الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حلب
ثم تجلى وجهه الأشقر، وتبلج ضاحكاً وأسفر، ثم تطلعت عين الشمس ومدت حبالها الشديدة المَرْس، الحاكية في لونها لون الوَرْس، ثم ارتفعت وعلت، وفارت
قدرها وغلت، وتزايد حرّها، واتقد جمرها، فتراءى لنا حينئذٍ وجه حَلَب من بعيد، وفارقنا القاضي من مقام الشيخ سعيد، (فيا له من فراق سعيد، ورأي سديد، وأمر حميد، ثم قصدنا باب المقام الحميد) ودخلنا مدينة حَلَب بسلام، وذلك يوم الأربعاء سابع عشرين شهر الصيام، ونزلنا في زاوية الشيخي الإمامي الكبيري العارف بالله تعالى، الشيخ حسين البيري رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، فتلقانا ولده صديقنا وصاحبنا، ذو الدِّين الثخين، والورع المتين، والعقل الرصين، الشيخ العالم الفاضل أحمد أبو العباس شهاب الدِّين، ولم يصدق بالقدوم والحضور من عظم ما حصل عنده من السرور، ولم يعرفنا إلاّ من قريب، فقابلنا حينئذٍ بالترحيب وتلقانا بالتقبيل والتعنيق، وبكينا فرحاً بجمع الشمل بعد التفريق، ثم أفرد لنا ثلاثة أمكنة فضية متسعة مستحسنة، منها مكان مشرف أنيق، مشرف بشبابيك على الطريق، فجزاه الله عنا الجزاء الحسن، وأمدَّه بوافر الجود وكامل المنن (بمنه وكرمه) آمين.
وقد كان هو اجتمع بي في دِمَشْق مدة مديدة، وقرأ عليَّ فيها كتباً عديدة، وأعطيته نسخة بتأليفي المُسمّى بالدُّر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكَتَبَ بخطه تأليفي المُسمّى بالبرهان الناهض في نية استباحة الوطيء للحائض، وقرأ
عليَّ غالب الأوّل، وتمم الثاني قراءة وأكمل، وكتبتُ له إجازة حسنة جاء فيها ما قلته بديهاً:
فهو الشِّهابُ شبيه البدرِ في شرفٍ
…
وفي علاءٍ وتكميلٍ وتنويرِ
والبحر فضلاً وإفضالاً فيا عَجَبَاً
…
للبحر كيف انتهى حقاً إلى البيري
ولم يزل أهل تلك الديار والأقطار يطيرون الينا كل مطار، بين سار بالليل وسارب بالنهار (لحصول مآرب وبلوغ أوطار)، فمنهم أحد المتقين وعباد الله الصَّالحين الإمام الفاضل الفَهَّامة الشيخ جمال الدِّين يوسف بن محمد بن عثمان الشهير بابن العوامة، الخطيب والإمام بجامع الطواشي بباب المقام، قرأ عليَّ
مواضع متعددة من المنهاج قراءة سلك فيها أعدل طريق، وأقوم منهاج، محققاً لمعانيها مدققاً لمبانيها، وسمع من نظمي قصيدتي الآتية القافيّة القافية غرة القصائد التي رثيت بها شيخ الإسلام الوالد، ووسمتها بنفث الصدر المصدور وبث القلب المحرور، وأولها:
قلب يذوب وأدمعٌ تتدفقُ
…
والجسم بينهما غريقٌ محرق
وسمع أوائل شرحي المنظوم على ألفية ابن مالك، وأخذ عني أشياء كثيرة غير ذلك.
ومنهم الشيخ الإمام والحبر الهُمام شيخ المسلمين أبو عبد الله محمد شمس الدين الخناجريّ الشَّافِعيّ، شيخ الفواضل والفضائل، وإمام الأكابر والأفاضل، وبدر الإنارة المشرق لسُرى القوافل، وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم أوافل، له المناقب الثواقب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج، وله بالعلم عناية تكشف العماية، ونباهة تكسب النزاهة، ودراية تعضد الرواية، ومباحثة تشوق، ومنافثة تروق، مع طلاقة وجه، وتمام بشر، وكمال خلق، وحسن سمت، وخير هَدْيٍ، وأعظم وقار، وكثرة صمت:
مُلَحٌ كالرياض غازلت الشم
…
سُ رُبَاها وافترَّ عنها الربيعُ
فهي للعين مَنْظَرٌ مونق الحُس
…
ن وللنّفس سُؤْدُدٌ مجموعُ
وقد كان اجتمع بي وبالوالد شيخ الإسلام في مِصْر ثم في الشَّام، ووقع بيني وبينه مفاوضة ومذاكرة، ومباحثة ومحاورة، مع إذعانه لما أذكر، وقبوله لما أقول، وهو يدعو لي ويشكر، وعلى الله تعالى القبول، والله المسؤول أن يوفقنا وإياه والمسلمين لما يحب من القول والعمل، وأن يعصمنا وإياهم من الخطأ والخطل والزيغ والزلل.
ومنهم الشيخ العالم العامل والإمام الأوحد الكامل أعز الأصحاب والأحباب، أبو
هُرَيْرَة عبد الرَّحمن بن حسن الكُرديّ الشهير بابن القَصَّاب، إمام قد سما
بجلالة قدره، ونبذ الدنيا وراء ظهره، ووضع الله له البركة في علمه وعمله وعمره، يظل يقطع ليله مستعبراً، ويهش للجهل مبتذراً، عالماً أنه سيحمد عند صباحه السرى، مع رواية ودراية وسلوك وهداية ومراتب عليّة في الزهد والولاية، قد جبل الله القلوب على محبته والنفوس على مودته:
وإذا أحبَّ اللهُ يَوماً عَبْدَهُ
…
ألقى عليه محَبَّةً للناسِ
فما رمقه طرف إلاّ وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلاّ ورأى بركتها في نفسه وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به وبالصِّالحين من عباده. حَضَرَ للسلام عليّ، ثم أضافني إلى منزله وقدّم ما حضر من شهي مأكله، ثم دعا لي ببلوغ ما أرجوه، وصرف كل سوء ومكروه، وحصل له وارد بشّرني فيه بعموم الخير من سائر الوجوه، وذكر لي أنه كتب على سؤال وخالفه في ما كتب ابن بلال، وأن الشيخ أحمد الهنديّ قال: أصابا من وجه وأخطآ من آخر، ولم يفصل مجمل المقال. والسؤال مضمونه: ما الرزق الذي يحصل به للحيوان الرفق؟ فكتب ابن بلال: هو ما يؤكل حراماً أو حلالاً، وكتب هو: هو ما ينتفع به استقلالاً، فافهمته بلطف مقصد الهنديّ، ثم سألني عن التحقيق في ذلك، فذكرت له ما عندي فاستحسن ما قلته وقبّل يدي، ثم بكى وقال: هكذا، هكذا، وإلاّ فَلا، لا يا سيدي، ثم حصل لنا أنس حصل منه بكاء وأنين، وتعانق وتلازم وحنين، والله تعالى يعاملنا وإياه والمسلمين بخفي لطفه آمين.
ومنهم الشيخ المُحَقّق والإمام المدقق حسنة الليالي والأيام، وقرّة عين المسلمين
والإسلام، الشهاب أبو العباس أحمد الهندي الحنفي عامله الله وإيانا ببره الوفي ولطفه الخفي آمين، شيخٌ له في تحقيق العلوم قدم عال وأشتات معال وخاطر يجول في أوسع مجال، فيبرز نفائس لآلٍ، وعرائس جمال، ويأتي بسحر حلال
وبحر زلال:
فضائل مثل الحصا كثيرةٌ
…
وخاطرٌ يغرف من بحرِ
كان عندنا بالشَّام مدّة، وأقام يدرس بالجامع الأموي في كتب عدة، وهو محبّ معتقد، غير ثان ولا منتقد، لطيف الذات والطباع، بخلاف من يأتي من تلك البقاع، سلَّم عليّ وتردد إليّ وسمع مني وأخذ عني، وذكرت بحضوره قول ابن عبّاس وتبعه الشعبيّ بجواز صلاة الجنازة بغير طهارة، فاستفاده وتلقّاه بالقبول، ثم أيده بقول أبي حنيفة رحمه الله بجواز التيمم لها مع وجود الماء وأنها عنده لا تبطل بالقهقهة، وعلّل ذلك بأنها عنده صلاة من وجه ودعاء من وجه، وبحثت معه في غير ذلك أيضاً.
ومنهم الصَّالح النيّر الدّين الخيّر القدوة العَلَاّمة، الشيخ زين الدِّين عمر ابن أسامة، حضر إليّ وسلم ودعا والتمس الخاطر والدعاء، وحصل بيننا وبينه صحبة ومودة، وأخوة ومحبة.
ومنهم الشيخ الفاضل العالم المواظب على وظائف الخير والملازم، المثابر على
تلاوة القرآن إمام جامع الأطروش، الشيخ عز الدِّين محمد بن الشيخ عبد الرَّحمن بن شعبان، وقع بيننا وبينه مذاكرة ومفاوضة ومحاورة، فاعترف بالفضل التام وأنشدني عند القيام:
كانت محادثةُ الركبان تخبرني
…
عن علمكم وسناكم أطيبَ الخبرِ
حتى التقينا فلا والله ما سمعتْ
…
أذني بأعظمَ مما قد رأى بصري
ومنهم الشيخ الفاضل العالم العامل ذو السكينة والوقار، أبو زكريا يحيى ابن حسن بن قحقار، إمام الحنفية بالجامع الكبير، المشهور بابن الخازندار، سلّم علينا بالجامع وتودد، وأسرع وأشرع إلى تقبيل يدي وما تردد، فأجللت عن ذلك مقامه، وضاعفت حسن تلقيه وإكرامه.
ومنهم الشاب النبيل العالم الأصيل الفاضل الجليل، البدري حسين بن الشيخ زين الدين عمر بن قاضي القضاة جلال الدِّين النَّصِيبيّ الشَّافِعيّ، له حسب صميم، وسلف في العلم قديم، ومنهج على السُّنَّة قويم، وبيت له بالعلم والدِّين تعظيم وتفخيم، فلله ما هنالك من خيم ومنادٍ لا يقبل الرخيم، حسن الصورة، جيد السيرة، عف السريرة، ذو رغبة في الخير وأهله، وسلوك على قويم محجته وسبله،
سلّم عليَّ مراراً وتردد، ولا شكك في اعتقاده ولا تردد، وتقرّب وتحبّب وتودّد، وسأل مسائل على وجه الاستفادة في أنواع العلوم، وسأل في القراة بعد القدوم، ثم أضافنا إلى مدرستهم الشرفية، وقدّم سِمَاطاً هائلاً بأنواع المبرات آهلاً وبأصناف الطيبات حافلاً.
ومنهم صاحبنا الشيخ العالم الفاضل والأوحد البارع الكامل ذو القريحة الوقادة، والفطنة النقادة، والطبيعة المنقادة، الفائق في حسن الخبر والمخبر، شمس الدِّين محمد بن خليل بن الحاج علي بن أحمد بن محمد بن قَنْبَر، اجتمع بي في دِمَشْق الشّام المحروس، وحضر عندي بعض مجالس الدروس، ولم تزل مكاتباته تفد إليّ وترد كل وقتٍ عليّ، وكاتبته بمكاتبة لطيفة فيها نكت ظريفة حكيتها في تذكرتي، وسمع بحَلَب قصيدتي القافيّة على التمام، وقد اهتم بقضاء أشغال لنا غاية الاهتمام، فجزاه الله عنّا جزاء الحسنى.
ومنهم الشيخ الصَّالح المعتقد، زين الدِّين عمر بن الشيخ الصَّالح يحيى ابن الشيخ الصَّالح العارف بالله تعالى سيدي محمد الكواكبيّ البيريّ الرحبيّ، حضر هو وأهله وأهل حارته وسلّم، وعزم علينا لزاوية جده بالجلّوم وصمم، فذهبنا إليها يوم الجمعة تاسع عشرين رمضان المعظم، واستمرينا عندهم وهم لا يمكنونا من التحول
عنهم والانتقال إلى عشية يوم الأحد ثاني شهر شوال، فجزاهم الله عنّا كل خير ووقاهم كل بؤس وشر وضير.
ومنهم الشيخ العَلَاّمة والقدوة الفهامة المقتفي سنن الهدى وآثاره، خطيب الجامع الكبير، الشيخ شمس الدِّين محمد الحنفيّ الشهير بابن الحمارة، سلّم علينا وتودد بعد صلاة الجمعة بالجامع، وهو بصفة المتودد المتواضع المتخاضع.
ومنهم الشيخ الفاضل العالم الكامل البارع في فنون العلوم وأنواع الآداب، الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ إبراهيم بن العُرْضيّ المفتي بحَلَب، حضر لديّ، وسلم عليّ، وسألني عن الخوف والرجاء، فأجبته بما فتح به، وسألني عن حديث: لو وُزِنَ خوفُ المؤمن ورجاؤُه لاعْتَدلا. فقلت له: عدّه الزركشيّ في كتابه في الأحاديث المشتهرة مما لا أصل له، مع أنّ له أصلاً، فإنه أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ثابت البُنانيّ بلفظ: كانا سواء. كما أفاده شيخنا شيخ الإسلام الجلال السُّيُوطيّ في كتابه الدُّرر المنتثرة، ثم أنشدته أبيات أبي نواس في الرجاء:
تَكثَّرْ ما استطعْتَ مِنَ الخطايا
…
فإنّكَ بَالغٌ رَبّاً غَفورا
سَتُبْصرُ إن وردْتَ عليه عَفْواً
…
وتَلْقى سيِّداً مَلكاً كبيرا
تَعضُّ نَدامةً كفَّيْك ممَّا
…
تَركتَ مخافةَ النّارِ السُّرورا
وخبره هذه الطرف بقوله في الخوف:
سُبحانَ ذي الملكوتِ أيّةُ ليلةٍ
…
مخضَتْ صَبيحُتها بيومِ الموقِفِ
لو أنّ عَيناً في المنام تخيّلتْ
…
ما في القيامة كائناً لم تَطْرَفِ
فكتب ذلك من إملائي، ثم دعا والتمس دعائي، والله تعالى يوفقنا وإياه لما يحبه في الدارين ويرضاه.
ومنهم الشيخ العالم المنور، موفق الدِّين أحمد بن شيخ الشيوخ أبي ذر، وهو رفيقنا من حَلَب في السفر.
ومنهم العالم النبيل والفاضل الأصيل الجميل الطّاهر الحسن السريرة، السيد الشريف الحسيب النسيب، شمس الدِّين محمد بن النويرة، اجتمع بي وأثنى واستفاد
منا وأخذ عنّا.
(ومنهم الشيخ العالم محيي الدِّين بن دغيم من أعيان حَلَب.
ومنهم السيد الشريف الحسيب النسيب، برهان الدِّين إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم المعروف بابن البرهان، الإمام بمحلّة حمام الذهب).
ومنهم الشّاب الفاضل إمام المدرسة الشرفيّة، عزّ الدِّين بن علوّ الدِّين الحاضريّ، من أعيان الحنفيّة.
ومنهم الشيخ العَلَاّمة والقدوة الفَهَّامة (قاضي القضاة ذو العقل الوافر والحصا) الأصيل النبيل الرئيس النفيس الذي لم يزل في ثوب السيادة يرفل القاضي ابن جُنْغُل، حضر لديّ وسلّم عليّ وتودد وتردد، وقدّم لنا هدية من الحلاوة القرعية.
ومنهم الشَّاب الزاهد والخاشع العابد والأوحد الناسك والأمجد السالك فخر الكبار وخير الأخيار، سيدي أحمد بن الأمير محمد بن إدريس الدفتردار، ذو أبهة وبهاء وحبوة مملوءة مكارم خالية من ازدها، وخلقة سمت في مطالع الحسن إلى أنهى كمال وأكمل انتهاء، تتحلى بجمانها الخرائد ويحسد حسنها النيرات الفراقد، وتنبه من سنة الغفلة، ولا أقول لأجل السجعة ألف راقد، أضافنا يوم العيد إلى محله السعيد وتأنق في سماط أحضره، وقدمه وما أخرّه، وليكن هذا خاتمة سردهم وواسطة عقدهم، وثمَّ جماعة آخرون تركنا ذكرهم خوف الإطالة وحذر السآمة والملالة.
وأخبرنا أصحابنا الشموس الثلاثة، ابن الخناجريّ، وابن قَنْبَر، والسيد ابن