الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ فَقَدْ لَبَّسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَفْصِلَ مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ فَيَتَّبِعَ الْحَقَّ وَيَتْرُكَ الْبَاطِلَ، وَكُلّ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ أَيْضًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُخَالِفُ شيئًا من النَّقْلَ الصَّحِيحَ، كَمَا أَنَّ الْمَنْقُولَ الثابت عَنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُخَالِفُ بَعْضُ ذلك بَعْضًا، وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّ تَنَاقُضَ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} وَنَسْأَلُ اللَّهَ العظيم أَنْ يَهْدِيَنَا إلى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم: صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
فصل
*
وأما السؤال عن الإمام إذا استقبل القبلة في الصلاة هل يجوز لأحد أن يتقدم عليه، وهل تبطل صلاة الذين يتقدمون إمامهم
؟
والجواب: إن السنة للمؤتمين أن يقفوا خلف الإمام مع الإمكان كما كان المسلمون يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا صلى الإمام بواحدٍ أقامه عن يمينه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس لما قام يصلي معه بالليل، فوقف عن يساره فأداره عن يمينه وجدته (1) في «الصحيحين» وكذلك في الصحيح - مسلم - من حديث جابر أنه أوقفه عن يمينه، فلما جاء جابر بن صخر أوقفهما جميعًا خلفه، فلهذا كانت السنة إذا كان المأمومون اثنين فصاعدًا يقفوا خلفه، وإن وقف بين الاثنين جاز؛
(1) قال المحقق: (كذا في الأصل، ولعل الصواب: وحديثه).
كما وقف ابن مسعود بين علقمة والأسود وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك. وقد قيل: إنما ذاك لأن أحدهما كان صبيًّا.
وأما الوقوف قدام الإمام [ففي صلاة المأموم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل إنها تكره] فهذا هو المشهور في مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: لا تصح الصلاة مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو المشهور من مذهب أحمد عند كثيرٍ من أصحابنا، على ما نقل عنه من إطلاق القول، ولكن نصوصه تدل على الفرق كما سنذكره.
والثالث: أنه إن تقدم لحاجةٍ صحت الصلاة وإلا فلا، وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد، وأهل هذا القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاة خلفه لزحمة أو غيرها - كما قد يحصل في الجمع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا - فالصلاة أمامه جائزة، وقد نصَّ أحمد على ما قضت به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية أن المرأة تؤم الرجال عند الحاجة كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وهم لا يقرءون، وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صف الرجال فلا تكون أمامهم، فنصَّ على أن المأمومين في هذا الموضع يكونون قدام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا تكون المرأة في صف الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على
الرجال أو مصافة المرأة للرجال، مع أنه سُئل عن المرأة إذا وقفت في صف الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين يحاذونها؟ فتوقف في ذلك، ومسائل التوقف تخرج على وجهين، وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حالٍ وحالٍ، وجواز التقدم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز وتصلى بدونها، وكذلك ما يشترط للجماعة يسقط بالعجز ويصلى بدونه كصلاة الخوف التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة، والتزم لأجل الجماعة أمورًا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلف الصف الثاني عن عن متابعته كما في صلاة عسفان (ومثل مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار) الطائفة الثانية القعود كما في صلاة ذات الرقاع، ومثل استدبار القبلة والعمل الكثير كما في حديث ابن عمر إلى أمثال ذلك، ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما لو فعله منفردًا بطلت صلاته، مثل كونه إذا رآه ساجدًا أو منتصبًا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحق بالجواز من تقدمه على الإمام للحاجة.
وبهذا تأتلف النصوص جميعها، وعلى ذلك تدل أصول الشريعة، فإن جميع واجبات الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال الكعبة، وستر العورة، واجتناب
النجاسة، وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك، إذا عجز عنه المصلي سقط، وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرًا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلاً عن تركها، فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة مع ترك ذلك الواجب خيرًا من تفويتها وصلاة الرجل وحده. ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] خلف الفاسق والمبتدع، يأمرون بأن يُصلى خلفه ما يتعذر صلاته خلف غيره كالجمعة والعيدين وطواف الحج (1)، ونحو ذلك من الجُمَع والجماعات التي أن لَم (2) تصلى خلف ذلك الفاسق والمبتدع خيرًا (3) من أن يصلي الرجل وحده. وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر (4) الأمير ثم يتبين له فيما بعد أنه كان مذنبًا فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمر أميرًا فلم ينفذ أمره فقال:«ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري» وإصراره على ترك تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقدح في دينه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلوه خلفه، وقد أَمَّر الذي أمر أصحابه بدخول النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لو دخلوها لما خرجوا منها» ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ولاه فأنزل الله {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم الصدقة، هذا إن كان معه جماعة يصلي بهم، وقد أخبر عن الأمراء الذين يكونون
(1) قال المحقق: (كذا في الأصل). اهـ. قلت: لعل صوابها: (وصلاة الحج بعرفة)، كما في كتابات أخرى لشيخ الإسلام.
(2)
قال المحقق: (كذا في الأصل).
(3)
قال المحقق: (كذا في الأصل).
(4)
كذا في المطبوع، والصواب:(يؤمّر).
بهذه (1) أنهم يستأثرون ويظلمون الناس وأنهم يمنعون الناس حقوقهم ويطلبون حقهم، ومع هذا فنهى عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة، حتى إن من كان منهم يؤخر الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها ويصلوا خلفهم ويجعلوها نافلة، فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي عن الفرقة، وقد صلى أصحابه - كابن عمر وغيره - خلف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج وخلف المختار ابن أبي عبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يُعِد أحدٌ من الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«سيكون في ثقيف كذاب ومبير» فالكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحدٌ من الصحابة بالإعادة. وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر بإقامة الصف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة لمن صلى خلف الصف» ورأى رجلاً يصلي وحده
(1) كذا في المطبوع.