المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثالث: حكمة مشروعية المصافحة - المصارحة في أحكام المصافحة

[عبد الناصر بن خضر ميلاد]

الفصل: ‌المطلب الثالث: حكمة مشروعية المصافحة

‌المطلب الثالث: حكمة مشروعية المصافحة

المقرّر لدى عامّة المسلمين: أنّ الإسلام قد حرص على إشاعة روح الصفاء والإخاء بين الأفراد، بما يُحقِّق لهم كلَّ ما من شأنه إحداث الودّ والسعادة في الدنيا ليعود هذا على دينهم حباً وتنمية لكلِّ ما يقرِّب إلى الله سبحانه، فيسعدوا في الدارين؛ ولهذا فقد شرع الله ـ فضيلة إفشاء السلام بين المؤمنين، وجعل هذا الصنيع علامة على الحب في الله ولله سبحانه، ورتّب على هذا بعد تحقّق الإيمان دخولَ الجنة.

فقد ورد من رواية الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن سلام1 رضي الله عنه قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس، أفْشوا السّلام، وأطعِموا الطعام، وصَلُّوا باللّيل والناسُ نيام، تَدخلوا الجنة بسلام"2.

1 عبد الله بن سلام بن الحارث، قيل: إنه من نسل يوسف بن يعقوب. أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. شهد مع عمر فتح بيت المقدس، وأقام بالمدينة المنورة إلى أن مات بها عام 43هـ.

راجع: الأعلام للزركلي 4/ 90.

2 أخرجه الترمذي 4/652، وأحمد 5/451، وابن ماجة 1/423.

ص: 27

كما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أوَلا أدُلُّكم على شيء إذا فعلْتموه تحاببْتم؟ أَفْشوا السّلام بينكم"1.

هذا فضلاً عن أنّ الإسلام قد حثّ أيضاً على حُسن استقبال المسلم لأخيه، فرغّب في طلاقة الوجه وبشاشة صاحبه عند اللقاء، وجعل ذلك صَدَقة يرتفع بها أجر صاحبها. فقد روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحقرَنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلْقَى آخاك بوجْهٍ طلْق"2. وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ معروف صدقة. وإنّ من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك" 3. والمعروف أنّ طلاقة الوجه هي: تهلُّله بالانشراح والابتسام عند اللقاء4.

1 أخرجه مسلم 1/74، وأحمد في مسنده 2/391.

2 أخرجه مسلم 4/2026 والإمام أحمد في مسنده 5/173.

3 حديث حسن أخرجه الترمذي في البر والصلة رقم 4/347، وأحمد في مسنده 3/360.

4 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علاء الصديقي 3 /164.

ص: 28

وفي هذا يقول الشيخ شمس الدين البديري1:

بشاشةُ وجْهِ المرْءِ خيرٌ من القِرى2

فكيف بمَن يأتِي به وهو ضاحِكُ3

وعلى هذا، كانت المصافحة مع البشاشة وطلاقة الوجه خيرَ دليل على الودّ والصفاء والمحبة بين المتصافحين؛ وهذا من أوجُه حُسن الإسلام وقوّة الإيمان بالله. فإلقاء السلام إيذانٌ بالأمان قولاً، والمصافحة مع البِشْر توكيد لهذا الأمان.

ولذا كانت المصافحة من تمام التحية؛ فمِمّا رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود قولُه: "مِن تمام التحية: الأخْذُ باليد"4. وفي

1 شمس الدين البديري هو: محمد بن محمد شمس الدين أبو حامد البديري الحسيني الشافعي الدمياطي، من علماء مصر توفي سنة 1140هـ.

راجع: عجائب الآثار لعبد الرحمن الجبرتي 1/139.

2 قريت الضيف أقرِيهِ، وقِرى الضيف: قصْعَة أو جفنة أو عُسّ، وهو ما يُقدّم إلى الضيف.

راجع لسان العرب لابن منظور 15/174، والمصباح المنير للفيومي 2/501، والمعجم الوسيط لإبراهيم حسن الزيات صفحة 732.

3 راجع: المستطرف في كل فن مستظرف لمحمد بن أحمد الأبشيهي صفحة 856.

4 راجع: جامع الترمذي 5/75.

ص: 29

حديث ابن ماجه: "وتمام تحيّتِكم بينكم: المصافحة"1.

هذا، ويُستحبّ تقديم السلام على المصافحة؛ فيسلِّم المسلم على أخيه أوّلاً عند اللقاء، ثم يُصافحه. فقد روى جندب رضي الله عنه "أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لَقِيَ أصحابه لم يصافحْهم حتى يُسلِّم عليهم"2.

كما يُستحب عند المصافحة كذلك: حمْدُ الله تعالى، فيقول:"يغفر الله لنا ولكم"؛ وذلك فيما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا التقى المسلمان فتصافحا، وحمِدا الله واستغفراه، غفر لهما" 3، وفي رواية أخرى ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أيّما مسلمَيْن التقَيا، فأخذ أحدُهما بِيد صاحبه فتصافحا، وحمِدَا الله تعالى جميعاً، تفرّقا وليس بينهما خطيئة"4.

1 أخرجه أحمد في مسنده 5/259، والترمذي 5/75، والروياني في مسنده 2/290، والبيهقي في شعب الإيمان 6/472 من حديث أبي أمامة الباهلي.

2 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 2/176.

راجع: مجمع الزوائد 8/36، وفيض القدير 5/160.

3 أخرجه أبو دواود 4/354، وأبو يعلى في مسنده 3/234.

4 أخرجه أحمد 4/289، وأبو داوود 4/354، وابن ماجة 2/1220 من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وصححه الألباني.

ص: 30

ويستحب أيضاً: الدعاء عند المصافحة والمفارقة؛ فقد ثبت في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه "أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لقِيَه الرّجل من أصحابه مسَحه –يعني: صافحه - ودعا له"1. وهكذا روى أنس قال: "ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" 2.

هذا، فضلاً عن أنه يُستحبّ كذلك: ألاّ يَنزع المصافحُ يدَه من يد المصافح له حتى يَنزع هو؛ وذلك على نحو ما استبان لنا عند الحديث عن كيفيّة المصافحة.

1 أخرجه ابن حبان في صحيحه 4/68.

2 راجع: عون المعبود لشمس الحق العظيم آبادي 14/81، والأذكار المنتخبة للنووي صفحة 241.

ص: 31