الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: المصافحة عقب الصلاة
استبان لنا فيما سبق: أنّ المصافحة عند اللقاء سُنّة، بمراعاة ما قيل بشأن مصافحة المرأة الأجنبيّة، ومدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء. وسُنِّيّة المصافحة هذه تتحقّق بدون شك عند كلِّ لقاء، حتى ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة، طالما كان ذلك بسبب اللقاء. وهذه المصافحة بعد أداء الصلاة، وعلى هذا السبب - وهو: اللقاء - لا تخرج عن حُكمها الأصلي، وهو القول بأنها سُنّة، على معنى أنّ كونها عقِب الصلاة لا يُخرجها عن هذا الحُكم لأنها حدثَتْ بسببٍ غير الصلاة وهو اللقاء؛ وهذا لا نزاع فيه.
إنما الخلاف في حُكم ما اعتاده كثير من المسلمين من المصافحة عقِب الصلاة، أي: عقِب التسليم، لدرجة أنهم يَحرصون عليها حتى أنها أصبحت محلّ مواظبة منهم؛ وهذا ما دفَع بعض العلماء للتخوّف من أن يظُنّ البعضُ أنها من شعائر الصلاة، وأنّ الصلاة لا تكتمل إلا بها. فاختلف الرأي في هذا الشأن، مما يستلزم تحقيق
القول الآن في هذا الخلاف، لنستنير بحُكم الشرع على هُدًى وبصيرة، لنقول: إنّ الخلاف في هذا على مذهبيْن:
المذهب الأوّل: يرى أنّ المصافحة عقِب الصلاة مُباحة ولا شيء فيها، ولا تأثيم لفاعلها، حتى أنّ بعض هؤلاء قال باستحبابها، تحقيقاً للتعارف والتراحم بعد فراغهم من الصلاة، كأوّل واجهة لهذا عقب الصلاة.
واستدلّ هؤلاء بما يأتي:
أ - ما أخرجه البخاري عن شعبة عن الحَكم قال: سمعت جحيفة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضّأ ثم صلّى الظهر ركعتيْن والعصرَ ركعتيْن وبيْن يديْه عَنَزَةٌ". قال شعبة: وزاد فيه عون عن أبيه عن أبي جحيفة1 قال: "كان يمُرّ من ورائها المرأةُ. وقام الناس فجعلوا يأخذون يديْه فيَمسحون بها وجوهَهم. قال: فأخذتُ يَدَه فوضعْتُها على
1 أبو جحيفة السوائي الكوفي: اسمه وهب بن عبد الله، من صغار الصحابة، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُراهق. وسكن الكوفة، وولي بيت المال والشرطة لعليّ. ومات في ولاية بشر بن مروان على العراق. وهو آخر مَن مات بالكوفة من الصحابة عام 67هـ.
راجع: سير أعلام النبلاء للذهبي 3/202، والأعلام للزركلي 8/125.
وجْهي؛ فإذا هي أبْرَد من الثلج وأطْيَب من رائحة المسك"1.
فقد دلّ هذا على وقوع المصافحة بعد الصلاة، حيث ورد فيه: أنّ الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يأخذون بيده صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة، أي: يصافحون ثم يمْسحون بيده وجوهَهم بعد ذلك2.
ونوقش هذا: بأنّ أخْذ الصحابة ليَديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مقصوداً به التّبرّك بيديْه الكريمتيْن. ويدلّ على هذا: أنهم كانوا يَمسحون بهما وجوهَهم. والمتعارَف عليه بين المسلمين: أنّ المصافِح لغيره لا يمسحُ وجْهَه بيدِ مَن صافَحَه؛ هذا فضلاً عن أنّ المصافحة تتم باليد الواحدة، والوارد في الحديث أنّ الصحابة كانوا يأخذون بكلْتا يديْه الشريفتيْن. وفي هذا: الدلالة على أنّ المقصود مِن فعْلِهم هذا هو: التبرك بيدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيَستلمونها ويمسحون بها وجوههم، كما كانوا يتبرّكون بشَعر النبي صلى الله عليه وسلم3، وعَرَقِه4، وفضْلِ
1 أخرجه البخاري 3/1304.
2 راجع: فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام صفحة 390.
3 على نحو المروي في البخاري 1/75.
4 كما أخرج الإمام مسلم 4/1815.
وضوئه1؛ وهذا لا يتأتّى لغيْر النبي ص. وعلى هذا، فالحديث لا يدلّ على مشروعية المصافحة عقِب الصلاة على نحو ما زعَمْتُم.
ب - أنه على فرْض التسليم بأنّ المصافحة عقِب الصلاة بِدْعة، إلاّ أنها بِدْعة حسنة أو مباحَة لا حَرج فيها. وهذه بعض الأقوال الدّالّة على هذا:
* ما قاله سلطان العلماء العز بن عبد السلام/ في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" بعد أن قسّم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة، ومحرّمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة، ثم قال للبدعة المباحة بقوله:"وللبِدَع المباحة أمثلة: ومنها: المصافحة عقيب صلاة الصبح والعصر"2.
* وقد قال الإمام النووي /: "واعْلَمْ: أنّ هذه المصافحة مستحبّة عند كلِّ لقاء. وأمّا ما اعتاده الناس في المصافحة بعد صلاتَيْ الصبح والعصر، فلا أصْل له في الشرع على هذا الوجْه، ولكن لا بأس به؛ فإنّ أصل المصافحة سُنّة، وكونهم حافظوا عليها
1 راجع: صحيح البخاري 2/976.
2 راجع: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 2 /338.
وفي بعض الأحوال، وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يُخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورَدَ الشّرع بأصْلها"1.
* وقد وجدْت الحافظ ابن حجر ينقل هذيْن القوليْن للعز بن عبد السلام وللنووي، ثم يقول:"وللنظر فيه مجال؛ فإنّ أصل صلاة النافلة سُنّة مُرغَّب فيها، ومع ذلك فقد كَرِه المحقِّقون تخصيصَ وقت بها دون وقت. ومنهم مَن أطلق تحريمَ مثْل ذلك، كصلاة الرغائب التي لا أصل لها"2.
هذا، وقد نقل الشيخ محمد السفاريني كلام الحافظ ابن حجر، وقال:"ويتوجّه مثْل ذلك عقِب الدروس ونحوها من أنواع مجامع الخيرات"3.
كما أنّ المستقَرّ عليه لدى معظم القائمين على الفتوى هو: استحباب المصافحة عقِب الصلاة مطلقاً، حتى وإن سبقت المصافحة بين المتصافحين قبل الصلاة، لأنّ الصلاة غيبة حُكمية –يعنى: يغيب
1 راجع: المجموع 4/476، والأذكار المنتخبة في كلام سيد الأبرار صفحة 240.
2 راجع: فتح الباري 11 / 57.
3 راجع: غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب صفحة 1/328.
فيها المصلي عمّن حوله بانشغاله بها في رحاب الله عز وجل –، فتلحق بالغيبة الحسية1. وهذا الحُكم من استحباب المصافحة عقِب الصلاة عموماً، يتوجّه مع فعْل المصافحة بعد الصبح والعصر على نحو ما ورد في الحديث، باعتبار أن تخصيص هذيْن الوقتيْن - الصبح والعصر - لما روى أنّ ذيْنك الوقتيْن لنزول ملائكة وصعود آخَرين، إذ تَنزل ملائكة الليل عند العصر وتصعَد عندها ملائكة النهار، وتنزل ملائكة النهار عند الصبح وتصعد ملائكة الليل؛ فاستُحبّت المصافحة هنا عقب الصلاة للتّبرّك بمصافحتهم، فضلاً عن المصافحة المستحبّة عقب كافة الصلوات2.
ونوقش هذا: بأنّ القول بتقسيم البدعة إلى ذات أقسام الحُكم التكليفي الخمسة: قول مردود، حيث ردّه كثير من العلماء؛ ومن هؤلاء: الإمام الشاطبي / الذي بالغ في الرّدِّ على من قال به ممّن يرَوْن أنّ البدعة قد تكون واجبة أو محرّمة أو مندوبة أو مكروهة أو مباحة. فقد ورد في "الاعتصام": "إنّ هذا التقسيم أمْر مخترَع لا يدلّ عليه دليل شرعي؛ بل هو في نفسه متدافع لأنّ حقيقة البدعة
1 راجع: الفتوحات الربانية 5/397.
2 راجع: الفتوحات الربانية 5/397.
أن لا يدُلّ عليها دليل شرعي، لا من منصوص الشرع ولا من قواعده؛ إذ لو كان هنالك ما يدلّ من الشرع على وجوبٍ أو ندبٍ أو إباحةٍ لما كان ثَمّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخيّر فيها. فالجمع بين عدِّ تلك الأشياء بِدَعاً وبيْن كون الأدلّة تدل على وجوبها أو ندْبها أو إباحتها جمْعٌ بين متنافِيَيْن"1.
وممّا يؤكِّد هذا المعنى: ما رواه جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطَب احمرّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدّ غضبُه، حتى كأنه مُنذِرُ جيش يقول: صَبَّحَكُم وَمسَّاكم. ويقول: "بُعثْتُ أنا والساعة كهاتيْن"، ويقرن بين أصبِعَيْه السّبّابة والوسطى. ويقول: "أمّا بعد، فإنّ خيْرَ الحديث كتابُ الله، وخيْرَ الهدْيِ هدْيُ محمّدٍ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلّ بدْعةٍ ضلالة" 2، وما روي عن العرباض بن سارية3 رضي الله عنه قال: "صلّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم
1 راجع: أبا إسحاق الشاطبي 1/139.
2 أخرجه مسلم 2/592، وابن ماجة 1/17.
3 العرباض بن سارية السلمي، من أعيان أهل الصّفّة، سكن حمص، وروى أحاديث. وكُنيتُه: أبو نجيح. توفّي عام 75هـ.
راجع: سير أعلام النبلاء 3/419.
وَعَظنا موعظةً بليغة، ذرفَتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنّها موعظةُ مُودِّع؛ فأوْصِنا. فقال:"أُوصيكُم بتقْوى الله، والسمعِ والطاعةِ وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنّه مَن يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافاً كثيراً؛ فعلَيْكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرّاشِدِينَ المهديِّين. عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ! وإيَّاكُم والمحدثَات! فإنّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعة! "، وفي رواية:"وإيَّاكُم ومُحْدَثَات الأُمور! فإنّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضلالة! "1.
وهكذا، فلفظ:"كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة" و"كُلّ بِدْعَةٍ ضَلالَة" يدلّ دلالة واضحةً على عدم صحَّة هذا التقسيم.
المذهب الثاني: يرى أنّ المصافحة عقِب الصلاة دون سبب إلاّ الصلاة بِدْعة، ولا يصحّ فعْلها، ويُنَبَّهُ فاعلُها على ترْكها. ومن هؤلاء مَن ذهب إلى أكثر من هذا وقال:"بأنها مكروهة"2.
هذا، وقد اعتمد أنصار هذا المذهب على أمْر واحد، ودعَّموه بالنقول الدالة عليه، وتعضيد ما قالوه؛ وذلك الأمرُ المعتبر مسنداً لهم هو: أنّ المصافحة عقِب الصلاةِ أمْرٌ مُحدَث لم يَثبُتْ وُرودُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف، فيحكم بِرَدِّه لِئلَّا يُؤدِّي
1 أخرجه أبو داود 4/200، والترمذي 5/44.
2 راجع: فتاوى العز بن عبد السلام صفحة 389، 390، ومجموع الفتاوى لابن تيمية 23/339، وفتح الباري 11/57، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 7/515.
ذلك إلى اعتقاد العامّة سُنِّيَّةَ هذا العمل، ورمْي التّاركين له بالتقصير والخطإ.
أي: أنّ هذا الصنيعَ لمَّا لم يفعَلْه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُؤثَرْ عن أحدٍ من الصحابة أو السلف الصالح يفإنّه يكون مردوداً لِما ثَبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَن أحْدث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهُو ردٌّ" 1، وفي رواية أخرى:"مَن عَمِل عملاً ليس عليه أمْرُنا، فهو رَدٌّ"2. من أجْل هذا، كانت المصافحة بعد التسليم من الصلاة مَرْدودةً، ومحكوماً عليها بأنها بِدْعة؛ وذلك لأنها من المحْدَثات التي لم يَفْعلْها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحدٌ من السلف، خاصة وأنه قد يُخشَى من أنّ المواظبة عليها قد تُؤدِّي بالعامة إلى اعتقاد سُنِّيَّتِها في هذا الموضِع – أي: عقب الصلاة -، وربما دفَعَهم هذا الاعتقادُ إلى الإنكار على مَن تَرَكَها.
وفي هذا يقول ابن عابدين: "إن المواظبة عليها بعد الصلوات خاصّة قد تُؤدِّي بالجَهَلة إلى اعتقادِ سُنِّيَّتِها في خصوص هذه
1 أخرجه البخاري 2/959، ومسلم 3/1343.
2 أخرجه البخاري 2/753، ومسلم 3/1343.
المواضع، وأنّ لها خصوصيةً زائدة على غيرها"1. والواقع على خلاف هذا، ممّا يترتّب عليه من مشاكل بين الناس، خاصّة العوامّ منهم؛ فالأوْلى عَدُّها بِدْعةً ويُتحرَّي البعد عنها. ويقول ابن عابدين أيضاً: "ونقل في تبين المحارم عن "الملتقط": أنه تُكره المصافحةُ بعد أداء الصلاة بكلِّ حال، لأنّ الصحابة رضي الله عنهم ما صافحوا بعد أداء الصلاة، ولأنها من سنن الروافض – يعني: الشيعة -.
وقد سُئل العزّ بن عبد السلام عن المصافحة عقيب الصلاة فأجاب: "المصافحة عقِب الصبح والعصر من البِدَع، إلاّ لِقادم يجتمع بمَن يُصافِحه قبْل الصلاة؛ فإنّ المصافحة مشروعة عند القدوم. و"كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بعد الصلاة بالأذكار المشروعة، ويستغفر ثلاثاً، ثم ينصرف". ورُوي عنه أنه قال:"ربِّ قِنِي عذابَك يومَ تَبعَثُ عبادَك"2. والخير كُلُّه في اتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم3.
1 راجع: رد المختار على الدر المختار 9/547، 548.
2 أخرجه مسلم 1/492، ونصّه عن البراء بن عازب قال:"كنّا إذا صلّيْنا خلْف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببْنا أن نكون عن يمينه يُقْبِل علينا بوجْهه. قال: فسمعْته يقول: "ربِّ قِني عذابك يوم تبعث –أو تَجمَع- عبادَك"".
3 راجع: فتاوى العز بن عبد السلام صفحة 389، 390.
ونقل ابن عابدين كذلك عن ابن حجر عن الشافعية: أنّها بِدعة مكروهة لا أصل لها في الشرع، وأنّه يُنبَّه فاعِلُها أوّلاً ويُعذر ثانياً، ثم قال:"وقال ابن الحاج من المالكية في "المدخل" إنها من البدع. وموضوع المصافحة في الشرع إنما هو عند اللقاء، أي: لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات. فحيث وضَعَها الشرع يَضَعُها؛ فيُنهَى عن ذلك ويُزجَر فاعِلُه لِما أتى به من خلافِ السُّنّة"1.
وقال القاري: "فإنّ محلّ المصافحة المشروعة: أوّل الملاقاة. وقد يكون جماعة يتلاقَوْن من غير مصافحة، ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدّة مديدة، ثم إذا صَلَّوْا يتصافحون؛ فأين هذا من السُّنّة المشروعة؟ ولهذا صرّح بعضُ علمائنا بأنّها مكروهة حينئذ، وأنّها مِن البِدَع المذمومة. نعم، لو دخل أحدٌ المسجدَ والناسُ في الصلاة، أو على إرادة الشروع فيها، فبعْد الفراغ لو صافحهم –لكن بشرط سبْق السّلام على المصافحة -، فهذا مِن جملة المصافحة المسنونة بلا شُبهة"2.
1 راجع: رد المختار على الدر المختار 9/547، 548.
2 راجع: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4/575.
وردّ العلامة بشير الدين القنوجي على مَن أجازها رداً بليغاً، ثم قال:"وكذا المصافحة والمعانقة بعد صلاة العيديْن من البِدَع المذمومة المخالفةِ للشّرع"1.
كما أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية قد سئل عن المصافحة عقيب الصلاة: هل هي سُنّةٌ أم لا؟ فأجاب: "الحمد لله. المصافحةُ عقيب الصلاة ليستْ مسنونة، بل هي بِدْعة"2.
وقال اللّكنوي الحنفيّ: "وممّن منَعَه: ابن حجر الهيتمي الشافعي، وقطب الدين بن علاء الدين الحنفي، وجعله الفاضل الرومي في "مجالس الأبرار" مِن البدع الشنيعة حيث قال: المصافحة حسَنة في حال الملاقاة، وأمّا في غير حال الملاقاة مثْل كونها عقِب صلاة الجمعة والعيديْن كما هو الحال في زماننا، فالحديث سكَت عنه فيبقى بلا دليل. وقد تقرّر في موضعه أنّ ما لا دليل عليه فهو رَدّ، ولا يجوز التقليدُ فيه بل يُرَدّ، لما رُوي عن عائشة مرفوعاً: "مَن أحدث في أمْرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ" 3، أي: مردود؛
1 راجع: تحفة الأحوذي للمباركفوري 7/515.
2 راجع: مجموع فتاوى ابن تيمية 23/339.
3 تقدم تخريجه صفحة 118.
فإنّ الاقتداء لا يكون إلاّ بالنبي ص. على أنّ الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية صرّحوا بكراهيّتها وكونِها بِدعة".
ثم قال: "والذي أقول: إنهم اتّفقوا على: أنّ هذه المصافحة ليس لها أصل في الشرع. ثم اختلفوا في الكراهة والإباحة. والأمر إذا دار بين الكراهة والإباحة، ينبغي الإفتاء بالمنع فيه، لأنّ دفْع مضرّةٍ أَوْلى مِن جَلْب مَصلَحة، فكيف لا يكون أوْلى مِن فعْل أمر مباح؟ على أنّ المصافِحِين في زماننا يَظنّونه أمراً حسناً، ويُشنِّعون على مانِعه تشنيعاً بليغاً، ويُصِرُّون عليه إصراراً شديداً.
والعجب من صاحب "خزانة الراوية" حيث قال فيها في "عقد اللآلئ": قال عليه السلام: "صافحوا بعد صلاة الفجر، يَكتُب الله لكم بها عشْرَ حسنات"، وقال عليه الصلاة والسلام:"صافِحوا بعد العصر، تُؤجَروا بالرحمة والغفران"، ولم يتفطّن أنّ هذيْن الحديثيْن وأمثالَهما موضوعان، وضَعَهما المصافحون. فإنّا لله وإنا إليه راجعون"1.
1 راجع: السعاية في الكشف عما في شرح الوقاية لأبي الحسن اللكنوي صفحة 264، 265.
ويقول الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري: "والمصافحة في أدبار الصلوات بِدْعة"1.
الترجيح: إنّ مَن يتصفّح ما انتهى إليه الخلاف فيما نحن فيه الآن بشأن حُكم المصافحة عقِب الصلاة، يلحظ أنه لا أثر يُذكر لهذا الخلاف، خاصّة وأنّ فعْلَها لم يَضُرَّ، ومَن قال بأنّها بدعة أو مَن قال بكراهتها لم يستند على دليل واضح صريح يَمنعُها، خاصة من الأئمة المعتمَدين وفقهاء المذاهب المختلفة، بل وقف عند مجرّد عَرْضٍ لبعض نُقول ولو أنّها ثابتة إلاّ أنها تُعبِّر عن رأي أصحابها. ورغم أنّ المصافحة عقِب الصلاة لم يَقُم دليل من الشرع على فعْل السّلَف لها في أعقاب الصلاة، ففي ذات الوقت لم يَرِدْ دليلٌ صريحٌ على مَنْعِها أو النّهي عنها أو ذمِّ من قام بها. وعلى هذا، فلا مانع من التصافح عقِب الصلوات، ولا خوف في الواقع مِن ظنِّ العوامِّ بِسُنِّيَّتِها بسبب المداومة عليها فيذُمُّون مَن يَتْرُكها، لأنّ عادة المسلمين أن يتصافحوا عند اللِّقاء وعند الانصراف. ولعلّ في هذا الإشعار بدوام الأُلفة والحبِّ والتّراحم بين الناس، استدامةً لما كان
1 راجع: السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات صفحة 61.
بينهم داخل الصلاة، خاصة لو كانت هذه المصافحة بالأيدي مواكِبةً لتصافح القلوب والأفئدة.
وفي هذا يقول الإمام النووي: "واعلَمْ: أنّ هذه المصافحة مستحبّة عند كلِّ لقاء. وأمّا ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتَي الصّبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجْه، ولكن لا بأس به؛ فإنّ أصْل المصافحةِ سُنّة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يُخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورَد الشرع بأصلها"1.
ويقول الشيخ السفاريني بعد أن نقل كلام الحافظ: "ويتوجّه مثلُ ذلك عقِب الدروس ونحوها من أنواع مجامع الخيرات"2.
وقد أفتى الشيخ حمزة النشرتي وغيره باستحباب المصافحة عقب الصلوات مطلقاً، أي: وإن صافَحَه قبلها، لأنّ الصلاة غيْبة حُكمية فتُلحق بالغيْبة الحسية3.
1 راجع: الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار للنووي صفحة 240.
2 راجع: غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب 1/328.
3 راجع: الفتوحات الربانية 5/397.
ويقول الشيخ محمد الحامد: "والمُجيزون أخذوا بإطلاق طلب المصافحة فيما ورد من أدلّتها الشرعية، وهي - وإن لم يَقُم دليل خاص على فعْل السلف لها في أعقاب الصلاة - فليس هناك دليل يَمْنع مِن فعْلها حينئذ؛ وعلى هذا لا يُنهَى عنها. غير أنّ المانعين لها لحظوا أنّ المداومة عليها في أدبار الصلاة يجعل منها سُنّة في أنظار الجاهلين فإن تَرَكها أقاموا عليه النّكير ورَمَوْه بالخطإ والتقصير"1.
غير أنّ هذا مردود عليه: بأنّ عقلاء المسلمين يَفهمون جيِّداً استحبابها، والواقع شاهد على أنهم لم يُعنِّتوا مَن يَترك المصافحة عقب الصلاة، ولم يَرمُوه بالذَّمِّ والتقصير مثلما خاف المانعون، لِفَهْم الناس حُكم الشرع بشأنها، وأنّها من المباحات، وأنه لا بأس بها خاصة وأنها بحسب أصْلها سُنّة عند كلِّ لقاء. ومن حيث إنّ الصلاة قائمة أصلاً على التلاقي والتراحم والتّصافي بالقلوب والجوارح والأفئدة، فلا معنىً لمنْع الناس من ذلك، خاصّة وأنّ التصافح يُؤلِّف بين القلوب ويربط بين الأفئدة، ويزيل ما قد يكون
1 راجع: ردود على أباطيل وتمحيصات لحقائق دينية 1/100.
عالقاً بالنفوس قبل الشروع في الصلاة. فالمصافحة على هذا النحو تُعَدُّ مظهَراً من مظاهر الحبِّ العامة، لاسيما لو كان ذلك التصافح بالقلوب مع الأيدي؛ ولهذا كانت المصافحة عقب الصلاة أوْلى، لتحقيقها للتواصل بين المسلمين، وتقْوية أواصر الأُلفة والإخاء بين الناس، ليخرجوا من الصلاة مُجتمِعين غير متفرِّقين. ومما يؤيِّد ما ارتاحت إليه النفس هنا: أنَّني وجدْتُ الذين يُرجِّحون المنعَ يَلحظون – والحمد لله - مَلْمَح أدب الإسلام ومراعاة الشعور والتسامح بين الناس خاصّة عقِب الصلاة، وبسبب ما يُبادر به المصافح لمن بِجواره في الصلاة، وذلك توفيقاً بين المذهبيْن في هذا الخلاف الذي لا طائل من ورائه، فقال هؤلاء: إنّ التعامل مع المتصافحين يجب أن يكون متمشِّياً مع مقاصد الشريعة لإشاعة الحب والصفاء بين الناس، عملاً بقوله سبحانه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} 1؛ فمَن مدَّ يدَه لجاره في الصلاة مصافحاً بعد الصلاة، سواء مع القول:"حَرماً"، أو "تقبّلَ الله منّا ومِنكم"، أم بدونهما، فلْيمُدَّ يده إليه برفْق ولِين مبتسماً في وجْهه،
1 سورة النحل: الآية 125.
مبادلاً له بالتحية، وفي غاية الهدوء وبدون أيّة غضاضة أو إشعاره بالذنب أو الخطيئة، وإن كان هو لا يفعل هذا وليس من دأْبه المصافحة، فلا يُخطِّئ الآخَرين ولا يجعلها مشكلةً. فلا محلّ للنِّزاع - خاصّة عقِب الصلاة - بما ولّدتْه في الإنسان من صفْو الخاطر وما أحدثتْه من إذابة الفوارق وإراحة النفوس؛ ولهذا فمِن غير اللائق بأن يُعرِض المصلِّي عن مصافحة غيره، أو يَنزِع يدَه من يدِه في عنف، أو أن يَعبس في وجْهه، لأنّ هذا من الجفاء الذي لا يزيد المخالِفين إلاّ شروداً ونفوراً.
وفي هذا يقول الشيخ القاري: "ومع هذا، إذا مدّ مسلمٌ يدَه للمصافحة، فلا ينبغي الإعراضُ عنه بجذْب اليدِ، لِما يترتّب عليه من أذًى يزيد على مراعاة الأدب"1.
وهكذا، أرى من المحتّم عليَّ الآن: التنبيه إلى عدم جدوى النِّزاع في هذا، وأنّ ما يترتّب على القِيل والقال بشأن المصافحة عقب الصلاة أشدُّ مِن فعْلها؛ بل إنّ حدوث المصافحة بحسب أصلها وما تُحدثه في القلوب، فضلاً عن كونها عقب الصلاة وغالباً
1 راجع: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4/575.
ما تكون في بيت من بيوت الله سبحانه، أوْلى وأحسن في صنيعِه في نفوس المصلِّين، بالمقارنة مع النِّزاع بشأنها. وقد يحدث ما لا تُحمد عُقباه بسبب الجدل والنِّزاع؛ فلم تقع الصلاة موقعَها اللائقَ بها من تصفية النفوس وإزالة ما قد يكون علِق بها من مُنغّصات الحياة المادية - والله سبحانه وتعالى أعلم.