الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: بيان المحرّمات من النساء
تحريم النساء يتّخذ عِدّة صوَر هي أسباب له، لأنه قد يكون بسبب النسب، وقد يكون بسبب الرضاع، كما أنه قد يكون بسبب المصاهرة. وفي الفروع الآتية، نستوضح هذا بما يناسب ظروف البحث.
الفرع الأول: المحَرَّمات بالنسب
ما حرم من النساء بسبب النّسب سبْعٌ هنّ:
1 -
الأمّهات: وهنّ كلّ مَن انتسب إليهنّ بولادة، سواء وقع عليها اسم "الأمّ" حقيقة -وهي: التي ولدَتْك - أم مجازاً - وهي: التي ولدَت مَن وَلَدَك وإنْ عَلَتْ، كالجَدّات: أمّ الأمّ، وأمّ الأب وإنْ عَلَوْن - بصرف النظر عن كونهنّ وارثات مِن عدَمه، وذلك لقوله سبحانه:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} 1.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 -
البنات: وهنّ كلّ أنثى انتسبَتْ إليك بولادتك، كالبنت الصّلبيّة، وبنات البنين والبنات وإنْ نزَلْن، وارثات أو غير وارثات؛ فكلّهن بنات محرّمات، لقوله تعالى:{وَبَنَاتُكُمْ} 1.
3 -
الأخَوات: وهذا يشمل ما يُطلق عليه اسم: "أُخت"، سواء كانت الأخت من الأبويْن، أمْ كانت من الأب، أمْ من الأمّ؛ أي: من الجهات الثلاث، وذلك لقوله تعالى:{وَأَخَوَاتُكُمْ} 2.
4 -
العَمّات: وهنّ أخواتُ الأب مُطلقاً، يعني: سواء كانت العمّة من الأبويْن – أي: شقيقة للأب -، أمْ كانت مِن الأب، أمْ مِن الأمّ. ويَأخذ نفسَ الحُكم هنا أخواتُ الجدّات قريباً كان الجَدّ أمْ بعيداً، وسواء كان وارثاً أم لا، لقوله تعالى:{وَعَمَّاتُكُمْ} 3.
5 -
الخالات: وهنّ أخوات الأمِّ من الجهات الثلاث، يعني: سواء كان ذلك من جهة الأب والأمّ، أمْ من جهة الأب فقط، أمْ من جهة الأمِّ. وكذا أخوات الجَدّات وإنْ عَلَوْن؛ فكلّ جَدَّةٍ أمٌّ، وكلّ أُخت لِجَدّة خالة محرّمة، لقوله تعالى:{وَخَالَاتُكُمْ} 4.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 راجع: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 5/300.
3 سورة النساء: الآية 23.
4 سورة النساء: الآية 23.
6 -
بناتُ الأخ: وهنّ كلّ امرأة انتسبَتْ إلى أخيك بولادة مِن أيّ جهة كان ذلك الأخ، يعني: سواء من الأبويْن، أمْ مِن الأبِ، أمْ مِن الأمِّ؛ فهي بنت أخ مُحرّمة، لقوله تعالى:{وَبَنَاتُ الأَخِ} 1.
7 -
بناتُ الأخْت: مِن أيّ جهة كانت تلك الأخت؛ وذلك لقوله تعالى: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} 2.
الفرع الثاني: المحرَّمات بالرّضاع
وهنّ بمِثْل المحرَّمات من النسب؛ فكلّ امرأة حرمتْ من النّسب حرم مثْلُها من الرضاع بنفس الدرجة. وهنّ: الأمّهات، والبنات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، على نحو ما ورد بِبيان المحرّمات من النسب بالمستويات السبعة؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنه:"وإنه يَحْرُمُ من الرّضاعة ما يَحْرُم من النّسب"3.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 سورة النساء: الآية 23.
3 أخرجه البخاري 2/935، ومسلم 2/1071 واللفظ لمسلم.
ولم يتناول القرآن الكريم سوى اثنتيْن فقط من هؤلاء السّبْع، وهنّ: الأمّهات والأخوات من الرضاعة؛ فقد قال تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} 1.
غير أنه لما كانت الأمُّ أصْلاً والأختُ فرعاً، ففي هذا: التنبيهُ على جميع الأصول والفروع من الرضاعة. فقد ذكر الله سبحانه صورةً واحدة مِن كلِّ قسْم تنْبِيهاً بها على الباقي. فذكَر من قسم قرابة الولادة: الأمّهات، ومن قسم قرابة الإخوة: الأخوات2.
الفرع الثالث: المحرَّمات بالمصاهرة
المحرّمات بالمصاهرة أربعة مستويات، وذلك على النحو الآتي:
1 -
زوجة الأب: فتحرُم على الرجل امرأةُ أبيه من الرضاع، مثْله في هذا مثْل النسب، سواء كان الأب قريباً أم بعيداً، وارثاً كان أمْ غير وارث. ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا
1 سورة النساء: الآية 23.
2 راجع: تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد السايس 1 /70.
مَا قَدْ سَلَفَ} 1، وما رُوي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال:"بينما أنا أطوف على إبل لي ضلّت، إذ أقبل ركْب أو فوارس معهم لواء. فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتَوْا قُبّة، فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عُنقه. فسألْتُ عنه فذكروا أنه أعْرس بامرأة أبيه". وفي رواية قال: "لقِيتُ خالي - وفي رواية: عمِّي– ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوّج امرأةَ أبيه مِن بَعْده أن أضرب عُنقه أو أقْتله، وآخُذ مالَه"2.
ويستوي في الحُكم امرأةُ أبيه، وامرأة جَدِّه لأبيه أو لِأُمِّه، قرُب أمْ بَعُد. وكذلك يَحرم على الرجل مَن وطِئَها أبُوه بملْك اليمين أو شبهة3.
2 -
أمّ الزوجة: وهذا التحريم يتمّ بمجرّد العقد، أي: العقْد على البنت يُحرِّم بذاته الأمّ سواء حصل دخولٌ أمْ لا. فمَن تزوّج امرأة، حرم عليه كلّ أمٍّ لها قريبة أو بعيدة، سواء كانت الأمّ مِن نَسَبٍ أم
1 سورة النساء: الآية 22.
2 أخرجه أبو داوود 4/157، والنسائي في السنن الكبرى 3/308، وابن ماجة 2/869، وأحمد 2/27.
3 راجع: المغني لابن قدامة 9 /518.
رضاع؛ وذلك لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} 1. وبالعقْد على البنت، تدخل في نسائه؛ فتدخل أمّها في عموم الآية2.
وقد روى عمرو بن شعيب3 عن أبيه عن جَدِّه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن يَدخل بها، فلا بأس أن يتزوّج ربيبَته، ولا يحلّ له أن يتزوّج أمَّها"4.
3 -
الرّبيبة: وهي بنت الزوجة المدخول بها. فهي: كلّ بنتٍ للزوْجة مِن نسبٍ أو من رضاعٍ، قريبة أو بعيدة، وارثه أو غير وارثة؛ وذلك بمراعاة أنّ البنات لا تَحرم إلا بالدخول بالأمّهات، وذلك لقوله تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} 5.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 راجع: المغني لابن قدامة 9 /515.
3 عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو إبراهيم، من رجال الحديث. كان يسكن مكة، وتوفي بالطائف سنة 118هـ.
راجع: سير أعلام النبلاء للذهبي 5/165، والأعلام للزركلي 5/79.
4 أخرجه البيهقي 7 /160، 161.
5 سورة النساء: الآية 23.
ويستوي في هذا أيضاً: أن تكون تلك الرّبيبة في حِجْرِه أم لا؛ وهذا ما عليه عامّة الفقهاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمِّ حبيبة1 رضي الله عنهما:"لا تَعْرِضْنَ عليّ بناتِكُنّ ولا أخواتِكُنّ"2. والقيْد الوارد في الآية السابقة قد خرج مخرج الغالب، وليس بقيْد في التحريم؛ وذلك لأنّ الغالب أنّ بنتَ الزّوجة يُربِّيها ويتولّى أمرَها زوجُ أمِّها. والمعروف أنّ ما خرج مخرج الغالب لا يصحّ التمسك بمفهومه؛ ولهذا كان قوله تعالى: {اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ليس بشرْط للحُكم وإنما هو تأكيد للوصف فقط 3.
1 رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ: صحابية من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أخت معاوية. كانت من فصيحات قريش. تزوّجها أوّلاً عبد الله بن جحش، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية. ثم ارتدّ عن الإسلام، فأعرضت عنه إلى أن مات. فأرسل إليها رسول الله يخطبها، وعهِد للنجاشي ملِك الحبشة بعقد نكاحِه عليها. ووكّلت هي خالدَ بن سعيد بن العاص، فأصدقها النجاشي مِن عنده أربعمائة دينار، وذلك سنة سبْع للهجرة. وتوفيت بالمدينة عام 44هـ.
راجع: سير أعلام النبلاء 2/218، الأعلام للزركلي 3/33.
2 أخرجه البخاري 5/1961، ومسلم 2/1072.
3 راجع: أحكام القرآن لابن العربي 1 /486 وتفسير آيات الأحكام للسايس 2/72.
4 -
زوجة الابْن: فالمقرّر أنه يَحرُم على الرّجل زوجاتُ أبنائه وأبناءِ بناته، مِن نسبٍ أو رضاع، قريباً كان الابن أو بعيداً، وارثاً أو غير وارث، لقوله تعالى:{وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} 1. وهذا التحريم يتمّ بمجرّد العقد.
والحلائل: جمْعُ حليلة، يعني: محلَّلة. وسُمِّيَت امرأة الرجل: "حليلته" لأنها محلّ إزار زوجها، وهي محلَّلة له. وجاءت الآية بتقييد الأبناء بأبناء الصّلب لإخراج الابن بالتّبنِّي؛ فلا تحرم حليلتُه على مَن تبنّاه؛ وهذا ما جاء به الإسلام الحنيف. وبهذا ارتفع حُكم تحريمها الذي كان مقرّراً عند العرب في الجاهلية. وهذا لا يُفهم منه حِلّ حليلة الابن من الرضاع على أبيه، لأنها خرجت بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سبق:"يَحْرُم من الرّضاع ما يَحْرُم من النَّسَب"2.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 سبق تخريجه صفحة " ".
الفرع الرابع: المحرمات بالجمع
يُراد بالجمع المحرّم هنا: الجمع بين الأُختيْن، والجمْع بين المرأة وعمّتِها، وخالتِها. وقد ورد تحريمُ الجمع بين الأختيْن في القرآن الكريم، بينما وردَت السُّنّة بتحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وبينها وبين خالتها.
فالجمْع بين الأختيْن مُحرّم، سواء كانتا من نسبٍ أمْ من رضاع، حُرّتيْن كانتا أمْ أَمَتيْن، أمْ حُرّة وأَمَة، من أبويْن، أمْ من أبٍ، أمْ من أمٍّ، قبل الدخول أمْ بعد؛ وذلك لقوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} 1.
وعلى هذا، فلو تزوجّهما في عقد، فسد ذلك العقد لأنّه لا مزيّة لواحدة على الأخرى. وأمّا إن تزوجّهما واحدةً بعد الأخرى، فنكاحُ الأولى صحيح ونكاح الثانية باطل لأنه هو الذي حصل به الجمْع المحرّم2.
1 سورة النساء: الآية 23.
2 راجع: المغني لابن قدامة 9/519.
هذا، وتحريم الجمْع بين المرأة وعمّتها، وبين المرأة وخالتها، ثبت بالنص عليه في السُّنّة المطهّرة. فقد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا:"لا تُنكَح المرأةُ على عمّتِها، ولا العمّةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتِها، ولا الخالةُ على بنتِ أختِها. ولا تُنكح الكُبرى على الصُّغرى، ولا الصُّغرى على الكبرى"1. وفي رواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأةِ وخالتها" 2.
وقد حرم الجمع بين الأختيْن لأنّ الضرائر يكون بينهن من الكراهة والبغضاء ما هو معلوم؛ فلم يشأ الله أن يُعرِّض أرحامَ الأختيْن للقطيعة بتجويز كونهما ضرّتيْن تتباغضان وتتصارعان. وكذلك القول بالنسبة للمرأة وخالتها، والمرأة وعمّتها؛ فالعلّة في تحريم هؤلاء هي: الخوف من إيقاع العداوة بين الأقارب وقطيعة الرّحم المحرّم3.
1 راجع: سنن أبي داود 2/224، وسنن الترمذي 3/433.
2 راجع: البخاري 5/1965، ومسلم 2/1028.
3 راجع: المغني 9 /523، وتفسير آيات الأحكام للسايس 2/75.