الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لو كانَ بالفلك الدوّار لم يَدُرِ
…
أو كانَ بالماء لم يُشْرَب من الكدرِ
أو كانَ بالعيس ما بي يوم فرقتهم
…
أعيتْ على السابق الحادي فلم يَسِرِ
الخروج من دمشق
وصحبت معي من الكتب النافعة في الأسفار بعض أجزاء وأسفار، وخرجت من المدينة وقت الإسفار، وصحبني جماعة من الأصحاب للوداع، وأسرعنا في السير قبل أن يتكاثروا غاية الإسراع، هذا والدموع لا ينحبس وَبْلُها إلاّ وأخلفه طَلُّها، وكلما أفرغ ذَنوبُها امتلأ سَجْلُها، والجوانح لا يهمد وقْدُ ضرامها، إلاّ وأخلفه حرّ أوامها، ولا يخمد تأجج نيرانها إلاّ وأردفه توهج دخانها والشوق بالأحشاء عابث
وبجوانب الضلوع عابث، والقلب من اضطراب أهوائه خافق، وغراب البين ببعد الأحبة ناعق، وسرنا سير مُشمَعِلّ نطوي البيد كطي السجل، فوصلنا بعد تعالي الصباح وارتفاع الشمس قيد ثلاثة رماح إلى المنزل المقرر، وهو قرية ابن فُرْفُور دُمَّر، وهي قرية كبيرة كثيرة الخيرات وافرة الغلات طيبة النبات، فنزلنا بها بمرج لطيف، بديع التدبيج والتفويف، ذي عَرْفٍ أعطر، وربيع أزهر، من عُشْب أخضر، وأقحوان أصفر، وشقيق أحمر، وغير ذلك مما هو عجيب التلوين غريب التكوين، وقد حفّ به من غالب جوانبه نهر بَرَدَى وهو أكبر أنهار الشَّام وأكثرها مددا بل هو أصل
الأنهار ومَصْرِفها وأوسعها وأسرعها وأشرفها، يسقي ما لا يُحصى من القُرى، ويسدّ عند كل قرية ثم يعود كما كان نهراً. فهو من المِنَنِ الغزيرة، ومن الأعاجيب الشهيرة، كما قيل:
نهرٌ يسيل كما يذوب نُضارُ
…
وتدور في أيدي الس ُّقاة عُقارُ
فإذا استقام فصارم دامي الظُّبا
…
وإذا انحنا جنبٌ به فسِوار
مغرورقُ التيار ملتطم كما
…
خفقت بظهر مهب ريح نار
أحْمَرَّ وأخضرَّ النبات بشطِهِ
…
فكأنَّ ذا خدُّ وذاك عِذار
وكما قيل:
نهرٌ يَهيمُ بحُسنهِ مَن لم يَهمْ
…
ويُجيدُ فيهِ الشِّعرَ من لم يَشْعُرِ
ما اصفرَّ وجهُ الشّمس عند غُروبها
…
إلاّ لفُرقةِ حُسنِ ذَاك المَنظرِ
ومن أحسن ما قيل في وصف نهر عند الأصيل قول عبد الله بن شارة الإشبيليّ:
النهرُ قد رقّتْ غِلالةُ صبغه
…
وعليه من ذهب الأصيل طرازُ
تترَقرَقُ الأمواجُ فيه كأنها
…
عُكَنُ الخصُور تهزُّها الأعجازُ
فأقمنا بذلك المنزل نهارَ الثلاثاء تاسعَ عشرَ شهر رمضان بالتمام، فيا له من يوم ما كان أطولَه، وأخلَقَه بقول أبي تمام:
يومَ الفراقِ لقد خُلِقْتَ طويلا
…
لم تُبْقِ لي صبراً ولا مَعْقُولا
وما أحسن ما قال بعده:
لَوْ حَارَ مُرْتَادُ المَنيَّةِ لم يجِدْ
…
إلاّ الفراقَ على النفُوسِ سبيلا
قالوا: الرحيلُ، فما شككْتُ بأنه
…
نَفْسٌ عن الدنيا تُريدُ رَحيلا
وفي معناه قول المتنبيّ رحمه الله تعالى:
أحْيَا وأيسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا
…
والبينُ جارَ على ضُعْفي وَمَا عَدَلا
والوجدُ يَقْوَى كما يَقْوَى النّوى أبداً
…
والصّبرُ يَنْحَلُ في جسمي كما نَحَلا
لولا مُفارَقَةُ الأحْبَابِ ما وَجَدَتْ
…
لها المَنَايَا إلى أرْوَاحِنَا سُبُلا
فلم أزل أتقلّى بجمر ذلك النهار، وأجاري ذلك النهر من دموعي بأنهار، أكنُّ من الوجد ما غاية الثكلى تكنه، وأبدي من الحنين ما لا تطيق الجوانح تُجِنُّه:
فلله كم من لوعة كنت كاتماً
…
لها خيفة العُذّال نَمَّ بها دمعي
إذا كان من عيني على ما تُكنّه
…
ضلوعي من الأسرار عين فما صنعي
وقد بَرَّح الخفا بما أخفيه من البُرَحاء، ونزحت أرشية جفوني مياه عيوني بيد البكاء:
أهذا ولما تمض للبين ليلةٌ
…
فكيف إذا مرّت عليه شهورُ
فما انقضى ذلك النهار، وحلّ من الصوم الإفطار، إلاّ وقد أشرفت النفس على الزُّهوق والقلب على الانفطار، ثم أقمنا من ليلة الأربعاء أطول الليال إلى مقدار حد الوصية من المال، فما كان أقصر ليلةَ الثلاثاءِ وأطولَ ليلة بعدها، فيا لها من ليلة ما
أخفها يتلوها ليلة ما أشدها كما قيل:
إنّ الليالي للأنامِ مَنَاهلُ
…
تُطوى وتُنْشرُ بينها الأعْمَارُ
فقِصارُهنّ مع الهُمُومِ طويلةٌ
…
وطِوالهنّ مع السرورِ قصارُ
فلما طلع القمر وسطع نوره وانتشر، ومد بساطه الأزهر على ذلك الزهر، وصقل
نور ضيائه صداد ذلك النهر، عزمنا على الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، وودعنا من الأصحاب من بقي وأنشدناهم إن نعش نلتقي، وسرنا وقلبي يتوقف عن اللحاق، ويتخلف عن الرفاق، ويتخوف من فرق الفراق بعد فرح التلاق:
ولولا الترجي للمحبين لم تكن
…
قلوبُهُم يوم النّوى تعمر الصَّدرا
واستمر بنا السير من ذلك الوقت إلى وقت الغداء وجزنا في خلاله بوادي بَرَدَى وهو وادٍ أفيح كثير الأشجار، بعيد القرار عظيم المقدار، عديم المماثل والنظير، ذو مرأى حسن ومنظر نضير، يحف كل قطر منه بستان، ويدور بجنباته نهر بَرَدَى كالثعبان، قد بسطت يد السماء به بُسُطاً سُنْدُسيّة، وطرحت عليه مطارح بالزهر موشية، وقد جر عليه النسيم بعد ذلك ذيوله، وأجال بميدانه خيوله، واستنطق أطياره، وشقق أزراره، وأفشى أسراره، وأذاع رنده وعَرَاره، وفضض نُوّاره، وذهّب
أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبُهاره، وصافح آسه وجُلّناره، وأطاب تنآه وأخباره، وأمالت بنشأتها قدوده، وأخجلت بقبلتها خدوده، وحشّدت جنوده، وحشرت بيضه وسوده، ونشرت ألويته وبنوده، وملأت تهائمه ونجوده، ونظمت جواهره وعقوده، وأعطت مواثيقه وعهوده:
محلُّ كأنّ الشمسَ تخجل كلما
…
نَضَتْ ثوبِها عن معطفيه مغيبا
تنم رياح الخلد منه لأهله
…
ويطفح تسنيم ويرشح طيبا
ثم جزنا بأعين التُّوت وهي في أمر مريج، وشهيق وعجيج، وزفير ونشيج، ولغط وضجيج، واضطراب والتواء، واعوجاج واستواء، وشكوى مما صنعته يد النّوى، وما أثارته وأثرته شدة الهوى، (ولم نزل) نجدّ في السير ولا نرفق، حتى نزلنا تعالي النهار من يوم الأربعاء عشرين شهر رمضان بمنزلة خَان الفُنْدُق على عين ماء بارد
عذب غدق يغدق، فأقمنا به ريثما نستريح، ونزيح علل الرفاق والدّواب ونريح، ثم ترحلنا منه عندما حان وقت الزوال وامتد الظل ومال، وكان ذلك اليوم
أطول من ظل القناة، وأحرّ من دمع المقلاة، وسرنا والقَيْظُ يشتد حَرُّه، والهجير يتلظَّى جمره، إلى أن وافينا وادي الزَّبَدَانيّ، وقد أعرس بالورد وتزين بالعَرَار والرند، واطردت جداوله أي طرد، وفاح نسيمه المنعش للروح بالطيب والبرد، فتلقانا أهله بحُزم الورد النصيبي، وَوَفُر منه ذلك اليوم حظي ونصيبي، وقلت:
جُزْنا بقومٍ كرامٍ
…
وافوا بوردٍ نصيبي
فاجزلوا منه حَظّي
…
ومنه وفّوا نصيبي
فيا له من وادٍ ما أحلاه وأملحه، وأفسحه وأفيحه وأفوحه، كأن رياضه سماء زُيّنت بالزواهر، أو قباب زمرد رصعت من الدر والياقوت بأنفس الجواهر، أو عذارى تتجلّى في حلل سندسيّة باسطة أكفها للتسليم، أو مهدية أقداحاً ختامها مسك ومزاجها من صفاء التسنيم، فتركنا عشه ودرجنا، وما عجنا على غير المسير ولا عرجنا، فوصلنا قرية صرغايا أصيل ذلك اليوم، فنزلنا في أحسن المنازل بخلاف بقية القوم في أرض خضرة، بين مياه خصرة وأزهار عطرة، وأشجار نضرة، وجورات تميس بقدود الحور، وتتستر بالأوراق تسترها بالشعور، وحمائم تترنم على أعواد الغصون، وتبدي فنون الأشواق والشجون، كما قيل:
تشدوا بعيدان الأراك حمائمُ
…
شدوَ القيان عزفنَ بالأعوادِ
مال النسيم بقضيبه فتمايلت
…
مهتزة الأعطافِ والأجيادِ
هذي تودعُ تلك توديعَ التي
…
قد أيقنت منها بوشك بِِعادِِ
واستعبرت بفراقها عين الندى
…
فابتلّ مئزرُ غصنِها المَيّادِ
فبتنا في ذلك المنزل المعظم القدر ليلة الخميس حادي عشر، وهي في أرجح مَيْلَيّ الإمام الشَّافِعيّ رضي الله عنه ليلةُ القدر، وقلت من أبيات:
وقرية صرغايا المعظمةُ القدرِ
…
نزلنا بها في مرجها ليلةَ القدر
ثم رحلنا منها وقد بزغ القمر بين النجوم كالملك لابس التاج، مرتدياً بين عساكره
بأبيض الديباج، وقد عوَّض نوره وأغنى في الحالين عن السراج، فسلكنا مسالك سهلة ثم أدركنا مدارك مستصعبة وأعقبنا رقي عقبة، وما أدريك ما العقبة، هي عقبة الرُّمَّانة التي منها القلوب ملانة، ذات مدارجَ وَعِرة، ومناهِجَ عَسِرَة، ومهاد ومشارف، ومثان ومعاطف، تخلع القلب وتقطع النِيَاط، وتذكر بالحشر والحساب والصراط، فزاد حَزْنُها على الفؤاد أحزانه، ورادف بثه وأشجانه، ثم قطعناها عند الصباح، وسرنا في مهامة فيحٍ وفيافٍ فساح، ولم نزل في إتهامٍ وإنجاد، وصعود ربوة وهبوط واد، حتى انتهينا إلى واد كبير، ذي منظر نضير، وعشب كثير، وعينان تجريان على صخر بماء زلال خصر نمير، كما قيل: