الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث: مدرسة التحرر في التجديد
الفصل الأول: الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد
أولًا: التمييز بين "الرومانتيكية" الإبداعية وبين التحرر في التجديد
ينبغي أن نميّز بين ما شاع في العالم العربي من مذاهب أدبية حديثة وافدة من الغرب، وخاضعة لظروف الحياة في أوروبا، وبين مذاهبنا الأدبية العربية الأصيلة، والخاضعة لقيمنا العربية الإسلامية العريقة.
وبناء على هذا التمييز فإنني أجد مبالغة وغلوًّا وإسرافًا في تطبيق "الرومانتيكية" الغربية الأوروبية على شعرنا العربي، من بعض نقادنا العرب المعاصرين، وهم متجاوزون في ذلك كل التجاوز، ولن أقول:"إنهم مخطئون، ولكنهم مبالغون متجوزون إلى حد بعيد.. ولا أدل على ذلك من أن بعض الشعراء العرب أعتقد أنهم لم يقرأوا شيئًا عن المذهب "الفلسفي الرومانتيكي"، مثل شعراء هذه المدرسة التي نحن بصدد الحديث عنها، فلا يمكن أن تعد شعرهم شعرًا تقليديًّا، ولا محافظًا، بل متحررًا في تجديده، ومن العبث أن نطلق عليهم شعراء "رومانتيكيين" ابتداعيين، وإنما يجب أن يكون الشعار الذي يرفرف على مدرستهم من الواقع الإسلامي العربي، الذي يعيشه الإنسان الشاعر العربي المسلم.
ولهذه الأسباب أطلقت على مدرستهم الفنية، ومذهبهم الأدبي اسم "مدرسة التحرر في التجديد"؛ لأن مثل هؤلاء الشعراء في أي موطن عربي وإقليم إسلامي ليسوا مقلدين، ولا محافظين، بل تحرروا في الأغراض، وفي المعاني، وفي الأسلوب، وفي الخيال، وفي الصور، وفي القالب الموسيقي، وفي القافية، وفي منهج القصيدة، وفي النزوع إلى الذاتية، وفي التغني بالوجدان والمشاعر، وفي التغني بالأحاسيس والعاطفة الشخصية، وغيرها مما سنراه في خصائص مدرستهم بعد قليل.
ولتحديد التمييز بين "الرومانتيكية"، وبين مدرسة التحرر في التجديد، ينبغي أن أعرض في إيجاز طبيعة "الرومانتيكية"، حتى تتميز مدرسة التحرر في التجديد كما ذكرنا سلفًا.
وطبيعة "الرومانتيكية" في أوروبا قد ألحت على وجودها ظروف دافعة نابعة من واقع الحياة المرة التي كان يعيشها الإنسان الأوروبي في ظلال التَّزمُّت الكنسي، والتعصب الروحي، فقد انطوت تحت بلاط الكنيسة شتى النشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعلمية، مما أدى إلى التحجُّر والجمود، وكلاهما كانا منطلقًا للثورة على الكنيسة، وللتحرر من عبوديتها، وفي ظلال ذلك نشأت "الرومانتيكية" الثائرة على الروتين الكنسي الديني، وعلى العقل الجامد المتزمّت الخاضع لبلاط الكنيسة.
ومن هنا حملت "الرومانتيكية" مذهبًا جديدًا أطلق الحرية للشاعر، وأفسح للمشاعر الذاتية في نفسه، فانطلق يتغنى بوجدانه وأحاسيسه الفردية، هائمًا وراء عاطفته المستعرة.
ولهذا كانت "الرومانتيكية" ثورة على سلطان العقل، وتمردًا على القيود القديمة "الكلاسيكية"؛ لتتخطى العاطفة والوجدان والمشاعر حواجز التزمت والجمود، الذي فرضه العقل والروتين والاحتذاء والتقليد على الواقع الإنساني حتى القرن السابع عشر الميلادي.
وما دامت "الرومانتيكية" قد تحررت من هذه القيود، كان بالضرورة أن تتحرر من الموضوعية، لتنطلق مع الشعر الغنائي، الذي يعبر عن ذات الشاعر من خلال الاتجاهات العاطفية، والقضايا الاجتماعية، على اعتبار أن الشاعر جزء من المجتمع الذي يعيشه أو يتجاوب معه، أو هو قطعة حية منه، ولذلك حطم الشعراء الرومانتيكيون" نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو التي تعبدت "الكلاسيكية حتى القرن السابع عشر الميلادي.
في القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت "الرومانتيكية" في فرنسا على يد "جان جاك روسو 1722- 1778م"، وفولتير، وهيجو، ولامرتين، وبيرون، "ومدام دي ستال 1766-1817م"، "وشاتو بريان 1768-1848م"، وسواهم.
كانت طبيعة "الرومانتيكية" التمرد على الالتزام المتحجر بالقيود التقليدية، والثورة على التطبيق الحرفي للقواعد الفنية "الكلاسيكية"، لكنهم احتفظوا بروح القواعد القديمة التي تجعل الشعر فنًّا جميلًا ممتعًا، وأدبًا رائعًا جذابًا، يفيض حيوية من خلال معاصرته.
ولذلك يبدو الفرق واضحًا بين تحطيم القواعد والخصائص الفنية من أساسها، بحيث لا يبقى لها أثر مطلقًا، وبين الخروج عن الروتين الجامد فيها، فالخروج يتيح للشاعر استعمال القواعد "الكلاسيكية"، لكن من خلال النظرة المعاصرة، وعن طريق التوليد لها بما يتناسب مع مقتضيات الإنسان من داخل نفسه، عن طريق التجرد من هموم العصر وأثقاله، والتحرر من سلطان الواقع وكابوس الروتين، ولو أثناء تجسيم التجربة الشعورية الذاتية في بناء العمل الفني، مهما كان الوقت قصيرًا في تحقيق ذلك.
وهذه الملامح لطبيعة "الرومانتيكية" لا تلتقي في كل الوجوه مع ما ينشأ في الأدب العربي الحديث من مدارس تتشابه لها، وإن اتفقت معها في بعض الخصائص، ومنها صفة الإنسانية التي يشترك فيها كل إنسان في العالم مهما اختلفت مشاربه واتجاهاته.
ولكن يظل الفرق واضحًا من حيث الظروف، والدواعي، والأسلوب، والاتجاه الأخلاقي، والمزاج الشخصي النامي من بيئة معينة.
والاتجاه الأخلاقي النابع من قيم البيئة الأوروبية الغربية يتناقض تمامًا مع الاتجاه الأخلاقي النابع من البيئة العربية الإسلامية، فالبيئة الأولى تنشد من ورائه تحقيق الذات والشهوة من خلال البناء المادي الصرف للحياة السعيدة في تصوره القاصر والمحدود.
والبيئة الثانية تنشد من أدبها تحقيق السعادة للذات من خلال بناء الحياة المتكامل، والمرتبط بالقيم النبيلة في تحقيق النمو الضروري للقوة والعزة، ودفع التقدم للنشاط المادي اللازم في بناء الحياة وتطورها، ليكون ذلك وسيلة لتحقيق السعادة للإنسان طوعًا لأمر الله عز وجل، واستجابة لاستخلافه في الحياة، وابتغاءً لمرضاته في اتخاذ الوسائل والأسباب1.
وهذا هو جوهر الفرق بين الطبيعتين: الذاتية المادية الصرفة في مذاهب "الرومانتيكية"، والإنسانية السامية النبيلة في "مدرسة التحرر في التجديد"، قال تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .
ثانيًا: عوامل تكوين مدرسة التحرر في التجديد
ماجت الحياة الأدبية والحركة الشعرية في المملكة العربية السعودية كسائر الأقطار العربية الأخرى، وذلك من خلال المدارس الأدبية الحديثة، وفي ظلّ المذاهب النقدية المعاصرة.
ومن أهمها في العالم العربي "مدرسة الديوان" و"مدرسة المهجر" و"مدرسة أبولو"، وغيرها من المدارس الحديثة التي دفعت كثيرًا من الشعراء في المملكة العربية السعودية إلى أن تسير على نهجها، وأن تتبع طريقتها في تناول الشعر، وصياغته ونظمه، ومضمونه، وخياله وصوره، وأغراضه، وقالبه الموسيقي، فظهر مذهب جديد في الشعر السعودي بصفة عامة، وفي شعر الجنوب "عسير" بصفة خاصة، "ألا وهو""مذهب التحرر في التجديد"، الذي يسير في واقعنا العربي الإسلامي جنبًا إلى جنب مع المذهب الابتداعي "الرومانتيكي" في أوروبا حديثًا2.
1 انظر: الرومانتيكية: د. محمد غنيمي هلال، مذاهب النقد وقضاياه: د. عبد الرحمن عثمان 1975 مطابع الإعلانات الشرقية، الأدب العربي الحديث ومدارسه د. محمد عبد المنعم خفاجي، المحمدية بالأزهر، وغيرها
2 انظر: الحركة الأدبية: د. بكري شيخ أمين، الأدب العربي الحديث ومدارسه د. محمد عبد المنعم خفاجي، وغيرهما.
وأصبح لهذا المذهب العربي الأصيل في الأدب العربي الحديث عشاقه وشعراؤه، وكأن واقع الشاعر في حاضره ومعاصرته يدفعه إلى هذا الاتجاه، ويجعله دائمًا يصطدم أمام المطامع العظيمة لتحقيق رغباته وآماله، ويجد الشاعر نفسه أمام العقبات والسدود، فيفيق من هذه الصدمة العنيفة، ليجد نفسه أمام طريقين لا مناص منها:
أحدهما: طريق الشكوى والحزن والألم، والنزوع إلى الفردية، والتغني بالذاتية، والشعور بالوحدة، والإيواء إلى العزلة، والاختلاء بالنفس، فيأنس الشاعر إلى شعره الذي يعتصر هذه المآسي، ليكون عوضًا عن تحقيق رغبته نوعًا ما.
ثانيهما: الهروب إلى الطبيعة من الحياة التي تموج بصراعات الأحياء والناس، لينسوا واقعهم المرير، ويبثوا الشكوى إلى مظاهر الكون من جبال ووديان وأشجار وبلابل، وسماء، وكواكب، ومياه رياح وعواصف، وورود وأزهار، وأنهار وبحار، وغابات وزروع، وغير ذلك من مناظر الطبيعة الخلابة، وعرصاتها الجذابة، فيتجاوب معها الشاعر في عطف وحب وعناق ويسبّح بروحه إلى ما وراءها، ويهيم بأودية الأحلام والأوهام، فينمي هذا الاتجاه الانطواء والعزلة، والتشاؤم والحذر، والطيرة والتطير.
ومن خلف هذين الطريقين يلح على الشاعر المعاصر تيار الصراع المادي الطاغي مع القيم ومقتضيات الحياة، وحاجاتها الضرورية والكمالية، فإن استجاب للقيم وحدها وسدد خطاه بمبادئه السامية أصبح في نظر المعاصرين متخلفًا رجعيًّا، وقطعة بالية قديمة ينبغي أن تهمل وتغيب عن الوجود كما ذهبت في الماضي، وإن استجاب الشاعر للجانب المادي الصرف وحده، ليجاري واقع العصر المادي المسرف في المادية انقطعت صلة الحاضر بالماضي، وتجرَّدت القيم النبيلة التي يكون بها الإنسان إنسانًا، وانقطعت صلة الإنسان بخالقه وبارئه، وحيئنذ تكون الكارثة، وينداح الشاعر بين التيارين العنيفين في قلق واضطراب لا يستقر على حال، حتى تتراءى له في غياهب الظلام سفينة النجاة من بعيد، يمخر بها عباب الماء المتكاثف من ضاب التيارين المتعانقين: القيم والمادة ممتزجان في توازن واتزان، وتلاحم وانسجام، وتلك هي فطرة الإسلام الكامل للحياة والناس، لأنه دين ودنيا، قيم وتشريع، تهذيب وبناء للحياة.
ولا أدلّ على الاتجاه الأول المسرف في جانب واحد فقط من قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .
ولا أدل على الاتجاه الثاني من التوازن والاتزان من قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، والفرق بين الأيتين كالفرق الجوهري بين المادية المسرفة في أوروبا والغرب، وبين قيم التشريع الإسلامي في أمة الإسلام في الشرق.
ثالثًا: الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد
من خلال هذه العوامل وتلك الظروف، ومن واقع طبيعة البيئة العربية الإسلامية تشكَّلَت لهذه المدرسة خصائص فنية تدل على مذهبهم الأدبي، تحققت في شعرهم، وصارت من سمات فنهم الأدبي ومميزاته، فالشعراء ينتحون شعرهم من معينه، ويصبون وابلهم من براكينه الملتهبة، وينساب تصويرهم الشعري من منابعه الثرارة المتدفقة، وهذه القيم الفنية بإيجاز هي:
- التعبير عن ذات الشاعر، وتصوير أحاسيسه ومشاعره الذاتية، والعناية بالطابع الشخصي.
- شيوع الشكوى والألم، والحزن والمرارة، والكآبة والتشاؤم، والعزلة والغربة.
- الهروب إلى الطبيعة، والاندماج في مظاهرها، وترك المدينة، والترنم بالريف الساحر البسيط.
- الدعوة إلى أدب جديد، ينصف الطبقة المظلومة من أي نوع من الظلم، ولو ظلم النفس لذاتها، وهذا يحتاج إلى الخيال المحلق الجموح.
- التمرد على النماذج الشعرية القديمة، بمعنى الحرية في المنهج والموضوح والتصوير والقالب، فليس عندهم موضوع صالح للشعر، وآخر غير صالح؛ لأن الشاعر يسجل ما يراه؛ لأنه يرى ما يسجل.
- تحطيم قواعد الشعر الاتباعي "الكلاسيكي" القديم، والهيام بالشعر الغنائي العاطفي.
- تفسير النص الشعري مرتبطًا بصاحبه الذي ابتكره؛ حيث لا يتضح النص إلَّا بتوضيح العلاقات بينه وبين صاحبه.
- الاهتمام بالوحدة الفنية، والموضوعية، والعضوية، وكذلك الاتساق الموسيقي، والانسجام في الإيقاع والنغم1.
- الابتعاد عن الأسلوب المباشر، والهيام بالوحي والإيحاء في التعبير، وبث الأضواء والظلال في جوانب العمل الفني.
- معالجة القضايا الاجتماعية من خلال ذات الشاعر وأحاسيسه ومشاعره.
- الحرص على الالتزام بالقيم الإسلامية والخلق في الشريعة الإسلامية، حيث يستمد التصوير الأدبي وروافده من ذلك.
1 انظر: الأدب الحديث ومدارسه: د. محمد عبد المنعم خفاجي، الرومانتيكية والنقد الأدبي الحديث: د. محمد غنيمي هلال.
- التحرر الذي ينشده في شعره قد ينسيه قواعد الأسلوب الصحيح، فلا يستيقظ في شعره عن أخطاء أصابته من ناحية اللغة والاستقامة والفصاحة والأسلوب والعامية، والخروج عن الأولى كما سنرى في مكانه.
- يسير الشاعر أغوار نفسه، ويعشق التأمل حول الجزئيات العميقة، ويجعل من الحبة قبة كما يقولون.
- يتسم بالعالمية في تصوير الجوانب الإنسانية والقيم الفاضلة والأخلاق السامية.
هذه أهم الخصائص الفنية لمدرسة التحرر في التجديد، والتي سنراها مجسمة في شعر هذه المدرسة الجديدة في المملكة العربية السعودية بصفة عامة، وفي شعر الجنوب "بإمارة عسير" بصفة خاصة، وفي مدرسة التحرر في التجديد ظهر شاعران طبع شعرهما في ديوان "في متاهات الحياة" للشاعر أحمد علي سعد عسيري - صدر في جدة عام 1393هـ-1973م"، وقدم له الشاعر الكبير محمد حسن عواد.
والشاعر الثاني أحمد بهكلي، ظهر ديوانه الأول "الأرض.... والحب" عام "1398هـ-1978م" نادي جازان الأدبي، وظهر ديوانه الثاني "طيفان.... على نقطة الصفر" عام "1400هـ-1980م" النادي الأدبي بجازان.
ولا زال على ساحة الجنوب شعراء ينتمون لهذه المدرسة، نقرأ لهم القصيدة المرة بعد المرة، ولم تظهر شخصيتهم من خلال شعرهم، فلم يصدر لهم حتى الآن ديوان شعر، أو انعقدت فوق رءوسهم دراسات أدبية تحفزهم على تجسيد شعرهم في حيز الشيوع والظهور في المجال الأدبي والنقدي.