الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا سرحةً سرحت في شطِ جَيْحَان
…
وزاحمت في علاها برجَ كيوانِ
فروعُكِ الشمُّ لا تُحْصَى قواعدها
…
والأصل أربعُ باعاتٍ وشبرانِ
لنا بظلكِ مغنىً لم يُشَبْ بعناً
…
فنون أفيائه من فيء أفنانِ
به نسيم يصفى الروحَ من كَدَرٍ
…
وينعش القلبَ من تبريحِ أشجانِ
يعمّنا في زمانِ القَيْظِ منك ندىً
…
لو أنّ أقوامنا في العدّ ألفانِ
هذا هو الجودَ لا ما قيل من قدمٍ
…
عن حاتم وعدي وابن جدعانِ
لا زلت مخضلة الأغصان يانعة
…
يسقيك كل ملت القَطْرِ هتّانِ
أدنة
فقيلنا في ظلها إلى أن استوفى النهار حدّ الانتصاف، وانتصفنا بحماها من حموه غاية الانتصاف، ثم سرنا تارة في ظل وأخرى في حرور، وطوراً ننجد وآونة نغور، حتى كادت عين الشمس تغور، فوصلنا حينئذٍ مدينة أدَنَة، وهي مدينة صغيرة مستحسنة، قد استوعبت من الظرف أجناسه وأنواعه، واستوعبت من اللطف شيمة وطباعه، ذات رياض أنيقة وأشجار وريقة:
وحدائقُ تشبيكَ وشىُ برودها
…
حتى تشبهها شَبائبَ عَبْقَرِ
يجري النسيمُ خلالها وكأنما
…
غُمِسَتْ فُضُولُ رِدائه بالعنبر
ومساكن حسنة بأهلها معمورة، وأسواق بجميع ما يحتاج اليه مغمورة، ويتوصل إليها من جسر عظيم على نهر سَيْحَان، ويمر بخلالها وجوانبها هذا النهر كالثعبان، وعليه نواعير تسقي ما هناك من البساتين والغيطان، وهي بمدينة حَمَاة أشبه البلدان، والنهر المذكور هو بسين مهملة مفتوحة ثم ياء تحتية بالسكون ثم حاء مهملة وآخره نون، نهرٌ عظيم يعدُّ من الأنهار الكبار، وهو يقارب في كبره نهر جَيْحَان المار، وهما كما قال النوويّ شيخ الإسلام وقطب الأنام على الإطلاق غير سيحون وجيحون اللذين هما من الجنة بالاتفاق، فنزلنا داخل باب المدينة في مسجد صغير، وبجانبه بئر ماء عذب معين نمير، فاسترحنا فيه ساعة حتى تكاملت الجماعة، ثم دخلت جامعها الكبير وقت المغرب فصليتها فيه والعشاء معاً، واجتمع بي الإمام والمؤذن فسلّما عليّ والتمس كل منا من صاحبه الدُّعاء، ثم سرنا هجمة الدَّيْجُور إلى محل الوطاق بشط النهر المذكور، وهو مكان بديع قد عَذُب ماؤه، وراق روضه ورق هواؤه، وتفسحت مساحاته ومارجت أرجاؤه، وقد أهدى اليه الربيع نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه، وأسبل مطارفه، وألان معاطفه، وأفاض معارفه، وأصفى ملبسه، ووشى سندسه، وحدّق أحداقه، وأرخى أوراقه:
وتبسّمَ ثغرُ النور عن شَنبِ القَطْرِ
…
وَدَبّ عِذارُ الطلّ في صفحةِ النهرِ
فزينة الأرض مشهورة، وحلّة الروض منشورة، والبسيطة قد مدت بساطاً مفوفاً، وأهدت من ذخائرها ألطافاً وتحفاً:
فالنّور عقد والغصون سوالفٌ
…
والجَزْعُ زَنَدٌ والسَرى سوار
رَقَصَ القضيبُ بها وقد شرب الثرى
…
وشدا الحمامُ وصفق التيار
فأقمنا هنالك تلك الليلة، وهي ليلة الأحد تاسع شوال، ثم يوم الأحد بالتمام والكمال،
ثم نحو الثلثين من ليلة تسفر عن يوم الاثنين، ونحن ما بين ربيع ورتيع، وزهر ونهر، وموج ومرج، وحدائق وماء دافق، ورياض ونهر فياض، ونسيم وتسنيم، وجنة ونعيم، وروح وريحان، وعرفٍ من الجنان، ودولاب يحن حنين المستهام، المدنف من شدّة الغرام، ويطارح بشجوه سجع الحمام، كما قيل:
للهِ دولابٌ يَفيضُ بسَلسلٍ
…
في رَوضةٍٍٍ قد أينعتْ أفنانَا
قد طارَحَتْه به الحمائمُ شَجوها
…
فيُجيبها ويُرجِّعُ الألحانا
فكأنه دَنِفٌ يَدورُ بمَعهدٍ
…
ضاقت مَجاري طَرْفه عن دَمْعِهِ
يبكي ويسألُ فيه عَمَّنْ بانا
…
. فتفتَّحتْ أضلاعُه أجفانا
وذلك النهر يجول في حلّة فضية تذهبها الشمس بكرة وأصيلا، ويجلوا صداها صيقل القمر ليلاً، ونهر عطفه خيلاً، ويسحب في تبختره بين الرياض ذيلاً، فتناديه تلك الأشجار على رسلك فـ (إنكَ لَن تَخرِقَ الأرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبَالَ طُولَا) وتلقّانا في ذلك المقام جماعة من الأصحاب ما بين عرب وأروام قاصدين بلاد الشَّام، فتلاقينا بالتحية والسلام، وجمعنا بين السلام والوداع، وذيّلنا الافتراق من ذلك الاجتماع، وأنشدتهم والقلب بالفراق منكوي، والجسم على نيران الفؤاد محتوي، لفخر الرؤساء الشريف الرَّضيّ الموسويّ:
والدمعُ تنحدرُ من الآماق
…
وتفورُ من جوانبِ الأحداقِ
أيها الرائحُ المجد تحمَّل
…
حاجةً للمتيمِ المشتاقِ
وأقرِ عني السلامَ أهلَ المصلى
…
وبلاغُ السلام بعضُ التلاقِ
وإذا ما مررت بالخيفِ فاشهدْ
…
أنّ قلبي إليه بالأشواقِ
وإذا ما سئلت عني فقُلْ
…
وما أظنّه اليوم باقِ
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمعٍ
…
وَهَى عند بعض تلك الحِداقِ
وابكِ عني فطالما كنت
…
من قبل أُعير الدموع للعشّاق
ثم ترحلوا عنا، وأشأموا وأتهمنا، والشوق بالجوانح مكتنف، والدمع من الآماق منذرف، والقلب ذاهب معهم لم يستقر ولم يقف، فضارعت مرامه، وأنشدت أمامه:
لله أي هوىً برامهْ
…
حيث القلوبُ المستهامَهْ
لم يبقَ قلبٌ في الحمى
…
إلاّ وقد أعطى زِمامَهْ
بالله يا حادي القلوب
…
إذا رجعتَ مع السلامَهْ
فاخدَعْ فؤادي علّه
…
يرعى لمنزلِهِ ذِمامَهْ
فلما مضى من ليلة الاثنين عاشر شوال، مقدار أقصى ما يوصى به المريض من
المال، حكمنا على معزول السرى بالاستعمال، ومتواني السير بالاستعجال، ولم نزل نجهد في سلوك مهامة تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في شرك الفزع، ونصعد أنف كل تنوفة وثنية، ونعقد لجهاد كل ماذق ومارق أفضل نية ما بين غابات أشجار تضيق الأنفاس، أحسن أنواعها البُطْم والبَلُّوط وشيء قليل من الآس، فقيّلنا بحدرة من جملة الهيش، بها بعض ماء حار وحشيش، وبتنا ليلة الثلاثاء بمكان من جملة جبال الوَرْسَخ، بين غابات محتبكة وجبال شُمَّخ، لا مغيث بها لمظلوم ولا مستصرخ، فبت ونيران الفؤاد لا تتبوخ، وغليله لا يروي ولا ينفخ، والصدر لا يتفسح من كربه بل يتفسخ، والضلوع تقصف من بعض ذلك وترضخ، والدموع تنضح صحن الخد وتنضخ، وأنا متمثل بقول القائل:
أحبائي ما لي بحياتي نفعُ
…
مذ عزّ لشملنا بشت جمعُ
في الليل إذا أرّقني ذكركم
…
أبكي أسفاً جهد المقل الدمعُ
وبقول الآخر:
الشوقُ إليكم شديدُ البَرْحِِِ
…
والوجدُ يجلُّ شرحُه عن شرحِ
صبراً فعسى سماؤه أن تصحى
…
لا بدّ لكل ليلةٍٍ من صبحِ
ثم رحلنا من ذلك المكان عندما شاب مفرق الليل، وولى من الصباح مشمر الذيل، وبرز الفجر من خبائه، وبسط على العالم رداء ضيائه، فما سرنا إلاّ قليلاً حتى تلقتنا عقبة الكولك، وهي عقبة عسرة المذهب وعرة المسلك، ضيقة المدارج متشعبة المناهج، متعددة الهبوط والصعود، متزايدة التهائم والنجود، كأن نجودها صعود إلى السماء، وأغوارها نزول إلى قرار الماء، فدخلنا بها في أمرٍ عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عقيم، بينا نحن في عقاب عقاب إذا نحن في مهاد وهاد، وبينما نحن في رأس جبل إذا نحن في بطن واد. نهبط فنظن أن قد بلغنا من الأرض أدناها، ونرقى فنتوهم أن قد تناولنا من السماء سهاها، ونسلك سبلاً تحار فيها القطا، ولا تهتدي إليها الخطى، ويكثر من طارقها وأن ألفها الخطأ، فهي كما وصفها أو نظيرها مولانا المقر الكريم، مولانا السيد بدر الدِّين عبد الرحيم بقوله:
كم عقاب في عقابٍ
…
دونها مَرَّ السّحابِ
ليس للطير رُقْيا
…
فوقها حتى العُقَابِ
حال من يرقى إليها
…
كرقيٍّ في اضطرابِ
كادَ أن يكن من يرقى
…
إليها لمسَ الشهابِ
حارت الأفكارُ فيها
…
بين هاتيك الشعابِ
وانثنى العقلُ ضليلاً
…
بأسى تلك الهضابِ
وربا الكربُ ازدياداً
…
مُذْ بدتْ تلك الروابي
ودموعُ العين تجري
…
بجفانٍ كالجوابِ
يسدر المرء فلا يقوى
…
على ردّ الجوابِ
وإذا يهوي انحدارا
…
صار في أقصى الترابِ
كم سقيطٍ صار منها
…
في أفانين العذابِ
من يقمْ منها صحيحاً
…
كان في أفْقِ التحابي
فعُدُول المرءِ عنها
…
أبداً عينُ الصوابِ
ورأينا بهذه العقبة أشجار صنوبر كالسواري، يُتَّخذ منها أعظم ما يكون من الصواري، والبعض منها ساقط منعجر كأعجاز نخل منقعر كما ضرب به النبي الصادق مثل هلاك المنافق. وفي وداتها ماء يجري من الثلج، يتكسر ويفج من كل فج، وبها مكان بين جبلين منتصبين كالجدارين لا يدرك الطرف أعلاهما ولو احتد، ولا يرقى مبلغ الطير أدناهما ولو اجتهد وجدّ، يجري بينهما ماء كثير عذب زلال ثجاج نمير وبه نسيم يداوي السقيم، ونبت أريج من كل زوج بهيج، فيا له من منظر ما أبهاه وأحسنه وأفرجه وأزهاه، يرتقى منه إلى سفح أحدهما في عقبة كؤود، ذات صخرات سود، ومسالك لا تتسلق فيها القرود، ولا يمر بها الفئران إلاّ وهي في صورة الحيران في غاية الخوف والرجفان. أصعب الطرق والمذاهب، وأحزن السبل على ماش وراكب، فلم نزل نخبط في سهل هذا الجبل ووعره، ونخلط سيراً ترابه بصخرة، ونشقّ أعطافه شقاً، وندق جنادله بالحوافر دقاً، مكتنفين الفزع ملتحفين الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتنا علاته من الصرف، وأسفر لنا وجهه العبوس، ومحياه الذي في مشاهدته البؤس، عن مكان واسع، به بعض ماء نابع وربيع مريع رائع، وهناك للوزير بير باشا خان وعمارة وجامع، لكنها الآن خراب مأوى للبوم والحشرات والذئاب، فاسترحنا به ساعة دون أن نحلّ عن الدواب، ثم سرنا إلى منزل به ربيع، وماء عيون جريها ليس بالسريع، فقيلنا به ثم سرنا في ربوات ووهدات وأنهار، حتى انهار جميع بناء ذلك النهار، فحين حان الغروب، وآن
لقرص الشمس الوجوب، واتصفت صلاة المغرب بالوجوب، نزلنا بشط نهر في غاية الاتساع، شديد الجري والدفاع، أكثر في الارتفاع من مائة ذراع، ويحاذيه مرج أفيح ومسرح ومشرح، وربيع يجول
فيه الطرف ويمرح، وهو بالقرب من آق كبرى ومعناه الجسر الأبيض بالعربيّة، وهو آخر ما كانت تحكمه الجراكسة وأول البلاد القرمَانيّة، فبتنا بشط ذلك النهر ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر، وهناك هواء شديد، وبرد ما عليه من مزيد، حتى خُيِّل لنا أن الشتاء عاد بأنوائه والبرد رجع بأدوائه، فاشتكت منه الأسنان ورجف الجنان، وقعدنا تحت الرعدة ننتظر الفرج بعد الشدة، ثم رحلنا منه:
والبدر يَجنحُ للغروب كأنه
…
قد سلَّ فوقَ الماء سَيْفَاً مُذْهبَا
ثم برق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، فسرنا في مخاضات وطلعات ونزلات (إلى أن ترافع النهار وتعالى، وتتابع حرّه وتوالى)، وقيّلنا ذلك النهار بمكان بشط بعض تلك الأنهار. ثم سرنا فجزنا على بساتين بها فواكه وزيتون، وشذى يفوح من أشجار زَيْزَفُون، ونزلنا بمكان به مياه ومرج، وبالقرب منه جبال من ثلج، فحصل فيه برد شديد وريح بارد، ومطر يقوى ويضعف لكنه متوال متوارد، فقطعنا تلك الليلة بين همل وهطل، وعطاء من السحب لا يكدره مطل، ورقصت القلوب لتصفيق الرياح، وفقدت النفوس الروح والخواطر الارتياح، وطال الليل مع أنه قصير الذيل، كما قال أبو المعالي الحظيريّ:
أقول والليل في امتدادْ
…
وأدمعُ الغيثِ في انسفاحْ
أظنّ ليلي بغير شكٍ
…
قد بات يبكي على الصباحْ
هذا والشمس في آخر برج السرطان، والصيف قد ألقى على الأرض الجِرَان، وحكم في الوجود بقوة السُّلطان، فكان كما قال مولانا المقر الكريم الشيخي الإمامي البدري السيد عبد الرحيم:
جَادَتْ لنا الأنواء مغدِقَةً
…
والصيفُ أقبلَ مسرع الجري
فكأنمّا شمسُ الضّحى خرّفتْ
…
فتشبّه السرطانُ بالجدي
ومما قلته:
نوءُ الشتاءِ وبردهُ وافى وقد
…
حكمَ المصيفُ بقوةِ السُّلطان
فلعلّ هذا الدهرَ أمسى ذاهلاً
…
فأتى بنوء الجدي في السرطانِ
فلمّا طلع الفجر ولاح، وضربت بشائر الصباح، عزمنا على التبكير بالسير والتَغْليس، وذلك ثالث عشر شوال يوم الخميس، فوصلنا مدينة أرْكلي والشمس مستوفية اللألاءِ مرتقية درجة العلاء، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وهي مدينة