لما انتفى إجراء العام على عمومه بدلالة محل الكلام لم يكن بد من صرفه إلى الخاص الذي دل عليه سياق النظم إن كان في سياقه عليه دلالة، وقد وجدت الدلالة على أخص الخصوص في سياق الكلام في قوله تعالى:} لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ {، وهذا بخلاف ما إذا تركت حقيقته بدلالة سياق النظم، فإن في قوله: أنت آمن. كانت حقيقته هي ثبوت الأمان وهو ممكن الحمل على حقيقته لكن لما قرنه بقوله بعد ذلك:"ستعلم ما تلقى" تركت حقيقة الأمان بهذه الدلالة،

وأما فيما نحن فيه لم يمكن العمل بحقيقة العموم قبل الرجوع إلى سياقه، فإن هذا عام عندنا حتى يقتل المسلم بالذمي، ويضمن المسلم إذا أتلف خمر الذمي أو خنزيره.

(قول النبي عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيات") وحقيقته متروكة، فإن العمل يوجد كثيرا بدون النية، ومعناه: اعتبار الأعمال بالنيات، وتتمة الحديث دليل عليه.

ص: 851

وكذلك قوله تعالى: {إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى {فإن إعطاء المال للطاعة أو للمعصية من حيث إنه إعطاء لا يتفاوت ذلك، إنما يتفاوت من حيث النية وصار ذكر الخطأ والعمل مجازا عن حكمه وموجبه، فصار كأنه قال: حكم الأعمال، وحكم الخطأ.

(وحكمه: نوعان مختلفان) على ما قرر في الكتاب. فصار مشتركا.

فإن قيل: ينتقض هذا باسم الشيء فإنه يقع أيضا على السواد والبياض والحركة والسكون وفي الأعيان على الحيوان وغير الحيوان، وغير ذلك من الأسماء المختلفة والمتضادة، فهو عام ليس باسم مشترك، فيجب أن يكون الحكم كذلك وإن كان يقع على الجواز والفساد والثواب والمأثم بأن يكون عاما لا مشتركا- قلنا: لا كذلك، بل هذا- أعني الحكم- من قبيل العين للينبوع والشمس والباصرة والمولى والقرء وغيرها لا من قبيل الشيء؛ لأن الشيء إنما بتناول السواد والبياض لا باعتبار السواد والبياض بل باعتبار الموجود، فالسواد والبياض معنى وراء الشيئية لم يوضع الشيء للسواد والبياض وغيرهما باعتبار ذلك المعنى بل باعتبار معنى الوجود، فلم يكن معنى السواد

ص: 852

والبياض مقصودا في الشيئية بل المقصود هو الوجود فيها.

وأما الحكم فإنه يتناول الجواز والفساد والثواب والمأثم قصدا؛ لأن هذه الأحكام شرعية مقصودة كالعين للينبوع والشمس وغيرهما، فلذلك كان الحكم مشتركا.

قال الشيخ أبو المعين- رحمه الله في "تبصرة الأدلة" في مسألة خلق الأفعال في جواب شبهة المعتزلة في قوله تعالى:} خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ {وهي أنه لم يبق عاما حيث خص منها ذات الله تعالى.

قال في جواب هذا: إن الشيء مشترك.

وأما إذا أريد به المحدثات كان عاما؛ لأن الكل بمعنى واحد وهو معنى الوجود،

وأما إذا أريد به ذات الله تعالى لم يكن بطريق العموم؛ لأن المعنى مختلف؛ لأنه شيء قديم وواجب الوجود لذاته لا يشبه شيئا من المخلوقات، فيكون الاختلاف بينه وبين خلقه أكثر اختلافا لين الينبوع والشمس والباصرة في حق العين؛ لأنها تشابه بوجوه كثيرة ومع ذلك كان اسم الشيء مشتركا في أنواعه، فاسم الشيء أولى أن لا يكون مشتركا بين الله وبين خلقه، فكانت لفظة الشيء إذا أريد بها القديم لا يجوز دخول المحدث تحتها وإذا أريد بها

ص: 853

المحدث يمتنع دخول القديم تحتها كما في الأسماء المشتركة، وعن هذا قلنا: إن الشيء ليس باسم جنس، والله تعالى- وإن أطلقت عليه لفظة الشيء - ليس من جنس العالم، ولو كانت لفظة الشيء عامة في القديم والمحدث لكانت اسم جنس لما تحتها، وكان القديم نوعا منه والمحدث نوعا آخر، فيختلفان نوعا ويستويان جنسا، والقول بإثبات المجانسة بين القدم والمحدث كفر.

(ألا ترى أن الجواز والفساد يتعلق بركنه وشرطه) يعني أن الجواز يتعلق بوجود الركن، والشرط والفساد يتعلق بعدمهما، (والثواب يتعلق بصحة العزيمة) وإخلاص النية، والمأثم يتعلق بعدمهما، وإذا كان المتعلق بهما مختلفا كان المتعلق أيضا مختلفا، وإيضاح الاختلاف بينهما بوجه آخر أيضا وهو: إن الجواز والفساد حكمان دنيويان، والثواب والمأثم حكمان عقبويان، فلا تبنى أحكام الدنيا على أحكام الآخرة ولا على العكس، ولما ثبت الاختلاف بينهما لم ينتظمهما لفظ واحد لا محال.

(وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا)، فحكم المشترك التوقف (حتى يقوم الدليل على أحد الوجهين)، فبعد ذلك (يصير

ص: 854

مؤولا)، وهو لم يصح حجة على الخصم أيضا كما يحتج الشافعي علينا في الوضوء غير المنوي، وكما يحتج علينا في عدم فساد الصوم في الإكراه والخطأ، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا. يقرره أن في فصل الإكراه والخطأ الإثم مرفوع، فلا يبقى الآخر مرادا وهو الجواز لما أن المشترك لا عموم له، فحصل من هذا أنه لا يصح الاحتجاج به على الخصم لا قبل التأويل؛ لأنه مشترك فلا يصح الاحتجاج بالمشترك، ولا بعد التأويل؛ لأن تأويله لا يكون حجة على خصمه، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا.

(وكذلك حكم المأثم على هذا) يعني الحكم الذي هو مأثم متعلق بصحة العزيمة أي عزيمة الفساد، حتى إن من جرى على لسانه شيء من كلام الناس من غير قصده في صلاته تفسد صلاته ولا إثم عليه، فلا يصح الاحتجاج به للخصم علينا في عدم الفساد.

(ومن الناس من ظن أن التحريم المضاف إلى الأعيان مثل الخمر والمحارم مجاز).

ص: 855

ذكر ذلك الناس الظانين شمس الأئمة رحمه الله بأنهم العراقيون من مشايخنا، وإنما ظنوا ذلك؛ لأن التحريم تكليف والتكليف يقع في الأفعال؛ لأن التحريم والنهي واحد؛ لأن كليهما منع، والعبد إنما يكون ممنوعا عن تحصيل ما هو مقدور له لا ما هو غير مقدور له، والفعل مقدور للعبد؛ لأنه يمتنع عن الفعل ويقدم عليه وينهي عن تحصيل الفعل ويؤمر بأن يمتنع عنه،

فأما العين فغير مقدور للعبد حيث لا يمكن له إيجاده ولا إعدامه بالكلية؛ بل له قدرة النقل من محل إلى محل وذلك ليس بإيجاد ولا إعدام من كل وجه، ولما كان كذلك كان معنى قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ {وقوله عليه السلام:"حرمت الخمر لعينها"أي حرم نكاح أمهاتكم وحرم شربها، فلذلك قالوا:"كان وصف العين بالحرمة مجازا".

ص: 856

ولكنا نقول: بأن التحريم متى أضيف إلى المحل كان ذلك أمارة لزومه وتحققه، وهذا ينفي كونه مجازا لما أن اسم المجاز غير لازم لمحل المجاز، ولهذا صح نفيه.

أما بيان أمارة لزومه أن العين يبقي فيبقى التحريم ما بقي العين.

فأما إذا كانت الحرمة مضافة إلى الفعل، والفعل مما لا يبقى حينئذ يبقى العين مطلقا غير محرم حين انعدم الفعل أو اتصف الفعل بالحل كما في أكل مال الغير ينقلب إلى الحل بالإذن.

ومن المشايخ من قال: هذه المسألة بناء على مسألة خلق الأفعال، فإن عندنا جميع الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة لله تعالى، وعند المعتزلة لا. لما أن في أفعال العباد ما هو قبيح وشر، ثم لو قلنا بأن الله تعالى يخلق الأفعال القبيحة كان نسبة القبح إلى الله تعالى وهو لا يجوز.

قلنا: هذا التعليل يبطل بخلق الله تعالى الأعيان القبيحة، فإن الله تعالى خلق الأعيان القبيحة ولم يلزم من ذلك نسبة القبح إلى الله تعالى، فاضطرت المعتزلة في التفصى عن هذا النقض إلى أن يقول: لا قبح في الأعيان

ص: 857

البتة، وقد ارتكبوا هذا المحال بناء على أصولهم الفاسدة لئلا ينتقض عليهم أصولهم، وقد خرقوا فيه الإجماع لما أن العقلاء أجمعوا على تقسيم الأعيان إلى حسن وقبيح.

وقال محمد رحمه الله وهو موثوق به في اللغة: رجل اشترى جارية فوجدها قبيحة ولم ينكر أحد عليه لقوله: هذا وهم لم يبالوا بخرق الإجماع في هذا، فلذلك قالوا: إن التحريم إذا أضيف إلى عين يكون مجازا؛ لأن التحريم يقتضي قبح المحرم كالأمر يقتضي حسن المأمور به ولا قبح في العين عندهم، فكان التحريم مضافا إلى حقيقة الفعل الذي هو قبيح، وعندنا لما جاز أن يكون في الأعيان قبح جاز أن يكون العين محرما لكونه قبيحا؛ لأن المنع نوعان: منع الشيء عن العبد، ومنع العبد عن الشيء، فعلى الأولى كان بمنزلة النسخ، وعلى الثاني كان بمنزلة النهي؛ لأن الحكم في الأول امتناع فعل العبد بناء على كون المحل ممنوعا عنه كما قلنا في النسخ، وذلك في تحريم العين حتى لم يبق محلا للتصرف الشرعي أصلا كالخمر لم يبق محلا للشرب أصلا، وكالأم لم تبق محلا للنكاح أصلا بل كانت هي بمنزلة الصخر في حق انفعال النكاح في حقها، كما أن الصخر لا ينفعل النكاح فيه، فكذلك الأم لا ينفعل

ص: 858

نكاح الابن فيها لما أن الفعل يمتنع بناء على عدم المحل، كفعل الصوم ينعدم في الليل بناء على عدم المحل، فيكون الفعل تابعا من هذا الوجه والمحل أصلا.

وأما إذا منع عن الفعل مع أن المحل لم يكن محرما لعينه كان الفعل أصلا في المنع والمحل تابعا، فمن قال بأن التحريم المضاف إلى العين مضاف إلى الفعل حقيقة فقد جعل ما هو أصل وهو العين فرعا، وما هو فرع وهو الفعل أصلا.

وهو معنى قوله: (وهو غلط فاحش)، وإنما أورد هذا الكلام هنا؛ لأن الحرمة هنا على ظن ذلك البعض من الناس إنما ثبتت بدلالة محل الكلام، فلذلك امتنع ثبوت حكم العموم في قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ {حتى جازت دباغة جلده، وكذلك في قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ {لم يحرم النظر والمس، فلم يكن حراما لعين المحل، وكذلك في قوله عليه السلام:"حرمت الخمر لعينها" جاز اقترابها وإمساكها للتخليل، فما تركت حقيقة العموم هنا من قبل دلالة محل الكلام كان إيراده هنا أوفق.

وقوله: ويصير الفعل تابعا من هذا الوجه، يعني من ضرورة تبديل المحل من الحل إلى الحرمة يتبدل الفعل أيضا من الحل إلى الحرمة، والنسخ إنما يجري

ص: 859

في حق الأفعال، فلذلك قيل قيم المحل مقام الفعل حيث جعل الفعل أصلا، ولكن إنما ينشأ اشتداد الحرمة في الفعل إذا كانت الحرمة مضافة إلى المحل، وفي بيان غلظ الحرمة كانت إضافة الحرمة إلى المحل هي الأصل، فلذلك نسب التجريم إليه ليفيد هذا البيان، وعلى قود ظن بعض الناس كانت إضافة التحريم إلى العين وإلى الفعل سواء في أن الفعل في أصله لم يكن حراما لعينه، (وهو غلظ فاحش)، والله أعلم.

ص: 860