الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3)
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
لمؤرخ الإسلام الحافظ شمس الدين الذهبي
(673 - 748 هـ)
تحقيق
أبي عبد الله حسين بن عكاشة
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
الحمد لله وحده
هذه نبذة من سيرة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه ما ألفه الشيخ الإمام العلَاّمة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي الشافعي - تغمدهما الله تعالى برحمته ورضوانه - قال:
ابن تيمية
تقي الدين الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية، الإمام الحبر البحر، العلم الفرد، شيخ الإسلام، ونادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد، الحراني الحنبلي، نزيل دمشق.
ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وهاجر والده به وبإخوته إلى الشام عند جور التتار، فسار بالليل بهم وبالكتب على عجلةٍ لعدم الدواب، وكاد العدو أن يلحقهم، ووقفت العجلة، فابتهل إلى الله واستغاث به؛ فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين فسمعوا من / الزين بن عبد الدائم «نسخة ابن عرفة» وغير ذلك، ثم سمع شيخنا الكثير من
ابن أبي اليسر والكمال بن عبدٍ والمُحدِّث ابن عساكر - أصحاب الخشوعي - ومن الجمال يحيى بن الصيرفي، وأحمد بن أبي الخير سلامة، والقاسم
الإربلي، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وأبي الغنائم بن علان، وخلق كثير.
وسمع «مسند أحمد» مرات، والكتب الكبار والأجزاء، وعُني بالحديث، ونسخ جملة صالحة، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثم أَقْبَل على الفقه، وقرأ [أيامًا] في العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب
سيبويه حتى فهمه، وبرع في النحو.
وأقبل على التفسير إقبالاً كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ما بلغ ابن بضع عشرة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه.
ونشأ في تصوُّنٍ تامٍّ، وعفافٍ / وتألهٍ وتعبدٍ، واقتصادٍ في الملبس والمأكل.
وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره فيتكلم ويُناظر ويُفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبَّ على الاشتغال.
ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرَّس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره [و] بَعُدَ صيته في العالم، وأخذ في تفسير
الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، وكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذا كان يورد الدرس بتؤدةٍ وصوتٍ جهوريٍّ فصيحٍ، فيقول في المجلس أزيد من كراسين أو أقل، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أوصال بخط سريع إلى غاية التعليق والإغلاق.
قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدين عَلَم الشافعية في حق ابن تيمية: كان إذا سُئِل / عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم بأنه لا يعرف أحد مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء. قال: ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
قلت: وله خبرةٌ تامةٌ بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفةٌ بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحدٌ في العصر رتبته ولا يُقاربه، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يَصْدُق عليه أن يُقال:«كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديثٍ» . ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من / بحرٍ، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي. وأما التفسير فمسلَّم إليه، وله في استحضاره الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيَّر فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطلاعه بَيَّنَ خطأ كثيرٍ من أقوال المفسرين، ويوهي أقولاً عديدة، وينصر قولاً واحدًا موافقًا لما دَلَّ
عليه القرآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد.
وما أُبْعِد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد، وله في غير مسألةٍ مصنفٌ مفردٌ في مجلدٍ كمسألة التحليل، ومسألة حفير، ومسألة من سَبَّ الرسل، ومسألة «اقتضاء الصرط المستقيم» في ذم البدع، وله مصنف في الرد على ابن المطهر الرافضي في ثلاث مجلدات كبار، ومصنف في الرد على تأسيس التقديس للرازي في سبع مجلدات، وكتاب في الرد على المنطق، وكتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في مجلدين، وقد جمع أصحابه / من فتاويه نحوًا من ست مجلدات كبار.
وله باعٌ طويلٌ في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقَلَّ أن يتكلم في مسألةٍ إلا ويذكر فيها مذاهب الأئمة الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة وصنف فيها، واحتج لها بالكتاب والسنة.
وله مصنف سماه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» ، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» .
ولما كان معتقلاً بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له مروياته، وينص على أسماء جملةٍ منها، فكتب في عشر ورقات جملةً من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدِّثٍ يكون.
وله الآن عدة سنين لا يُفتي بمذهبٍ معينٍ، بل بما قام عليه الدليل عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يُسْبَق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَرَ هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر / والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يُداهن ولا يُحابي، بل يقول الحقَّ المُرَّ الذي أَدَّاه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله والتعظيم لحرمات الله، [فجرى] بينه وبينهم حملاتٌ حربيةٌ ووقعاتٌ شاميةٌ ومصريةٌ، وكم من نوبةٍ قد رموه عن قوسٍ واحدةٍ فينجيه الله؛ فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أورادٌ وأذكارٌ يُدمنها بكيفية وجمعية.
وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء ومن الجند والأمراء ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهارًا بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته فبها يُضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وبخطلو شاه / وببولاي، وكان قفجق يتعجب من إقدامه
وجراءته على المغول.
وله حدة قوية تعتريه في البحث حتى كأنه ليثُ حرب.
وهو أكبر من أن يُنَبِّه مثلي على نعوته؛ فلو حلفتُ بين الركن والمقام لحلفتُ أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم.
وفيه قلة مداراة وعدم تؤدة غالبًا، والله يغفر له.
وهو فقير لا مال له، وملبوسه كأحد الفقهاء - فرجية، ودلق، وعمامة - يكون قيمة ثلاثين درهمًا، ومداس ضعيف الثمن، وشعره مقصوص، وعليه مهابةٌ، وشيبه يسير، ولحيته مستديرة، ولونه أبيض حنطي اللون، وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، ويصلي بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها، وربما قام لمن يجيء من سفرٍ أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، والكل عنده سواء؛ فإنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحن لأحدٍ قط، وإنما يُسَلِّم ويُصافح ويبتسم، وقد يُعظِّم جليسه مرة، ويهينه في المحاورة مرات.
ولما صنف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان / وتسعين تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا بها على قصبة من جهة القاضي الحنفي، ونُودي عليه بأن لا يُستفتى، ثم قام بنصره طائفة آخرون، وسَلَّم الله.
فلما كان في سنة خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن معتقده، فجمع له القضاة والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم، فقال: أنا كنت قد سُئلت عن معتقد السنة فأجبت عنه في جزء من سنين، وطلبه من داره، فأُحضر وقرأه، فنازعوه في موضعين أو ثلاثةٍ منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقدٌ سلفيٌّ جيدٌ، وبعضهم قال ذلك كرهًا.
وكان المصريون قد سعوا في أمر الشيخ ومالأوا الأمير ركن الدين الششنكير -
الذي تسلطن - عليه فطُلب إلى مصر على البريد، فثاني يوم دخوله اجتمع له القضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصب ابن عدلان له خصمًا، وادعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي أن هذا يقول: إن الله تكلم / بالقرآن بحرفٍ وصوتٍ، وإنه تعالى على العرش بذاته، وإن الله يُشار إليه الإشارة الحسية، وقال: أطلب عقوبته على ذلك. فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فيقل له: أسرع، ما أحضرناك لتخطب. فقال: أُمنع من الثناء على الله؟ ! فقال القاضي: أجب فقد حمدت الله. فسكت، فألح عليه، فقال: فمن الحاكم فيَّ؟ فأشاروا له إلى القاضي ابن مخلوف، فقال: أنت خصمي فكيف تحكم فيَّ؟ ! وغضب وانزعج، وأُسكت القاضي، فأُقيم الشيخ وأخواه، وسجنوا بالجب بقلعة الجبل، وجرت أمور طويلة، وكُتب إلى الشام كتاب سلطاني بالحط عليه، فقُرئ بجامع دمشق، وتألم الناس له. ثم بقي سنة ونصفًا وأخرج، وكتب لهم ألفاظًا اقترحوها عليه، وهُدِّد وتُوُعِّد بالقتل إن لم يكتبها، فأقام بمصر يُقرئ العلم ويجتمع خلق عنده، [إلى] أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود فتحزب عليه صوفية وفقراء / وسعوا فيه، وأنه يتكلم في صفوة الأولياء، فعُمل له محفل، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردوه على مرحلة من مصر، ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القضاء سنة ونصفًا، فجعل أصحابه يدخلون إليه في السرِّ، ثم تظاهروا؛ فأخرجته الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وحُبس ببرج منها، وشيع بأنه قُتل، وأنه غرق غير مرةٍ، فلما عاد السلطان من الكرك، وأباد أضداده، بادر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرمًا، واجتمع به وحادثه وسارره بحضرة القضاة والكبار، وزاد في إكرامه، ثم نزل وسكن في دار، واجتمع بعد ذلك بالسلطان، ولم يكن الشيخ من رجال الدولة، ولا سلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به، فلما قدم السلطان لكشف العدو عن الرحبة جاء الشيخ إلى دمشق سنة اثنتي عشرة. ثم جرت له أمور ومحن ما