الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: الشاعر زاهر عواض الألمعي
نشأة الشاعر وحياته:
هو الشاعر الدكتور زاهر عواض الألمعي، من مدينة رجال ألمع في الجنوب، ولد عام "1353هـ".
وفي مقتبل شبابه انخرط جنديا في سلك الخدمة العسكرية "بجازان" عام "1371هـ"، ومن خلال عمله كان يواصل دراسته عند بعض المشايخ في جازان، وخاصة بعد فراغه من العمل اليومي.
وفي عام "1376هـ" استقال من الجندية ليلتحق بمعهد "شقراء العلمي" ليكون طالبًا في عام "1377هـ".
وبعد أن استكمل دراسته في المعهد العلمي التحق بكلية "العلوم الشرعية" بالرياض.
وحينما تخرج من الكلية انتدب للتدريس "بمعهد أبها العلمي" في عام "1389هـ"، ثم ارتقى مديرًا "لمعهد نجران العلمي" في عام 1385هـ".
وفي زحام الحياة والعمل حصل على "الليسانس" من "كلية الشريعة" بالرياض في عام "1386هـ" ثم "الماجستير" من كلية "أصول الدين" بجامعة الأزهر في عام "1389هـ".
وبعد حصوله على "الماجستير" عُيِّنَ أستاذًا بكلية "العلوم الشرعية" خلال عامي "91-1392هـ"، وفي أثناء ذلك حصل على درجة "الدكتوراة" من كلية "أصول الدين" جامعة الأزهر.
وبعد حصوله على "الدكتوراة" تقلّد منصب العمادة لشئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
والشاعر زاهر له مؤلفات مطبوعة ومخطوطة، منها: كتاب "مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش"، "مداخل الأصول الفقهية"، "أصحاب الأخدود"، "مناهج الجدل في القرآن الكريم"1.
1 انظر شعراء العصر الحديث. عبد الكريم الحقيل: ص14، وديوان "الألمعيات" التقديم.
وفي عام 1391هـ" صدر له الديوان الأول "الألمعيات" في حجم متوسط، 156 صفحة، طبع دار القلم في بيروت، وقدم له الأستاذ عبد العزيز الرفاعي. الطائف في 4/ 6/ 1391هـ.
وفي عام "1400هـ" صدر له الديوان الثاني "على درب الجهاد" في حجم متوسط 220 صفحة، مطابع الفرزدق التجارية بالمملكة العربية السعودية.
يقول الأستاذ عبد العزيز الرفاعي في تقديم الشاعر: صاحب هذا الديوان عصامية متجددة، بدأ حياته من أول درجات السلم، ثم أخذ يتدرج صعدًا كلما ارتقى درجة حفزته نفسه الطموح إلى أخرى أعلى، فاندفع وفي نفسه مضاء وعزم وأمامه هدف، ولا أدلّ على ذلك من ترجمة حياته المثبتة في هذا الديوان فهو يبدأ حياة الكفاح جنديًّا في أول سلم الجندية، ثم يأخذ في الارتقاء لا في سلم الجندية، فقد غادرها إلى حياة التعليم والتعليم، لكنه لم يفقد روح الجندي عزيمة وتصميمًا وتطلعًا إلى مرتبة أعلى1.
ويقول الشاعر في تصدير الديوان الثاني: هذا هو ديواني الثاني يضم بين دفتيه عشرين قصيدة، حروفها نبض قلب يعتصره الألم لما عليه حال أمتنا الإسلامية، ومعانيها ومض فكر تؤرقه هموم الأجيال المسلمة التي ترنو إلى تحرير أرض الإسلام من قبضة الأعداء، وتطبيق شرع الله في جميع الأرجاء.. وهي في مجموعها مرآة تعكس ما يعتلج في قلوب بني العروبة والإسلام من آلام وآمال، وما يتطلع إليه أجيالها من حسن مآل2.
1 مقدمة ديوان الألمعيات.
2 على درب الجهاد: ص5.
الأغراض الأدبية:
تعددت الأغراض الأدبية في شعر زاهر، وإن غلب على الديوان الثاني "على درب الجهاد" الشعر الإسلامي، واحتلَّ هذا الغرض مكان الصدارة من شعره كله، ثم تأتي أغراض أخرى دونه من أهمها شعر القوميات والوطنيات، وشعر الطبيعة، والرثاء، والمدح، وشعر الحضارة.
وهذه الأغراض الأدبية منها ما هو قديم سبقه إليها الفحول من الشعراء القدامى، ومنها الجديد الذي تجاوب له الشاعر مع قضايا عصره، وعالمه الإسلامي والعربي، أو كان الغرض صدى لواقع البيئة التي يعيشها الشاعر في عالمه المعاصر، وسأوضح ذلك عند تناول كل غرض أدبي على حدة في مكانه بإذن الله تعالى.
أولًا: الشعر الإسلامي
هو الغرض الأدبي الغالب على فنه الأدبي، وسيطر على عطاء الشاعر في كل مناسبة إسلامية، أو قومية، أو وطنية، فالمناسبات كانت من أهم الدوافع، التي جعلت الشاعر من الشعراء الملتزمين في الشعر السعودي خاصة والإسلامي بصفة عامة، وهناك دوافع أخرى تقف من وراء هذا الدافع وهي:
1-
روح الجندية والعسكرية التي بدأ بها حياته العملية قبل أن يكون طالبًا للعلم، فأحيت في نفسه غريزة الحث على الجهاد في سبيل الإسلام والمسلمين.
2-
حضور مؤتمرات الحجيج في منى وغيرها، وخاصَِّة في الحفل الذي يقيمه جلالة الملك سنويًّا في "منى"، فينتهز الشاعر هذه الفرصة ليعبِّر عن مشاعره الإسلامية في هذا الموكب العظيم الذي يفجر المشاعر عند كل مسلم، ويحرك الأحاسيس، ويلهب العواطف الجياشة، ويهز الوجدان والضمير نحو التضحية والفداء في سبيل الإسلام والمسلمين.
3-
تخصصه العلمي والعملي في حياته العملية، فقد حصل على أعلى درجة علمية، وهي "الدكتوراة" في الشريعة الإسلامية، وعمل أستاذًا في كلية "العلوم الشرعية"، ثم عميدًا لشئون المكتبات في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
4-
التحدي السافر من تكاتف الصليبية المسيحية مع الصهيونية العالمية أعداء الإسلام
ضد المسلمين وعقيدتهم، مما أدَّى إلى السيطرة على أراضيهم واستغلال أموالهم واحتلال القدس الشريف، فانطلق الشاعر يحث الأمة الإسلامية على التضامن في سبيل التحرير الكامل للقدس الشريف والأراضي الإسلامية العربية.
والشعر الإسلامي يضمَّ هذه القصائد في ديوانه "الألمعيات"1 منها قصيدة "مؤتمر الحج الأكبر ص33، 38" ألقاها الشاعر في الحفل السنوي الذي أقامه جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز تكريمًا لحجَّاج بيت الله الحرام في "منى" 11/ 12/ 1389هـ، وقصيدة "من رحاب الله ص39، 48" ألقيت في الحفل السنوي الذي أقامه جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز تكريمًا لحجاج بيت الله الحرام "بمنى" في 11/ 12/ 1390هـ، وقصيدة "جحافل المجد ص54، 56" ألقيت في الحفل الثقافي، الذي أقيم في "معهد شقراء العلمي" في 13/ 6/ 1378هـ، وقصيدة "دولة الإسلام في ماضيها المجيد ص72، 76"، ألقيت في حفل كبير "بمعهد أبها العلمي" في 18/ 7/ 1384 هـ.
أما قصيدة "من ربا أم القرى ص82، 87"، ألقيت في الحفل السنوي الذي أقامه جلالة الملك "فيصل بن عبد العزيز" تكريمًا لحجاج بيت الله الحرام في "منى" في 11/ 12/ 1388هـ، وقصيدة "تحية المعهد ص91، 92" أنشدها الشاعر عندما زار أحد المعاهد العلمية، فأعجب بشبابه النابهين، ولمس فيهم الطموح، فحيَّا المعهد بها، وقصيدة "نجدة الإسلام ص108، 112" ألقيت في حفل ثقافي كبير "بمعهد شقراء العلمي"، حضره عدد من رجال التربية والتعليم، وقصيدة "وحدة العرب ص131، 135" ألقيت في حفل ثقافي كبير أقامه "معهد أبها العلمي" عام 1383هـ.
أما الشعر الإسلامي في ديوانه "على درب الجهاد"2 فقد اشتمل على قصائد منها: قصيدة "عودي إلى درب الجهاد ص9، 17" ألقاها الشاعر في "منى" عام 1399هـ، يناشد فيها ليلاه العودة إلى أصالتها، ويحذرها من كيد أعدائها المتربصين بها، ولا يرى لها انفكاكًا عن دينها ووحدتها؛ لأنها معدن التضحية والفداء، ويناشد المسلمين نبذ الفرقة والخلاف وتحرير المسجد الأقصى، وقصيدة "في رحاب البيت ص19، 25" ألقيت في موسم الحج "بمنى" لعام 1394هـ انطلاقًا لما يجيش في صدر الشاعر من حب لبيت الله الحرام، تتجلَّى في وصف المشاعر المقدسة ومواكب الحجيج، وقصيدة "مشاعر الإلهام ص27، 37" ألقاها الشاعر في مؤتمر الأدباء بمكة المكرمة عام 1394هـ بدأها بمطلع غزلي.
1 في كل صفحة منه ستة عشرة بيتًا تقريبًا.
2 تضم الصفحة الواحدة خمسة أبيات تقريبًا.
عفيف، ثم يشيد بالرسول الأعظم ورسالته الخالدة، والقصيدة تعكس معاني الحب الصادقة في قلب الشاعر.
أما قصيدة "وحدة العرب ص39، 46"، وهي في تصور الشاعر تختلف عن المفاهيم القومية الضيفة، فيوضِّح الأسس التي يمكن أن تقوم عليها هذه الوحدة، لتلتقي مع الوحدة الإسلامية الشاملة، فواقع الأمة الراهن من أهم ما يشغله، والقصيدة تعكس جانبًا كبيرًا من الدعوة إلى الوحدة والاهتمام بها، وقصيدة "ضيوف الرحمن ص75، 82" ألقيت في "منى" عام 1394هـ لإيقاظ مشاعر الحجاج حول قضايا الساعة، والإشادة بأبطال الإسلام، ومنهم المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز -طيَّب الله ثراه، فقد خصه بأكبر جزء من القصيدة.
وأما قصيدة "في ربا الحرمين ص95، 105" ألقاها الشاعر في منى عام 1395هـ، يصور فيها أثر فرقة المسلمين واختلافهم فيما بينهم من المآسي التي تحز في قلب الشاعر، فيحثّ المسلمين على التمسك بأهداب الشرع الشريف، ويحضهم على نبذ الفرقة والخلاف، وذلك في الحفل الذي يقيمه جلالة الملك سنويًّا "بمنى"، وقصيدة "دعوة الحق ص117، 129" يبتهل فيها الشاعر إلى الله تعالى أن يوقظ أمة الإسلام، ويلم شعثها على الكتاب والسنة، وعلى اقتفاء آثار الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين في الجهاد في سبيل نصرة الإسلام ورفع رايته، ولم ينس كعادته أن يذكر المسلمين بما يحيط بهم من أخطار تتهددهم وتهدد عقيدتهم وكيانهم، وقصيدة "فجع الأيام ص131، 140"، يرثي فيها الشاعر فقيد العروبة والإسلام الملك فيصل ابن عبد العزيز -طيَّب الله ثراه، ويشيد بآثاره ومناقبه التي قدمها في خدمة الإسلام والمسلمين في كل قطر، ويهيب بالزعماء أن يقتفوا أثره في مواقفه الإسلامية والسياسية الرائعة.
وأما قصيدة "في مشاعر الحج ص141، 157" ألقاها الشاعر في "منى" عام 1391 هـ، يهيب فيها بالمسلمين لنصرة دين الله وإحياء شريعته، ومحاربة الفساد والإلحاد في كل قطر من أقطار المسلمين، ويذكرهم بما يجري في المسجد الأقصى من عبث وفساد الصهاينة، كما يذكرهم بما جرى للدولة الإسلامية الشقيقة "باكستان" من الغزو الوثني الذي دبره أعداؤها، وعاضده الكفار الملاحدة، وما يجري على مسلمي "زنجبار" و"الفلبين" من التنكيل العنصري، والاضطهاد الصليبي، وكذلك من "قصيدة في حرب رمضان ص159، 166" ألقاها الشاعر في "مكة المكرمة" عام 1393هـ، وتحطيمه لخط "بارليف" ويحث المسلمين كعادته على استعادة القدس الشريف، وتحريره من احتلال أعداء الإنسانية "اليهود".
وأما قصيدة "رسالة الإسلام الخالدة ص167، 177" ألقاها الشاعر على جموع.
الحجيج لبيت الله الحرام في الحفل الذي يقيمه جلالة الملك في كل عام، وأشاد في هذه القصيدة بعظمة الإسلام ومجده وفتوحاته العظمى، وقهره للفرس والرومان أغنى دول العالم في فجر الإسلام، كما أشاد بانتصارات المسلمين في "حطين" و"ذات الصواري"، وحثَّ المسلمين على استعادة مجد الآباء والأجداد من أبطال الإسلام، وقصيدة "يا قادة الإسلام ص 87، 196" ألقاها الشاعر في "منى" عام 1398هـ على وفود الحجيج، يشيد فيها بجهود وجهاد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين، ويحثُّ صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز للعمل على لَمِّ شعث العرب، وتوحيدهم تحت راية الإسلام لإنقاذ القدس الشريف.
وأما قصيدة "رحاب القدس ص197، 205"، وهذه القصيدة تشغل بال الشاعر، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده دون تعريج على القدس، ودعوة المسلمين لتحريرها، ولكنه لا يرى مع النزعات القومية والأحزاب المتصارعة بارقة أمل لتحرير المسجد الأقصى، ولا يرى سبيلًا لتحريره إلا بالعودة إلى الإسلام، واجتماع الكلمة على منهج الله العادل، وقصيدة "شريعة الله" أنشدها الشاعر في الرياض عام 1393هـ، يوضح فيها أن شريعة الله هي البلسم الشافي لكل أمراض الشعوب، والمنهج الوافي لجميع شئون الحياة تربية ونظامًا ووسيلة وغاية، وفي هذه القصيدة وصف لشريعة الله بأصولها من توحيد وعبادات ومعاملات وحدود، وختمها الشاعر ببعض التأملات في هذا الملكوت العريض والتدبر في إبداعه.
أولًا: الخصائص الفنية للشعر الإسلامي
تميز الشعر الإسلامي عند زاهر بخصائص فنية، منها طريقته في منهج القصيدة، فأحيانًا تتجرَّد القصيدة للشعر الإسلامي بلا مقدمات غزلية، فتخلص له من مطلعها إلى نهايتها، وخاصة في ديوانه الأول "الألمعيات"، فقد خلت كل القصائد الإسلامية فيه من المقدمات الغزلية، مثل قصيدة "مؤتمر الحج الأكبر"1 ومطلعها:
أرب البيت عفوك والمتابا
…
وألهمنا بعزتك الصوابا
وألبسنا بفضلك تاج نصر
…
إذا سقنا إلى "الأقصى" ركابا
فقد خشعت جوانح كل فرد
…
وأحنينا لعزتك الرقابا
وفي البيت العتيق علا هتاف
…
يناشدك المثوبة والمتابا
وقد عبق الأريج وكان مسكا
…
وعم البقاع واعتنق السحابا
1 الألمعيات: 33/ 38.
إلى قوله:
"أموتمر الحجيج" سموت نهجًا
…
وذللت المتاعب والصعابا
ولبيت النداء بكل فج
…
وأديت المناسك مستجابا
وفي نبرات صوتك ذكريات
…
أعادت في ضمائرنا الشبابا
وقد هزت مشاعر كل فرد
…
يريد المجد أو يهوى الطلابا
لأنَّا أمة عاشت لمجد
…
وتحمي صفوه من أن يشابا
وإن بدرت بواعث كل شر
…
نصبنا في مسالكها الحرابا
ففي "اليرموك" أذكينا ضرامًا
…
وسيف الله لا يأوى قرابا
وقد أزجى بوادي النيل عمرو
…
جنودًا تعشق الموت احتسابا
وفي "البسفور" غارات وزحف
…
طوى فيه "ابن عباس" الصعابا
ودان الرافدان لجيش "سعد"
…
وقد جاب المشارف والرحابا
وفي مدريد طافتها ليوث
…
ودقت حصنها العاتي فذابا
ونادى "طارق" أسمى نفير
…
وقد قطع البحار به وجابا
بني الإسلام هل حان اعتصام
…
بحبل الله لا نخشى غلابا
ونمضي في ركاب المجد زحفًا
…
به تعلو صوارمنا الرقابا
ومن عشق البطولة وهوشهم
…
أماط العار واخترق الصعابا
فبالإقدام نبني كل مجد
…
و "شوقي" حين أنشد قد أصابا
"وما استعصى على قوم منال
…
إذا الإقدام كان لهم ركابا
ثم يحث المسلمين إلى الجهاد في سبيل المسجد الأقصى فيقول:
فإن رمتم زوال الضيم فاسعوا
…
إلى سبل الوغي أسدًا غضابا
فذاك "المسجد" الأقصى" رهين
…
وقد كنتم له سورًا مهابًا
وهكذا يمضي في أبيات كثيرة حين ينادي حامي حمى الإسلام الملك فيصل بن عبد العزيز في مواقفه التاريخية فيقول:
فيا حامي حمى الإسلام جرد
…
سيوف الله تلتهب التهابا
وقدنا في ملاحم ضاربات
…
فأنت القائد الأعلى جنابا
فقد ناديت للأقصى شعوبًا
…
وكان دعاؤك الأسمى مجابا
فإن تسبق إلى الأقصى ركاب
…
فإن "لفيصل" منها ركابا
فدم يا فيصل الإسلام ذخرًا
…
زعيمًا في الورى بطلًا مهابا
وفي أسمى الذرى تبني بعزم
…
صروح المجد مؤتلقًا مثابًا
والقصيدة طويلة جدًّا اقتصرت على بعض أبيات في المطلع والوسط والخاتمة، ومن خلالها يصور الشاعر أمجاد الإسلام وبطولاته وتشريعاته وحضارته، ثم بحث على الجهاد ومواصلة الكفاح للحفاظ على تراثه المجيد وحضارته العريقة، وعلى تحرير الأرض المغتصبة، والمسجد الأقصى، وغيرها من المعاني والخواطر التي دارت حول الغرض منها بلا مقدمات غزلية، وبلا خروج عن موضوع الغرض العام، وهو "مؤتمر الحج" الذي فجر تجربة الشاعر الشعورية بهذه الخواطر المختلفة، والتي تتآخَّى جوانبه ومشاعره فيه، وتتلاحم هذه المعاني الكثيرة مع ما يوحي به مؤتمر الحجيج؛ لأن موضوع عام تدخل فيه هذه الجوانب كلها، ولم يقتصر الشاعر على جزئية واحدة فقط؛ لأنه يناشد مؤتمر الحجيج من جميع بقاع العالم الإسلامي، وهذه الجوانب تتناسب معه، ولا تخرج عن موضوعه.
واستجاب الوزن والقافية فيها للمعاني والأفكار التي تلاحمت مع الغرض؛ لأن مظاهر تأثر زاهر بقصيدة "المولد النبوي الشريف" لأمير الشعراء واضحة في هذه الجوانب، ولذلك انسابت أفكاره ومعانيه مع الوزن والقافية انسياب الماء الزلال بلا تكلف أو تعمل، ولكن في ثورة شاعرية متدفقة في انثيال الألفاظ ومطاوعة الأساليب، لتصويره الأدبي الرائع الذي يتسارع إلى الذهن فلا يتعثر في الفهم، وتنفتح منافذ العقل والقلب معًا، بل استجابة القارئ لشعره تسير مع القراءة أو السماع جنبًا إلى جنب، وانظر كيف انسابت بعض الأفكار والمعاني والأبيات لشوقي في قصيدة الشاعر زاهر بلا استذان كما في قوله:
فبالإقدام نبني كل مجد
…
وشوقي حين أنشد قد أصابا
وما استعصى على قوم منال
…
إذا الأقدام كان لهم ركابا
وليس معنى ذلك أنه قد عارض شوقيًّا في كل المعاني والأفكار والصور، ولكنه بلا شك قد ظهرت شخصيته في معانٍ كثيرة اقتضاها الغرض؛ لأن قصيدة شوقي في المولد النبوي الشريف، وقصيدة زاهر في موضوع آخر يختلف عن غرض الشاعر، وهما يفترقان في معان وصور كثيرة.
وشاعرنا يتأثر بأمير الشعراء في بعض المعاني والصور، بالإضافة إلى الإيقاع الموسيقي والوزن، أما التأثر بكلمات القافية فهذا أمر طبيعي ما دام البحر واحدًا والروي واحدًا.
ونرى الشاعر في هذه القصيدة تسيطر عليه بعض الألفاظ النثرية الخطابية، مثل لفظ "قد"، فقد كررها ما يقرب من عشرين مرة، وليس هذا من حقل الألفاظ الشعرية؛ لأن للشعر ألفاظه وللنثر ألفاظه، واستعمالها مع الفعل الماضي هنا يجمد الحدث في التصوير ليحقق الوقوع في الماضي بلا استمرار وتجدد، وهذا لا يتناسب مع الحيوية والحركة التي هي من عناصر الصورة الشعرية، وإلَّا تجمدت وتحجَّرت، واستعمال الفعل الماضي وحده من غير قد في الشعر لا يلتزم
جمود الحدث ووقوعه في الماضي، بل يوحي بالتجدد والحركة، وتأمل معي الفرق في الاستعمالين عند الشاعر، مثل قوله:"وقد هزَّت مشاعر كل فرد" فدلَّ على وقوع الهزة في الماضي فقط بلا إيحاء الاستمرار، أما قوله بعده مباشرة "لأنَّا أمة عاشت لمجد" فدلالة الماضي على وقوع الحدث فيه أو حتى الصورة فيه مع ذلك بالاستمرار والحركة المتجددة والمعنى فلا تزال أمة الإسلام تعيش لمجد، على حد قوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} 1 والمراد والله أعلم: سيأتي أمر الله بقيام الساعة، مع أنَّ التعبير بلفظ "لأنَّ" يتجافى مع طبيعة الشعر التي تنأى عن التعديل والتدليل، وإنما يتناسب مع الأسلوب العلمي الذي يقوم على ذلك.
ويقول زاهر في قصيدة "وحدة العرب" ومطلعها2:
من معهد العلم شماخة القمم
…
من منبت العز من دوامة الكرم
من قلب "أبها" وقد حفت جوانبها
…
بالعلم بالصيد أبطال ذوي شمم
صوت يدوي له في الأفق جلجلة
…
يمتد في الأفق من وهاجة الضرم
قلبي جريح لداء العرب ملتهب
…
وعلة القوم أدهى من أذى السقم
ما للزعازع تجري في مواكبهم
…
تحثو السموم بداء قاتل عمم
ومنها:
لا مجد للعرب ما دامت أكفهموا
…
في كل أمر تنادي هيئة الأمم
يا أيها العرب أحيوا نهج شرعتكم
…
من طارف المجد ومن تالد الكرم
وبرهنوا للملأ أهداف وحدتكم
…
حتى تماسك بالحافات واللجم
أما البناء على الفوضى بدون هدى
…
فقد سئمنا فضول القول والكلم
فهل لكم وحدة تبني على أسس
…
من العدالة والإسلام والحكم
من منبع النور تستسقي مشاربها
…
لا من بني الغرب في العادات والنظم
أقولها من هنا شماء ناصعة
…
بالدين نرعى مقام العدل والذمم
لا وحدة اليوم ما دامت منكسة
…
معالم الدين بين العرب والعجم
الدين منطلق الإصلاح منبلج
…
بفجره الساطع البناء للأمم
يا قوم نادوا شعوبا عاثها دول
…
أن ليس هذا من الأخلاق والشيم
أيدي الكريم إذا الإذلال نازعها
…
تفتر أسيافها مخضوبة بدم
تأبى الأشاوش أن يحتل معقلها
…
وأن تلين لبطش الغاصب العرم
فأيقظوا الوعي من كابوس غفلته
…
بزاجر من ذوي الأمجاد محتدم
إن المبادئ والأخلاق سنتها
…
تبني الشعوب وترعى حرمة الأمم
1 النحل: الآية الأولى.
2 الألمعيات: ص131/ 135.
وهذه الأبيات مقتطفات من القصيدة الطويلة التي تقوم على غرض واحد، تتجه معانيها كلها إلى موضوع واحد وهو "وحدة العرب" التي صورها الشاعر بمفهوم واسع، لا يقتصر على الجنس العربي فقط، وإلا كانت قاصرة في مفهومها وأبعادها وغايتها النبيلة الشاملة، وإنما المقصود من الوحدة العربية في تصويره الأدبي هي الوحدة الإسلامية الشاملة، وهي مطلب كل مسلم، وإن كانت الوحدة العربية هي الجسر القوي الذي يعبر عليه المسلمون في جميع أنحاء العالم لتحقيق الوحدة للأمة الإسلامية، على أنَّ لغة القرآن والإسلام هي اللغة العربية، فكل من يتكلم العربية فهو عربي ولو كان ذلك من خلال القرآن أو الصلاة.
والوحدة الإسلامية -لا العربية- هي التي تقف شامخة كما كانت قديمًا أمام أعداء الإسلام؛ لأنها تقوم على المساواة والعدل والإخاء والاصلاح والأخلاق، وغيرها من مقومات التشريع الإسلامي الذي يصلح لكل زمان ومكان، ولا يتحقق مثل ذلك من خلال وحدة الجنس مهما كان هذا الجنس البشري ملتزمًا بقيمه الخاصة لا بقيم الإسلام.
ودائمًا ينشد الشاعر الوحدة العربية بهذا المفهوم الواسع، فقد أنشد قصيدة أخرى بنفس الموضوع والغرض "وحدة العرب" في ديوانه الثاني "على درب الجهاد" ومطلعها1:
من دوحة المجد شماخة القمم
…
من منبت العز خفاقة العلم
نادى المنادي إلى الإيمان فاستبقوا
…
وأسوا جراح أسيرتاه في الظلم
قلبي جريح بداء العرب ملتهب
…
وفتنة القوم أدهى من أذى السقم
ومنها:
لا مجد للعرب ما دامت حناجرهم
…
في كل أمر تنادي هيئة الأمم
يا أيها العرب أحيوا نهج شرعتكم
…
من طارف العز أو من تالد الكرم
وبرهنوا للورى عن صدق وحدتكم
…
وابنوا البلاد على الأسمى من النظم
أما البناء على الفوضى بدون هدى
…
فقد سئمنا فضول القول والكلم
فهل لكم وحدة تبني على أسس
…
من العدالة والإسلام والقيم
من منبع الوحي تستسقي مشاربها
…
لا من رؤى الغرب أو مستسمن الورم
أقولها من هنا شماء ناصعة
…
بالدين نرعى مقام العدل والذمم
لا وحدة اليوم ما دامت منكسة
…
أعلام أمجادنا في القدس في الحرم
الدين منطلق الإصلاح منبلج
…
بفجره الساطع الوضاء في القمم
1 على درب الجهاد: 39/ 46.
يا قوم نادوا شعوبًا عمها وهن
…
أن ليس هذا من الأخلاق والشيم
أيدي الكريم إذا الباغي ألمَّ بها
…
تفتر أسيافها مخضوبة بدم
تأبى الأشاوس أن ترتاد ساحتها
…
وأن تلين لزحف غاصب عرم
فأيقظوا الوعي من كابوس غفلته
…
بزاجر من ذرى الأمجاد محتدم
إن المبادئ والأخلاق سنتها
…
تبني الشعوب وترعى حرمة الأمم
وهاتان القصيدتان يجمعهما موضوع واحد وغرض واحد، تحت عنوان:"وحدة العرب"، وتكاد الأبيات فيهما تتفق لفظًا ومعنًى وأسلوبًا وتصويرًا وخيالًا وهدفًا ووزنًا وقافية، وبعض الأبيات متفقة تمامًا في القصيدتين، وبعضها مختلف في بعض الألفاظ دون المعنى.
والقصيدة في الديوان الثاني زادت عنها أبياتًا في الديوان الأول، وهذا واضح من خلال القصيدتين لو أعدنا النظر مرة ومرة، وهذا ما قصدته من ذكر بعضهما معًا من باب الموازنة والمقارنة، ولعل الشاعر يقصد من وراء ذلك تخصيص الديوان الثاني "على درب الجهاد" بالشعر الذي يتصل بالجهاد، ولذلك جاء بها هنا لتناسبها مع اتجاه الديوان.
ويضاف إلى ذلك أنَّ القصيدة الثانية زادت قليلًا من الأبيات عن الأولى، وتبدلت فيها بعض الألفاظ والصور، ولا شك أنَّ التغيير كان أقوى وأدق في الغالب، وتأمَّل معي المطلع في القصيدتين، فالتعبير بقوله:"من دوحة المجد" أقوى في الغرض والتصوير الأدبي من قوله الأول: "من معهد العلم"، فدوحة المجد أنسب وأعمّ وأقوى إيقاعًا وأخف على اللسان بسبب اجتماع "العين والهاء"، وهي حروف ثقيلة إذا اجتمعت تخل بجمال الإيقاع، وتحدث قلقًا في أصواتها واضطرابًا، مما يؤثر في جمال الصورة وينزل من قدرها، وهكذا كان يقصد الشاعر من التغيير والتكرار، فيسمو بالتصوير الشعري كما رأيناه، ومثل ذلك التغيير في "وعلة القوم" فبدلها بقوله:"وفتنة القوم"، وقوله:"عاثها دول" مع قوله: "عمها وهن"، وقوله:"ما دامت حناجرهم" أقوى من قوله: "ما دامت أكفهموا" وغيرها.
وهكذا يمضي الشاعر في قصائد كثيرة من الشعر الإسلامي الذي يقوم على غرض واحد فقط في القصيدة الواحدة، وتلك سمة من سمات هذا الغرض الأدبي عند الشاعر.
ومن خصائص هذا الغرض أنَّ الشاعر قد يزاوج في القصيدة بين غرضين فيجمع بين مقدمة غزلية عفيفة، وبين الغرض الأساسي في الشعر الإسلامي وخاصة في ديوانه "الثاني"، ثم ينساب منها في رفق وبراعة إلى الغرض الأساسي، فلا فجوة أو تناقض أو ابتذال وإسفاف، بل قد لا يدرك القارئ الفاصل بين المقدمة والغرض إلا بعد روية وتأمل؛ لانسجام الغزل العفيف مع المعاني التي يشتمل عليها الغرض.
وكان أحيانًا يرمز بليلاه عن "الوحدة العربية الإسلامية" التي ينشدها في شعره، كما في قصيدة "عودي إلى درب الجهاد"، وذلك في غزل عفٍّ طاهر، يشتمل في المطلع على سبعة عشر بيتًا، ينتقل بعدها إلى الغرض، وهو حثّ المسلمين على الجهاد في سبيل "المسجد الأقصى"، وصرفهم عن التناحر بين الأحزاب المعاصرة، من يمينية ويسارية ورجعية، وفي النهاية يعود إلى الحث على الجهاد في آخر القصيدة كما بدأ1.
وكذلك في قصيدة "تحية المغرب العربي" بدأها الشاعر بمطلع غزلي عفيف في ثلاثة عشر بيتًا، ثم يتسلل إلى الإشادة بحضارة الإسلام والمسلمين في المغرب والأندلس وأمجادهم هناك2، وهكذا في قصيدة "في رحاب البيت" يصور فيها الشاعر أثر الحج في النفوس أولًا، ثم يختمها بليلاه رمز الوحدة الإسلامية عند الشاعر في بيتين3.
أما قصيدة "مشاعر الإلهام" فقد بدأها زاهر بالعزل الطاهر في تسعة عشر بيتًا، ثم أشاد بالرسالة المحمدية الخالدة في ثلاثة وعشرين بيتًا يعبِّر فيها عن مشاعره نحو الإسلام والمسلمين، وما يرجوه لهم من مجد، يمتد في أصالته إلى أمجاد المسلمين في القديم، يقول في المقدمة الغزلية4:
طلعت فلاح اليمن في طلعاتها
…
وبدا جمال الورد في وجناتها
وسرى النسيم على مشارف ثغرها
…
تتضوع الأرجاء من نسماتها
ورنت بألحاظ الجفون نواعسًا
…
تتراقص الأطياف في ومضاتها
وتبسمت عن ثغر حسن باسم
…
فشقائق الأكمام من بسماتها
ونظرت -عف النفس- سحر جمالها
…
ومصارع العشاق في لمحاتها
ومفاتن السحر الحلال تشدني
…
شوقًا وما مست يدي حرماتها
فأطل ثم الحارسان وأشرعًا
…
نحوي الأسنة من كمين كماتها
فأدرت في ذهني عجائب أمرها
…
وخشيت هول السطو من طعناتها
فإذا هما فوق الترائب والحنا
…
من قلبها الخفاق بعض سماتها
قالت: رويدك فالمراقي صعبة
…
لا ترتقيها الطير في غدواتها
فأجبتها أوما علمت بأنني
…
كالصقر يغزو الطير في وكناتها
قالت: معاذ الله أن تخشى الحمى
…
وتبيح محل الدر من صدفاتها
1 على درب الجهاد: 9/ 17.
2 الديوان السابق: 107/ 117.
3 الديوان السابق: 19/ 25.
4 على درب الجهاد: 27/ 37.
إني عشقت من النفوس أبيها
…
من كانت الأخلاق خير صفاتها
فأجبتها: نفسي الأبية في الهوى
…
تفديك قد أججت من زفراتها.
وتنهدت أعماق روحي لوعة
…
وسرى الجوي والشوق في جنباتها.
لولا ارتباعي من مغبات الهوى
…
لقطعت زهر الورد من جنباتها
ولسرت أمتاح الرياض وأجتلي
…
منها رضاب الشهد من زهراتها
لكن أطيافي وإن جنحت بها
…
فتن الجمال تعف عن زلاتها
وتتوق أشواق إلى سنن الهدى
…
فمشاعر الإلهام في رحباتها1
أرأيت هذا الغزل العفيف الطاهر، لا يجرح مشاعر مسلم، ولا يخدش بكرامة مسلمة، وإنما هو تنفيس بشري عن غريزة الحب التي غرسها الله تعالى في الإنسان غريزة، تنساق مع طبيعته البشرية، وما أجمل أن يعبر عنها الإنسان في لفظ عفِّ، وتصوير بريء وأسلوب طاهر على غرار هذا التصوير الغزلي البري، الذي يعبر بصدق عن تلك الفطرة الإنسانية، في إطار الخلق الإسلامي وأدب القرآن الكريم.
والحب العفيف في جوهره جانب إنساني روحي، يسمو به الإنسان إذا صوره ظلال خلق الإسلام، لينتقل الشاعر في تسلل وانسياب إلى جانب روحي وبنا، نفسي آخر، وهو الحديث عن شريعة الإسلام، وأخلاقه في بناء المسلمين.
ثم أرأيت الخيط الرفيع في البيتين الأخيرين، الذي شد به المقدمة الغزية إلى الغرض، إن القارئ لا يفجع بهذا الربط، وإنما يتأمَّل فيه، ويدقق النظر، حتى يعثر على ما دق من أدوات الربط الدقيقة في مهارة، ويستمر الشاعر في التصريح المباشر بالغرض الأساسي بعد الوحي والتلميح من أول هذه الأبيات2:
تمتد آفاقي وترقى همتي
…
سبل الجهاد أخوض في غمراتها
ويشد حب النبي محمد
…
من شاد بالسمحاء مجد دعاتها
يا من حملت أبر قلب في الورى
…
وأعز نفس جانبت شهواتها
تهفو إليك قصائدي ومشاعري
…
في ظل هديك واصلت رحلاتها
فلقد نشأت على سلامة فطرة
…
وصفاء نفس في عظيم صفاتها
ولقد أويت إلى حراء وكنت في
…
غسق الدجى نورًا يضيء جهاتها
فأتاك جبريل الأمين ولم تكن
…
من قبل تتلو أو ترى قبساتها
1 على درب الجهاد: 28/ 32.
2 على درب الجهاد: 33/ 37.
فدنا وقال: اقرأ. ولست بقارئ
…
أو كاتب تدري بمروياتها
بل كنت أميًّا ولكن الذي
…
رفع السماء حباك خير هياتها
وقرأت باسم الله فانجاب الدجى
…
وأضاء نور الوحي من مشكاتها
أي من الذكر الحكيم ومنطق
…
أحنت له البلغاء من هاماتها
وإذا تسامى الفيلسوف وأوغلت
…
نظراته في الآي من آياتها
رجعت إليه الموغلات ضوالعا
…
دون ارتقاء حول قدسياتها
سور يشع النور من آياتها
…
ويفيض بحر العلم من صفحاتها
أما قريش فجانب سبل الهدى
…
وتجانفت للإثم في ندواتها
لم تلتفت للنور فوق ربوعها
…
أو تلتمس خيرًا بمؤتمراتها
بل كذبت داعي الهدى وتنكرت
…
واستوحشت والإنس في جنباتها
ولربما يعشى الصباح نواظرًا
…
وتموت مرضى وهي بين أساتها
من لي بناشئة على درب الهدى
…
وثابة العزمات في دعواتها
تحمي حمى الغراء مما يفترى
…
وتصد بالإقدام كيد غزاتها
إن الحياة هي الجهاد وإن نمت
…
فيه وإن الموت في شهواتها
والله أنزل في الكتاب بصائرًا
…
تهدي الورى وتنير درب هداتها
فامضوا على نهج الهداة وجددوا
…
من دعوة الإصلاح مجد دعاتها
هذه هي القصيدة كلها لكي نرد بها دعوى الذين يرفضون الشعر الملتزم بالقضايا المعاصرة لمعالجتها، وتوجيه الرأي العام إلى جوهر الحقيقة فيها، أو بالأحرى يقولون بأنَّ الشعر الإسلامي لا يمكن الشاعر من التصوير الأدبي الرائع الذي يهز الوجدان ويحرك المشاعر، وها هي القصيدة في الشعر الإسلامي الملتزم نرد عليهم بروعة التصوير فيها.
فالعاطفة فيها مشبوبة صادقة، والمشاعر قوية متدفقة، والأحاسيس دقيقة متوفرة، والوجدان ملتهب ثرار، في خيال خصب عميق وصور أدبية قوية سارت على نهج القدماء في التصوير الشعري يلتزم الشاعر عمودهم الشعري في انتقاء الألفاظ، وإحكام الأساليب وإيحاء النظم والسير على بحور الخليل بن أحمد ويلتزم القافية القوية العمودية.
فالشاعر هنا يصور مبادئ الإسلام وقيمه من خلال مشاعره الذاتية، ووجدانه النفسي المحموم، فلا يقوم بوضع النقاط على الحروف التي من شأنها أن تكون مهملة، وإنما تتدفق الحروف منقوطة من وجدانه ومشاعره تفيض بإيحاءات زاخرة، ومعانٍ حية تنبض بعواطف الشاعر وأحاسيسه.
ويوم أن يسير الشعر الملتزم على هذا النهج يكون حقق ما يهدف إليه الشعر القويّ، وما يبتغيه الشاعر من تصوير أدبي رائع يوقظ الإحساس في الآخرين، ويثير عواطفهم ومشاعرهم، ويحرك الكوامن في وجدانهم، وهل نريد من الشعر أكثر من هذا، بل هذه القصيدة تسمو بالنفس، وترقى بالذوق الأدبي وتنميه، وتضبط المشاعر عن التطرف والمبالغة، فتسير في استواء واتِّزان نحو الغاية المنشودة، التي تحقق السعادة للإنسان، وهل يبتغي الإنسان من الشعر أكثر من تحقيق هذه السعادة، وفيها الامتاع، وإليها الإثارة والإقناع، وهي في ذاتها الغاية من التصوير الأدبي، الذي يثير المشاعر، ليوقظ العقل والقلب والوجدان فينتهي الجميع بالتسليم والإقناع عن صدق ويقين، هذا هو الشعر الشاعر والأدب الحي الخالد، لا "أزهار الشر" ولا شجر "السرو" و "الخلاف" يعجب رواؤه وما له ثمر، ويخطف ضؤوه، فيعشى البصر.
وقصيدة "في ربا الحرمين" بدأها زاهر بمطلع غزلي عفيف، ضم خمسة أبيات، ثم انساب إلى مراده فيها يقول1:
سرت في هجعة المسرى تسامي
…
وترمق في تطلعها المراما
وكان الشوق يحدوها ابتهاجا
…
ويذكي في مشاعرها الغراما
وفي جنباتها تمشي طيوف
…
كأطياف المحب إذا استهاما
فقلت لها وفي نبرات صوتي
…
وداد أين أزمعت المقاما
فقالت في ربا الحرمين أشدو
…
أناجي البيت والبلد الحراما
غزل عفيف طاهر بلا تبذل أو سقوط، يمضي مع الغرض من القصيدة بلا استئذان، فليلاه تزمع الرحيل معه إلى ما يؤم، إلى ربا الحرمين ليتناجيان مع البيت الحرام، وينعمان بالبلد الأمين، وتتمدد هذه المعاني في جوانب الأبيات الباقية من القصيدة ومنها:
وعند الركن تنحسر الخطايا
…
ململمة جوانحها انهزاما
فتنشرح الصدور بطيب ذكر
…
أماط الكرب عنها والقتاما
سأعشق موطن القربى وإني
…
على حب القداسة لن ألاما
فقد عبق الأريج بكل فج
…
وعم النفح زمزم والمقاما2
وهكذا يمضي الشاعر إلى آخر القصيدة وهي طويلة، تدور معانيها حول الغرض منها ما عدا المقدمة الغزلية السابقة.
1 على درب الجهاد: 97.
2 الديوان السابق: 97/ 105.
ومن خصائص الشعر الإسلامي عند الشاعر أنه جعل الحروب العربية ضد إسرائيل حربًا إسلاميًّا تنزف بدماء المسلمين كما تنزف قيم الإسلام في العصر الحديث، وإسرائيل في قلب الأمة العربية أفعى مسمومة تبث سمومها لتنخر في عظام الأمة الإسلامية، وتبدد قيمها السامية، فالصهاينة أعداء للإسلام، للعروبة؛ لأنهم يعتقدون بأن القضاء على العروبة هي الجسر القوي للقضاء على الشريعة الإسلامية التي تقلق مضاجعهم، فالقرآن الكريم لغته العربية، وسيبقى خالدًا لعروبته، إذن فالعربية في نظر أعدائنا هي الإسلام، والإسلام في العربية، فهما متلازمان، وعلى هذا الاتجاه يحاربنا أعداء العروبة والإسلام وهم الصهاينة والصليبيون.
ومن هذا المنظور جعل زاهر تصوير الانتصار في حرب رمضان شعرًا إسلاميًّا؛ لأن الاسلام انتصر فيه على أعدائه يقول: "من قصيدة في حرب رمضان" أنشدها في مكة المكرمة عام 1393هـ، ويبدو أن الشاعر اختزلها في ديوانه، فأغلب الظن أنها أكبر من ذلك بما سيجود به الزمان في المستقبل، لقوله "من قصيدة"1:
تثنت أمامي وهي لا تعرف الخطبا
…
وقالت: لهيب الحب في القلب قد شبا
تثنت بأعطاف وألوت بمعصم
…
ورنت بأنغام لتأسر لي القلبا
فكانت كغصن ألبان لامس فرعه
…
نسيم الصبا فاهتز من أنسه عجبا
فقلت لها مهلات فلست بهائم
…
يرى في سراب القاع من زيفه شربًا
وليس هيام الحب يصرع عفتي
…
ولا مارد الإغراء في أفرعي دبا
فلا تمتطي صهو السفاهة والردي
…
ولا تركبي في الحب مركبه الصعبا
وكوني مع الأحداث سبرًا لغورها
…
إذا انتظمت سلمًا أو اشتعلت حربًا
فما أفلحت في موكب المجد أمة
…
إذا لم يكن درب الجهاد لها دربا
أتلك رحاب القدس ضجت فروعت
…
قلوبًا وأزجت في ضمائرها رعبًا
أتلك النساء الصارخات بمعقل
…
هببن بوجه البغي مستشريًا هبّا
أتلك فتاة الخدر يثلم عرضها
…
نحارب عنه الدهر ولو ملكت غضبًا
فليت لها من أمة المجد أمة
…
وخاضت طريقًا في الوغي ثبجًا رحبًا
وسارت جنود الله في كل جبهة
…
صداها من التكبير قد جاوز السحبا
لقد نفضت عنها مذلة نكسة
…
أحاطت بها شؤمًا وأودت بها نكبًا
فكانت على صرح الجهاد انتفاضة
…
أدالت على الأعداء منعطفا صعبًا
تواثبت الأبطال يمتد زحفها
…
وهبت أسود من خنادقها غضبي
أقامت على متن القناة معابرًا
…
جسورًا إلى سيناء مدت بها وثبًا
1 على درب الجهاد: 159/ 166.
وقد حطمت بارليف قصفًا مزلزلا
…
ودكت حصونًا طالما افتخرت عجبا
وكم من فتى في صهوة الخطب صامد
…
بدبابة فوق المجازر دبا
وقد هب للتحرير مستعذبًا له
…
كئوس المنايا فهو يمتاحها شربا
وفي جبهة الجولان كرت أشاوس
…
وصبت عذابًا من قذائفها صبًّا
وضمت كفاح الجبهتين انتفاضة
…
من المغرب الأقصى إلى "حلب" الشهبا
وسارت بأرض الرافدين جحافل
…
كما هب من "أم القرى" جيشها لجبا
تلاقت على الجولان فاعتز ركنها
…
وسارت على "سيناء" محورها صلبا
ومنهم صقور الجو تنقض كالردى
…
تذيب قلوب الغدر تملؤها رعبا
يقودون أسرابًا صقورًا كواسرًا
…
إذا اعتلى سرب أضافوا له سربًا
وكم من فتى في الروع أغلب باسل
…
قضى في سبيل الله مستشهدًا نحبا
وما ميت من مات ذودًا عن الحمى
…
فتلك هي الحسنى وأنعم بها كسبًا
دروب العلا للطامحين رحيبة
…
ودرب الشهيد الحر أوسعها دربًا
ومن خصائص الشعر الإسلامي عند زاهر أنه جعل الرثاء لفقيده العروبة والإسلام شعرًا إسلاميًّا حين صوَّر الشاعر مواقف المرثي العربية والإسلامية، والتي سجلها التاريخ خالدة تعبر عن حضارة الإسلام والعرب في عصرنا الحديث، ولذلك كانت هذه القصيدة أقرب إلى الإسلامي منه إلى فن الرثاء الذي سيأتي ضمن الأغراض الأدبية، يقول الشاعر في قصيدة "فجع الأيام" يصور فيها التاريخ الخالد للملك فيصل بن عبد العزيز -طيب الله ثراه1 منها:
يا فيصل الإسلام يا من جرحه
…
سيظل في الأعماق نارًا تضرم
تبكيك من أرض الهدى أطلالها
…
نواحة لو أنها تتكلم
ومنابع الشعر الرفيع نواضب
…
وفم البيان لهول فقدك ملجم
فالمسلمون لهم بفقدك غربة
…
ولهم عليك تنهد وترحم
ولسوف تذكرك المحافل والنهى
…
ويروعها الحدث الرهيب ويدهم
ولسوف تذكرك السياسة بعدما
…
هرعت إليك فحولها تستلهم
فلطالما أصغت لرأيك خشعًا
…
ومشت إليك قلوبها والأجسم
ولطالما أحكمتها لذوي الجحا
…
وأحاطها منك السياج المحكم
ونهجت منهاج الفلاح بأمة
…
حتى علت وصحا لصوتك نوم
ودعوت نحو تضامن وتكاتف
…
لم يئن عزمك للوئام تصرم
فإن بلاد المسلمين يضمها
…
شمل يوحدها ودين أقوم
1 على درب الجهاد: 131/ 140.
وسيذكر الإسلام ما قدمته
…
لبنيه إن جار الزمان عليهم
فلأنت للإسلام سيف مرهف
…
تحميه من كيد البغاة وتحسم
واليوم تنعاك الدنى فيهزها
…
ألم الفراق ولوعة تتضرم
لكن هذا الخطب خفف هوله
…
شمل يلم "بخالد" وينظم
وولي عهد المسلمين نصيره
…
"فهد" الأمين لمجدنا يتسنم
وكلاهما في الحكم يحذو "فيصلًا"
…
فكأنه في الشعب حي يحكم
ولكم ذرا عبد العزيز ضياغما
…
حملوا الأمانة في الورى وتقدموا
ثانيًا: الشعر الوطني والقومي
هذا هو الغرض الثاني من الأغراض الأدبية في شعر زاهر، وهو يلي الشعر الإسلامي كثرة وشمولًا، ويضم الشعر الذي أنشده الشاعر في وطنه العام: المملكة العربية السعودية، وشعره الذي أنشده في وطنه الصغير: البيئة التي ولد فيها، والبلد الذي نما فيه صباه وترعرع شبابه، وشعره الذي قاله في وطنه الأكبر: في الدول العربية والإسلامية الشقيقة كالجزائر وبغداد، وسواها من دول العالم الإسلامي والعربي.
ويضم الشعر الوطني والقومي قصائد كثيرة في "الألمعيات": مثل قصيدة "ثورة الجزائر ص20، 22"، ألقاها الشاعر في الحفل الكبير الذي أقيم "بمعهد شقراء العلمي" في 10/ 7/ 1380 هـ، ويصور فيها كفاح الجزائر، وثورته على الطغاة المستعمرين، وبطولاتها التي حررت الشعب العربي الإسلامي، وقصيدة "مجد الشباب ص60، 62" ألقيت في النادي الثقافي "بمعهد شقراء العلمي" في 22/ 7/ 1379هـ، وفيها يحث شباب أمته ووطنه على العمل في سبيل الوطن، وفي سبيل الأمة الإسلامية جمعاء، وخاصة تحرير فلسطين المحتلة من أعداء الإسلام.
أما قصيدة "مواكب المجد ص63، 66" ألقاها الشاعر في حفل عسكري، يحث فيها الجيش على النضال في سبيل الوطن، والجهاد في سبيل الأمة الإسلامية جمعاء، فقد سجل التاريخ البطولات الرائعة التي كان لها الوجه المشرق في كل بقعة من بقاع العالم، وقصيدة "سد جازان" ألقاها الشاعر في حفل افتتاح سد وادي جازان في 25/ 1/ 1391هـ، وقد حضر الاحتفال سمو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية فهد بن عبد العزيز وعدد من الأمراء والوزراء ورجالات الدولة، وفيها يصف السد وآثاره العميمة التي عمَّت البلاد، وبعثت في المنطقة الحياة، مما يساعد على تقدم المملكة ورقيها بزيادة الإنتاج الزراعي الموفور، وذلك بفضل الأيادي البيضاء لأسرة الملك عبد العزيز التي تزرع الخير دائمًا للأمة الإسلامية العربية، والتاريخ يعيد نفسه في هذه المنطقة؛ حيث كان فيها سد مأرب، الذي كان له آثاره
الجليلة في الحضارة السبئية المشرقة، بل إن سد مأرب لو رأى سد جازان لاعتراه الخجل وانزوى في ركن من أركان الدنيا بعيدًا عن الأضواء، ليحتل هو مكان الصدارة في المنطقة العريقة، يقول الشاعر1:
ومضى البرق في ذرى الأمجاد
…
فاشرأبت له القرى والبوادي
والمثيرات أقبلت تتهادى
…
تملأ الأفق بالثقال الغوادي
تنفح المعصرات من عاطر الودق
…
فيسري النسيم في الأجساد2
واستهل الغمام باليمن والبشرى
…
"لجازان" يرتوي كل صادي
لو رأى "سد مأرب" كيف ترسي
…
عاتيات السدود بالأوتاد
لاعتراه من روعة الحسن طيف
…
وانزوى في جوانب الإخلاد
وكأن الأيام قد لعبت دورًا
…
أمالت أكفه سد عاد
لكن المرفق المثالي بجا
…
زان سيبقى للقادم المرتاد
منجزات تبقى على معبر الدهر
…
منارًا يضيء للأحفاد
أي "سد" حوى رحيقًا زلالًا
…
ومعينًا شدا به كل حادي
سوف يبني لأمتي خير مجد
…
سجلته من طارف وتلاد
فالسهول الفيحاء تمتد عرضًا
…
وامتدادا إلى مناري "عكاد
تتهادى الرحاب تهتز فخرًا
…
وابتهاجًا بفجرها الوقاد
تتراءى لها الجداول تجري
…
بين أزهى حدائق الرواد
والمروج الخضرا تهدي عبيرًا
…
فاح بالنشر في الربا والوهاد
والطيور المغردات تغني
…
صادحات بأروع الإنشاد
نغمات بها البلابل تشدو
…
في أفانين دوحها المياد
مكرمات يبقى لها الدهر ذكرًا
…
خالدًا في محافل الأحفاد
وهكذا يمضي الشاعر في قصيدة طويلة اقتصر فيها على وصف السد وأثره على المنطقة.
وأما قصيدة "تحية بغداد ص77، 78" ألقاها الشاعر في مهرجان شعري في بغداد عام 1384هـ، وقصيدة "رسالة العيد ص79، 81"، وقصيدة "صيحة الجهاد ص88، 90" ألقيت في الحفل الكبير الذي أقيم "بمعهد نجران العلمي" عام 1388هـ، ويحث فيها شباب الوطن على الجهاد في سبيل تحرير القدس، وقصيدة "بطولة وفداء
1 الألمعيات: 67/ 71.
2 الودق: قليل المطر وكثيره - المعصرات: السحابة التي تكاد أن تمطر
ص92، 94"، ألقاها الشاعر في حفل كبير، "بمعهد شقراء العلمي" عام 1381هـ، حينما اختطفت القوات الفرنسية زعماء الجزائر الخمسة، عند استقلالهم طائرة إلى بعض الجهات، وذهبت بهم إلى فرنسا لإخضاع الثورة الجزائرية، ولكن حدث ما لم تتوقعه فرنسا، فقد اشتدت ثورة الشعب الجزائري ولم تهدأ إلا بعد رجوع الزعماء المختطفين، ثم أعقبها إجراء المفاوضات التي انتهت باستقلال الجزائر، وجلاء القوات الفرنسية عنها.
وأما قصيدة "صرخة العرب ص99، 101"، ألقيت بمناسبة الاحتفال بثورة الجزائرة المنتصرة على فرنسا في الحفل الثقافي المقام "بمعهد شقراء العلمي" عام 1378هـ، وقصيدة "صدى المؤتمر" التي ألقاها في مؤتمر المعاهد المنعقد في الرياض في 29/ 11/ 1388هـ، يحث فيها قادة الجيل على الالتزام بمنهج الإسلام، وإرساء حضارته؛ ليكونوا مثلًا أعلى للأجيال من بعدهم، ولتطبيق المنهج الإسلامي والسمو بحضارته1:
ألا فاسعدوا يا قادة الجيل بالبشرى
…
وأحيوا لها في كل حاضرة ذكرى
وشيدوا لها بين الربوع معاقلًا
…
لتنشد في أسمى مقاصدها شعرًا
فمن كان أقطار البلاد توافدت
…
مناهل عرفان تشرفها قدرًا
إلى قوله:
فيا قيادة الجيل المؤمل أنتم
…
منائر إيمان فشدوا له أزرًا
وأحيوا له ما ضاع من كل سنة
…
لتجنوا ثمار الخير في سعيكم أجرًا
فما هي إلا دعوة وعزيمة
…
ينظمها الإسلام أنتم بها أحرى
فسيروا على نهج الذين بهديهم
…
أقمنا حضارات سمونا بها فخرًا
فما أنتم إلا هداة وقادة
…
تربون أشبالًا لتخطوا بهم نصرًا
فمرحى بأفكار الرجال ونهجها
…
ومرحى بمن يحمي لهم شرعة غرّا
وشكرًا لداعيها الذي ضمَّ شملها
…
وشكرًا لمن لبى وشكرًا لمن أقرى
وحيوا رحاب العلم والبلد الذي
…
أتاح لكم جمعًا وأهدى لكم نشرا
وأما قصيدة "ترحيب وأمل ص113، 115" ألقاها الشاعر في حفل تكريمي كبير أقامه "معهد شقراء العلمي" تكريمًا لوفد يضم عددًا من المدرسين والطلاب من معهدي الرياض والإحساء في 20/ 8/ 1382هـ، وقصيدة "إشراق الأمل ص116، 119" ألقيت بمناسبة الحفل الافتتاحي الكبير لمعهد نجران العلمي" عام 1385هـ، وقصيدة "أمتي ص136"، وقصيدة "حمادة المجد ص137، 139"
1 الألمعيات: 104/ 105.
رحب فيها الشاعر بسمو وزير الدفاع والطيران السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز عند زيارته لبعض القواعد العسكرية عام 1390هـ، وقصيدة "يا قادة الدين ص146، 149" ألقيت في المنتدى الأدبي الذي أقيم "بمعهد شقراء العلمي" عام 1381هـ.
وأما الشعر الوطني والقومي في ديوانه الثاني "على درب الجهاد" فقد ضم قصيدة "عيد الفطر ص55، 61"، ألقاها الشاعر بمناسبة الاحتفال الذي أقامه سمو أمير منطقة عسير الأمير خالد الفيصل بعد صلاة العيد، في مقر الضيافة بأبها؛ ليشيد بأثار الصوم الطيبة في النفس والمجتمع، ثم أشاد بجهود الدولة ورجالها المخلصين، ومنهم أمير المنطقة الأمير خالد الفيصل، وقصيدة "فوق أرض الجنوب" استقبل بها الشاعر جلالة الملك خالد بن عبد العزيز، وبعض زعماء دول الخليج واليمن، حين زار منطقة عسير في 2/ 8/ 1399هـ، يحيي الضيوف الكرام، ويحثهم على العمل والوحدة لعزة الإسلام ونصرة المسلمين يقول فيها:
هي أبها في بهجة المهرجان
…
تملأ العين بالمرائي الحسان
وطيوف الأحلام تنساب وسنى
…
ثم تصحو بغاليات الأماني
فاستفاقت وحولها بشريات
…
تتوالى كالهاطل الهتان
فإذا العاهل المفدّى مطل
…
شامخ الأنف في أجل كيان
وضيوف على البلاد كرام
…
أخلصوا للإسلام والأوطان
وهم اليوم قوة وائتلاف
…
يتحدى مكايد الطغيان
إلى قوله:
هزني باعث حثيث من الشوق
…
وحب البناء للأوطان
كلما سرت بين تل وسفح
…
شمت فيها مظاهر العمران
وأرى نهضة البلاد اشمخرت
…
وتداني القطاف حلو المجاني
نهضة في شموخها تبهر العين
…
وتذكِّي مشاعر الوجدان
وجمال مع استقامة أمن
…
نعمة من مواهب الرحمان
بيد أن الطريق ما زال صعبًا
…
يقتضي الجد من قصي وداني
وطموح الرجال دون حدود
…
سوف يبني منائر الإيمان
وانطلاق إلى البناء وهدم
…
في دنا العرق ليس يلتقيان
ورصيد الشعوب في المثل العليا
…
وحزم في نائبات الزمان
1 على درب الجهاد: 63/ 73.
وإذا امتد في البلاد ضلال
…
رقدت في مجاهل النسيان
وإذا تاه في الجهالة قوم
…
ساورتهم مطامع الشيطان
وبلادي في نعمة الله
…
ومجد موطد الأركان
وسباق مع الزمان لتبقي
…
معقل المجد والهدى والبيان
لا يقيم الأمور إلَّا اعتصام
…
بجناب المهيمن الديان
والتزام بمنهج الله يعلي
…
في ثبات شريعة القرآن
ومن شعر الوطنية والقومية أيضًا قصيدة "تحية فهد" استقبل بها الشاعر نائب جلالة الملك -صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز بمناسبة افتتاحه لخط الطائف- أبها جازان، في 14/ 11/ 1398هـ بالباحة، ويشيد أيضًا بجهود المملكة في مجال إحياء البلاد وإقامة المشاريع الحيوية، ثم أشاد بجمال المنطقة، وتجاوب أهلها في مجال البناء والعمران، وحثَّ على التضحية والعطاء لبناء الفرد والمجتمع على مبادئ سليمة وأسس قويمة، ومطلعها1:
ليس أجدى في منهج الشعر عندي
…
من وفاء لكل صانع مجد
والقوافي إذا استقامت على الحق
…
وصاغت من درها كل عقد
جنحت في ذرى المكارم تيهًا
…
وتهادت ما بين جزر ومد
وتغنت بها البلابل شدوًا
…
صادحات في كل غور ونجد
إلى قوله:
يا ربا الباحة الجميلة إنا
…
في ذراك الشماء في يوم خلد
فانفحي العطر في الربوع نديًّا
…
وانسجي بالصفاء أروع برد
وافرشي بالورود درب المعالي
…
بين ودق من السحاب ورعد
إن جازان والنماص وأبها
…
تجتلي في ذراك طلعة "فهد"
رائد يبذل النفيس ويسعى
…
لتظل البلاد موئل رشد
وكذلك قصيدة "سد أبها ص179، 186" يبارك فيها الشاعر جهود المملكة بإقامة سد أبها العظيم، الذي سيعود على السكان بالنفع العميم، كما يتغنى بالمنطقة وجمالها، فهي مسقط رأسه، ومقرّ أهله وعشيرته، في أبها عام 1394هـ.
1 على درب الجهاد: 83/ 94.
ثالثًا: شعر الطبيعة
هذا هو الغرض الثالث في شعر زاهر، جاء في ديوانه "على درب الجهاد" مختلطًا مع الشعر الوطني غالبًا، لسببين:
أحدهما: أن ينشد الشاعر قصيدته في مناسبة وطنية، مثل قصيدة "سد جازان"، وقصيدة "فوق أرض الجنوب"، وقصيدة "سد أبها".
ثانيهما: أن وصف الطبيعة جاء من خلال الإشادة بتلك الطبيعة الجميلة، التي هي جزء من الوطن الحبيب.
ولذلك كان شعر الطبيعة نبعًا للغرض الوطني، ورافدًا من روافده، ليفيض على الوطن بالجمال والروعة فتعشقه النفوس وتهوى إليه القلوب، فيزداد حبًّا له، ويتفانى تضحية في سبيله.
أما القصائد التي غلب عليها شعر الطبيعة فهي قصيدة "في ربوع الجنوب" التي ألقاها الشاعر في المهرجان الكبير، المقام في مدينة "أبها" تكريمًا لسمو أميرها "خالد الفيصل" في 15/ 3/ 1391هـ1.
وقصيدة "في ربوع القصيم" نظمها، حينما قام الشاعر هو ومدير معهد شقراء العلمي الشيخ "عبد الله الضحيان"، ومجموعة من الأساتذة إلى القصيم، فصور الشاعر انطباعاته عن تلك الرحلة في 15/ 7/ 1380هـ يقول في المطلع2:
ركب تطلع من ذرى شقراء
…
خنقت معالمه منى وسناء
واهتز في حلل المسير كأنه
…
طود أشم تماسكًا وإخاء
إلى قوله:
يا روضة غمرت بساحر نورها
…
جمع الوفود أناقة وسناء
فيك العيون تفجرت بمياهها
…
كالدر بين الحاجزين صفاء
فيك الينابيع في الرياض جداول
…
فاضت برقراق النمير سخاء
فيك الحدائق غضة أغصانها
…
وتفوح من نفح النسيم شذاء
فترى البلابل غردت فوق الربى
…
وشدت بلحن يغمر الأرجاء
قد رددت لحنًا بساحر نغمة
…
طربا أثار برجعه الشعراء
وترى بها الأفنان تقطر بالندى
…
متسامقات في العلا شماء
1 الألمعيات: 23/ 25.
2 الألمعيات: 21/ 29.
وقصيدة "في ربوع القرعاء" حين قام الشاعر هو وصحبه برحلة إلى "القرعاء" في عام 1390هـ، وهي مصيف جميل في ضواحي أبها يطل على منحدرات تهامة، يقول1:
شعاع من الإشراق والبسمات
…
مطل على الآفاق والفلوات
فأيقظ عزمي واستثار مشاعري
…
وأبرز ما في القلب من خلجات
فسرت له والشوق مني مطية
…
أجوب بها البيداء والعقبات
ويممت "للقرعاء" وقفة شاعر
…
رأى روضة مفتوحة الزهرات
فجالت بي الأنظار بين رحابها
…
وشاهدت ما فيها من الثمرات
وأدلجت في أشغافها ووهادها
…
فكانت بحق روضة البركات
فما أجمل المصطاف حين تفتحت
…
زهور الربا بالعطر والنفحات
ونفح الشذى اضحى يعم بنشره
…
مشارف قصر عالي الشرفات2
وإني بعاليها وقربى منارة
…
جميلة شكل ساطع القسمات
تلوح بها الأفنان وهي شذية
…
فتهدي عبير النشر والنسمات
وبلبلها الصداح شاد بلحنه
…
فأطربنا من ساحر النغمات
ترى غصنها المياد جاش بهزة
…
فرنت له الأنغام بالنبرات
فلله من ساعات أنس تتابعت
…
على نشر القرعاء مزدهرات3
ونشره نفح النشر لما تضوعت
…
به أيكة منظومة الشذرات
يبيت بها طل يكفكف دمعه
…
ويهمي نديًّا عاطر القطرات
فأغصانها الشماء تقطر بالندى
…
على مهمة من أرضها النضرات4
على بركات يا زهرة الربا
…
سأمضي وقلبي مفعم الحسرات
وكذلك قصيدة "في ذرى نجران ص51، 53" التي ألقاها الشاعر في الحفل التكريمي لوكلاء الوزارات عند زيارتهم التفقدية لمنطقة الجنوب في 3/ 2/ 1389هـ، وقصيدة "زلة القول"، والمناسبة التي قيلت فيها أن الشاعر "أحمد البدري" زار أبها، فتأثّر بشدة البرد في المنطقة، وحمل عليها حملة عنيفة، وأنكر جمال الطبيعة، فعارضه شاعرنا في رأيه بهذه القصيدة
1 الألمعيات: 49/ 50.
2 القصر الملكي في الوسط بين غابات أشجار العرعر.
3 النشر: المكان المرتفع.
4 مهمة: جمع مهامة، وهي المغازة البعيدة المقفرة.
انتصارًا للحق، لا أخذًا بالثأر، فوصف سحر الطبيعة وجمالها الأخاذ، ومنها1:
أما الغبار فلا يبدو لها شبح
…
في أفق "أبها" فذاك القول بهتان
لأنها في الذرى باتت محصنة
…
يحيطها من سياج الزهر ألوان
أما رأيت جمال "السودة"
…
اصطبغت بعاطر الورد والأزهار تزدان
كم بلبل شاد صداحًا برونقها
…
يردد اللحن فيها وهو جذلان
يكسو التلال سياجًا من خمائلها
…
والورس برد وزهر الروض فستان
فيها عبير الشذى يغري بنشوته
…
وللأريح بها نفح وعرفان
وكذلك قصيدة "تحية نجران ص149، 152" في الألمعيات أيضًا، وشعر الطبيعة كله ورد في "الألمعيات"، ولم يرد في الديوان الثاني "على درب الجهاد"؛ لأن الشاعر خصه للقضايا الإسلامية والشعر الإسلامي وما يتصل به، ولكن ليس معنى ذلك أنه لم يتعرَّض لسحر الطبيعة في هذا الديوان، لا، بل كان يقصد الغرض الإسلامي أولًا، ثم يكون تصوير الطبيعة تابعًا له، كما في قصيدة تحية المعهد الوطنية، وقد مرَّت أمثلة كثيرة.
وشعر الطبيعة عند زاهر تموج به الحياة، وتهتز الطبيعة للأحاسيس الرقيقة، وتتعاطف مع المشاعر العميقة، فتبذل حبها لمن يحبها، وتنساب أسرار الجمال فيها لمن يفطن لأسرارها، ولذلك حينما تبدلت مشاعر الشاعر "أحمد البدري" وتجمَّدت أحاسيسه، وهجم على أبها مدعيًا أنها تسيء إلى الآخرين، فيكتوون بنارها، هبَّ زاهر يدافع عن محبوبته "أبها" وجمال سحرها، ويصفه بجمود الإحساس وتبلّد العواطف يقول له2:
لكل قول مدى الأزمان خذلان
…
إن لم يقمه على الإنصاف ميزان
وزلة القول يهوي في مداركها
…
من خانه الفهم واستجراه شيطان
فمنذ أن ردد "البدري" قولته
…
في ذم أبها وللأطياف طوفان
جاء طيفي له في الأفق جلجلة
…
تفتر منه القوافي وهي بركان
عجبت من شاعر ندت مشاعره
…
فما رأى روضة بالزهر تزدان
لماذا؟ لأنَّ زاهر يجول بوجدانه ومشاعره في مجالي الطبيعة، فيسير أعماقها، ويسعد بأسرار الجمال فيها؛ لأنه أحبها وأحبته، وهام بها وهامت به، فجاء طيفه مجلجلًا بالأشعار، تفيض حممًا بالمشاعر والعواطف كالبركان، أما البدري فقد جمدت مشاعره، وغابت عن وجدانه، فليس بشاعر؛ لأن الشاعر هو الذي يهتز لأسرار الحياة، ويفطن لمكاتم الطبيعة الساحرة أكثر من
1 الألمعيات: 140 / 145.
2 الألمعيات: 140/ 146.
غيره، لدقة أحاسيسه، ورفاهية مشاعره، وكيف يغيب البدري عن وجوده، ويتجرَّد من وجدانه المتحجّر أمام العروس التي ترتدي أجمل حللها من الزهور، وتميس في روضة أخاذة فتنة ودلالًا وتيهًا:
فذاك القول لا يرمي لعزتها
…
ولا يقول به يا صاح يقظان
وليس قولك يخفي من محاسنها
…
فالناس تعرفها أيان ما كانوا
هي الجمال هي المصطاف يقصدها
…
من كل صقع مدى الأزمان إخوان1
فيها القرى "والصفيح" الغض منظره
…
في سوحها الخشع والصفر والبان
فكيف أغضيت طرفًا من محاسنها
…
أما استمال القوافي منك وجدان
وقلت في لهجة الملهوف من كمد
…
على زمان مضى فيها له شان
فما رأينا بها وردًا ولا زهرًا
…
وإنما هي أطلال وكثبان
وما إخالك تدري عن مرابعها
…
ولا يتوق إليها منك تبيان
فقد حكمت بقول ند مضربه
…
كأنما قلته والقول حيران
قد تنكر العين نور الشمس من وسن
…
وما عليه إذا ما غط وسنان
وفي النهاية يطلق الحكم على البدري توقيعًا يتردد بموسيقاه العذبة في جوانب الدنيا، لتظل أبها كما كانت بين بطاح الأرض منتجعًا لعشاق الطبيعة، وتاريخًا حافلًا بالمجد والشهرة، التي طبقت الآفاق بأشجارها وغاباتها وأزهارها وربوعها وألبانها:
ولكن كفتك بطاح الأرض منتجعًا
…
عن مجد "أبها" وفي ذرواتها البان2
تلك هي الطبيعة في شعر زاهر، يدافع عنها، ويحمي ذمارها، ويخوض المعارك في سبيلها؛ لأنه يثور إن أساء إليها أحد، أو نال من شرف الجمال فيها، أو خاض بالباطل في عرصاتها ومجاليها، فذلك اعتداء سافر على خدرها الجميل، وكيف لا يثور ويغصب، ويتفجَّر بركانًا وشعرًا، وهو الهائم بالطبيعة وبسحر الحياة فيها، المتيم بما وراء الأزهار والأشجار من أسرار وعجائب، والمأخوذ بما خلف الأغاريد والأنغام من دفائن، والمنساب من رقة النسيم الحاني والعطوف، فتتفتح له أكمام الأزهار باسمة لتفصح عن وجدان الشاعر، الذي اهتز لأسرار تجمّدت بها مشاعر الموتى والمتحجرين وغابت عنها عقول الحيارى النائمين.
قد تنكر العين نور الشمس من وسن
…
وما عليه إذا ما غط وسنان
1 ما بين الأقواس أسماء لأحياء في أبها
2 ضرب من الشجر في أبها واحدة: بانة
تلك خصائص شعر الجنوب من شاعر ارتضع لبانها واغتذى من رحيقها، وحيي بهوائها ونسيمها، فأخلص لها الحب والوفاء والعطاء، فكان هذا الغرض بكرًا من بين أغراضه الأدبية.
رابعًا: الرثاء:
الرثاء الغرض الرابع في شعر زاهر، فقد اشتمل على قصائد في "الألمعيات" مثل قصيدة" "نجم هوى ص30، 32" رثى بها الشاعر سماحة الشيخ "محمد بن إبراهيم آل الشيخ" مفتي الديار السعودية، المتوفَّى في شهر رمضان عام 1389هـ ومطلعها1:
نجم هوى فارتجت البيداء
…
وتفجّعت من هوله الأرجاء
واغبرَّ وجه الأرض وانداحت به
…
سحب جهام كلها دهماء
ودهى الجزيرة خطب هول فادح
…
برزية عصفت بها النكباء
وأصغت لها بغداد واضطربت لها
…
في الشام في أردنها العلماء
وعلى ضفاف النيل دوت صيحة
…
من هول فاجعة لها أصداء
أمحمد قطب الفضيلة والحجا
…
ومجدد لتراثنا بناء
أدرجت في كفن السماحة والندى
…
ومشت تحف بنعشك العظماء
إلى قوله:
كم ليلة أحييتها فتنورت
…
وتكشفت عن وجهها الظلماء
قد كنت في حلقات علم رائدًا
…
فلأنت بدر في الدجى وضاء
ولأنت بحر في العلوم متوج
…
بالحلم منصاع لك العلماء
أحييت بالعلم الشريف محافلًا
…
فنمت بفيض معينها أكفاء
وارتادها من كل قطر رائد
…
وبها سمت وتعالت الغراء
أمضيت عمرك في العلوم مجددًا
…
فعلت بك الآداب والأدباء
قد كنت للإسلام درعًا ضامنًا
…
تحمي الحمى فتهابك الأعداء
فلكم على مر الزمان مآثر
…
عظمت وكان شعارها العلياء
يا من له في كل قلب موطن
…
لا يرتقي لمناره إعفاء
فقدتك من أرض الجزيرة أمة
…
واستوحشت لفراقك البطحاء
ونعتك من أرض الدنا قاداتها
…
وتحدث الأدباء والشعراء
1 الألمعيات: 30/ 33.
والمكرمات الغر قد أدلى بها
…
ذكر جميل في الورى وثناء
تزدان فيك سماحة ورجاحة
…
وعدالة تقضي بها ورفاء
الله من ساحات حزبه أطبقت
…
بهمومها فتوالت الأرزاء
لكنها الأقدار تجري في الورى
…
فالصبر سلوان لنا وعزاء
رثاء تميز بخصائص جعلته يسير في ركاب التجديد لهذا الغرض الأدبي؛ حيث جعل الشاعر لمرثيته عنوانًا وموضوعًا شاعريًّا، لا كالشأن في الرثاء القديم، كان الشاعر ينسب قصيدته إلى المرثي، ويجعل اسمه عنوانًا وموضوعًا لمرثيته، لكن زاهر يجعل العنوان والموضوع شعرًا، يختار صورة شعرية رائعة تتناسب مع الفجاعة الحزينة، وتتلاءم مع الكارثة المذهلة، ألا وهي "نجم هوى"، وما أدراك ما النجم إذا هوى، لقد أقسم رب العزة به {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} إنها النهاية، فسقوط النجم اختلال في موازين الكون، وهذا لن يكون، لأنَّ الرسالة حقيقة، والوحي حقيقة، ومحمد الرسول حقيقة، فالحقائق هذه تجعل النجم في مداره لا يسقط أبدًا إلا بإذن الله تعالى.
أما نجم الشاعر فقد سقط، لماذا؟ لأنَّ الشعر يقوم على الخيال، والتصوير الأخاذ، والقنبلة تفجر مشاعر الأحزان، وتأخذ الحزين من ساحة الصدمة والألم، إلى الاشتغال بهذا الحدث الجلل، فيكون مصدرًا للتعويض، ومنطلقًا للتخلص من الصدمة العنيفة، فينصرف من حال إلى حال، وفي التحول يكون الصبر، واستمرار الحياة كما أراد الله، ولهذا آثر الشاعر ذلك العنوان الشاعري الموحي بأكثر مما ذكرت.
ومن خصائص التجديد في الرثاء عند زاهر أنه لم يستغرق كثيرًا في تصوير الصدمة إلَّا في الخمسة الأولى، أما الأبيات التالية التي تربو عن العشرين، اتجه الشاعر فيها إلى تصوير القيم الإسلامية، والمبادئ التشريعية، وما كان لها من أثر قوي في فداحة الجلل. .. فهو رائد العلم وبحر العلوم، ومجدد التراث، ودرع الإسلام، وصاحب العقل والسماحة والرجاحة، ومقيم العدل، وغير ذلك من القيم الإسلامية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء.
ومن الخصائص أيضًا أن القصيدة قامت على غرض واحد، بلا مقدمات غزلية أو غيرها، كما في الرثاء القديم، وبعض الرثاء الحديث، وتلك هي الوحدة الفنية والموضوعية التي امتاز بها الشعر الحديث.
ومن الخصائص أيضًا أنَّ الشاعر جسَّم حزنه وصدمته، فسرت من وجدانه إلى مظاهر الكون؛ لأنها وحدها هي الفيصل في الحكم على المرثي، فيكون إجماعًا من كل الخلق، والسماء والأض، والبيداء والأرجاء والسحب، فاصطدمت العراق والشام، والأردن والنيل، وكل الدنيا..
لكن الشاعر لو عبَّر عن حزنه وحده لكان حكمًا من طرف واحد، وبذلك لم يكن منصفًا لحق المرثي، الذي طبق الآفاق علمه وفضله، فهي الجديرة بالحكم عليه، لا الشاعر وحده، وتلك من خصائص التجديد في شعر الرثاء عند زاهر، التي عبَّرت عن صدق الشاعر في تجربته الشعورية، فهي لقوتها وصدقها ناء بها الشاعر وحده، فشاركه الكون بمن فيه وما فيه، من هول الفاجعة المتفجرة من وجدانه.
وتسير على هذا النمط قصيدة "دهي الخطب ص106، 107"، أنشدها الشاعر في رثاء الأستاذ عامر بن علي الألمعي -مساعد مدير التعليم بمنطقة جازان، حينما أصيب بحادث مفاجئ في عقبة "ضلع" عام 1386هـ1.
وكذلك قصيدته "تعزية ومواساة ص118، 119" 2، التي بعث بها إلى صديق فقد صديقه في عام 1382هـ، وقصيدة "فقيد العلم"3 قالها الشاعر في رثاء سماحة المفتي لشئون الكليات والمعاهد العلمية الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، المتوفَّى عام 1386هـ. وقصيدة "فقيد الإسلام"4 في رثاء الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، المتوفَّى عام 1378هـ.
والرثاء عند زاهر جاء في ديوانه الأول "الألمعيات"، أما الثاني "على درب الجهاد" فقد اشتمل على قصيدة واحدة أخرجتها من باب الرثاء، وأدخلتها في باب الشعر الإسلامي لأسباب أهمها:
أنَّ المرثي وهو المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز -طيب الله ثراه- لم تكن شخصيته في ذاته، وإنما تحوّل إلى زعامة إسلامية كبرى، لها نمطها الإسلامي الكبير، فأصبحت زعامته الإسلامية قيمة مجردة، ومجسمة في ذاتها، يتحدث عنها الشاعر حديث القيم الإسلامية التي جاء بها الإسلام ليجعل منها منارة في كل عصر، يهتدي بها المخلصون في كل مكان، وهذه القصيدة هي "فجع الأنام"5.
1 الألمعيات: 106/ 107.
2 الألمعيات: 118/ 119.
3 الألمعيات: 120/ 121.
4 الألمعيات: 126/ 127.
5 على درب الجهاد: 131/ 140.
خامسًا: المدح
والمدح في شعر زاهر هو الغرض الخامس من الأغراض الأدبية، والشعر فيه قليل بالنسبة للأغراض الأخرى، وتجمَّعت قصائده في "الألمعيات"، فضمَّ قصيدة "فرحة ولقاء" ألقاها الشاعر في الحفل التكريمي الذي أقيم لسمو وزير الدفاع والطيران سلطان بن عبد العزيز حينما زار نجران في عام 1388هـ، ومطلعها:
أسلطان قد جاءت بأنبائك البشرى
…
فهزت قلوبًا بالأحاسيس والذكرى
ونادى بها من ربع نجران أشبل
…
يحيون في سلطانك القوة الكبرى
يحيون فيك المجد والقائد الذي
…
بنور الإسلام نادى بها جهرًا
وشاد لهذا الشعب أركان مجده
…
فقام بها ثقلًا وشد لها أرزًا
فأهلا بمن في دومة المجد أصله
…
ومن هو من بيت علا في الورى قدرًا
وأهلًا بباني الجيش والجش قوة
…
على مسرح الأحداث يبني بها فخرًا1
وكذلك قصيدة "رائد نهضة" ألقاها الشاعر في الحفل التكريمي الذي أقامه "معهد أبها العلمي" على شرف معالي وزير المعارف الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ عند زيارته للمعهد في 22/ 7/ 1384هـ، في نطاق جولته التفقدية لمنطقة الجنوب، ومطلعها2:
سطع الضياء على المشارف والذري
…
وأطل من برج المعارف نيرًا
فسمت به الآمال وهي جديرة
…
وتطلعت تلك البوادي والقرى
تحدو بها البشرى برائد نهضة
…
للعلم للإسلام في دنيا الورى
بطل تذرع بالأمانة خطة
…
والعلم درعًا والشجاعة مئزرًا
ذا اليوم عهد للبلاد متوج
…
بقدومكم ضيفًا عزيزًا أكبرا
فالمعهد العلمي يرفل بهجة
…
ويفوح نشرًا بالقدوم معطرًا
إني أرحب بالوزير أصالة
…
وعن المعاهد نائبًا ومعبرًا
فشبابنا الداعي يفيض شعوره
…
بالمقدم الميمون أنبل ما يرى
وهكذا تمضي القصيدة على هذا النحو، وقصيدة "تحية إجلال وتقدير" بعث بها الشاعر إلى معالي الأمير خالد أحمد السديري المشرف على إمارة نجران تحية وتقديرًا لجهوده الخيرة، وتشجيعًا للعلم والأدب، ومطلعها3:
1 الألمعيات: 95/ 98.
2 الألمعيات: 102/ 103.
3 الألمعيات: 122/ 125.
أمير المعالي خالد في الورى شهم
…
كريم الفعال الغر والرائد القوم
أمير له العليا قسم ومنهج
…
كفى شرفًا أن المعالي له قسم
تسلسل من أمجاد فخر وسؤدد
…
لهم شيم قد زانها العدل والحلم
إلى آخر القصيدة، وقصيدة "أسفر الصبح" ألقاها الشاعر في الحفل التكريمي الذي أقامه الشيخ أحمد بن محمد العسكري في قرية "الشرف" تكريمًا لسمو وزير الدفاع والطيران الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، عند زيارته التفقدية لمنطقة الجنوب عام 1383هـ ومطلعها1:
أسفر الصبح بالهدى والمكارم
…
وانجلى بالشعاع ضاحي المعالم
وأدلم الغمام في ومض برق
…
في ذرى العسكري وأرض المتاحم2
فإذا بالربيع يختال طلقًا
…
يغمر الروض نوره المتزاحم
فرحة عبقرية غمرتنا
…
في حمى الضيف ذي النهي والمكارم
يا ابن عبد العزيز يا ابن إمام
…
ترتسم خطوه القرون القوادم
زرتنا رائدًا فحيتك منا
…
نبضات القلوب قبل المباسم
إيه سلطان فلتعش عبقريًّا
…
في ذرى المجد منوجا بالكرائم
ويتميز المدح عند زاهر بخصائص فنية تسمو بهذا الغرض إلى مراتب التجديد في الشعر السعودي الحديث، وهي:
أولًا: القصيدة عنده قامت منذ البداية على موضوع واحد يدور حول الغرض وهو المدح، الذي يبدأ به المطلع في القصيدة، ما عدا القصيدة الأخيرة استهلَّها الشاعر بالطبيعة الساحرة التي عبَّرت هي الأخرى عن الترحيب بالممدوح وحسن استقباله، فيبتسم الروض، وتتفتح الأزهار، وتطل الأنوار، وهذا الاستدلال الجيد المشوق لا يخرج عن موضوع الغرض، بل داخل فيه، ومتلاحم معه، حيث جنَّد الشاعر الطبيعة معه لتعبر هي الأخرى عن فرحتها وابتهاجها لاستقبال الممدوح الأمير سلطان بن عبد العزيز.
ثانيًا: الشاعر لا يمدح الرجل إلَّا بما فيه، من غير مبالغة ولا معاظلة، فالعالم وزير المعارف يمدحه بعلمه وفضله، وحسن زيادته في العلوم والآداب، والقائد كالأمير سلطان وزير الدفاع والطيران يمدحه بما هو فيه من حسن الكياسة والسياسة، وشرف القيادة والحنكة.
1 الألمعيات: 128/ 129.
2 العسكري شيخ قبيلة بني العوص، إحدى قبائل رجال ألمع، والمتاحم هم أمراء من عسير، من القبائل التي تتبعهم، ربيعة ورفيدة وبنو شوعة، وأميرهم الحالي عبد الوهاب المتحمي.
العسكرية، والمهارة الفنية، وغير ذلك مما ورد في القصيدة بما يتناسب مع مهارته العسكرية، ومنصبه في الجيش الذي يقوده ويتولى أمره ورعايته.
ثالثًا: القيم التي قامت عليها مدائحه قيم نبعت من ظروف عصره ومقتضيات أمته، فقصيدة "رائد نهضة" اشتملت على القيم العلمية والفكرية والأدبية، التي جعلت معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزيرًا للمعارف، وموجهًا للمعاهد العلمية في المملكة العربية السعودية، وكذلك قصيدة "فرحة ولقاء"، وقصيدة "أسفر الصبح" قامتا على قيم سامية نبعت من مكانة الأمير القيادية والعسكرية، وحنكته السياسية، بما هو به جدير، فصار أهلًا لهذه القيادة، وكذلك الأمر في القصيدة الرابعة.
رابعًا: تجردت المدائح عند زاهر من الإطالة في المدح القديم، وتسخيره لحاجة القائل من الرغبة في المنح والعطايا التي يبتغيها من الممدوح؛ حيث كان الشاعر القديم يقصد من شعره العطية ابتداء، فإن لم يفض عليه الممدوح بها انقلب الشاعر هاجيًا ناقمًا، مما جعل القصائد في المدح القديم سلمًا تقليديًّا يتدرج فيه الشاعر على القيم التقليدية في المدح عند الشعراء فلا يخرج عنها.
لكن زاهر حينما ينشد قصيدة في المدح لا يبتغي من ورائها شيئًا من ذلك مما يعبر بصدق عن الصفات التي لا تنفصل عن الممدوح، والتي نبعت من ظروف عصره لا عن تقليد للغير، وفاضت بها طبيعته وروحه ومنهجه في الحياة المعاصرة، ولذلك كانت القيم التي يمتدح بها الشاعر ممدوحه قيمًا جديدة معاصرة، تتلاءم مع شخصية الممدوح، وطبيعة العمل الذي يقوم به، فطبيعة شخصية صاحب السمو الملكي قائد جيش، وصاحب المعالي وزير للمعارف وموجه في التعليم، وطبيعة الأمير السديري تختلف هي الأخرى عن الطبيعتين السابقتين، وهكذا أصبح لشاعرنا اتجاه خاص في مدحه يختلف فيه عن المدح في الشعر القديم.
سادسًا: شعر الحضارة
وهذا غرض جديد من أغراض الشعر الحديث، يصور فيه الشاعر الحضارة المعاصرة بشقيها، الأول: المعنوي والأخلاقي والمثالي، والثاني: المادي من التقدم العلمي الصناعي والزراعي والاقتصادي وغيرها.
وقد يتجاوب بعض الشعراء المحدثين مع التقدم الحضاري في شعر يصور هذه الجوانب، وقد لا يتجاوب البعض الآخر، وشاعرنا زاهر قد أنشد شعره في هذا الغرض الجديد، مثل قصيدته، "مراقي الفضاء" التي ألقاها الشاعر في الحفل الثقافي الكبير "بمعهد أبها العلمي" عام 1848هـ، وذلك حينما حدثت ضجة كبرى حول غزو الفضاء، وظهرت بوادر الإنكار.
من بسطاء الناس لذلك التقدم العلمي، فاشتملت القصيدة -كما يقول الشاعر- على هذا الغرض الحضاري، ثم ختمها بجوانب من التوجيه والدعوة إلى العلم، يقول1:
زمجر الركب في مراقي الفضاء
…
واعتلى الفكر شامخًا بالضياء
وانطوى هيكل الدواجي فباتت
…
شعلة النور راية النجباء
ليت شعري من أي برج أطلت؟
…
أنجم الكون والعلا والبناء
ليت شعري من أين منطلق النور
…
الذي كان آية في البهاء
إن إشعاع دعوة الحق قد شاء
…
الإله خلوده في البقاء
أيها المسلمون قد أصبح اليوم
…
شعاعًا مبشرًا بالهناء
فارتقوا في معارج المجد وابنوا
…
من صروح السلام نهج إخاء
وابتنوا في ذرى الأماجد صرحًا
…
تعتلي فيه دوحة السعداء
تصعد القادة العظام وتزجي
…
أمما في مواكب العلياء
فنرى العلم عندها بمكان
…
لا ينال ببيعها والشراء
بل بقدح الزناد للفكر حتى
…
تكشف الحجب عن وميض السناء
إن للعلم دولة لا تسامي
…
قد حداها فطاحل العلماء
فانهلوا من معين عذب زلال
…
لا تغيض فيوضه بالفناء
منهل تنطوي الليالي ويبقى
…
متعة للنفوس للنبلاء
يا رجال الإسلام أحيوا علومًا
…
من تراث مهذب الآراء
جددوا في العلوم من كل فن
…
واستنيروا بشرعة الأنبياء
سبقتنا إلى الفضاء شعوب
…
واستطارت على ذري الأرجاء
وغزت عالم الفضاء فدوى
…
صوتها في مرابع الكبرياء
فبنوا الشرق يفخرون بما قد
…
حققوه من موجبات الرخاء
وبنو الغرب قد تباهوا بعلم
…
سخروه في غزوهم للفضاء
فلماذا محا المعالم منا
…
باعث الجهل معشر العقلاء
شرعة الله أن نعيش كرامًا
…
وبنور نرقى ذرى الكرماء
ثم نبني بقوة ما استطعنا
…
لا نبالي بمبدأ الضعفاء
يا شباب الإسلام إني مناد
…
فيكم اليوم فاسمعوا لندائي
أنتم اليوم أشبل في ذرانا
…
وغدا في مواكب الزعماء
فانشروا الوعي في الجماهير حتى
…
تتبنى المجد في ذرى شماء
1 الألمعيات: 17/ 19.
إنني اليوم لا أروم خيالًا
…
فالخيال مشتت الأفياء
بل أقول بدافع من شعور
…
حيوي متوّج بالرجاء
هل لنا اليوم في المعالي شباب
…
مستجيب بعزة ووفاء
يحملون الأعباء غرًّا كرامًا
…
في مراقي شريعة سمحاء
فالبدار البدار يا أمة المجد
…
ننادي بوحدة وإخاء
واصرخي في بنيك أحفاد سعد
…
والمثنى وخالد العلياء
ففخار الشعوب بالمثل
…
الأعلى بجيل مثقف شرفاء
لهموا غاية منار الثريا
…
دون أدنى مرامها البناء
بارك الله في شباب تساموا
…
للمعالي وللبنا والفداء
وارتقوا في مشارف المثل العليا
…
وكانوا أشاوش الهيجاء
يصور الشاعر مدى التقدم العلمي الحضاري الحديث، الذي وصل فيه العلماء إلى الفضاء، وغزوا معالم الأرجاء، ثم يوجّه شباب أمته أن يواصلوا الدأب والكفاح في سبيل تحصيل العلوم، لكي تعيش الأمة الإسلامية كريمة لترقى مشارف الكرماء، ولتبني حضارتها بقوة لا تبالي أحدًا، ولا تتخذ مبادئ الضعفاء منهجًا وسلوكًا، لا يتحمَّلون هذه الأعباء كرامًا، ليرتقوا بها في ظلال شريعة سمحاء، كان سعد وخالد والمثنى رضي الله عنهم المثل الأعلى لهذا الجبل المثقف الذي كان دائمًا يسمو للمعالي والبناء والتضحية والفداء.
والشاعر هنا قد مزج بين شِقَيّ الحضارة العلمية المادية والفكرية الأخلاقية، فحثَّ الشباب على سباق الزمن، لكي يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب من تقدم في مجال الصناعة العلمية، التي تمَّ بها غزو الفضاء، ولا يصلح هذا التقدم إلَّا في ظلال الحضارة الأخلاقية والقيم الفاضلة التي هي جوهر شريعة الإسلام، والتي جعلت من قوادها مثلًا أعلى يقتدى بهم في كل عصر وجيل؛ لأن الحضارة العلمية المادية وحدها لا تنفع، ولا ترقى بالأمة، بل لا بد من مؤازرة الحضارة الأخلاقية والمثالية لتهذب النفس واستقامتها على الجادَّة في بناء الحياة وتقدمها، وإرسائها على أساس قوي متين من الحضارة الإنسانية النافعة.
واهتمَّ الشاعر كثيرًا في شعره بإبراز الحضارة الأخلاقية التشريعية التي جاء بها الإسلام، فهي الركن السامي، والجادِّ في بناء الحضارة المادية الصناعية والزراعية، وذلك في قصيدته "تحية مؤتمر الفقه الإسلامي" الذي دعت إليه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المنعقد في الفترة من 1/ 11/ 1396هـ إلى 18/ 11/ 1396هـ، ليشيد بعلماء الإسلام وفقهائه ومحدثيه والدعوة إلى الاقتداء بهم منهجًا وهدفًا وتضامنًا1:
1 على درب الجهاد: 47/ 53.
أقول وقد لاحت بآفاقنا البشري
…
أتلك رياض العلم تستقبل الفجرا
أتلك مراقي مالك وابن حنبل
…
تفجر من عرفانها في الدنا بحرًا
أتلك رحاب الشافعي وصحبه
…
تفيض على الأنفاس من روحها نشرًا
أتلك ربا النعمان والصحب حوله
…
أناروا لنا دربًا وأثروا لنا فكرًا
أتلك بلاد الشام فاحت تضوعًا
…
وقد أنجبت أسمى فطاحلها قدرًا
أتلك ربوع القيروان تحركت
…
وتاقت إلى القادات إذ يمت مصرًا
أتلك بخارى تنفح المسك أذفرًا
…
وقرطبة الغراء كانت لنا فخرًا
بلاد أقامت للحضارات منهجًا
…
يطاول في عليائه الأنجم الزهرا
ومؤتمر الفقه الذي ذاع في الورى
…
وأمسى بحمد الله في ليلنا بدرًا
ويممه من كل فج فطاحل
…
وقد سبرت أبعاد أغواره سبرًا
وأهل بكم يا قادة الفكر والنهى
…
ومؤتمرات الخير أنتم يا أحرى
فسيروا على نهج الألى شيدوا لنا
…
صروحًا من التشريع ناصعة غرًّا
وقد حلقوا للمجد في عزم صامد
…
تخطى صعاب الدهر واستسهلَّ الوعرا
تولوا كتاب الله بحثًا وخدمة
…
وغاضوا من اللجات أعمقها غورًا
وللسنة الغراء قد جد جدهم
…
فجابوا فجاج الأرض ما تركوا قطرًا
فأصبح ينبوع المعارف مترعًا
…
تطوف على رقراقه أمم تترى
وإن هدى القرآن للناس ساطع
…
فأحيوا بتشريعاته في الورى ذكرًا
كما واصل الأسلاف في هدأة الدجى
…
دراساتهم للذكر فاكتسبوا أجرًا
فشادوا من التشريع صرحًا مخلدًا
…
ألا ننضوي في ظلة مرة أخرى
هو الأمن والإيمان والنعمة التي
…
بها تسعد الأجيال في شأنها طرًّا
وهكذا يمضي الشاعر إلى نهاية القصيدة، يشيد فيها بحضارة الشريعة الغرَّاء والفقه الإسلامي الذي يقيم منهجًا جادوا وسلكوا فاضلًا، أقام أصوله وجمع أبوابه أئمة أجلاء في العلم والمعرفة مثل الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي وصحبه، والإمام أبي حنيفة النعمان وصحبه، وقد أينعت هذه حضارة الفقه الإسلامية في بلاد الشام فأنجبت أسمى فطاحلها، وفي ربوع القيروان، وفي قادات مصر، وفي بخارى وقرطبة الغراء، وغيرها من الحواضر الإسلامية القديمة التي أقامت للحضارات منهجًا تطاول إلى النجوم في الشرف والرفعة، فشادوا من التشريع الإسلامي صرحًا شامخًا خالدًا، يرفرف على الأجيال بالأمن والإيمان والنعمة والسعادة، فقد أنقذهم من الضلال والتيه والفساد في البر والبحر والجو كتاب الله وسنة رسوله، والجهاد المقدس في سبيل الله وسنة رسوله، فالخير العميم للأمة الإسلامية والأجر الجزيل للمؤمنين، إنما يكون بالسير على منهج الإسلام وتنفيذ حكم الله في مجالات الحياة، وفي الوحدة الإسلامية الكبرى.
تلك هي القيم الأخلاقية والروحية التي تعد أساسًا في بناء الحضارة في أيِّ عصر وفي كل جيل، وليس هذا فحسب، فحضارة الإسلام أيضًا تقوم على ذلك النظام الاقتصادي الإسلامي المادي الفريد في منهجه وممارسته لهذا الاقتصاد، الذي تولَّى تنظيمه وتوضيحه الفقه التشريعي، على نحوٍ لا مثيل له في المذاهب الاقتصادية الحديثة من اشتراكية ورأسمالية.
فالفقه الإسلامي أرسى قواعد النظام الاقتصادي المادي في كتاب المعاملات على النحو الآتي:
اهتمَّ بموضوع المقاييس الصحيحة في تحديد القيم العليا ليجعلها أساسًا للتفاضل بين الناس، وهي الأخلاق وحسن الأعمال لا الأموال والعقارات، قال تعالى:{إِنَّ أَكْرِمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} ولو كان التفاضل وبلوغ المنزلة السامية عند الله بكثرة الأموال لتحوَّلت البشرية إلى وحوش ضارية يفترس فيها القوي الضعيف بلا مبالاة؛ لأن ذلك شريعة،
…
ولكن الله لطيف بعباده.
أقرت الشريعة الإسلامية أنَّ المسلم مستخلف على هذا المال وأمين عليه، وموظَّف فيه من قِبَل الله عز وجل، الذي جعل مهمته على المال المستخلف عليه هي التنمية والإنفاق، لا الكنز ولا الاحتكار.
اهتمَّ بالمصادر التي يكتسب فيها العبد المال، فحثَّ على أن تكون مصادر طيبة أحلها الله سبحانه وتعالى وشرَّعها لعباده، وحرَّم المصادر الخبيثة والكسب الحرام {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وفرض الله على المسلمين في أموالهم حقوقًا واجبة مثل حق النفقة على الزوجة والأولاد والآباء والأمهات، والنفقة على الأقارب، وحق الزكاة وحق الإنفاق في سبيل الله.
أقام نظامًا تشريعيًّا فقهيًّا عادلًا في العقود والمعاملات حتى لا يتظالم الناس، فوضع الأصول والقواعد والشروط والواجبات في أبوابه المختلفة من بيع وشراء وهبة وإجارة وإعارة وإحياء مواضت وزراعة، وشركة ومضاربة، وقرض وسلم، وخيار ووصية وغيرها من أبواب المعاملات في الفقه الإسلامي.
كما نظم عملية الإنتاج والعمل، ونظَّم السوق والحركة الاقتصادية فيه من وضوح السلعة، وضبط الأسعار، والوفاء بالكيل والميزان، وغير ذلك لمن أراد أن يستزيد.
وبهذا يتضح لنا أن الفقه الإسلامي في باب العقود والمعاملات يحمل بين طياته النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يبني الحضارة المادية، ويسمو بالأمة الإسلامية حضاريًّا، لا من
الجانب المادي فحسب، بل سبب الأسباب هو البناء الأخلاقي المثالي الذي يتلاحم مع الجانب المادي.
فإخلاص العمل الماديّ ليكون لوجه الله تعالى يسبغ عليه طابعًا تعبديًّا أخلاقيًّا.
والجوانب المادية تتحرَّك من خلال مراقبة ذاتية داخلية في ضمير المسلم يخشى الله ويخاف عذابه وحسابه، قال تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .
وكذلك قصيدته "تحية المغرب العربي" التي يشيد فيها بحضارة الإسلام في المغرب العربي وبلاد الأندلس، ومطلعها1:
عبقت بالنشر في أسنى مكان
…
وبدت شماء في أفق الزمان
إلى قوله:
أنا في أرض سما المجد بها
…
ونمت أيامه في كل آن
فاذكروا القادات في راياتها
…
عندما خاضت عباب المعمعان
وتسامى "طارق" في أوجها
…
يتخطَّى فوق أطراف السنان
واستقامت في ربا أندلس
…
جنة الدنيا ونبراس المغاني
أنا إن حلقت في الأفق وإن
…
غصت في الأعماق فالمجد حماني
ألمح الشطئان من أندلس
…
وابن زيدون أمامي وابن هاني
فاذكروا بالفخر أرباب النهى
…
من رقوا فيه إلى أسنى مكان
1 على درب الجهاد: 107/ 115.
التصوير الأدبي:
أولًا: التجربة الشعرية
هو انفعال الشاعر بمشهد أو حدث أو فكرة أو موضوع أو عاطفة أو خاطرة، أو غير ذلك مما يهز المشاعر ويحرك الأحاسيس ويثير الوجدان، ويلهب العاطفة، ويحيي الخواطر ويبعثها، لتتلاحم كلها في عالم الشعور، أي: في معامل النفس والوجدان والمشاعر والعواطف في تجربة شعرية تتحرك إلى مجالها، مجال الأسلوب والإبداع في التصوير، الذي يتعاون فيه العقل والخيال معًا في انتقاء الألفاظ والأساليب والصور والموسيقى والإيقاع، ليتناسب الجميع مع الغرض والموضوع والمعاني والعاطفة والمحسنات، في اتزان وتوازن بين العقل والخيال؛ بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر في داخل النفس.
فإن طغى الخيال، وانطلقت العاطفة والمشاعر والوجدان انصهرت القصيدة في تصوير أدبي ينساب كالسراب بعيدًا عن الواقع والالتزام، مسرف في الذاتية والأنانية، ومتحرّر من كل ما يشد المشاعر إلى واقعه في الأرض، فيحلق الشاعر إلى برج بعيد يملؤه التمرد والتحرر المطلق، والذاتية المسرفة والأنانية الزاهدة.
وإن طغى العقل تنوعت القصيدة إلى عدة أشكال نتيجة للتحجر العقلي والإسار المنطقي، بما لا يتناسب مع طبيعة الشعر، فإما أن تكون القصيدة في أسلوب علمي يقرر القواعد والأصول، ويطلق الأحكام، ويعلن النتائج، وهو ما يطلق عليه النظم العلمي، مثل ألفية ابن مالك والبديعيات كالقصيدة البديعية لصفي الدين الحلي وغيرها.
وإما شعري تقليدي أثخنته الزخارف والأثقال، وتعثَّر في الجمود العاطفي والفكري، وتجمدت فيه المشاعر والأحاسيس، في نظم يدور على ما قاله القدماء، في تقليد أعمى بلا موهبة شعرية ولا استعداد أدبي لقول الشعر، وذلك مثل الشعر قبل البعث الأدبي المعاصر على يد البارودي ومن معه.
وإما محافظ "كلاسيكي" يطبق فيه الشاعر عمود الشعر العربي، لكنه في جفاف العقل ومقاييس المنطق، ويأبى أن تمتد شرايين الخيال، لتبعث فيه الحياة، ويكفيه أن يصور الحقيقة مقنعة، تأخذ مكانها من العقل لا الوجدان ولا القلب، وهذا الشعر يذهب عن قارئه بمجرد أن ينتهي لا يجد له أثرًا مثل شعر ابن عثيمين في السعودية، وشعر ابن نباتة المصري، والشيخ العطار من مصر وغيرهم.
أما إن سار العقل والخيال في اتزان ومطاوعة للفكر والمشاعر والعاطفة والواقع، جاء الشعر في تصوير أدبي يحرِّك المشاعر ويهز العواطف ويحيي الخواطر ويبعث النشاط الفكري، وبهذا الاتزان في الشعر تتحقق الغاية منه، وهي: التأثير، والاقناع معًا. وهو ما يعتمد عليه الشعر القوي الملتزم، فيؤدي دوره في الحياة، من تربية الذوق الأدبي، وتنمية الملكة الشعرية، وبناء الحياة وتقدمها، وهذا ما يجب علينا نحو الحياة والإنسان والمجتمع وقضاياه المعاصرة.
والصدق الفني في التجربة يتحقق عن طريق التلاؤم بين العاطفة والخيال، والمعاني والأفكار، والموضوع والغرض، والمشاعر والأحاسيس، وبين التصوير الأدبي من ألفاظ وأساليب، ونظم وصور، وإيقاع موسيقي، وفي التلاؤم بين هذين الشطرين يتحقق الصدق الفني في التجربة الشعورية.
والتجربة الشعورية عند زاهر فيها الخواطر والأساليب، والعواطف والصور، بتآزر العقل والخيال معًا على السواء في تجربة شعرية قوية، التزم فيها الشاعر بقضايا وطنه وأمته وعالمه الإسلامي الكبير، وكان من وراء ذلك دوافع في بناء تجربته، أسبغت عليها تلك الخصائص، من أهمها:
الأول: حضور زاهر مؤتمرات الحجيج في جميع أقطار العالم الإسلامي في كل عام، وإن في هذا الموقف دافعًا قويًّا، ودفعة شعرية، وإثارة للوجدان والعاطفة، بما يقل شأنًا عن المواقف الشاعرية المتدفقة، التي ينثال فيها الشعر انثيالًا، ويتراسل التصوير الأدبي بالصور المتزاحمة إرسالًا، في شاعرية أخاذة، يستمد الشاعر تجربته من رافدين قويين، أحدهما: الموقف الروحي الذي يتفجّر من الوحدة الإسلامية بين الحجيج، مع اختلاف أجناسهم وألوانهم، وتباين لغاتهم واتجاهاتهم، وتدفق الجانب الروحي والنفسي يدفع إلى تدفق المشاعر، وقوة الانفعال، وإثارة الوجدان، وحمم العاطفة وبعث الخواطر.
ثانيهما: إيحاء المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، وفي منى وعرفات بما جاء في الإسلام من شعرية بناءة، وحضارة مشرفة للعالم أجمع، يدفع بالشاعر إلى بحر الشريعة الإسلامية العميق، فتنساب روافده القوية في شعره، التي تفي بالقيم الإسلامية والأخلاق القرآنية، ليناجي أمة الإسلام في ممثليها الحجيج بالعودة إليها، وتطبيق تعاليمها وقيمها، فهو السبيل الأوحد في انتصار الأمة الإسلامية على أعدائها، كما أقام السلف الصالح على هذه الأرض الظاهرة تلك الحضارة الإسلامية الشامخة، وذلك مثل قصيدة "مشاعر الإلهام"، وقصيدة "في ربا الحرمين"، وقصيدة "في مشاعر الحج" وقد مرت أمثلة منها.
الثاني: روح الجندية التي بدأ بها حياته، فقد رسمت طريقه ومنهجه في الحياة، الذي يقوم على أساس من الصمود وتخطي العقبات مهما كانت شاقة، فقد قطع شوطًا طويلًا في الجندية ثم
حصل على أعلى الدرجات العلمية بعدها، حصل على الدكتوراة وأصبح أستاذًا في الشريعة، وانعكست حياة الجندية على شعره، فوجَّه غايته الكبرى إلى شعر الجهاد والحث عليه في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين، فلا يرى إلّا البارود والنار، ولذلك كانت أغراضه الشعرية تصور القضايا الإسلامية وخلود الشريعة وأمجادها في الماضي.
ويذكرني هذا الاتجاه برائد البعث الشعري محمود سامي البارودي في مصر، مع الفارق الزمني بينهما، فقد كان البارودي فارسًا وجنديًّا، لكنه وجه عنايته إلى البعث اللغوي والإحياء الأدبي لإعادة اللغة العربية وآدابها إلى وجهها المشرق، الذي كان لها في عصورها الزاهرة عصر الأمجاد.
واتجاه زاهر متفق مع اتجاه البارودي من حيث المنبع والمصدر والهدف، لكنه يختلف من حيث الوسيلة لا الغاية، فالوسيلة عند زاهر هي الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، وتحرير الأرض من الصهاينة واليهود؛ لتعود أمجاد الأمة كما كانت، لكن البارودي جندي فارس أعاد المجد إلى اللغة العربية وأدبها، لغة القرآن الكريم والشريعة الإسلامية
…
وشتان بين الوسيلتين.
وشتان بين عصري الشاعرين، فالبارودي بمعارضاته رائد البعث الشعري في العصر الحديث، وزاهر من مدرسة المحافظين التي افتتحها البارودي، يسير شاعرنا على الديباجة العربية الأصيلة وإشراق الأساليب والتزام العمود الشعري، مع تجنبه المعارضات الشعرية؛ لأن قضية الجهاد شغلته عنها، أما نصاعة الأسلوب وتحرر الشعر من قيود الزينة وأغلالها فقد كفاه البارودي مشقة معاناتها والتخلص منها، ومهَّد بذلك الطريق لمن بعده من الشعراء، ومنهم شاعرنا زاهر الألمعي، الشاعر الجندي الفارس المحافظ في تجديده1.
ثانيًا: المناسبات الشعرية: من الدوافع التي أثرت في تجربة الشاعر المواقف والأحداث والمناسبات، التي تفرضها على شعره إنسانيته، ويدفعه إليها دينه وعقيدته، كحق إنساني، وواجب ديني، فالقضايا الإسلامية المعاصرة تحض الشاعر على أن يجنِّد شعره لجهاد أعداء الإسلام وهم الصهيونية واليسارية واليمينية، وأن يعود المسلمون إلى الشريعة الإسلامية، التي أقام السلف الصالح حضارتها الراسخة.
وسيطرت قضية فلسطين على شعره كله، فلا تخلو قصيدة من الإيماء إليها على الأقل أو تكاد، أما التصريح بالقضية فقد جاء في قصائد كثيرة سواء أكانت القضية هي الغرض من القصيدة، أم جاءت تبعًا لغرض آخر، وسيتضح هذا عند الحديث عن الوحدة الفنية، وذلك مثل القصائد التي قالها في مؤتمرات الحجيج كل عام.
1 انظر: مقدمة الألمعيات: للأستاذ عبد العزيز الرفاعي ص12/ 13.
ويحث زاهر على التعليم والتعلّم والتربية الإسلامية الفاضلة، وذلك في المناسبات التي تتصل بذلك؛ كافتتاح المعاهد العلمية، والاحتفالات التي تقام فيها، أو في مناسبات أخرى مثل الرثاء لعالم أو رائد، أو صاحب جهود في إرساء العلم وتدعيمه، مثل قصائد "مراقي الفضاء"، "نجم هوى"، "تحية المعهد"، "جحافل المجد"، "دولة الإسلام في ماضيها المجيد"، "صيحة الجهاد"، "بطولة وفداء"، "صخرة العرب"، "رائد نهضة"، "صدى المؤتمر"، "دهى الخطب"، "نجدة الإسلام"، "ترحيب وأمل"، "إشراق الأمل"، "فقيد العلم"، "تحية إجلال وتقدير"، "فقيد الإسلام"، "وحدة العرب"، "يا قادة الدين".
ويحث في مناسبات أخرى على بناء الوطن الصغير والكبير، والنهوض به، والإشادة بالمنجزات التي تحققت، وذلك في قصائد كثيرة مثل:"ربوع الجنوب"، "في ربوع القصيم"، في ربوع القرعاء"، "في ذرى نجران"، "مواكب المجد"، "سد جازان"، "تحية بغداد"، "فرحة ولقاء"، "أسفر الصبح"، "أمتي"، "حمادة المجد"، "تحية نجران".
لا يستريح الأستاذ عبد العزيز الرفاعي إلى المناسبات في شعر زاهر؛ لأنه يفسد على الشاعر الصدق الفني في التجربة الشعورية، فيقول: "صاحب هذا الديوان يملك النواة، وتأبى عليه عصاميته إلَّا أن يصقلها، فهو يريدها ويريد معها اهتمامات أخرى، وفي غمرة كل شواغله، لا يهمل الشعر، ولكنه لأمر ما لا يعطينا كل شعره، أو هذا ما أحسبني قد رجحته بعد أن فرغت من ديوانه، فهو يعطينا من شعره الجانب الخطابي،
…
يعطينا شعر المناسبات، التي أحسبه يساهم فيها، وهو يعتقد أنه يؤدي واجبًا أدبيًّا مفروضًا تفرضه عصاميته، ويفرضه تطلعه"1.
وهذا الكلام يحتاج إلى وقفة منصفة في مجال النقد الأدبي، فالناقد الرفاعي يرى أن الشاعر يعطينا الجانب الخطابي من شعره، ويفسر الخطابية بالمناسبة في الشعر بقوله: يعطينا شعر المناسبات، وهذا تفسير بعيد عن الصواب؛ لأن معنى الخطابية هو الاستطراد والحشد والتأليف بين عناصرها على أساسيين رئيسيين هما: التأثير في الجمهور والإقناع مع المناسبة أيضًا، والتأثير والإقناع إن خلا منهما الشعر يكون ميتًا لا حياة فيه، ومهملًا مرذولًا، وعلى ذلك فلا بُدَّ منهما في الخطابة والشعر على السواء.
1 مقدمة ديوان الألمعيات: الأستاذ عبد العزيز الرفاعي ص7.
والحق أنَّ ما يستوقف النظر من شق واحد فقط هو المناسبة، فليست هي الفيصل بين الشعر والخطابة، وليس كل شعر جيد هو الذي خلا من المناسبات، وإلَّا لسقط شعر الفحول من شعراء العرب القدامى، وإلا لما قلد الأدب والنقد شوقيًّا إمارة الشعر، وهو المتهم من العاد من شعراء العرب القدامي، وإلَّا لما قد الأدب والنقد شوقيًّا إمارة الشعر، وهو المتهم من العقاد وغيره من شبابهم بأن المناسبة أفسدت شاعرية شوقي، ثم يرجع العقاد وزملاؤه عن هذا الحكم في مرحلة الكهولة والاتزان، وأثناء خصوماته الأدبية، ليقرر الحقيقة التي بقيت للتاريخ في شعر شوقي وحافظ فيقول: إن الخصومات حول الشاعرين كانت من حماقة الشباب1.
والخطابية إذا كانت بمعنى المناسبات التي يقصدها الرفاعي لا تستلزم عدم الانفعال؛ لأن التجربة الصادقة تتفجر من موقف معين ومناسبة دافعة، وعند ذلك تكون المناسبة هي المثيرة للانفعال، ولا أدري كيف ينشد الشاعر قصيدة دون دافع أو مناسبة مفجرة، وإلَّا لما تحقق الانفعال الذي يلهب العواطف، ويحرك المشاعر والخواطر.
وعلى ذلك أرى أن كلام الرفاعي بعيد عن الصواب حين يقول: "بيد أن شعر المناسبات وإن أعطى للحوادث تسجيلًا، ولصاحبه ذكرًا، إلا أن عناصر الانفعال فيه قد لا يرتقي إلى المستوى الأول المأمول، فإن شعر المناسبة تحكمه ظروف المناسبة ذاتها، فقد لا يكون مهيئًا تهيئة نفسية كافية حينما تطرأ المناسبة، فقد يمر على شاعر المناسبة أن يطلب إليه أن يقول شعرًا في عرس، بينما تكون نفسه ذاتها في مأتم، ومع ذلك فلا يملك إلا أن يستجيب"2.
هذا الكلام مقبول وصحيح لو كان مجردًا عن نسبته إلى ديوان زاهر، الذي حكم الرفاعي على شعره بالمناسبات، وأشد على يديه لو كان القول مجردًا عن النسبة؛ لأن المناسبة قد تفرض على الشاعر وهو غير متهيء وجدانيًّا لموضوع المناسبة، فهذا نظم وليس بشعر مطلقًا، ولكن زاهر لم يكن كذلك، بل كان متهيئًا وجدانيًّا ونفسيًّا للمناسبة التي قال فيها شعره إذا أمعنا النظر طويلًا فيه، وعلى سبيل المثال: المرثيات التي ذكرناها، لا تجد فيها تصوير إلّا يتناسب مع الغرض من الحزن والتأسي، بل كانت الصور كلها قاتمة حزينة مما يدل على قوة الانفعال وصدق التجربة الشعرية، مع أنَّ الشاعر أنشد المرثيات في مناسبات ذكرتها آنفًا.
وكذلك لو رجعنا إلى القصائد التي قالها في مناسبات العلم والتعليم وفي مؤتمرات الحجيج كل عام فعلى الرغم من هذه المناسبات تجد انفعالًا قويًّا وتجربة حية صادقة مثل قصيدة "عودي إلى درب الجهاد"، وقصيدة "في رحاب البيت"، "مشاعر الإلهام"، "ضيوف الرحمن"، "في ربا الحرمين"، "في مشاعر الحج"، وغيرها وقد مرت الأمثلة.
1 الأدب الحديث: د. عبد الرحمن عثمان.
2 مقدمة ديوان الألمعيات: ص7.
ويؤيد ما اتجهت إليه من أنَّ المناسبة عند زاهر كانت مفجرًا انفعاله في معظم شعر المناسبات، وأقرَّ به الرفاعي بعد ذلك بقليل: وهو أن الشاعر كان في شعر المناسبات مدفوعًا بمشاعره الذاتية وصادرًا عن إرادته لا عن إرادة غيره، يقول الرفاعي ما نصه:
"غير أني أعتقد أن صاحب هذا الديوان يشترك فيما يشترك فيه من المناسبات مدفوعًا بمشاعره الذاتية
…
صادرًا عن إرادته هو لا عن إرادة سواه، وهو كثير ما يجول في ميدان أحبه وآثره هو ميدان العلم والتعليم، فلا تكاد تفوته مناسبات الحفلات التعليمية في مجاله دائمًا أن يشيد بها"1.
وماذا يريد الرفاعي من الشاعر أكثر من أن يكون مدفوعًا للمناسبة بمشاعره الذاتية، هل الشعر إلا مشاعر ذاتية، ويوم أن يكون غير ذلك فلا يكون شعرًا، بأن يكون مدفوعًا بغير ذاته، أي: خارجًا عن ذاته ومنفصلًا عن مشاعره، وما اعترف به الرفاعي هنا هو نفسه ما أخذته عليه مسبقًا ومنذ قليل.
وهذا نفسه هو ما رجع إليه الرفاعي في نهاية كلامه حينما تحدث عن قضية التزام الأدباء والشعراء، فيتجاوبوا مع الأحداث ومع الناس، وألا ينغلقوا على أنفسهم وذاتياتهم، وينصرفوا إلى وجدانهم، بشرط ألا يفقدوا الصدق الفني
…
يقرر هذا في قوله:
"ولا يجب أن ننسى أننا ندعو أدباءنا وشعراءنا أن يتجاوبوا دائمًا مع الأحداث، وأن يعيشوا مع الناس، وألّا ينغلقوا على ذاتياتهم، وينصرفوا إلى وجدانياتهم فحسب، ولكنني لا أغفل في هذا شرطًا هامًّا هو ألا يفقدوا الصدق الفني في كل أثر من آثارهم، وصاحب هذا الديوان حينما يتجاوب مع دعوة التضامن الإسلامي، وحينما يخطب شعرًا في منابر الحجيج التي يقيمها العاهل العظيم، إنما يجد في ذلك ارتياحًا حقيقًا في نفسه، ويشعر أنه إنما يؤدي واجبًا مفترضًا يجب أداؤه بقدر ما يسعه من طاقة، أو بقدر ما يستطيع أن يقدم من جهد
…
ولست أشك أن هذه الأفكار الصالحة مع مرور الزمن ستكون أكثر رسوخًا في نفسه، ومع تطور شعره سيكون هو أقدر على الإفصاح عنها، والإبداع فيها".
وهذا ما صنعه زاهر في معظم شعره حين التزم بقضايا عصره ولم ينغلق على وجدانه، أو يتمدد في ذاتيته وأنانيته، ولكن الذي أرفضه أن الشاعر لم يفرض عليه واجب في مناسبة ما فرضًا غير مقبول منه أو كارهًا له؛ لأنه لم يحمل على شيء يقوله من خارج ذاته وإرادته، ويؤديه بقدر ما يسعه من طاقة، فما دمت قد أيدت الالتزام عند الشعراء وفي منهج صاحب الديوان، فالمناسبة عنده هي التي فجرت الانفعال من ذاته، وانصهرت في وجدانه ومشاعره، فأخرجها
المرجع السابق ص7.
من ذاته وأحاسيسه وإرادته، لا من شيء خارج عن ذاته.
أما الصدق الفني فقد ربطه الرفاعي بالمناسبة، فما دام زاهر قد أنشد شعره في المناسبات، حينئذ يتجرد من الصدق الفني، وينسلخ عن شعر الذات أو عن شعر العاطفة والوجدان، إلا قصيدة واحدة فقط وهي "رسالة العيد" يقول الرفاعي:
"لقد قلت أن وراء شعر هذا الديوان شعرا لم نره فيه هو الشعر الذاتي أو شعر العاطفة والوجدان، وهو الشعر الذي يخرج من القلب ليصل إلى القلوب، فمن أين أثبت بهذا الادعاء؟ لقد وجدت في الديوان طرف الخيط، إنه قصيدته "رسالة العيد" فقد عاد الشاعر بعد صلاة عيد الفطر إلى غرفته وحيدا بعيدا عن أهله وخلانه.... يشكو الغربة والوحدة فلا أنيس ولا زائر
…
وهي قصيدة جميلة تنساب في رقة بلا تكلف ولا افتعال.... "1.
لا أنكر على الرفاعي أن رسالة العيد شعر وجداني عاطفي، وبالتالي لا أنكر الصدق الفني فيها، فهذا ما لا يقبل الإنكار، أما الذي يحتاج إلى تأمل وهو أن الصدق الفني يساوي شعر الوجدان فقط، بل شعر الوجدان غرض من أغرض الشعر، والشعر الإسلامي الذي قيل في مؤتمرات الحجيج غرض من أغراض الشعر، والرثاء كذلك
…
وهكذا بقية الأغراض عند الشاعر. وعندي أن الأغراض كلها لا تصلح ولا تسمو إلى مواطن الجودة إلا بالصدق الفني بين التجربة الشعورية وبين التصوير الأدبي لهذه التجربة، وقد تكون التجربة وجدانية أو التزمت بقضايا المجتمع، لكن الجودة ترتبط فيها بالصدق الفني، هذه ناحية.
وناحية أخرى وهل شعر الوجدان فقط هو الذي يصل من القلب إلى القلب، وماذا نقول في الشعر الإسلامي، الذي نبع من تجربة صادقة في عاطفة ملتهبة مثل بردة البوصيري، ونهج البردة لشوقي، هل مثل هذا الشعر لم يخرج من القلب إلى القلب، مع أنه لم يكن شعرا وجدانيا؟ !! لكن الحق أن البردة ونهجها لا زالت تهتز لها أعماق القلوب، وكذلك الأمر في شعر زاهر الإسلامي مثل قصيدة "مشاعر الإلهام"، "في رحاب البيت"، "في مشاعر الحج"، وغيرها، فقد عبر فيها الشاعر عن تجربة صادقة قوية تهز أعماق النفس، وتتفتح لها جوانب القلب.
وناحية أخرى وهي أن قصيدة "رسالة العيد" لم تكن وحدها هي الشعر عند زاهر، ولم تكن هي الخيط الرفيع الذي يدل على موهبة الشاعر وأصالته الشعرية، بل لديه قصائد كثيرة تدل على ذلك منها معظم القصائد التي قالها في مؤتمرات الحجيج مثل "دعوى إلى درب
1 المرجع السابق: 11/ 12.
الجهاد" وقصائد الرثاء مثل "فجيع الأيام"، وقصيدة "زلة القول" فهي من شعر الطبيعة الذي ينبع من وجدان مفعم بالحب لأبهان ولتوازنها بقصيدة "رسالة العيد" لتكون هي الثانية وليست الوحيدة في نظر الناقد، عند ذلك يكون في شعره أكثر من خليط يدل على موهبته، وسنذكر القصيدتين حتى نلحظ مدى القوى فيهما معًا، لا في رسالة العيد فقط، يقول زاهر في "رسالة العيد"1:
يا عيد بلغ أسرتي وبلادي
…
أزكى تحياتي وشوق فؤادي
وانقل لهم يا عيد وصف مشاعري
…
وأين لهم من لوعتي وودادي
أنا في الرياض وحال دون أحبتي
…
شرف من الواحات والأطواد
والقلب ملتاع بحارق لوعة
…
والعيد عيد الأنس والإسعاد
لكني أنسى أن أكون ببلدة
…
لحقت بها الأعياد بالأعياد
بلد بها للمكرمات منارة
…
وهاجة بمفاخر الأجداد
تمشي طيوف الشعر بين جوانحي
…
خفاقة الرايات والأعتاد
فتهزني شوقا إلى تلك الذرى
…
بمعاقل شماخة الأنجاد
وبها شراة قد تأصل مجدها
…
واستوطنت في ذروة الآساد
يمتد طرفك من مشارف "تهلل"
…
فيرى الربا منداحة الأبعاد
في ربوة "الشعبين" في "واد حلى"
…
في رأس "غمرة" موطن الأصياد
حي المعاقل والربوع ومن بها
…
بلد الجمال وجنة المرتاد
أنا لا أزال أقيم في أرض بها
…
جسمي وفي أخرى يهيم فؤادي
ما زلت في لوعات شوق حارق
…
وتطلع وترقب وجهاد
فأزف أشواقي إلى بلد بها
…
قومي وفي ذرواتها أولادي
وأزفها من قلب نجد نفحة
…
فاح العبير بها مدى الآباد2
وأما قصيدة "زلة القول" فقد ذكرتها ولنعد قراءتها مرة ثانية في مجال الموازنة مع هذه القصيدة، تجد أن الصدق الفني في القصيدتين يكاد يكون واحدًا.
1 الألمعيات: 79/ 81.
2 تهلل جبل يشرف على مدينة رجال ألمع، الشعبين: حاضرة رجال ألمع، وادي حلى يحتضن معظم السهول بها: غمرة جبل مرتفع آهل بالسكان - الاصطياد جمع أصيد وهو القوي الشجاع.
ثانيًا: الألفاظ والأساليب
زاهر الألمعي شاعر من شعراء التجديد المحافظ الذين يتخذون العمود الشعري منهجًا وطريقًا في شعرهم، فيحافظ زاهر مثلهم على الأوزان الخليلية، ويحافظ على القافية الواحدة، التي يلتزمها في القصيدة كلها، وتراه لا يخرج عن ذلك في شعره، فلا يعرف الشعر الحر، ولا شعر التفعيلة، ولا الموشَّحات، ولا المقطعات، ولا غيرها، مما يخرج عن العمود الشعري القديم في الوزن والبحر والقافية، والأمثلة على ذلك شعره كله في ديوانه.
وكذلك الشاعر يحافظ على العمود العربي في الألفاظ والأساليب وبناء التراكيب، فينتقي من الألفاظ ما هو جزل قوي وعذب ينساب إلى الشعر في قوة واقتدار، ويقيم الأسلوب بإحكام ودقة، بلا تعقيد ولا ألغاز، بل تجد المعاني ساحرة، والأفكار واضحة مكشوفة لا تحتاج إلى كبير عناء في تحصيلها، ولا إلى مشقة في الوصول إلى الغرض منها، ولذلك كان شعره واضحًا لدرجة أنَّ الرفاعي حكم عليه بالخطابية، ومن صفات الخطبة أن تكون واضحة، تصل إلى السامع في يسر وسهولة، ولذلك كان من أهم خصائص الأسلوب عنده:
الأولى: جزالة الألفاظ وإحكام التراكيب، وسبك الأسلوب مع وضوح الدلالة على المعنى والغرض بلا جهد أو أدنى تأمل، لا يحتاج معه القارئ إلى معجم يفسر الغموض في الألفاظ أو الأسلوب، والأمثلة على ذلك شعره كله، يقول في قصيدة "مواكب المجد"1:
يمضي الزمان وتخلد الأمجاد
…
والمجد صرح بالجهاد يشاد
والمجد منطلق على درب الهدي
…
تسمو به القادات والأجناد
تأبي الأشاوس أن تدين لغاصب
…
أو أن يطوف عرينها مصطاد
هي كالجبال الراسيات شوامخ
…
تهفو لها الأرواح والأجساد
وإذا التقى الجمعان كان قوة
…
تعنو لها الأغوار والأنجاد
ويقول في قصيدته "عودي إلى درب الجهاد"2:
المسجد الأقصى وخفق حشاشتي
…
منه ونبض تألمي وترنمي
ما بين نغمة شاعر إيمانه
…
حبي ووثبة ثائر متجهم
لكنه جهاد عادل متطاول
…
فتأهبي يا أمتي وتقدمي
في فيلق صاروخه عزماته
…
بالله يقصف كالقضاء المبرم
الألمعيات: 63.
2 على درب الجهاد: 16/ 17.
يا قادة الإسلام ما زالت جراح
…
القدس في الأمان راعفة الدم
فتشبثوا بالله والتزموا التقى
…
وثبوا على الأعداء وثبة ضيغم
لا ترهبوا خوض المعامع إنها
…
مهر العلا في نصرنا المتحتم
الثانية: أقام الأسلوب في شعره على ألفاظ تعبر عن بيئة الشاعر التي عاش فيها، في جنوب المملكة العربية السعودية، كما في قصيدته "في ربوع القرعاء"1، وقصيدة "في ذرى نجران"2:
تسامى في ذرى "نجران" وفد
…
جدير بالوفا والمكرمات
وقل ما شئت من أخبار قوم
…
ففي "الأخدود" أنواع العظات
فإن يأن لموكبكم رحيل
…
"لأبها" حيث زهر الطيبات
وجو ساحر ورياض نبت
…
مطرزة بوشي خيرات
فعرجوا في ضواحيها ومروا
…
جبال "السودة" المتبخرات
فالموقع نجران، والأخدود، وأبها، والسودة، كلها من بيئة الشاعر في الجنوب، وكذلك الألمعيين، وتهلل، وتوالب، كلها من بيئة الشاعر في قصيدة "خواطر" 3، وقصيدة "في ربوع الجنوب"4، وقصيدة "سد جازان"5، وقصيدة "زلة القول"6، وقصيدة "تحية نجران"7، وقصيدة "فوق أرض الجنوب"8، وقصيدة "تحية الفهد"9، وقصيدة "سد أبها"10.
الثالثة: ومن خصائص الأساليب شيوع ألفاظ تدل على عالمه الإسلامي الكبير في قضاياه المعاصرة قديمًا وحديثًا، فمن عالمه الإسلامي القديم ألفاظ كثيرة مثل بدر، وحطين، واليرموك، والقدس، ويذكر السلف الصالح من كبار قواد المسلمين مثل سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، والمثنى بن حارثة، وطارق بن زياد، وغيرهم من قواد المسلمين الذين أقاموا الحضارة الإسلامية في جهادهم وكفاحهم.
1 الألمعيات: 49.
2 الألمعيات: 51/ 53.
3 الألمعيات: 57.
4 الألمعيات: 23.
"5، 6، 7" الألمعيات: 63، 146، 149.
"8، 9، 10"، على درب الجهاد: 63، 83، 179
وفي عالمه الإسلامي الحديث يذكر ما وقع للمسلمين في جميع العالم من بلاء وحرب من أعداء الإسلام، فيذكر غزو باكستان وزنجبار والفلبين والقدس وغيرها، يقول في قصيدته "في مشاعر الحج":
قد اجتاح "باكستان" غزو مدمر
…
يسانده الإلحاد والشرك والكفر
وقد روعت في "زنجبار" ضمائر
…
وأزهقت واستفحل القهر
وعاثت على أرض "الفلبين" عصبة
…
فلم يبق للإسلام في أرضها أمر
وظن الورى في مجلس الأمن نجدة
…
فلم يغن منه لا هراء ولا هذر
وإذا ما اعتلت في الصين صيحة مسلم
…
تجاوب في أم القرى البيت والحجر
ودوت أرجاء الرباط استجابة
…
وهبت لها بغداد وانتفضت مصر1
رابعًا: الخيال
وخيال الشاعر يمضي فيه على نسق عمود الشعر العربي في معظم صوره من تشبيه واستعارة وكناية، وغيرها من وسائل التصوير الأدبي، مثل قوله:
لنا إخوة في الدين عاث بها الضنى
…
تمد عنان الصوت من ذا تجاوبه
فيا قادة الإسلام لموا جراحها
…
وكونوا لها ردءًا تهاب جوانبه
ويا فيصل الإسلام أحكم شباكها
…
وجرد لها غصبًا توقد لا هبه
فمن لازم الإقدام في ساحة الوغى
…
تناهت إلى المجد الرفيع تجاربه
فالاستعارات والكنايات هنا قديمة على النمط الذي جاء في الشعر العربي القديم، وهذا على سبيل المثال، ولنرجع إلى ما ذكرناه من شعر لتجد الصور موصولة بمنبعها الأصيل من الخيال العمودي.
وإذا نشط الخيال حينًا عند زاهر، منح بعض الصور الجزئية الأدبية من شعره ثوبًا جديدًا، وبعث فيها روح عصره الجديد، فتتماوج فيها ألوان من النشاط الإنساني الحي، وترقرقت في جوانبها ظلال من الثقافات المعاصرة، وانسابت في مجاليها روافد العصر ومقتضياته، وتسطرت على صفحاتها الثقافة الجديدة، ونبضت شرايينها بما يموج في الحياة من التقدم العلمي والحضاري، وذلك مثل بعض الصور التي جاءت في قصيدته "مراقي الفضاء" منها2:
1 على درب الجهاد: 150.
2 الألمعيات: 17/ 19.
زمجر الركب في مراقي الفضاء
…
واعتلى الفكر شامخًا بالضياء
وانطوى هيكل الدياجي فباتت
…
شعلة النور راية النجباء
ليت شعري من أي برج أطلت
…
أنجم الكون والعلا والبناء
ليت شعري من أين منطلق النور
…
الذي كان آية في البهاء
إن إشعاع دعوة الحق قد شاء
…
الإله خلوده في البقاء
خيال ترى في صوره الأدبية نبضات التجديد، وروح العصر، فسفينة الفضاء التي زمجرت في الكون صورة متحركة توحي بالتقدم العلمي في مراقي الفضاء، وتشف عن روح العصر التي حلقت في أدبنا المعاصر، والفكر الذي تجسم شامخًا في الفضاء يفيض بالتقدم والنهضة الحديثة، ونور العلم لون من ألوان الحضارة العلمية والتجريبية المادية، التي تمثل عصر الشاعر، وسفينة الفضاء التي شعشعت بنور العلم في الدجى، ورفرفت براية التقدم الإنساني في مدارج الفضاء كالشعلة الوهاجة التي تطوي الظلام والدياجي طيًّا سريعًا خاطفًا.
والشاعر يناجي نفسه ورواد الفضاء، ليقفوا على مواطن أبراج النجوم وحقيقتها في الكون، ما دامت السفينة تبحث عن حقائق الفضاء، لا عن حقائق الأرض، ويسائلهم أين مصدر النور في الوجود الذي ما زال آية في البهاء؟ ثم يجيب الشاعر عن مصدر النور الحقيقي، إنما هو في شريعة الإسلام وهي حق، وأساس الحقيقة، والدعوة الخالدة التي أراد الله لها أن تبقى إلى قيام الساعة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
صور جزئية تسري فيها روح التجديد المنساب من روح التقدم العلمي والانطلاق الفكري في العصر الحديث، ولكن الشاعر ما زال مرتبطًا بقيود الخيال القديم في هذه القصيدة تطل صوره من حين إلى آخر مثل. زمجر، وهيكل الدياجي، وشعلة النور، وأنجم الكون، ومنطلق النور، وآية في البهاء، وهكذا.
أما عناصر التصوير الأدبي من حركة ولون وحجم وشكل وغيرها تموج بين حنايا الصور، فالحركة العنيفة والسريعة للسفينة تندفع من الزمجرة والمراقي والاعتلاء والشموخ، وانطواء الهيكل، والإطلال، والمنطلق وغيرها، واللون يشع بأطياف الأمل والتقدم في مراقي الفضاء، واعتلاء الفكر وشموخه بالضياء، وشعلة النور التي تطوي هياكل الظلام، وأنجم الكون والعلا والبناء، ومنطلق النور وآية في البهاء، وإشعاع دعوة الحق، والخلود في البقاء، كل هذه الصور تموج بألوان التقدم والرقي والحضارة والأمل في تحقيق السعادة للإنسان في العوالم الأخرى لا في الأرض فحسب.
أما عنصر الحجم في التصوير الأدبي هنا فيتحدد في السفينة التي تحتضن رواد الفضاء وتسبح كالذرة في مراقي الجو، فتقف على أحجام الأبراج والنجوم؛ لأنها أقرب إليها من أهل
الأرض، كما أن حجم دعوة الحق تملأ الفضاء وتسد الآفاق، وشتان بين الحجمين، سفينة كالذرة في الكون، ودعوة باتساع الكون كله.
وأما عنصر الشكل هنا في الصور، فتمتد فيه خيوط السفينة لترسم الغاية منها وهي الجانب المادي فقط لإسعاد الإنسان؛ حيث يبحث عن أرض جديدة بعد أن ضاقت عنه أرضه، وخاب ظن الذين يرون السعادة في الجانب المادي وحده، بل هي في الإسلام دعوة الحق لتكون الغاية منها هي الخلود والبقاء، وشتَّان بين الشكل المادي الزائل في سفينة الفضاء وبين الشكل الخالد والباقي في دعوة الحق في الإسلام.
ومن الصور الأدبية التي دبت فيها روح العصر قوله في القصيدة السابقة يحث المسلمين على التمسك بشريعتهم، فهي المعين الخالد الذي لا يفنى ولا يتبدل، بينما العلم الذي وصل إليه علماء الفضاء قد يتبدل ويتغير تبعًا لطبيعة العلوم التجريبية التي تختلف من عصر إلى عصر حسب حاجات الإنسان ومقتضياته، وظروف حاضره ومتطلباته، يقول1:
أيها المسلمون قد أصبح اليوم
…
شعاعًا مبشرًا بالهناء
فارتقوا في معارج المجد وابنوا
…
من صروح السلام نهج إخاء
وابتنوا في ذرى الأماجد صرحًا
…
تعتلى فيه دوحة السعداء
تصعد القادة العظام وتزجي
…
أممًا في مواكب العلياء
فترى العلم عندها بمكان
…
لا ينال ببيعها والشراء
إن للعلم دولة لا تسامي
…
قد حداها فطاحل العلماء
فانهلوا من معين عذب زلال
…
لا تغيض فيوضه بالفناء
منهل يطوي الليالي ويبقى
…
متعة للنفوس للنبلاء
يا رجال الإسلام أحيوا علومًا
…
من تراث مهذب الآراء
جددوا في العلوم من كل فن
…
واستنيروا بشرعة الأنبياء
سبقتنا إلى الفضاء شعوب
…
واستطارت على ذرى الأرجاء
وغزى عالم الفضاء فدوَّى
…
صوتها في مرابع الكبرياء
فبنو الشرق يفخرون بما قد
…
حققوه من موجبات الرخاء
وبنو الغرب قد تباهوا بعلم
…
سخروه في غزوهم للفضاء
شرعة الله أن نعيش كرامًا
…
وبنور ترقى ذرى الكرماء
1 الألمعيات: 17/ 19.
ومن الصور التي أخذت ثوبًا جديدًا أيضًا تصوير العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، يقول من قصيدة "جحافل المجد"1:
فلاذت بأذيال الفرار وإنها
…
لتشبه قردًا فر من أعسر اليد
وما زال فينا قوة وعزيمة
…
تصون بها الأبطال في كل مشهد
فالشاعر يصور حربًا حديثة على أمة إسلامية عربية، تصدت في شجاعة وقوة لدولتين كبيرتين آنذاك، ومن ورائهما صنيعة الاستعمار إسرائيل، لكنها دافعت في شجاعة وبسالة بقليل من العتاد والسلاح، فلاذ العدوان الثلاثي بالفرار كما يفرّ القرد من الرجل المجرد من السلاح؛ لأن العزيمة والقوة التي أشادتها الشريعة الإسلامية هي سلاح الأبطال في كل معركة من معاركنا الإسلامية والعربية.
وصورة جديدة أخرى غذيت بروافد جديدة من روح العصر وتياراته المعوجة التي حادت عن المنهج الإسلامي المستقيم، يقول في قصيدته "دعوى إلى درب الجهاد"2:
شغلتهم الثارات فيما بينهم
…
وتنكبوا نهج الصراط الأقوم
هذا يميني ورجعي، وذا
…
حزب اليسار يقال عنه تقدمي
بئس التهاتر ضاع في غمراته
…
أمل بوحدة صفنا المتثلم
هذه الأمة الإسلامية الواحدة قد مزقتها التيارات المعاصرة والمعادية للشريعة الإسلامية، وأصبحت أحزابًا متصارعة متطاحنة على حساب أمتها الإسلامية ولمصلحة أعدائها، فأصبحت بعض الشعوب توصب بالرجعية والتخلف في نظر الأعداء، حتي يكون ذلك منفذًا لطعن الإسلام وصرف أهله عنه، فيلهثوا وراء مدنيتهم الزائفة.
وبعض الشعوب الأخرى تجر أذيال المعسكر اليميني الغربي، والبعض كذلك عميل للمعسكر الأوروبي الشرقي اليساري.. صراعات حزبية بين أبناء الأمة الواحدة، ومهاترات تموج بالعداء والتمزق بين العالم الإسلامي، مما يؤدي إلى تبديد صفوفها، وتصدع وحدتها، فلا مكان لدولة ممزقة، ولا لشعوب متفرقة في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، فقد توحدت لهدف مشترك دول غرب أوروبا في السوق الأوروبية المشتركة لتواجه القوى في العالم، وبالأمس القريب كانت تموج فيما بينها الصراعات والعداوات، ولو ظلت كما كانت لذلّت لإحدى القوتين العظميين روسيا وأمريكا، التي التقت مصالحهما المشتركة اليسارية واليمينية في
1 الألمعيات: 55.
2 على درب الجهاد: 15.
هدف واحد وهو توحيد ضد الأمم الممزقة الضعيفة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
ومن الصور الجديدة أيضًا قوله1:
لا مجد للعرب ما دامت حناجرهم
…
في كل أمر تنادي هيئة الأمم
وكذلك الصور التي سبق ذكرها؛ حيث صوَّر الشاعر حرب باكستان وزنجبار وكشمير والقدس والفلبين، وصوَّر مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وردت في قصائد كثيرة.
والجديد في هذه الصور كلها يرجع إلى أنها استمدت روافدها من روح العصر، وتجاوبت مع تياراته الحديثة والقضايا الراهنة؛ لأن زاهر يعيش مع الأحداث بعقله ووجدانه، ويصورها بقدر ما تمده مدرسته المحافظة، والتي يأبى أن يتزحزح عنها إلّا قليلًا، لذلك كان زاهر من الشعراء المجددين المحافظين في شعر الجنوب خاصة، وفي الشعر السعودي بصفة عامة.
خامسًا: الوحدة الفنية
من القيم النقدية التي لا بُدَّ منها في الشعر الجيد حديثًا هي الوحدة الفنية، وهي تقوم على التلاؤم والانسجام في العمل الأدبي بين عناصر القصيدة كلها، وبين أركانها، فتتآلف الألفاظ والأساليب وصور الخيال والإيقاع والموسيقى مع التجربة الشعورية والعاطفة والوجدان والمعاني والأفكار التي تنمو داخل الغرض الأدبي من القصيدة.
وعلى ذلك فالوحدة الفنية تستلزم الوحدة الموضوعية، والوحدة في الغرض من القصيدة، حتى يتمّ التلاحم والتلاؤم بين المضمون والشكل، ولذلك نجد تناقضًا فيها للقصيدة التي تحتوي على غرضين، فالغرض الأول عند الموهبة الشعرية يأخذ شكلًا وأسلوبًا وتصويرًا وعاطفة يختلف عنه الغرض الآخر في الشكل والأسلوب والتصوير والعاطفة.
والوحدة الفنية في شعر زاهر قد اتخذت اتجاهين، فبعض القصائد قد التزم فيها الشاعر بالوحدة الفنية، فاشتملت على موضوع واحد من المطلع حتي النهاية، والبعض الآخر قامت القصيدة فيه على غرضين أدبيين، لا غرض واحد، مما يضطر الشاعر أن يزاوج في التصوير حسب اختلاف الغرض بما يتناسب مع كل غرض.
الاتجاه الأول: تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، وخاصَّة في ديوانه الثاني "على
1 على درب الجهاد: 42.
درب الجهاد"، فنرى بعض القصائد اشتملت على مقدمات غزلية في المطلع أو في الخاتمة، فمن المقدمات الغزلية التي أخذت موقعها من المطلع قصيدة "عودي إلى درب الجهاد"، بدأها الشاعر بالغزل العفيف الطاهر، ثم انتقل إلى غرض آخر وهو الجهاد في سبيل المسجد الأقصى، ويحذر المسلمين من انشقاقهم إلى أحزاب متصارعة من يمينية ويسارية ورجعية، يقول في المطلع1:
عودي فذكرك بالثناء على فمي
…
ومكان حبك من فؤادي في دمي
وتذكري محض الوداد أبثه
…
لحنًا فيحلو منك طيب ترنم
حتى إذا ندت طيوفك وانبرى
…
حبي يثلم بالصدود ويرتمي
أحجمت لا أرضى ببذل مودتي
…
إلّا لمؤتلق المناقب أكرم
وهكذا يصور الشاعر غزله العفيف في سبعة عشر بيتًا إلى أن يقول:
ثقتي تقول بأن ليلى برة
…
وغدًا سترجع والفؤاد لها ظمي
ولسوف يجمعنا الجهاد ونلتقي
…
ويضمنا ورد لمنهل زمزم
ويرمز الشاعر بليلاه إلى الوحدة الإسلامية الكبرى التي ينشدها في شعره؛ لتكون الأمة صفًّا واحدًا لمواجهة عدوها اللئيم، وتحرير المسجد الأقصى من بين أيديهم، ثم يتسلل في هدوء وانسياب بعد أن مهَّد للغرض في البيتين السابقين ليبدأ الغرض الأساسي من القصيدة فيقول:
المسجد الأقصى ويا لإهابة
…
حرّى مضرجة تحشرج في فمي
خجلًا وحزنًا من مواقف معشر
…
من مأثم يتخبطون بمأثم
شغلتهم الثارات فيما بينهم
…
وتنكبوا نهج الصراط الأقوم
وكذلك قصيدته "مشاعر الإلهام" ابتدأها بمقدمة غزلية، فاشتمل المطلع على الغزل الطاهر في تسعة عشر بيتًا يقول2:
طلعت فلاح اليمن في طلعاتها
…
وبدا جمال الورد في وجناتها
وسرى النسيم على مشارف ثغرها
…
تتضوع الأرجاء من نسماتها
ورنت بألحاظ الجفون نواعسًا
…
تتراقص الأطياف في ومضاتها
فتبسمت عن ثغر حسن باسم
…
فشقائق الأكمام من بسماتها
1 على درب الجهاد: 11/ 14.
2 على درب الجهاد: 29/ 33.
وهكذا يصور فتاة أحلامه في غزل عفيف طاهر، يشف عن روح المؤمن ومنهج المسلم، حينما يعبِّر عن غريزة النفس وهي الحب، يعبر عنها في تصوّن وطهر وعفة، لكي يمهد للغرض من القصيدة فيقول:
لكن أطيافي وإن جنحت بها
…
فتن الجمال تعف عن زلاتها
وتتوق أشواقي إلى سنن الهدى
…
فمشاعر الإلهام في رحباتها
ثم ينتقل إلى الغرض من القصيدة وهو الإشادة بالرسول الأعظم ورسالته الخالدة، فيعبِّر عن مشاعر الحب الصادق للرسول صلى الله عليه وسلم، وعن حبه للرسالة الخالدة، فيقول في ثلاثة وعشرين بيتًا1:
تمتد آفاقي وترقى همتي
…
سبل الجهاد أخوض في غمراتها
ويشدني حب النبي محمد
…
من شاد بالسمحاء مجد دعاتها
يا من حملت أبر قلب في الورى
…
وأعز نفس جانبت شهواتها
تهفو إليك قصائدي ومشاعري
…
في ظل هديك واصلت رحلاتها
وهكذا يستمر الشاعر في تصويره للغرض إلى آخر القصيدة.
وبتعدد الغرض يختلف التصوير الأدبي حسب كل غرض، فتصوير الغزل له اتجاهه وأسلوبه وألفاظه وصوره، وتصوير الحب الصادق للرسول العظيم ولرسالته الخالدة له ألفاظه وأسلوبه وصوره واتجاهه الذي يتناسب معه، ومن هنا تتمزق الوحدة الفنية في القصيدة الواحدة تبعًا لتعدد الأغراض فيها.
فإذا ما تأملنا مطلع هذه القصيدة في الغزل العفيف نرى الرقة في اللفظ، والحلاوة في الأسلوب، والسحر في التصوير، والتراقص للأطياف، وابتسام الثغور، وجمال الورود في وجناتها، وشقائق النعمان في بسماتها، وغير ذلك من الصور التي تتناسب مع الغزل، وإن كان هنا عفيفًا طاهرًا، لا ابتذال فيه ولا قبح، وكيف لا وهو مطلع لموضوع طاهر ورسالة خالدة.
وحينما ينتهي الشاعر إلى الغرض الأساسي من القصيدة يتخذ اتجاهًا آخر، وطريقة في التصوير الأدبي لهذا الموضوع، ولذلك تنعدم الوحدة الفنية بين المطلع وبين الغرض الأساسي الذي اقتضى من الشاعر أن يصوره بمنهج آخر يختلف عمَّا سبق فترى قوة في الألفاظ وجزالة في الأسلوب، وفخامة في التراكيب، مثل "امتداد الآفاق"، "وارتقاء الهمة إلى سبل الجهاد"، "خوض الغمرات"، "ويشدني حب محمد"، "من شاد بالسمحاء
1 الديوان السابق: 33/ 37.
مجد دعاتها"، وهكذا يكون التصوير الأدبي إلى نهاية القصيدة بما يتناسب مع النبي العظيم -محمد صلى الله عليه وسلم، ومع رسالته القوية الخالدة.
وعلى النمط المتنوع في الموضوع والغرض لا يمكن أن تتحقق الوحدة الفنية في القصيدة؛ لأن وحدة الموضوع والغرض لم تتحقق فيها.
والذي ينبغي ألَّا نغمط حق الشاعر فيه، أنه يحاول في قصيدته المتعددة الأغراض ألَّا يهبط بالغزل إلى الإسفاف والسفور المرذول، كما هو معروف في الغزل عند الشعراء القدامى والمحدثين؛ لأن الشاعر يدرك تمامًا الشرف في الغرض الثاني، فلا بُدَّ أن يكون هناك اتساق وتلاحم على نحوٍ ما مع المطلع بما يتناسب مع هذا الغرض، ولذلك لم يجد الشاعر بدًّا من أن يعبر عن طبيعته وعن خلقه الإسلامي، فيصور الحب وهو غريزة إنسانية في مظهرها اللائق بالمؤمن الحق، ويخلق المسلم كما ينبغي أن يكون.
ولهذا السبب لا يدرك القارئ كثيرًا في القصيدة عنده أنها قامت على غرضين، لصعوبة الفصل بين المطلع في الغزل العفيف الطاهر، وبين الغرض الأساسي الشريف، فكلاهما يعبر عنفس شفافة مؤمنة هذبتها شريعة الإسلام بأخلاقه السامية.
وكذلك تعدد الغرض في قصيدة "في ربا الحرمين"، فاستهلَّها بمطلع في الغزل العفيف مع ليلاه في خمسة أبيات يقول1:
سرى في هجعة المسرى تسامي
…
وترمق في تطلعها المراما
وكأن الشوق يحدوها ابتهاجا
…
ويذكي في مشاعرها الغراما
وفي جنباتها تمشي طيوف
…
كأطياف المحب إذا استهاما
فقلت لها وفي نبرات صوتي
…
وداد، أين أزمعت المقاما
فقالت: في ربا الحرمين أشدو
…
أناجي البيت والبلد الحراما
ثم ينتقل إلى الغرض من القصيدة، فيصور المآسي التي مزَّقت صفوف المسلمين وفرقت شملهم، فهبَّت رحى الخلاف والتنازع بينهم، مما يمزق قلب الشاعر، ويدمي مشاعره، ولا يجد سبيلًا أمامه إلَّا أن يحث المسلمين وهو في "منى" في هذه الأيام الطاهرة، يحثهم على التمسك بالشريعة والسير على منهجها، ونبذ الخلاف والنزاع حتي يعودوا صفًّا واحدًا في جسم الأمة الإسلامية، فيقول في تسعة وثلاثين بيتًا:
1 على درب الجهاد: ص97.
وعند الركن تنحسر الخطايا
…
ململمة حوائجها انهزاما
فتنشرح الصدور بطيب ذكر
…
أماط الكرب عنها والقتاما
سأعشق موطن القربى وإني
…
على حب القداسة لن ألاما
وكذلك في قصيدة "تحية المغرب العربي"، استهلَّها الشاعر بمطلع غزلي عفيف في ثلاثة عشر بيتًا يقول1:
عبقت بالنشر في أسنى مكان
…
وبدت شماء في أفق الزمان
وتهادت بين أزهار الربا
…
غضة هيفاء كالدر المصان
قلت يا حسناء إني مفعم
…
بوداد يتنامى في كياني
إلى قوله:
وانبرت ترهف سمعا كالذى
…
في الذرى يشتف أطياف الجنان
نظرت حينًا وقالت: إنني
…
ألمح الموكب خفاق الجنان
فإلى المغرب تنساب الرؤى
…
فتخطى شوقنا شمّ الرعان
وهنا ينتقل إلى الغرض الأساسي من القصيدة التي يعبر فيها الشاعر عن حبه الصادق للعرب، والمغرب البلد الإسلامي الشقيق، وعن الإيمان العميق بالأخوة العربية الإسلامية، ثم يربط ذلك بحضارة الإسلام في الأندلس؛ حيث كانت المغرب نقطة انطلاق الجيش الإسلامي في الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وذلك في ثمانية عشر بيتًا، يقول2:
أيها المغرب يا رمز الفدا
…
يا عرين الدين والمجد المصان
لك من قومي تحيات الوفا
…
لك من أرض الهدى غر الأماني
أنا في الشرق وفي الغرب معًا
…
ديني الإسلام والفصحى لساني
نحن من بغداد من أم القرى
…
من دمشق الشام أو من قيروان
وحد الإسلام من راياتنا
…
وبنانا للدنى خير كيان
نحن في المغرب في مهد العلا
…
معقل الأبطال في يوم الطعان
وهكذا إلى آخر القصيدة.
1 على درب الجهاد: 109/ 111.
2 الديوان السابق: 111/ 115.
وتعدَّد الغرض أيضًا "من قصيدة حرب رمضان" في مطلع غزلي عفيف يضم ثمانية أبيات يقول فيها1:
تثنت أمامي وهي لا تعرف الخطبا
…
وقالت: لهيب الحب في القلب قد شبَّا
تثنت بأعطاف وألوت بمعصم
…
ورنت بأنغام لتأسر لي قلبا
فكانت كغصن البان لامس فرعه
…
نسيم الصبا فاهتز من أنه عجبا
إلى قوله:
فلا تمتطي صهو السفاهة والردى
…
ولا تركبي في الحب مركبه الصعبا
وكوني مع الأحداث سبرًا لغورها
…
إذا انتظمت سلمًا أو اشتعلت حربًا
فلما أفلحت في موكب المجد أمة
…
إذا لم يكن درب الجهاد لها دربًا
ويتسلل إلى الغرض فيقول حتى نهاية القصيدة:
أتلك رحاب القدس ضجّت فروعت
…
قلوبًا وأزجت في ضمائرها رعبًا
أما قصيدة "في رحاب البيت" فيستهلها بالغرض الأساسي من القصيدة وهو الإشادة برسالة الإسلام الخالدة، وأثرها العظيم في الفتوحات العظمى وقهر الفرس والرومان، ثم أشاد بانتصارات المسلمين في حطين وذات الصواري؛ ليحث المسلمين في هذا العصر على استعادة مجد الآباء والأجداد، يقول في ثلاثة وعشرين بيتًا2:
أرى في رحاب الله منطلقًا رحبًا
…
يضم شتات الشمل مؤتلفًا خصبًا
وقد عظمت لله في مسمع الدنا
…
شعائر ما زالت لوحدتنا قطبًا
فبالأمس قد لبت جموع غفيرة
…
وشدت وثاق العزم وانطلقت وثبًا
إلى آخر الغرض، ثم يختم بليلاه في غزل عف طاهر3:
وما شمت من ليلاي إلّا تحفزًا
…
لترقى سماء المجد أو تبلغ الشهبا
فبوركت يا أرض القداسة والهدى
…
ولا زلت ميدانًا لآمالنا رحبًا
ولم تكن المطالع الغزلية وحدها هي التي زاوجت أغراضه الأدبية، ولكن هناك غرضًا آخر كان يتسلل من حين إلى آخر في أغراضه خلال قصائده، وهو "تحرير القدس"، وكثيرًا ما نجد
1 على درب الجهاد: 161/ 162.
2 على درب الجهاد: 20/ 24.
3 الديوان السابق: 25.
هذه القضية تسيطر على عقل الشاعر وحسه ووجدانه، فنراه ينظم القصيدة لغرض معين، ولأدنى ملابسة تنفجَّر شاعريته بقضية الساعة، وهي إعادة المسجد الأقصى إلى المسلمين، وكانت هذه الظاهرة في الديوانين، وأحيانًا يكون الغرض من القصيدة عامًّا يشمل القضية، فتندرج تحتها، ولا تعد غرضًا ثانيًا؛ لأن الموضوع يشملها، وحينئذ فالوحدة الفنية لا تفارق القصيدة، وذلك في مثل قصيدة "الحج الأكبر"1، فالغرض هنا يشمل أشتاتًا من الموضوعات تدخل تحت كلمة "مؤتمر"، وبهذا يأتي الشاعر بقضية فلسطين وتحرير القدس، ولا لوم عليه؛ لأن الموضوع عام تدخل فيه القضية.
وكذلك قصيدة "من رحاب البيت"2، وفيه تلتقي الشعوب المختلفة، ولكل شعب قضيته، ومن بينها شعب فلسطين، فهو يدخل في موضوع القصيدة.
وكذلك قصيدة "أم القرى ص82 الألمعيات"، وقصيدة "فرحة ولقاء ص95 الألمعيات"، في تحية الجيش السعودي الذي يعتبر القدس قضيته المعاصرة، وقصيدة "حماة المجد ص137 الألمعيات"، ومثل قصيدة "ضيوف الرحمن ص76 على درب الجهاد"، ومنهم أبناء فلسطين، وغيرها من القصائد التي وردت على هذا النمط.
أمَّا إذا كان الغرض خاصًّا وليس عامًّا، فينبغي ألَّا يكون لهذه القضية دخل فيها، وإن وجدت مكانها في القصيدة تعد مزدوجة الغرض، وذلك مثل قصيدة "دعوة الحق"3، وهي الإسلام، فيثني الشاعر من خلالها بغرض آخر، وهي قضية فلسطين، وبذلك يتعدد الغرض، فتتفك عرى الوحدة الفنية؛ لأن لكل غرض من هذين تصويره الأدبي الذي يتناسب معه، وذلك ما صنعه الشاعر في قصيدة "مجد الشباب" حينما أدخل فيها القضية، فزواج فيها مع الغرض الأساسي، وهو تصوير المجد الذي ينبغي أن يسعى إليه الشباب في مقتبل حياته.
ولقد تنبه لهذه الظاهرة الأستاذ عبد العزيز الرفاعي، وردَّ السبب في ذلك إلى روح الجندية التي بدأ بها زاهر حياته العملية يقول:
"وإذا روح الجندية قد انعكست على طموحه وآماله، فإنها أيضًا قد انعكست على ديوانه، فرأيته يشيد بالجهاد، ويحثّ على القتال في سبيل الله لنصرة فلسطين، ولإخراج الإسرائيليين من ثالث الحرمين"4.
1 الألمعيات: 33.
2 الألمعيات: 39.
3 على درب الجهاد: 119.
4 مقدمة الألمعيات: ص6.
ولا حاجة بنا إلى ذكر الشواهد هنا، فقد سبقت أمثلة كثيرة تدل على ذلك، فلنرجع إلى هناك.
الاتجاه الثاني: وهو الوحدة الفنية التي تتحقق في وحدة الغرض، وذلك في قصائد كثيرة، وخاصَّة في ديوانه الأول "الألمعيات"، وبعض القصائد في ديوانه الثاني "على درب الجهاد"، ولذلك تلاحم التصوير الأدبي مع الغرض والمضمون من القصيدة، من مطلعها حتى نهايتها، ولم يتخل الشاعر عن الوحدة الموضوعية والوحدة الفنية معها في هذا الاتجاه، لا في قليل، ولا في كثير.
وعلى سبيل المثال قصيدة "مواكب المجد"، وقصيدة "جحافل المجد"، "سد جازان"، "سد أبها"، "دولة الإسلام في ماضيها المجيد"، "صيحة الجهاد"، و"وحدة العرب"، "في مشاعر الحج"، "مؤتمر الفقه الإسلامي"، "فوق أرض الجنوب"، "فجعة الأيام"، "شريعة الله"، وغيرها من القصائد الكثيرة التي اشتملت على غرض واحد فقط، تلاحمت عناصره ومعانيه مع وسائل التصوير الأدبي من ألفاظ وأساليب وصور وإيقاع وموسيقي، والأمثلة الكثيرة من ذكرها في مواطن متفرقة، ومن القصائد التي تحققت فيها الوحدة الفنية "شريعة الله"1:
سطعت بنور الوحي في عرصاتها
…
فانزاحت الظلماء من جنباتها
في مكة الغراء قد بزغ الهدى
…
وتألق التوحيد في شرفاتها
وبشرعة الله الشريفة رفرفت
…
أطيارها وزهت على دوحاتها
أوحى بها رب البرية رحمة
…
واختار للتبليع خير هداتها
البلسم الشافي لكل عويصة
…
أعيت مخاطرها عقول أساتها
والمنهج الوافي تفوز به الدنى
…
لو عمَّ حكم الله كل جهاتها
عدل ومرحمة وحسن تعايش
…
بين الشعوب على اختلاف فئاتها
دين السلام على البسيطة كلها
…
دين أقام العدل في ساحاتها
الصف ساوى بين كل موحد
…
عند الصلاة تقام في أوقاتها
أما الزكاة فإنما هي بلغة
…
لابن السبيل ومنحة لجباتها
وإعانة للغارمين وقربة
…
تعطى الفقير فيغتني بصلاتها
ويفك منها الرق أو تعطى لمن
…
قد يألف الإسلام عند هباتها
وإذا نصبنا للجهاد لواءه
…
كان لمن يحتاج من نفقاتها
1 على درب الجهاد: 208/ 214.
والصوم ترويض على ترك الهوى
…
ووقاية للنفس من شهواتها
والحج آخى بين أمة أحمد
…
لا فضل بين سعاتها وسراتها
ألا بتقوى الله حكم عادل
…
جاءت به "الحجرات" في آياتها
أما الحدود فللبرية جنة
…
في ردعها لبغاتها وعتاتها
وشهادة التوحيد تهدي كل مر
…
تبك وتشفي النفس من آهاتها
هي فطرة والعقل قد نادى بها
…
بعد التأمل في عظيم صفاتها
الله قد فطر النفوس على الهدى
…
وأنار بالإسلام درب هداتها
والأرض قد أرسى بها أوتادها
…
والماء قد أجراه من طياتها
والروح أبرأها وأحكم خلقها
…
في لطفها في غيب سرياتها
أفلا ترى الأقمار في أفلاكها
…
تجري على المعلوم من دوراتها
الله أبدعها وأحسن صنعها
…
ودعا العقول لكشف محتوياتها
حسب المشرع للخليفة أنه
…
أدرى بما يجري على خطراتها
شتان بين مشرع بفطانة
…
ومشرع مبري الفطانة ذاتها
خسرت عقول حاولت بغرورها
…
تقليد من يدري بمخفياتها
تلك الملامح من جوانب شرعة
…
ينشق نور الحق من قسماتها
فاستمسكوا بنصوصها وعلومها
…
واستبسلوا في الذود عن حرماتها
فالقصيدة صورة دقيقة للوحدة الفنية، فالموضوع واحد من أول بيت إلى نهاية القصيدة وهو شريعة الله، والعاطفة فيها صادقة مع الموضوع؛ لأنها صورة صادرة من مؤمن يؤمن عن عقيدة وصدق بتعاليمها، والقوة في التشريع الإسلامي تجاوبت معها ألفاظ وأساليب وصور على شاكلتها من القوة والوضوح، والحقائق التشريعية لا تحتاج إلى خيال يزينها أو يبالغ فيها، وإنما كانت تقوم على أسلوب التقرير للحقائق ورصفها من خلال وجدان الشاعر وعاطفته الصادقة، أمَّا الإيقاع فهو ممتد عميق يصور الامتداد فيه كثرة حروف اللين بما يتناسب مع عمق الحقائق والتعاليم في التشريع الإسلامي، مع طول التفاعيل في البحر العروضي للقصيدة، حتى تتناسب مع المعاني العميقة والأفكار السامية.