المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر الرجوع الى الوطنوالأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة - المطالع البدرية في المنازل الرومية

[بدر الدين الغزي]

الفصل: ‌ذكر الرجوع الى الوطنوالأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة

‌ذكر الرجوع الى الوطن

والأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة

ثم لما انقضت بحمد الله تعالى جميع الأشغال، وانتظمت بعون الله سائر الأحوال، ومَنَّ الله تعالى بالظفر، شرعنا مسرعين في أهبّة السفر، وذلك السيد الكريم والولي الحميم في تعاطي حَاجَاتي بنفسه مهتم على أتم الأحوال وأكمل الأمور، وبمفارقتي له مغتم، وببلوغ أربي مسرور، إلى أن كمل الاستعداد وتهيأت الرفقة والزاد.

وأُسْرِجَ جواد الأوبة، وتقوضت خيام الغيبة، وحُم يوم الفراق، واحتدم ذلك التلاق، وأضرمت تلك الأعلاق، وأعدّت الركاب، وحضر للوداع جميع الأصحاب، وتحقّق السير عن ذلك الحمى، وأشأم حادٍ كان بالأمس أتهما، وأُجريت الدموع، وطلق الهجوع، وأضرمت نيران الزفرات الأكباد والضلوع:

ومدت أكفٌ للوداع فصافحت

وكادَت عُيون للفراق تسيل

فيا لساعات التوديع ما أشدّ كربَها وأحدّ عزمَها، وأكثرها إلهاباً للخلد، وذهاباً بالجَلد، وذواباً للجِلد والجسَد، وممّا قلته:

يا قاتل الله قلبي كم أحملهُ

ما لا يطيق لقد رثت علائقهُ

في كل يومٍ له خلٌ يودعهُ

معَ الزّمان ومحبوبٌ يفارقهُ

وأنشدت ذلك السيد الحبيب، وأنا وهو منتحب ومفارق لجسماني ولقلبي مصطحب:

ص: 280

لك الإله أودعُ

يا أيها المودّعُ

مؤملاً من فضله

شملي بكم يجتمع

فالقلب قد أذابه

حرّ الفراق الموجع

وماؤه ما قد جرى

من أدمع لا تقلع

فما يُرى من زفرتي

دخان المرتفع

فغلب علينا من الشجون ما نزع القلب من الصدر أو كاد، حتى قطع علينا ترادف

البكاء ذلك الإنشاد، ثم غيض كلٌ منّا دمعه المنهمل، وإن لم يستطع إطفاء ما بقلبه المشتعل، وأنشدني ما هو له يرتجل:

أستودع الله منك مجداً

أصبَح بين الأنام فردا

أستودع الله منك ذاتاً

بكل ما في الوجود تفدى

أستودع الله منك جوداً

بجوده المعصرات أعدى

أستودع الله منك ركناً

أضحى لمن يرتجيه رفدا

أستودع الله منك طبعاً

صفا لمن ينتحيه وردَا

ص: 281

أستودع الله منك بشراً

لنجح راجيه قد تصدَّى

أستودع الله منك ذاتاً

أدلّ من شارقٍ وأهدى

يا سائراً والقلوب تسري

بسيرٍ لايطيق بُعْدا

والصبر لم يبق منه إلاّ

ما لم يطق للهيام ردا

لولا رجاء اللقاء كَادَت

تُهد منَّا القلوب هَدّا

فهو لها كالغذاء يُحيي

نفوسنا بالمُنَى ممدا

فسر قربنا لكل خير

مصاحباً دولة وسعدَا

وصحة لا تزال تكسو

ذاتك مما تحوك بُردا

لا تشتكي في النهار حراً

ولا بجنح الظلام بَرْدا

لموطن السعد في أمانٍ

تزداد عزاً به ومجدا

والوقت في غاية اعتدال

وطالع السعد قد تبدى

أعظمْ بها سفرة وسيراً

أكرم بها وجهةً وقصدا

ص: 282

صحبت براً وأنت بحر

والجود والبر منك مُدَّا

فيا له من قران سعد

حاسده بالردى تردا

لا عدمت مجدك المعالي

ولا رأت من علاك فقدا

وسرت في دولة وأمن

ما حمد الحَامِدون حمدا

ثم كررنا الوداع خارج المدينة، وعضدي بيده الكريمة، إلى أن أصعدني السفينة، ثم شمر ذيله ومضى، وأودع قلبي جمر الغضا، (ثم توركنا على المطية الدهماء، ونبطنا الولية الماشية على الماء)، ثم رُفع شراع السفينة ومرساها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِسمِ الله مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم سارت بنا من تلك المرسى وسرت فيها وأنا أكفكف أمطار الدموع، وأخلب المدينة لأجل من فيها بالطرف الوامق والقلب الولوع، ولم أزل أتبعه ويتبعني بالبصر، الى أن غاب كل منّا عن النظر:

وقد علاني وعراني بعد حبي خَبَل

وكل من خاطبني قلت له قد رَحلوا

يقول من أبصرني وسوس هذا الرجل

(وتلك السفينة تهفوا بقوادم غربان، وتعطف بسوالف غزلان، وتنساب في

ص: 283

الجَنَابِ كالحُبَاب، وتحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب) ولم تزل بنا تسير وتمور، وتنجدُ بين الأمواج وتغور، ونحن كما قال الشريف أبو القاسم شارحاً مقصورة حازم:

وغريبة الإنشاء سرنا فوقها

والبحرُ يسكن تارةً ويموجُ

عُجنا نؤمُّ بها معاهدَ طَالمَا

كرمَتْ فعاج الأنسُ حيث تعوجُ

وامتدَّ من شمس الشروق أمامنا

نورٌ له مَرْأى هناكَ بَهيجُ

فكأنّ ماء البحر ذائبُ فضةٍ

قد سالَ فيه من النضار خليجُ

وسرنا بعزم لا يُفكُ جدّه، ولا يتجاوز حدّه، وحزم لا يثنى رسنه، ولا يلم بعين وسنه، وجزم لا يبلغ مجتهد جدّه، ولا تعتري العجز والتواني جده، وتلك الجارية المنشيةُ تتبختر بنا على سبط البحر تبختر الجارية الناشية على بسط البرّ الى حين انتصاف ذلك النهار، فوصلنا إلى مرساة بلدة أُسْكُودار، ونزلنا في عمارة داخل البلد، وأقمنا بها إلى وقت صلاة الجمعة من الغد، فصلينا الجمعة بتلك البقعة، ثم

أسرعنا إلى التحميل مبادرين، وبادرنا إلى الرحيل مسرعين،

ص: 284

ولم نزل نَفْري أديم الثرى، ونجدب مطي الفيافي بجدب البرى، إلى أن هرم ذلك النهار، وكاد جرف اليوم ينهار، وما بطل السير ولا تعطل، حتى أشرفنا على قرية القَرْطَل، وبتنا بها ليلة السبت رابع عشرين شوال بمكان مشرف عال، مخضر الجنبات، طيب النفحات، مستحسن النبات، حسن للبيات، فحين تبدّى النور، وتكلم العصفور، أزمعنا على الترحال، وشددنا الخيل والأحْمَال، واستمر بنا السير متصل الأعمال، إلى أن وصلنا الى كيكثبزه وقت الزوال، ودائره البيضاء يتمنى مركز الزوال، فأقمنا بها ريثما نقيل، ونريح علل الرفاق ونزيل.

ثم رحلنا منه وسرنا نجدُّ في السير، ونسرع إسراع الطير، إلى أن جدّ المسير وحمى الهجير، فوصلنا إلى سَاحِل البحر إلى محل التعدي، وقد علمنا من تكرر صحبته ما هو منطوٍ عليه من الجور والتعدي، فاخترنا مِنَ الجواري المنشئات جارية حالكة السيات، واستخرنا الله في ركوبها، ودعوناه في تيسير مرامها ومطلوبها، ثم حللنا بها وأنِسْنَاها، وتأملنا من الله الرحمة وما آيسناها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِِسمِ اللهِ مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم أسرعت في اندفاعها، وقد استذرينا تحت ظل شراعها:

فحسبته خوف العَواصِف طائراً

مدّ الجنان على بنية جناحا

(ولم نزل نسير والبحور هْو (؟) والعيش صفو والزمان لهو)، حتى إذا كنا

ص: 285

بالمواسط أمر الله تعالى باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الواحة المؤتلفة، فضربنا في البحر يمينا ويساراً، وسرنا إقبالاً وإدباراً، وتدفعت الأمواج وعظم الارتجاج، وعصفت الجَنُوب، وعسفت الجُنوب ومسي السفر ما كان، وجاءهم الموج من كل مكان، فرجفت القلوب وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لم تشته السفن. وقد اشتدت علينا الرياح الغربيّة، وتحكمت فينا المياه البحريّة، ولم نزل في

تلك السفينة بين قوادمها وخوافيها، نلاحظ المنايا حينا وحينا نوافيها، قد تبدلنا من ظل عُلاً ومفاخر، بقفر بحر طامي اللجج زاخر، ومن صهوات الخيول المسرجة، بلهوات بحر امتطينا ثَبْجَه، ولم نزل نعاني أليم الوجد وعظيم التبريح، إلى أن أذن الله سبحانه بسكون الريح، ثم أرسينا بعد عناء طويل بمرساة القرية المعروفة بالديل، ثم ترحلّنا من تلك المرسى، وتبدلنا من تلك الوحشة أنسا، ونزلنا عند العشية بقرية هناك سكن ينكجرية، فبتنا جميعاً بها، ولم نفرق بين ظهر المطر وقبتها، فلمّا بدا من الفجر سفور، ونثر للصبح كافور، وأحرقت فحمة الليل عنبر الصباح، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح، ترحلنا من ذلك المنزل، وتركنا الراحة عنّا بمعزل، وسرنا في دَرْبَنْدَات ووداة كثيرات الأشجار الملتفة والمياه، إلى أن تضاحى النهار، واستبان رونقه واستنار، فنزلنا بقرية تعرف بقرية الدَّرْوَند، بها مياه شديدة البرد، وأشجار طيبة النشر كالعرار والرند.

ص: 286

ثم أخذنا في أهبة الترحَال، ورحلنا منه بعد الزوال، وسرنا في فياف كثيرة التراب والعجاج، واسعة الشعوب والفجاج، شديدة الحرّ والسموم، (ماؤها بعد قوة محموم، ونسيمها بعد تنفسه مزكوم، وسحاب وخير مركوم، وثوب حميمه مَرقوم). ثم انتهينا إلى تلال وأوعار، وأشجار من شجر البادية صغار وكبار، إلى أن أشرفنا على بحرة أَزْنِيْق، ذات المنظر الأنيق، والوجه الشريق، وهبّ نسيم الروح منبعثاً بما به الروح تحيا بعد موتٍ وتبعث، وعاد إلى الأجسام رونق حسنها وكادت به تفنى حقيقاً وتجدث. (ثم مسينا ساحلها على بساطٍ أخضر، وأديمٍ أنضر) ثم لم نزل في طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في هاتيك الخمائل. ودخلنا البلدة والشمس مرضى أصائلها، والربى معصفرة وصائلها، ونزلنا بها بعمارة منسوبة للوزير الأعظم الهُمَام إبراهيم باشا والد عيسى باشا نائب الشَّام، وبتنا بها ليلة الاثنين سادس عشرين شوال، ونحن في أحسن حَال وأيسر بال.

ثم رحلنا عندما اكتهل من الليل الشباب، وشمّر ذيله للهرب والذهاب، وأقبلت تباشير الصباح تترى، وأخفى الأفق زهراً وأظهر رهزا، وسرنا ساعة بجانب شاطيء بركتها، ثم ارتقينا على كاهل عقبتها، ثم أظلم الجو، وتراكم النو، وارتفع الصحو، وتبدّل بالكدر الصفو، وهما الغمام، وأرسلت شآبيب الأمطار كالسهام، وغلب اليأس على الأمل، وقلت: أنا الغريق فما خوفي من البَلل، ولم نزل في صعود وهبوط، ورجاء وقنوط، وبسط وقبض، ورفع وخفض، لا نرى مفعولاً إلاّ للفاعل المختار، ولا نشهد موصولاً إلاّ وقد انفصل عن صلته وعوائده بلا اختيار، والحال عن المكاره لا تتميَّز، وقد أحوج ابتداء السير فيها إلى خير انقاضئه وأعوز، فلا ترى إلاّ التعجب من هذا النعتْ، والتقلب بين العوج والأمت، والأكف مرتفعة

ص: 287

بأكيد الدُّعاء إلى (القريب المجيب) إله الأرض والسماء، عسى يحفّ بالعطف بالنقل إلى خير بَدل، وهو سامع للاستغاثة عز وجل، ثم انقلبت تلك القلبة عند انقلابنا من العقبة، ثم طلعت الشمس، ومدّت حبالها الشديدة المرس، وأفضا بنا السير إلى فضاء واسع، وقطر شاسع، وقرى كثيرة، ونعم غزيرة، وكان وصولنا ضحوة نهار الاثنين سادس عشرين الشهر، إلى مدينة الجديدة المعروفة بينكى شهر، ونزلنا بخارجها على شاطئ النهر، في مرج واسع ذي مرعى وزهر، ثم عزمنا على الترحَال وقت الظهر، وشددنا الأحمَال وامتطينا الظهر، وسرنا سيراً مجداً لم نأل فيه جهداً إلى أن تهدم من النهار بنيانه، وأقبل الليل ولاحت نيراته ونيرانه، وأطبق الظلام جفنه وأعرض، فوصلنا إلى قرية آق بيق ومعناه الشارب الأبيض، وبها حمام وخان، وخارجها أشجار كثيرة من السنديان، وبتنا بها ليلة الثلاثاء سابع عشرين الشهر المذكور، ثم رحلنا منها حين تقوضت خيام الدَّيْجُور، وجرد الفجر سيفه المشهور، ولم نزل نجوب تلك الفيافي والقفار إلى تعالي ذلك النهار، فوصلنا إلى القرية المعروفة بأرمنى بازار، ونزلنا خارجها

بذلك المقعد المار المركب على العين، وأقمنا هناك إلى ما بين الصلاتين، ثم سرنا منه والأبدان أيضاً تعب، والهاجرة ذات لهب، ولم نزل نجوب كل تنوفة، ونقتحم كل مخوفة، إلى أن قضى اليوم نحبه، وواصل قرص الشمس غربه، فانتهينا إلى قرية بُوزيُك ومعناه التل الأشهب، وبها عمارة لقاسم باشا الوزير أتقن وضعها ورتّب، وأبدع في عمارتها وأغْرَب، فنزلنا بظاهرها بمرج وسيع به أعين وربيع، وبتنا به ليلة الأربعاء إلى أن سلب الليل خضابه، وأماط الفجر نقابه، ثم أخذنا في السير والترحال، ولم نرثِ لتلك المطى من الكلال، ولم نزل نسير ذلك اليوم، إلى أن حلّ الفطر من الصوم، ثم شرعنا نشقّ جلابيب الليل شقا، ونحاسبه من عمره على ما تبقّى، إلى أن أفضى بنا السير

ص: 288

إلى قرية تعرف بالسقا، فنزلنا بها لنكسر سُلْطَان النوم، ونجبر برعي الأعين ساعة بعض ما نالها من الشؤم، ثم سرنا منه عندما تبدّى وجه الفجر في قندس الليل، وهزم أدهم الليل بأشهب من جياد الخيل، ثم ابتسم وجه الصباح بعد التعبيس، عن عشر من الشهر وهو نهار الخميس، ولم نزل نجوب كل بيداء، ونقتري كل شجر أو برداء، إلى أن وصلنا الضحى العالي إلى قرية تعرف بالقالاي وربما سميت أيضاً بالكامالي، فلبثنا ساعة بذلك المكان، ثم سرنا فوصلنا إلى قرية آق وران، واليوم قد ولّى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه، وذلك ليلة الجمعة ذات الإتمام والكمال لثلاثين من شهر شوال، ثم رحلنا منه عندما درّ قرن الغزالة من المشرق، وانجلى وجه مرآتها المُشْرق، فما تضاحى ذلك النهار حتى حصلنا بمدينة قرا حصار، واتفق حصولنا في تلك البقعة ذهاباً وإياباً يوم الجمعة، فنزلنا بها بعمارتها منزلاً مرتضى أعقب بالرضى وأنس أنسى ما مضى، وطابت الروح وانبسطت النفس، وأنست راحة ذلك اليوم ما اعترانا من تعب الأمس، واجتمع بنا في ذلك المنزل رَجُلٌ من الأعيان يقال له الحاج شعبان بن الحاج رمضان، ثم عمنَا بخيره ومِيْره، وخدمنا بغسيل وغيره،

وسأل عمن رَمَى صيداً فأبان منه عضواً أيحل هو والعضو أم لا؟ فأجبت بأنه إن كان الجرح مدفقاً ومات في الحال حلّ العضو والبدن، وإن كان غير مدفق ومات منه بعد مدة حرما أو ذَبْحُهُ

ص: 289

حَلَّ هو دون العضو، فاستملا ذلك الجواب وكتبه، وابتهج به وأطربه، وسُرَّ به وأعجبه.

ثم أقمنا بتلك البلدة ذلك اليوم ليلة السبت مستهلّ شهر ذي القعدة إلى أن حان أول وقت الصوم، فلما نشر الصبح راياته وحيعل الدّاعي إلى صلاته أجبناه مثوبين، ثم ترّحلنا مؤنبين، ولم نزل نتابع السير ونواصِل، إلى أن مال المعتدل واعتدلَ المائل، (ولم نزل نحثّ في الرحيل، ونصل المساء بالصباح والغدو بالأصيل) فكان بلوغ الغاي في قرية عظيمة تعرف بالشاي حين هَرِمَ النهار وشاخ، وسكن حره وباخ، وقد أعيى الركب وباخ، فنزلنا بها بمرج أفيح، فيه للعيون مسرح، وللنواظر مسنح، وظل دوحات نتفيأ منها الظلال، عن اليمين تارة وأخرى عن الشمال، فبتنا به والزهر أنضر من الندى، في ظل أخضر بارد الأنداء:

والليل يخفي نفسه في نفسه

والصبح كشاف كل غطاءِ

وكأنما الإصباح تنثر مهرقا

أثر المداد به من الأمساءِ

فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلاّ لتغريد الطيور في أعوادها، فبادرنا لأداء الفرض مسارعين فما منّا إلاّ متوضٍ أو مصل.

ثم رحلنا قاصدين قرية نسق لي، فوصلناها حين تضاحى النهار، وتصاحى بعد الإسكار، وتهلل وجهه واستنار، فما استقرّ بنا القرار، ولا ضمتنا أطراف تلك الدار

ص: 290

حتى عَنَّ لنا ما يقتضي المسارعة والبدار، إلى مدينة آق شهر وشهرتها عندهم أقشار، فوصلنا ذلك اليوم وهو الأحد ثاني الشهر آخر النهار. ونزلنا بعمارة حسين باشا بها، وهي عمارة بلغت في المحاسن النهى، قد كملت في صفاتها ونعوتها، وبها مياه تجري في مسجدها وبيوتها، وأقمنا بها بقية ذلك النهار، ثم ليلة

الاثنين ثالث الشهر إلى وقت الإسفار، ثم رحلنا منها حين أذكت ذُكاء قبتها علينا، وسفرت فكشفت عن صحبتها إلينا، وسرنا في ظل ظليل وزهر بليل وهواء صحيح ونسيم عليل إلى أن حان وقت المقيل، فنزلنا بمكان يقال له سكت لي أي موضع الصَّفْصَاف، وأقمنا إلى أن تجاوزَ النهار حَدَّ الانتصَاف، ثم أخذنا في التحميل والترحيل، ولم نزل بين وَخْد وذَمِيْل، وإجازة مِيل بعد مِيل، إلى أن وصلنا إلى قرية تلعى حين حان وقت الأصيل، وبدت الشمس بلون العليل، فنزلنا بشاطىء نهرها في ظل دوح ظليل:

تحسب النهر عنده تثنى

وتخال الغصون فيه سيل

فبتنا بذلك المنزل بجانب النهر ليلة الثلاثاء رابع الشهر، فلمّا انفجر فجر ذلك

ص: 291

النهار، وهبينا من النوم هبوب نسيم الأسْحَار، أخذنا في الترحال، وشددنا الخيل والأحمال، وأخذنا نسير ونجدّ في المسير، إلى (أن رفل عطف اليوم في الثوب النضير، فوصلنا في) وقت العصر أو بعده بيسير إلى قرية تُعْرف بصلاح الدِّين، وربما عجمت الحاء في لغة الأعجمين، وأقمنا بها إلى أن عطس أنف الصباح، وحَيْعَل داعي الفلاح، وتبدّا علم الفجر ولاح، فسرنا سيراً مجدّاً، لم نأل فيه اجتهاد ولا جهداً، فما فتئنا كذلك ولم نزل، إلى أن حطّ الركاب بمدينة قُونِيَة ونزل، وذلك وقت الطَفَّل، حين أقبل العشاء وطَفَل، وتبختر النهار في الثوب القصير ورفل، ثم أقمنا بها يوم الأربعاء ويوم الخميس معاً، ثم من يوم الجمعة إلى وقت الصلاة في عمارة الوزير الأعظم بير باشا رحمه الله، وحضرنا في ذلك الوقت من النهار وقت الشيخ الصَّالح المشهور بمنلا خنكار.

ثم أخذنا في الترحال والمسير، وقد حَمى الحرّ واشتدّ الهجير، فسرنا غير بعيد نحو نصف أو ثلثي بريد، ينقص عن ذلك شيئاً أو يزيد، فأحسست بفتور في الحواس، وثقل شديد في الرأس. فلم أجد بدّاً من النِزُول على حيّ هناك نُزُول،

فأقمنا بذلك المكان في جوار أولئك التركمان إلى أن هتف داعي العُتْرُفَان، وحَيْعَل المثوب بالأذان، (نهار السبت ثامن أيام شهر ذي القعدة الحرام) فلم نجد

ص: 292

بُدّاً من الرحيل، واحتساب الصبر الجميل، فلمّا تعالى النهار وتصاحى، وتلألأ وجهه وتضاحى، نزلنا بشاطىء نهر يقال له سارسينا، قد فاق بعذوبته وخصره على مياه تلك البلدان وأربى:

وعليه الشمس قد

ألقت شعاعاً كاللهب

شبه مس أخضر

عليه حلى من ذهب

فنزلت في فنائه كي أزيح العلة، وأنفع ببرده الغُّلَة، فتضاعف حر الحُمَّى ولم يبرده ذلك الماء، ثم لم نجد بدّاً من الجدّ في المسير، وإن اجتمع هجير الحُمَّى والهجير، ولم نزل (نواصل السير ليلاً ونهاراً، ونتابع السُرَى إظلاماً وأقماراً)، ونجوب تلك الفيافي والقفار، أناء الليل وأطراف النهار، وكلّما تذكرت البلاد انقلب العذاب عذباً أو الأهل والأولاد وجدت سهلاً ما كان صعبا، وقد اشتدّ التعب والعناء، وتحكّم الألم والضنى، وكاد أن يستولي على الهيكل الفناء:

ولذّة جسمي بذاك الضَّنى

ورَاحة قلبي ذاك الألمْ

ومدة هذا الهُيَام ثلاثة من الأيام إلى أن أدّت بنا الرحلة إلى البلدة المعروفة

ص: 293

بأرْكلي وتسّمى بِهرَقْلَة، وكان حلولنا بتلك البلدة يوم الاثنين عاشر ذي القعدة، وقد تضاعف السقم وترادف الألم، واشتدّ بي المرض، وغيَّر جوهر الجسم ذلك العرض، وعجزت عن الحركة والانتقال والتحوّل والارتحال مدّة ثلاث ليال، وأنا أتلهب من شدّة البعاد، وأتلهف وأتشوق إلى معاهد البلاد، وأتأسف وأتمثل بقول العبّاس بن الأحنف:

يا بَعيدَ الدَّارِ عن وَطَنِهْ

مُفَرداً يَبكي على شَجَنِهْ

كلَّما جَدَّ الرَّحيلُ بِهِ

زادَت الأسْقَامُ في بَدَنِهْ

ولقد زادَ الفؤادَ شجاً

طائرٌ يبكي على فَنَنِهْ

شَفَّهُ ما شَفّني فبكى

كلُّنا يَبكي على سَكَنِهْ

فحين طال المطال، واشتدّ ذلك الحال، لم نجد بدّاً من اكْتَرَاء جمال ومن شراء مَحْمل يحملنا، فحين تمّ الأمر وكمل، وحضر المحمل والجمل، وامتطينا مطاه وشرع في خُطاه، بل في خَطاه، ثم خرجنا من تلك البلدة وذلك يوم الأربعاء ثاني عشر القعدة، فلم يلبث ذلك الجمل المذكور حتى مرَّ على بعض ما على تلك الأنهار من

ص: 294

الجسور، فزلّت إحدى رجليه أو يديه، فسقط في النهر هو ومن عليه، فكان ذلك من أنْكَأ القَرْح، ومن الكي أثر الجرح، ولم يسعنا غير الصبر والاحتساب، والتبدّل بجميع الأثواب، ثم نزلنا تلك الليلة ببعض قُرَاها واستعملنا ما كنّا استصحبنا من قراها، ثم أصلحنا الأحوال، وعزمنا على الترحال، عندما غاص نَهْرُ المجرَّة، وهتمت أسنان الكواكب المفترّة، وضحك وَجْهُ الشرق بعد التعبيس، فأسفر عن ثالث عشرين الشهر يوم الخميس، وسرنا مجتهدين وأسرعنا مجدّين إلى أن نزلنا بقرية تعرف بشجاع الدِّين، ثم رحلنا منه وقت الإظهار، وانتصاف ذلك النهار، ولم نزل نقطع أديم الفلا ونَفْري، حتى أنخنا بالقرب من آق كبري، والعشية تخور بدمانها، وذُكاء تتسخط بدمائها، فبتنا بذلك المكان بالقرب من النهر ليلة الجمعة رابع عشرين الشهر إلى أن أنشد لسان الحال قول من قال:

لم نرَ الليلَ حيث رقَّ دُجاهُ

وبدا طيلسانه يَنْجَابُ

وكأنَّ الصباحَ في الأفْقِ بَازٌ

والدجى بين مخلبيه غرابُ

وكأن السماء لجة بحرٍ

وكأن النجوم فيها حُبَابُ

وقد تشوقت الأبصار لسفور الأسفار، فحين أسفر النهار واستراحت أعين النظّار من ألم الانتظار، أخذنا في المسير بعد التحميل، وجمعنا بين طرفي البكر والأصيل، وغالب سيرنا ذلك النهار في مروج وأنهار، وعيون جارية، وأشجار

سامية، وجبال عالية، إلى أن وضعنا الرحال ليلة السبت بمرج أفيح حسن النبت، بالقرب من

ص: 295

عقبة الكولك المارةِ النعت، ذات العوج والأمت، ووعُورة المنهج وصعوبة السمت، فأقمنا به إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب جناحه ورشا عليّ بالعنبر الورد:

وحَلّت يد الجوزاء عقد وشاحها

إزاء الثريا وهي مقطوعة العقد

ثم قطعنا تلك العقبة وسلكنا مسالكها المستصعبة، ولم نزل نرقى فيها إلى أن بلغنا مراقيها وإذا هناك قلعة قد عقدت الجبلُ حبْوَتَها، وأزْلَقت الغُرابَ أن يَطأ ذُرْوتَها، وعَصَمَ سِوارُ الوادي الملويِّ مِعْصَمها، وحَمَتْ غُرر دهمائها أَدْهَمَها، فالخيلُ تصعد إليها أنجما بين طالع كطالِعها وغارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا تستقر بأخمص راجلها، ولا بحافر فرس راكبها، تأوي الطيور الكواسر لأدنى حافاتها، وتبلغ النفوس نهايتها عند موافاتها، وتزِلّ أقدام الصاعدين عن أكثر صفاتها، وتعجز أوصاف الواصفين عن بعض صفاتها:

يأوي إليها كُلُّ أعورَ ناعبٍ

وتَهُبُّ فيها كُلُّ ريحٍ صَرْصَرِ

ويكاد من يرقى إليها مرَّة

من دهره يشكو انقطاع الأبْهَرِ

ص: 296

فما حصل منها الانفصال، ولا انقطع تتابع السير والاتصال، حتى آن وقت الزوال، وامتدّ الظلّ وَمَال، فنزلنا في مكان كالبستان، به أشجار صِنْوان وغير صِنْوان، وعيون باردة سارحة متطاردة، فارتمينا في ذلك المكان وأرحنا تعب الأبدان، ولكن لم يحصل لي راحة لاشتداد الحمى ولم يبرد حموها برد ذلك الماء، ولم نزل نحثّ السير والسرى، ونعاصي الراحة والكرى، والعلا يذوب من كدّنا خجلاً، والنجم يرعد من سرانا وجلا، والحرور تعجب من تجرينا عليه والسموم يتحول من أقدامنا لديه، ونحن نقاسي كرب الزمان ومحنه، وقد أمضى كل منّا راحلته وبدنه، وأضاق ذكرى وطنه وسكنه عَطَنه، إلى أن وصلنا ظهر يوم الأحد

سادس عشرة مدينة أدَنَة، فنزلنا بها في عمارةٍ لابن رمضان مستحسنة، وألقى كلٌّ منّا عصاه وخلع رسنه، وغشيه ممّا قاسى النعاس أمنه، واستمرينا ثلاثة أيام في تلك الأمكنة، ثم برزنا يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر إلى ظاهر المدينة بشاطىء النهر، وقد صحبنا من تلك البلدة جماعات من الرفاق عدّة، فلمّا تكامل عدة النفر عزمنا بهم على السفر، ثم رحلنا بالقوم بعد الظهر في ذلك اليوم (وقد حضر سمومه وغاب نسيمه)، ثم سرنا نساير السبيل، ونقطع ميلاً بعد ميل، إلى أن تجاوزنا الأصيل، وأظلّنا ليل كظهر الفيل، فنزلنا حينئذٍ بالمَصِّيْصَة على شاطىء جَيْحَان، حين آن وقت العشاء وحان، فحين نزلنا عن ظهور الدواب وحللنا عنها، وقعنا وقعة لا أحلى عند المسافر منها، فلم نستفق إلاّ والليل قد شابت مفارقه، وأزهرت مغاربه ومشارقه، وقد تخلّق الشرق بدرعه المزعفر، وضرب في علياه رنكه

ص: 297

الأصفر، فأخذنا في أهبّة التّرحال وشددنا على الخيل الأحمال، وقد أُشيع أنّ الدرب مخوف، وأنّ اللُّصوص به تطوف، وسرنا في براري وقفار، ذات أشجار كبار، موحشة المسالك، كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، وتوّقدت هضابها، وصرخ بومها، ونعق غرابها، وقد اشتدّ حرّ الشمس، وفاخر اليوم، في شدائده الأمس، فلم نزل سائرين سائر ذلك اليوم إلى أن حلّ من الفطر الصوم، وغشى الأعين النوم، وعمَّ الإعياء واللغوب جميع القوم، وسامهم ذلك الحرّ والسموم أشد سَوم، وعاموا في العرق كل عوم، وراموا الركون إلى الاستراحة أي روم، فنزلنا حينئذٍ بالنّاس بجانب البحر بالقرب من قلعة بَاياس وبتنا بذلك المقام ليلة الجمعة حادي عشرين القعدة الحرام، ثم سرنا منه ووجه المحجّة قد أماط النقاب ووضح بشعب الفجاج والشعاب. وحللنا في مروج وأزهار، ومياهٍ وأنهار، وجُزْنا بعقبة المركز وقطعناها وانتهينا إلى عقبة بَغْرَاص ووصلناها وقيلنا بأسفلها في روض نضير، به ماء عذبٌ نمير، وأشجار من آس، وفواكه مختلفة الأجناس، ثم أخذنا في عقبة

بَغْرَاص، ذات الالتواء والاعتياص، إلى أن سقطت الشمس للغروب، وقد أنضت الرواحل من الإعياء وضعفت الأنفس من اللغوب، فنزلنا بوسطها عند المسجد والخان، والمياه الجارية في مثل الشاذروان، فاستراحت الأجسام وارتاحت الأرواح، وانشرحت الأنفس غاية الانشراح، ونقعنا الغُلَّة من ذلك الماء وخفّف بعض ما كنت أجده من الحمى، ثم

ص: 298

رحلنا من ذلك المكان المذكور، وقد استنارت بالقمر ظلمة الدَّيْجُور، وسرنا في مسالك وعرة، وشعوب متشعبة مضجرة، وإهباط وإصعاد، وإغوار وإنجاد، ثمّ اكفهرَّ وجه السماء وتغيّر، ودمدم الرعد وزمجر، وأومض البرق من الغرب والشرق، وهبّت الرياح نشراً، وأقبلت السحب زمراً، فرجفت القلوب، وأحسَّت بملاقاة الكروب، واستمرّ ذلك التهديد، وتواتر من الرعد الوعيد، واختلفت آراء الريح، وجاد الغمام بماءه جود الشحيح، ثم أقشعَت السماء، وارتفعت تلك الأنواء، وتفرّق جمع السحاب، وتمزّق منه الجلباب، وأسفر وجه القمر من لثام الغمام، وأزهرت الزهر كالزهر تفتح عنه الكمام، فزالت تلك الكروب، واطمأنت بحمد الله القلوب، ولم نزل نسير إلى أن أظلّ التنوير، وَجَسُرَ الصبح المنير:

ولاحت الشمس تحكي عند مطلعِهَا

مرآة تبر بدت في كف مرتعش

فانحدرنا من تلك العقبة، وسرنا في أرض مستوية مصطحبة بين أشجارٍ كثيرة الظلال، وأنهار تجري بماءٍ زلال، ثم تلقّانا بَرٌ واسع الفجاج والشعاب، كثير العجاج والتراب، طويل المساحة ممتد الساحة، لا يبلغ الطرف منتهاه، ويكلّ الطرف عن بلوغ مداه، فلم نزل نسير به من بكره، إلى أن أبدى النهار حرّه وأضطرم جمره، فقيلنا حينئذٍ بخان يغره، ثم رحلنا منه متوجهين إلى تلقاء بلدة

ص: 299

تيزين، فوصلناها عندما دخلت الشمس خدر الغروب، وتستّرت بسربها المحجوب، وأسبل الليل إزاره، وعمّ ظلامه الوجود وأقطاره. وهي بلدة قديمة، ذات عمائر عظيمة، وآثار معاهد مقيمة، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن والانتهاء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، سامية الارتفاع، مشرقة البقاع، مباركة الأغوار والتلاع، ممرّغة الجنبات، متنوعة النبات، ممدودة الظلال، مودودة الحِلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، قد أخذت من كل المحاسن نَصيباً، وفوّقت إلى سهم الفضائل سهماً مُصيباً ومليت ظرفاً ونخباً، وأوتيت من كل شيء سبباً، فبتنا بها وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة.

ثم سرنا من ذلك المكان حين أبرز الأفق ذَنَب السِّرْحَان، وآن انبلاج الفجر وحان، (ليلة الأحد ثالث عشرين)، ثم أخذنا في المسير صباحاً إلى أن تعالى النهار وتضاحى، ودخلنا في معاملة الحلقة وقت الغداء، ونزلنا في قرية يقال لها تل عدا، فتلقانا أهلها بالسلام والترحيب والإكرام، وأنزلونا في بيوتهم، وأسهمونا في قوتهم، وتواردت علينا منهم الضيافات، وزالت عنّا بحمد الله تلك المخافات واطمأنت الأنفس وطابت الأرواح، وزال العناء وحصل الارتياح.

فأقمت بها إلى يوم الاثنين رابع عشرين القعدة وقت الصباح، فلمّا بدا بنوره ولاح، وملأ ضياؤه تلك البطاح، وكان ذلك المرض قد غلب، واشتدّ بأسه وخلب، وأذهب بالقوى وسلب، فاستخرت الله تعالى في المضي إلى حَلَب إذ لا تخلو

ص: 300

من حبيب، ومن دواء وطبيب، فعسى يحصل فيه الإبلال، ويزول ذلك النصب والكلال، وينحلّ برم الحُمَّى بتلك الحِلال، فسرنا قاصديها تلك الساعة، ومشى معنا من تلك القرية جماعة، باذلين السمع والطاعة، متقربين إلينا بحسب الاستطاعة، إلى أن حططنا بها رحال الألمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام، وكان استقرارنا بها بين الصلاتين (من اليوم المذكور وهو الاثنين) في زاوية البيريّ المعروف بالشيخ حسين، فتلقّانا ولده صاحبنا الشِّهابي أحمد، أحسن ملتقى وأحمد، وأخلى لنا ثلاثة أمكنة وأفرد، وكنّا ظنّنا أنّ الدموع نفدت، وأنّ نيران القلوب خمدت،

فتراكمت من العيون سُحبها، وتزايد من القلوب كربها، وأخذنا بعد السلام في شرح ما فعلت الأشواق، وإن كانت الإحاطة بوصفه تكليف بما لا يُطَاق، ثم تسارعت إلينا للسلام سائر الإخوان، من العلماء والرؤساء والأعيان، فألفيتهم لم ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملاً مبددا، فسُرَّ الجميع بالاجتماع، وأقمنا كما كنّا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددتُ إليهم يداً للوداع، فنثروا من درّ الثناء منثوراً ومنظوماً، ونشروا من برود الثناء مطوياً ومكتوماً، فأنشدتهم:

إني وإن شطّ المزار وبددت

أيدي النوائب شملنا المنظوما

لم أخل من حسن الثناء عليكم

مذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما

ولم أزل بتلك الحضرة أجتلي أنوار المحاضرة، وأجتني نوّار المذاكرة، وأستأنف ما عرفته من ولاتها، وأجدد العهد بعلمائها وفضلائها، غير أنّ ذلك المرض يقصر بي

ص: 301

في الخطى، ويقعدني عن اعتلاء ذُرى المطى، ويرهبني بقوة السطى، ويمنحني ما أراد وما أغناني عن ذلك العطا، ولم يزل يتعالى ويتعاظم، ويتوالى (ويتفاقم، ويذهب في متجره مذهبا ويبلغ في سيله الزُّبى، ويرقى في سبيله على الرُّبى)، وحكماء تلك البلدة يترددون إليَّ كل مدّة، ويصفون من الأدوية عِدّة، فلم يزدد الأمر إلاّ شدّة، وأرادوا إبراد الحُمَّى فكان إبرادها رعدة، فاستخرت الله في ترك التطبب، والإبعاد عنهم والتجنب، والانقياد لحكم الله والاستسلام لديه، وتفويض الأمر إليه، والتوكّل في كل الأمور عليه، ثم قدم من الشَّام في تلك الأيام الحاج محمد المغربيّ البَوّاب وأقرأنا السلام من الأهل والأصحاب، وأخبر بما صنع القاضي قاتله الله في الجهات. وما احتوى عليه من التعصبات والتُرَّهات، فلم ننزعج لذلك لاعتمادنا على الله، ويقيننا الصَّادق أن لا فاعل إلاّ الله، (وحمدنا الله على سلامة الأصحاب والأهل، وعددنا ما عداه من الأمر السهل)، واستمرينا بتلك البلدة إلى أن انصرم شهر ذي القعدة، ثم دخل شهر ذي الحِجّة، وأقام بوفود

العيد الحُجّة، فصلينا بجامع الأطروش صلاة العيد، ثم أضافنا الشيخ عبد الرَّحمن الكُرديّ إلى منزله السعيد (وأخلى لنا خلوته بالجامع المذكور، وسعى في أنواع إكرامنا بالسعي مشكور، فجزاه الله عنّا الجزاء الموفور، فأقمنا

ص: 302

هناك أيام التشريق، وليالي البيض) ذات الوجه الشريق، وكنّا قد بعنا بعض الخيل والبغال، واستخرنا الله تعالى في السفر مع الجمال، وكان قد تهيأ في تلك الأيام قفل كبير إلى بلاد الشَّام، فرددت الاستخارة، وجددت الاستشارة في السفر معه في المَحَارة، فجاء أكابر القفل إلينا وقالوا: أنت المؤمّر علينا وألقوا إلينا مقاليد الأمور، وقالوا: مُر متى شئت بالمرور، فكلٌّ منَّا بطاعتك مأمور، فوقع الاتفاق مع تلك الرفاق، أن يكون يوم الأحد منتصف الشهر التبريز إلى الوطاق، وكنت قد سئمت من النوى والشتات، وأزعجني خبر الجنّة تحت أقدام الأُمهات، وهمْتُ بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحننتُ إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث القاع وأخذت في الإزماع، وفاجأت الأصحاب بالوداع، وعزمتُ عزماً أذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع:

ويومَ وقفنا للوداع وكلُّنا

يَعُدُّ مطيعَ الشوق مَنْ كان أجزما

نُصرت بقلبٍ لا يعنفُ في الهَوى

وعينٍ متى استطمرتها أمطرَتْ دَمَا

فيا له وداعاً ذابت له الأجساد، والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع منه الفؤاد، ثم أنشدت أولئك المودّعين ما قاله بعض المتأدّبين:

أودّعَكم وأودِعْكم لقلبي

وعَون الله حسبكم وحسبي

ص: 303

وأرعى حبّكم ما دمت حياً

وأرجو فضلكم في رعي حبي

ثم ركبت على المَحَارة، وخرج إلى وداعي غالب أهل الحارة، وكان النهار قد تحوّل، والليل قد عوَّل، وأسبل ذيله وأسدل، وأردف إعجازاً وناء بكَلْكَل، فوصلنا إلى خارج المدينة، وهم مشاة (بين يديّ) بسكينة، فجددنا هناك معهم الوداع، ثم

انقلبوا ما بين مثنٍ وداع، ونزلنا خارج المدينة في محل التبريز، في منزل عزيز، بديع التفويف والتطريز، ثم أقمنا في ذلك المحل يوم الأحد إلى أن تكامل السفر ولم يبق منهم بالمدينة أحد، فاتفقنا مع أولئك النفر أن يكون السير من ليلة الاثنين طلوع القمر، فحين كشف أدهم الليل، بأشقر من جياد الخيل، حمَّلنا الأحمال على تلك الأجمال، وأخذنا في التنقّل والارتحال.

ولمّا اتضح الصبح وبان، وبدا نوره للعيان، نزلنا بمنزل خان طومان، ونحن في غاية الدّعة والاطمئنان. وهو منزل فسيح الساحة، مستطيل المساحة، حاوٍ لأصناف النضارة والمَلاحة، فلما اكتهل شباب ذلك النهار، واعتراه بعد النضارة اصفرار، اخترنا عن ذلك المكان الرحلة، وصرمنا حبله وقطعنا وصله، وكان منتهى السير إلى سراقب، عند ظهور النجم الثاقب، وهجوم الظلام الواقب، من ليلة الثلاثاء سابع عشر الشهر، واستمرينا بذلك المكان يوم الثلاثاء إلى العصر، فلمّا حَيْعل داعي الصلاة، وأجابه إليها من دعاه، أخذنا في أهبّة الترحيل، وشرعنا في الشدّ والتحميل، وقطعنا بالسير عمر ذلك الأصيل، إلى أن وصلنا إلى مدينة المعرّة ثلث ليلة الأربعاء أو قبله بقليل، فنزلنا بظاهرها بمربع، فيه للخواطر منزع، وللدواب

ص: 304

مرتع، ولبرد العلة ألطف مشرع، فلم نزل به بقية تلك الليلة ثم من يومها إلى أن استوفى ميله، وأسرج للرحلة خيله، وشمّر للذهاب ذيله، فاقتفينا أثره في الرحيل، وشرعنا بين وَخْد وذَمِيْل، وقطع فرسخ بعد ميل، إلى أن أخذ منّا السهر، وشقّ جلباب الظلام سناء القمر، وصلنا إلى خان شيخون مستعيذين بالله من شر كل خؤون، فلمّا ابتسم وجه الشرق بعد التعبيس، وأسفر صبح يوم الخميس، نفس عنا تنفسه غاية التنفيس، فحصل لنا بنوره بعد الوحشة كل تأنيس، ثم استمرينا في ذلك المكان إلى أن حان وقت العصر وآن، ثم أخذنا نجوب تلك البراري، ونجول في هاتيك الصحاري، إلى أن احتجب النور وبرز الدَّيْجُور،

فارتعنا لإطلال الظلام وإقبال جيش حام، ثم اقتحمنا عساكره أي اقتحام، إلى أن أقبلت طليعة القمر من تلك الآكام، فحصل لجيش الظلام الانهزام، ودخلنا مدينة حَمَاة بسلام، وذلك ليلة الجمعة عشرين ذي الحجة الحرام، وكان منزلنا بظاهرها بالموقف، في مقعد عالٍ مشرف، إلى أن برز الفجر من خبائه، وملأ الخافقين بضيائه، فتلقّانا في ذلك المكان جماعة من الأعيان المنتسبين إلى الشيخ العارف علوان، وبلغونا سلام ولده الشيخ محمد واعتذروا عن عدم تلقّيه لنا بأنه أرْمَد، وقد تضاعف عليه الرَّمْد واشتدّ، لكنه قد صمّم وأكّد أن نحصل في مكان عَيَّنَهُ لنا وأفرد، وكانت الحُمَّى في ذلك الوقت قد اشتدّت، واحتدمت جداً واحتدّت، فلم يمكننا وقتئذٍ إجابة مرامهم، بل ولا جواب كلامهم، بل ولا ردّ سلامهم، فذهبوا ثم عادوا وقد كثروا وازدادوا،

ص: 305

وبالغوا في التأكيد وزادوا فلم يمكنني إلاّ المضي معهم إلى حيثما أرادوا، ولم تزل أهل محلّته يوافونا في الطريق زمرا، ويفدون علينا نفراً فنفرا، إلى أن نزلنا في ذلك المكان، وهو بالقرب من ضريح الشيخ علوان، فتلقّانا ولده بالسلام، وبالغ في الترحيب والإكرام، وأقمتُ عنده ثلاثة أيام، آخرها يوم الاثنين ثالث عشرين الحجّة الحرام، أجتلي في تلك الأيام وأجتلب، وأجتني ولا أجتنب، وأقتني لكل ما أحب:

فالكفُّ عن صلةٍ والأذن عن حسن

والعينُ عن قُرّةٍ والقلبُ عن حائر

فوجدته درة بين النّاس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضنين محتفلة، وحسنة من الدهر الكثير العيوب، ونوبة من الزمن الجمّ الذنوب، بما شئت من أدب يتألق، وفضل تتعطر به النسمات وتتخلّق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب وجواهر الرغائب، إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، ومن

يمت إلى أهل الديانة والعبادة بسبب، مع نزاهة عن الدنيا، وهمّة نيطت بالثريّا، ولهجة ترقرق فيها ماء البشر فأحيا، وحيَّا ومحاضرة مستفزة للحلوم، ودُعَابة ما

ص: 306

خالع العُذر معها بملوم، قد نشأ على عفّة وصيانة وأمانة وديانة، فعظّم الله شأنه، ورفع بالعلم والعمل مكانته ومكانه، وأعلى به منار الهداية، ورزق الناس الانتفاع به في البداية والنهاية، فازدحموا على مورده والمورد العذب كثير الزحام، والتأموا بمعهده وحيث الكرم يزدحم الأنام، وأنشدوا لذي مشهده:

لقد حَسُنت بك الأيام حتّى

كأنك في فمِ الزمن ابتسامُ

لم يزل يقطع الليل ساهراً، ويهش للجميل مبادراً، ويقطف من العلم أزاهراً، ويجمع إلى شرف الخلال خلال الشرف، ويقيم بشرفه في الخبر الحُجَّة على من قال لا خير في الشرف، ويعمر بالحسنات إناءه، ويتبع في القربات آباءه، بانياً كما بنوا، وبادياً من حيث انتهوا. فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المَفاخر، وحجّة المُفاخر، ودليل كم ترك الأول للآخر، ولقد سبرت أحواله، وخبرت أفعاله وأقواله، فرأيت وشاهدت وعندما حمدت مشاهدي أنشدت:

وما زلت في الأخبار أسمع عنكم

حديثاً كنشر المسك إذ يتضوع

فلمّا تلاقينا وجدت محاسناً

من الفضل أضعاف الذي كنت أسمع

فلم أزل ملازماً حِلاله، متأملاً جَلاله، ومستحسناً خِلاله، وكأنني ما عملت

ص: 307

الرحلة إلاّ له، إلى أن فجر الفراق، وما رق وما راق، وتهيأ نفرنا، وتأتّى سفرنا، وأزِفَت النوى، وأثارت الجوى، فأخذت في الوداع، وشاع خبر الجواز وذاع، ولما استقلت نحائب الرفاق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق. وشددنا الأقتاب والأقتاد، وأعددنا الأهبّة والزاد، فبالغ في الإنعام واعتذر، وزود حتّى لم يذر، ثم خرج لوداعي إلى ظاهر البلدة، ومعه من أعيان أهل محلّته عدّة، وكذلك الشيخ الإمام البحر الهُمَام الحسيب النسيب، الآخذ من صدق المحبّة وصفاء المودّة بأوفر

نصيب. ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، مولانا السيد أبو البركات وفا، هو وبعض أخوته، وغالب أهل محلّته، وذلك كما مضى يوم الاثنين، ثم سرت أذري دمع العين، وآسي لشمل لا ينفك من روعة البين، وآسف لعهد كنت إليه استنمت، ولعيني في ظله أنمت، فيا لله كم سربلتني النوى سقما، وأصارت في عقلي لمما، وألبست جسمي مرضا، وسربلت قلبي من عناء، ثم جددتُ الوداع لذينك المحبين. وتجرّعت من فراقهما ما ليس بالهيّن، وأنشدت موجع الجنان مغروق الأجفان:

ما أنصفتني النائبات رمينني

بمودّعين وليس لي قلبان

ثم حلفت عليهما وعلى من معهما بالرجوع، واندفعت أنشد في تلك (الربوع، وقد بلّ الثرى وبل تلك الدموع):

ص: 308

ماذا وقوفك والركاب يساقُ

أين الجوى والمدمع المهراقُ

ألغير هذا اليوم تخبىء أم ترى

بخلت عليك بمائها الآماقُ

حق وقد رحلوا بقلبك والكرى

إنّ النواظر لا الدموع تراقُ

ثمّ أخذنا نسير، ونجدّ في المسير، إلى أن وصلنا إلى الرَّسْتَن، وقد اختفى النهار وأكمن، وتستّر حسب ما أمكن، ونادى منادي العشاء وأعلن، وأقمنا بها إلى أن هرول الليل، وشمّر لذهابه الذيل، فأعملنا الركاب، وأخذنا في الذهاب، وشرعنا في أسباب الإياب، وذلك ليلة الثلاثاء رابع عشرين الحجّة إلى أن بان وجه المحجّة، وأقام بوجود الفجر الحُجّة، ثم بدت الشمس من المَشرق، وانجلى وجه بِشرها المُشرق، فمررنا على مدينة حِمْص مصبحين، ونزلنا بظاهرها في ذلك الحين، ثم جدّدنا عهداً بمعاهدها، وزرنا بظاهرها قبر خالدها، وافتقدنا بها من سراة الناس الشيخ عبد القادر بن الدَّعاس، فأُخْبرنا بسكناه الأرْمَاس، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. وهذا حال الدنيا لم تزل بأهلها لاعبة،

ولنفوسهم ونفائسهم بيد منونها سالبة، وخيل مناياها ما فتئت راكضة، بين ذاهب وذاهبة:

ص: 309

فأولها وأوسطها عناء

بلا فصل وآخرها فناء

ومع هذا فالغبطة بها شديدة، والآمال فيها مع العلم بأنها دار البلى جديدة، حتّى كان حقيقة ما يعلم من استحالتها ارتياب، والرحلة عنها إليها إياب، لقد حُقَّ أن يرفضها البصير، ويستعدّ لما إليه يصير. ونسأل الله في هدايتنا فنعم المولى ونعم النصير، ألهمنا الله طريق إرشادنا، وأعاننا على الاستعداد لمعادنا، وقضى في العاجل والآجل بإسعادنا، إنّه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

فأقمنا بتلك المدينة ذلك النهار بتمامة، ثم ليلة الأربعاء إلى أن كشف القمر عن لثامه، ومدّ نوره على خراب ذلك المكان وأكامه، وبلغ من اعتلائه أقصى غاية مرامه، فأخذنا في التّرحال، وشدّدنا الأحمال على تلك الجمال، فبلغ السير وقت الضحى وانتهى إلى قرية حَسْية وقيلنا بها. ثمّ سرنا قاصدين بلدة قارا، وقطعنا فيافي وقفارا، وبراري وصحارى، إلى أن مال النهار كل الميل، وأقبل الليل إقبال السيل، ومدّ خيامه وسرادقه، وزين بالزهر مغاربه ومشارقه، فوصلنا حينئذٍ تلك المدينة، وحصل بها الاستقرار والطمأنينة، وهذه المدينة مدينة قديمة (البنيان، واسعة الأركان) بها آثار مقيمة، وبعض عمائر عظيمة. سامية الأرجاء، واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، رائقة الموضوع، بديعة المجموع، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وروضها فريج، ونسيمها أريج، ما شئت من منظر عجيب، وجانب رحيب، وبسيط خصيب، يزهو بالحسن المحض، والنور

ص: 310

الغضّ، وناهيك ببلاد الشَّام شامة الأرض، كما قال عَرْقَلَة الدَّمَشْقيّ:

هذا هو الزمن الربيع المؤنقُ

والعيشة الرَّغدُ التي هي تُعْشَقُ

فعلام تصحو والحَمامُ كأنَّها

سَكرى تُغنّي تارةً وتُصَفِّقُ

وتلوم في حُبِّ الدِّيار جَهالةً

هيهات يسلوها فؤادٌ شَيِّقُ

والشَّامُ شامةٌ وجنة الدُّنْيَا كما

إنسانُ مقلتِها الغضيضةِ جِلقُ

من آسِها لكَ جنَّةٌ لا تنقضي

ومن الشَّقيقِ جَهَنَّمُ لا تَحرِقُ

في نَيْرَبٍ ضَحكَتْ ثغور أَقاحِه

لمّا بكاها العَارضُ المتدفِقُ

فأرحنا بها تعب الأبدان، وتلقّانا بها جماعة من الأعيان، وقدموا ما حضر من ميسورهم، وسألونا في النزول بدورهم، فاعتذرنا عن ذلك، ولم نزل هنالك في ذلك المجلس النفيس، إلى أن ولّى يوم الخميس، فعَنَّ لنا المسرى في الليلة الغرّاء، فأخذنا نجوب تلك الصحراء، إلى أن وصلنا إلى بلدة النَّبْك فجرا، فبادرناها

ص: 311

بصلاة الفجر، واغتنمنا بتعجيلها للأجر، ثمّ هدأنا هدأة الوصيب، ووسنا سنة النصيب، فلم نفق إلاّ والشمس قد طلعت، وارتقت لذُروتها وارتفعت، فحللنا بحلال، فأصلحنا الأحوال، وتجهّزنا للارتحال، فوصلنا إلى القُطَيِّفَة وقت الزوال، وهي قرية عامرة، ذات خيرات وافرة، وغلال متكاثرة. فيحاء الضواحي، جميلة النواحي، مخضرّة الأرجاء، فضيّة الأنحاء، وهي من وقف المرحوم السعيد وليّ الله تعالى الملك العادل نور الدِّين الشهيد من جملة أوقافه على المرستان، وهي الآن في ذخيرة السُّلْطَان، فأنخنا بها من عَطَن، وقد أشرفنا بحمد الله على الوطن. وأقمنا بها إلى العصر، وقد زال العناء والحصر، وحصل الجبر والنصر، ثمّ سرنا قافلين عن أوطارٍ بحمد الله مقضيّة، ومساعٍ بفضل الله مرضيّة.

ولم نزل نجوب في تلك البريّة، إلى أن وصلنا إلى قرية القُصَير عشية، فنزلنا بها واليوم في سن الاكتهال، وأيدينا مرتفعة بالشكر لله تعالى والابتهال، وهي قرية حسنة، ودمنة مستحسنة، طيبة الهواء، مشرقة الأضواء. جَمَّة الخيرات، طيبة النبات، كاملة الأذوات، فهي بغية النفس، وغاية الأنس، ومنية الطَرف، ومسرح الطِرف، وسلوة الخاطر، ونزهة الناظر، من حيث استقبلتها أشرقت وكيف ما

لمحت أساريرها برقت:

بلادٌ بها الحَصْبَاءُ دُرٌّ وتُرْبُها

عبيرٌ وأنفاسُ الرياح شَمولُ

ص: 312

تَسَلْسَلَ فيها ماؤها وهو مُطْلَقٌ

وصَحّ نسيمُ الرَّوضِ وهو عليلُ

فبتنا بها ليلتنا، ونقعنا فيها غلتنا، وأبدلنا فيها علّتنا، وقد اشتدّ الشوق والهُيَام، وتضاعف التلهف والغرام، وطرد عن أعيننا تلك الليلة المنام:

وأبرح ما يكون الشوق يوماً

إذا دنت الخيام من الخيام

وكلّما قيل غداً تدنو الدار، ويقرب المزار، طربتُ على السماع، وانتشيت برقبى الاجتماع، وكفكفت العبرات، وتمثلّت بهذه الأبيات:

قالوا غداً تدنو فواحسرتا

لو أن بالعمر غداً يُشْتَرى

يا ليلة قد بقيت هل أرى

أحمد في صبح دجاها السرى

أسمع بالقرب ولكنني

لا تنطفىء ناري حتّى أرى

ص: 313

ولم أزل أرقب النجم أنّى سار، تارةً عن اليمين وأخرى عن اليسار، وطوراً في ارتفاع وحيناً في انحدار:

أرأيت ما قد قال لي نجم الدجى

لما رأى طرفي يديم شهودا

حتام ترمقني بطرف ساهر

أقصر فلست حبيبك المبعودا

واستمريت أرقب مواقع النُّجُوم، وأترصد ثواقب الرُّجُوم، وأنتظر ابتسام الليل بعد الوجوم، وهو لا يزداد إلاّ تمادياً، وكلّما استعجلته في السرى أراني تباطئاً، وكلّما رآني نشطاً ازداد توانياً:

فمن كان يحمد ليلاً في تقاصره

فإن ليلي لا يرجى له سحر

لا تسألوني إلاّ عن أوائله

فإنّ آخر ليلي ما له خبر

فلم أزل أسارقه عقله، وأحاول منه غفلة، إلى أن مال ميلة، فاغتلته غيلة، وأبخسته كيله، ولم أعطه نيله (وجلت عليه جولة، ولم أبق له حيلة) فحينئذٍ أسرَجَ

خيله وشمّر للفرار ذيله:

وولت نجوم للثريّا كأنها

خواتيم تبدو في بنان يد تخفى

ص: 314

ومرَّ على آثارها وبراتها

كصاحب وردٍ أكمنت خيله خلفا

وأقبلت الشعرى العبور بلبه

بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا

كأنّ بني نعش ونعشاً عطائل

بوجره قد أظلوا في مهمة خشفاً

كأنّ سهيلاً في مطالع أفقه

مفارق ألف لم يجد بعده الفا

كأنّ سهاها عاشق بين عود

فآونة يبدو وآونة يخفى

كأنّ الهزيع الأبنوسي وهنة

سرى بالنسج الخسرواني ملتفا

كأنّ ظلام الليل إذ مال ميلةً

صريع مدام بات يشربها صرفا

كأنّ السِّماكين اللّذين تظاهرا

على لِبْدَتَيْهِ ضَامِنَان له الحَتْفَا

كأنّ فعل قطبها فارس له لواءان

مركوزان قد كره الزحفا

تشبيه آخر:

كأنّ الدجى لمّا تولت نجومه

مدبر حرب قد هزمنا له صفا

كأنّ عليه للهجيرة روضة

مفتّحة الأنوار أو نثره زعفا

ص: 315

كأنّا وقد ألقى إلينا هلاله

سلبناه جاماً أو قصمنا له وقفا

كأنّ السهى إنسان عين غريقة

من الدمع تبدو كلما ذرفت ذرفا

كأن سهيلا فارس عاين الوغى

ففر ولم يشهد طراداً ولا زحفا

كأنّ سنا المريخ شعلة قابس

تخطفها عجلان يقذفها قذفا

كأنّ أفول البيد طرق تعلقت

به سنة ما هبّ فيها ولا أغفى

فلمّا بقي من الليل القليل، أخذنا في التحميل، وسألنا من الله التيسير والتسهيل، ثمّ شرعنا نسير في تلك الهضاب، ونجول في هاتيك الشعاب، إلى أن تمزّق من الليل الجِلْبَاب، وتقشّع ظلامه وانجاب، وظهر الفجر من الحجاب، ومدّ من سرادق

ضيائه على الوجود الأَطْنَاب، (وافترّ ثغر الضوء في وجه ذلك الجوّ)، وأقبل الصبح مبشراً بالاجتماع، كما كان منذراً بالفراق في حالة الوداع، فشكرت سعيه إذ ذاك، وأنشدت وأنا باك:

شكرت سعي الصباح لمّا

وافا بشيراً بالاجتماع

وقلت غُفْراً لما جنته

يداك في حالة الوداع

ص: 316

فلمّا لاح ابن ذُكّاء والتحف الجوّ بالضياء هبّ علينا نسيم تلك الديار، وقابلنا وجهها بالاستبشار، فطار القلب كل مطار، وجادت العين بالدمع المدرار، وأنشدت في تلك الأقطار والدمع يستوقف القُطَار:

هبت سحراً فنبهت وسواسي

نشوى خطرت عليلة الأنفاسِ

أهدت أرج الرجاء بعد اليأس

ما أحسن بعد وحشتي إيناسي

وما برحنا نلتحف من تلك البقاع برودا، ونقابل من هضابها نهودا، ومن رباها أعيناً وخدودا، ونلتمس منها معاهد وعهودا، وقد برز إلى الملتقى سائر الأصحاب والأصدقاء، ولم يزالوا يتواردون إليّ، ويطيلون التسليم عليَّ، وقد استطارت صدوع كبدي من الحنين إلى ولدي، فلم يكن بأسرع من إقبال المبشر بقدومه، ثمّ اجتلاء طلعته مع تسليمه، فأرسلت الدموع تترى، وحمدت الله تعالى شكرا، وأنشدت لبعضهم شعرا:

عينيّ دمعت مسرةً بالجمع

قالوا مهلاً ما في البكاء من نفعِ

دع عينك تستغنم منهم نظراً

ماذا زمن تشغلها بالدّمعِ

ص: 317

وكان من جملة الملتقين إلى ذلك المكان من الأصحاب والأصدقاء والخلاّن، الشيخ الإمام الأوحد، والحبر الهُمَام الأمجد فخر السُّنَّة والملّة، وإمام الأئمة الجلّة، ولي الله الكريم عليه، المنقطع إليه، المنتفع بالقراءة والتلاوة بين يديه. أجلّ العلماء العابدين، وأنبل الأولياء الزاهدين، وأحفل الفقهاء الماجدين، الشيخ أبو العبّاس أحمد

شهاب الدِّين العريقي الأصيلي المعروف نسبه بالميلي.

والشيخ الفقيه العالم النبيه الحبر الأوّاه الخاشع لله، العالم العَلَاّمة والحافظ الفَهَّامة، خير الأخيار وحبر الأحبار، ذو الفضل المتين، والعقل الرصين، الشيخ محمد شمس الدِّين العَجْلُونيّ الريمونيّ. والشيخ الأفضل الأوحد الأكمل، عين الأصحاب، ورأس الأحباب، ذو الحكم الظاهرة، والشيم الطاهرة، والنباهة الحاضرة، والنزاهة التي أذعنت لها الدنيا وتُرجى لها الآخرة، ذو الفضل المبين، والعقل المتين، الشيخ أبو المحاسن يوسف جمال الدِّين بن خضر الشَّافِعيّ الصُّوفيّ القادريّ.

(والشاب الفاضل العالم الكامل، ذو الأعراق الزكية، والأخلاق المرضية، الكثير المحاسن، القليل المساوىء، الشَّمس محمد بن الحمزاويّ).

والشيخ الفاضل والعالم العامل المهذب الأخلاق، الطيّب الأعراق، ذو المحبّة الصادقة، والأخلاق الموافقة، ذو المحل الأسمى، المطابق منه الاسم المسمّى،

ص: 318

خير التلاميذ، ورأس الأسانيد، اللابس من التقوى خير لباس، المحبّ ابن الزَّرْخوني القوّاس.

والشيخ العَلَاّمة الإمام الفَهَّامة، الحبر المجيد، الباحث المفيد، الأوحد الفريد، ذو الفضل البارع، والذكاء الصادع، الطيّب الموارد والمشارع. الآتي من ذكائه بما تقضى منه العجب، الشيخ زين الدِّين الحَمَويّ المسمّى برجب.

والشيخ العالم الإمام الأوحد الأمجد الهُمَّام، المرتقي بفضله إلى أعلى مقام، المفنّن في العلوم، والمتبحّر في المنطوق والمفهوم، ذو الخلق المعتدل والطبع المستوي، الشيخ علاء الدِّين ابن أبي سعيد الحموي.

والشيخ العالم المُحَقِّق، الفاضل البارع المدقّق، البعيد الهمم، الزكي الشيم، الراسخ القدم، ذو الذهن الثاقب، والفكر الصائب، المتقدّم على أكثر من يدرس ويفتي، الشيخ شمس الدِّين محمد الجبرتي.

والشيخ الفاضل، والعالم العامل، الأوحد الكامل، الأصيل الجليل، الحسيب النبيل، الرئيس النفيس الكامل المروة والتام الفتوّة، ذو المناقب التي يحدّها ذكاء، والفعال التي في غيرها قطع الشركا، والأصول التي من فروعها سرى الحسب والزكا العضيدي الذخري، الشيخ بدر الدِّين البَكْريّ.

ص: 319

والشيخ الصَّالح الكامل العابد الزاهد العَامِل المحبّ الصادق، والخلّ الموافق، ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، اللاهي بربه عن الملاهي، الشيخ الصُّوفيّ عبد الكريم الأمياهيّ.

والشيخ الفاضل البارع الكامل العَالم العَامِل، ذو المناقب والشمائل، الحافظ اللافظ، المذكّر الواعظ، الحسن السمت، الطيّب النعت ذو الدِّين الثخين، والعقل المتين، والفضل المبين، قرّة عين المحب وسخنة عين العادي، الشيخ أبو الحسن علاء الدِّين ابن البَغْدَاديّ، وغيرهم من المحبين والأصحاب المتوددين، والتلامذة المترددين ولم يزالوا يفدون زُمَراً ويردون نَفَرَاً فنفرا.

فلمّا كثر المترددون والمنتابون، وقد وصلنا إلى محلّة القَابُون، نزلت من المَحارَة في رأس تلك الحارة، وامتطيت صهوة جوادي، وقد قوى فؤادي عند مشاهدة بلادي، وظَهَرَتْ للصحة إن شاء الله بوادي. فيا له من طرف أشهب، قد اختصر من بالَغَ في وصفه وأسهب، مريع رائق، لاحق سابق، مطلق الجرائد، قيد الأوابد، يلوح كالصباح، ويسابق الطَرف ويباري الرماح، ويمرح بين اختيال وارتياح، وارتجاج وارتجاح. تستوقف اللحظات في حضرته برقة حسنه وكمال خلقته. ذي نخوة شمخت به عن نده، وشهامة طمحت به عن ضده، فهو الأشْمَط الذي حقه

ص: 320

لا يُغمط. أكرم به من مرتاضٍ سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك، وأشْهَب يروي مني عن مالك. قد لبس وقار المشيب في ريعان العمر القَشيْب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لمّا ارتدى بالبياض إلى نغمة

الخطيب، فسار بي الفرس المذكور سير المهيب الوقور بين تلك الأصحاب والأصدقاء والأحباب، فشاهدتُ نوراً خلاف العادة إشراقة، وعزَّ على ضوء النيرين لحاقه. عرفته البصائر قبل الأبصار، وأنكرته النواظر لعلو جوهر نوره على الأنوار، فأيقنت أنّ لله في أرضه المقدّسة من الأسرار، ما لا يظهر عليه من عباده إلاّ الأخيار، ولم نزل نسير بوقار وسكينة إلى أن دخلنا بحمد الله المدينة:

هي الدار لا أصحو بها من علاقة

لأمرٍ لنا بين الجوانح مضمر

فجاد على أرجائها الغيث أنها

منازل جيرانٍ كرامٍ ومعشر

ثمّ وصلت إلى منزل الأحباب، ومنزه الألباب ووفدت على تلك الأعتاب، (واستفتحت تلك الأبواب):

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل

وعدت إلى تصحيح أول منزلِ

ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه

منازل من تهوى رويدك فانزلِ

ص: 321

فنزلت بذلك الجناب، وتلقيت أولئك الأحباب، فجمع الله تعالى الشمل، وله سبحانه المنّة والفضل، بالوالدة والأولاد وبقيّة الأهل، فتلقتني والدتي دامعة العين، تناديني بقُرَّة العين، وتشكوني بالانقطاع والبَين، وتحمد الله على رؤيتي قبل حين الحين، وكذلك بقيّة الأولاد والأخوات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات:

وألقتْ عصاها واستقَرَّت بها النَّوى

كما قَرَّ عَيْناً بالإيابِ المسافِرُ

فيا لله هنالك من صلة رحم، وشمل منتظم، وصدع ملتئم، وقلب منجبرٍ غير منقسم. وطَلَعَ نجم السعد، ويسر الله تعالى بإنجاز ذلك الوعد، وحللنا حلول الحياة بالجسم، والإعراب في آخر الاسم، فاتّقد سِرَاج الأنس في ليل ذلك التوهّم، وأومض برق التبسّم في وجه ذلك التجهّم، ومضى لنا من ذهول الألباب، ومحادثة الأحباب، ومجاذبة أهداب الآداب:

يومٌ كأنَّ نَسيمَه من عنبَرِ

وتخالُ أنَّ أديمَه من جوهرِ

لو باعتِ الأيّامُ آخَرَ مثله

بالعُمْر أجمع كنتُ أوَّل مُشْتَري

وقد قالوا ليس يعدل ساعة الفراق إلاّ ساعة التلاق:

ص: 322

فلولا البعد ما حمد التداني

ولولا البَين ما طاب التلاقي

ولم أزل بالوطن أتلافا ما فرط، وأستبدل الراحة بالعناء والرضى بالسخط، إلى أن انصلحت الأحوال، وحسُنَت في الحال والمال إن شاء الله تعالى، ونسأل الله المحسن المجمل المنعم المفضّل أن يختم لنا بالحُسنى ويُبَوَّأنا من رضاه المحل الأشرف الأسنى، وأن يرزقنا في سائر أحوالنا من أمنه أمنا، إنه سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.

انتهت الرحلة المباركة الملقّبة بالمطالع البدريّة في المنازل الرُّوميّة (على يد منشئها فقير عفو الله تعالى وغفرانه، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن بدر مفرج بن بدر بن عثمان بن جابر العَامريّ الشهير بابن الغَزِّيّ الشَّافِعيّ، غفر الله له ولهم ولسائر المسلمين، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الأربعاء المبارك سادس عشرين ذي الحجّة سنة أربعين وتسعمائة، أحسن الله ختامها وقدّر في خير تمامها بمنّه وكرمه، آمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل).

ص: 323