المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

صغيرة، وبها بساتين وأشجار كثيرة، وفيها جامع لطيف بالدفوف الثقيلة - المطالع البدرية في المنازل الرومية

[بدر الدين الغزي]

الفصل: صغيرة، وبها بساتين وأشجار كثيرة، وفيها جامع لطيف بالدفوف الثقيلة

صغيرة، وبها بساتين وأشجار كثيرة، وفيها جامع لطيف بالدفوف الثقيلة مفروش، وبه منبر لعله من الخشب لكنه مستور بالجص المنقوش، وبه تختات مرتفعة زيادة فيه كالسدة، لكنها أكثر من نصفه تسع من المصلين عدة، وأقمنا به من ذلك الوقت إلى العصر، ثم سرنا إلى الخيام بعد أن دعا لنا جماعة ممن حضر الصلاة والإمام، وخارجه منارة عالية ذات طول مديد، وهي مفردة في المدينة تُرى من خارجها من نحو نصف بريد، والبرد فيها موجود، والقطر غير مدفوع ولا مردود، ولا يدرك بها من الزرع شيء كالقمح وما شابهه، ولا غير القراصيا من جنس الفاكهة، وهي شقراء وبعضها شقة بيضاء وشقّة حمراء، فنزلنا خارج المدينة بمرج أفيح، فيه للطرف مسرح وللخواطر مسنح، زكي المرابع (زهي المراتع)، يجري إلى جانبه نهر نهاية في العذوبة والخصر، فارتاحت الأنفس من الحَصْر والألسن من الخضر، ونسيت بحلاوة اليوم ما مرّ بالأمس، وباشرت الملاذ بالحواس الخمس، فأقمنا بقية ذلك النهار ثم ليلة الجمعة رابع عشر الشهر إلى وقت الاستغفار، وانقطع منّا فيها لمواصلة السير جماعة، منهم الشيخي البرهاني ابن جماعة، ثم سرنا من ذلك المكان وقد:

كحّلَ الفجرُ لنا جفنَ الدّجى

وغدَا في وجنةِ الصبحِ لثاما

تحسبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍ

قد سقتهُ راحةُ الصبحِ مُداما

‌قونية

ولم نزل نسير ونسري، وننزل منازل لا نعلم اسمها ولا ندري، حتى سرينا

ص: 101

ليلة الأحد سادس عشر الشهر سروة فوصلنا مدينة قُونِيَة ضحوة، والشمس قد اكتسبت بعد ضعفها قوة، وانجلت في حللها المذهبة أجمل جلوة، وارتقت من أوجها ذروة، وارتفعت عن مشرقها قدر غلوة، ومن متن برجها صهوة، وكست الأرض والجبال من رونق ضيائها أحسن كسوة، ومدينة قُونِيَة مدينة غرّاء وأرض خضراء، ذات تربة زكية، ونفحة ذكية، ورياض أنيقة،

وأشجار نضرة وريقة، ومحيا صبيح، وترتيب مليح، أسواقها مرضية، وخاناتها فضيّة، ومساجدها وضيّة، وعيشتها رضية، وزمانها ربيع، وجنابها رفيع، ونسيمها وان، وجنانها دان، وقاطنها بحبها عان، وليس لها في مزية الحسن بين البلاد القرمَانيّة ثان، وبها مساجد متعددة، وعمارات متجددة، وجامع عتيق، ذو معهد أنيق، وبناء وثيق، ومقام رجل مشهور بالولاية يقال له ملا خنكار، يقام عنده وقت كل جمعة يضرب فيه بالدف والمزمار، ويحيط بها سور عظيم، ذو بناء قديم، به شخوص وأشباح، وجسوم تكاد تنطق لولا فقدها الأرواح، وعلى بعض أبوابها صورة إنسان، متصلة أقدامه ببعض حجارة البنيان، فهذا هو المنكر الذي لا نرضاه ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وهي الآن سرة بلاد قرمان، وقد كانت تخت الملك في قديم الزمان، وقد انتشأ بها جماعة من الصُّوفيّة، ومن أئمة الفقهاء الشَّافِعيّة والحنفيّة، ومنهم شيخ الإسلام فخر القضاة والحكام (القاضي علاء الدِّين وولده العَلَاّمة محبّ الدِّين وشيخ الصُّوفيّة الإمام صدر الدِّين أعاد الله تعالى من بركاتهم علينا وعلى المسلمين)، فنزلنا خارجها بمرج من تلك المروج، به ربيع تمور به الريح وتموج، وبعض غدران مياه

ص: 102

يخصب بها روض الحياة، وتسحب ذيل صفائها على صفاء ذلك المحل وحصاة، كما قيل:

وضاحيةٍ وردْتُ بها غديراً

يقدَّر من صفاءِ الماءِ أرضا

كأن الوحشَ حين تغبُّ فيه

يقبّلُ بعضَها للشّوقِ بعضا

فأقمنا به بقية يوم الأحد، ثم ليلة الاثنين بالكمال، ثم عزمنا وجه الصبح المسفر عن سابع عشر شوال، على الترحل والانتقال، والتحول والارتحال، فلم نزل نجوب في فياف ومهامة، ونجول بين أنهار ومنازه، ورياض قد تولاها الولي، ووسمها الوسمي، وجمشتها نسمات الرياح، وأظلتها رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسها الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا نورها:

من قبلِ أن ترشُفَ شمسُ الضحى

ريقَ الفؤادِ من ثغورِ الأقاحِ

إلى أن نزلنا بمرج متسع الساحة، كبير المساحة، مرتع النواظر، ومتنفس الخواطر، تسفر كل ناحية منه عن خد روض أزهر، وعذار نبت أخضر، وتبسم عن ثغر حَباب في نهر كالحُباب، وترفل من الربيع في ملابس سندسيات، وتهدي نوافح مسكيات، وتزهى من بهجتها بأحسن منظر، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب وأنضر، فقيّلنا به ذلك النهار، ونقعنا الغُلَّة من الماء البارد، ونفعنا العلة من النسيم المعطار، ولم نزل نسير بين تلك الأزهار والأنهار، في العشايا والأبكار، حتى

ص: 103

وصلنا ضحوة الأربعاء تاسع عشر الشهر للمدينة البيضاء، وهي التي تسمى عندهم بآق شَهْر، وهي مدينة لطيفة، حسنة ظريفة، من أنزه المدن القرمانيّة وهي آخرها، وألطف البلاد العثمانيّة وأخيرها، مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، ذات مياه خصرة، وبساتين خضرة عظيمة المنازه، كثيرة الغلات والفواكه، يجلب منها الفاكهة إلى ما يحاذيها من البلاد الرُّوميّة حتى إلى المدينة العظمى القُسْطَنْطِينيّة، ويخترق أرجائها نهر سلسال، كدمع المهجور إذا سال:

يُظَنُّ به ذوبُ اللُّجينِ فإن بَدَتْ

له الشمسُ أجرت فوقَهُ ذوبَ عَسْجَدِ

وبها أسواق معمورة، بالخيرات الموفورة مغمورة، ومساجد عظيمة، وحمّامات

قديمة، وعمارة بظاهرها بها مسجد للجمعة معظم، منسوبة لحسين باشا الوزير الأعظم، وتكيّة ينزلها المسافرون، ويحلّها المتفقهون القاطنون، وليس لها سور ولا حصار معمور، وهي من أرخا هذه البلاد لسعة رزقها ونزرة خلقها وكثرة مغلها وقلّة أهلها وكثافة غيطانها وخفة قطانها، وبها على دون مرحلة بركة كبيرة بها، بعض مراكب صغيرة، يُصَاد بها منها السمك الكبار والصغار، ويُجْلب إلى ما حولها من الأقطار، فنزلنا بها بمصلى العيد، وهو منزل بديع غير بعيد، قد راق فيه الماء، ورقّ

ص: 104

به الهواء، وسفر له الدهر عن محياه، وتبسّم له الزهر وحيّاه، وأحدقت به البساتين أحداق الهالة بالقمر، والأكمام بالزهر، وامتدت له بطحته الخضراء امتداد البصر، وبالقرب من هذه المحلة والمنزلة، مقام خجا ناصر الدِّين المشهور عندهم بالولاية والوله، وله عندهم حكايات مضحكة تدل على التغفل والبله، نظير ما يحكى عن مصحفة جُحَا، وكلاهما من المغفلين الصلحاء، فأقمنا بها إلى وسط النهار، ووقت الزوال والإظهار، ثم أخذنا نجوب ونجول في وهاد وتلول، ووعر وسهول، وفياف وقفار، وربيع وأزهار، ولم نزل نسري ونسير ليلاً ونهاراً، ونجدب بالنجب الفيافي أصالاً وأسحاراً، وتغيب عنّا الشموس والأقمار فنتخذ من المشاعل والفوانيس شموساً وأقماراً، إلى أن وصلنا إلى مدينة قَرَا حِصَار يوم الجمعة حادي عشر الشهر وقت الإبكار، وقد نشر علم الشمس الأصفر، وتخلق الكون بردعها المُعَصْفَر، وأشرق وجهها الأشقر في الآفاق وأسفر، وهي مدينة مستظرفة بين جبال مستلطفة، وعلى جبل صغير عال في وسطها قلعة منيعة، بديعة رفيعة، أمينة حصينة، علية مكينة، سمية متينة، سوداء الحجارة وبها تسمّت

المدينة، وعلى هذه المدينة بساتين كثيرة ومياه غزيرة، وبظاهرها مرج أريج، ذو نبت بهيج، فسيح الرحاب، رحب الجناب، كثيرة الكلأ والعشب، زائد الري

والخصب، يسافر

ص: 105

النظر فيه، ويرتاح بمرائيه، وبها أسواق جميلة، ومساجد جليلة، وعمارة حسنة متسعة، بها مسجد معظم تقام فيه الجمعة، فجمعنا بها فية الجمعة مع العصر، وجمعنا بين الإتمام والقصر، وأول ما شاهدنا في تلك البقعة طرائق الرُّوم يوم الجمعة، وهو أن يصعد المؤذنون المنارة يعلمون بالصلاة ويصلون ويسلمون على سيدنا رسول الله، ثم لا يصعد بعد ذلك إلاّ واحد للأذان، ثم يشرع المقرئون على السدّة واحد بعد واحد في قراءة القرآن، وبعد الفراغ من القراءة والختام ينشد منشداً أبياتاً بالتركي أو العربي بأواز وأنغام، فكان ما حفظته مما أنشده يومئذ قوله:

لي حبيبٌ عربيّ

مَدَنَيّ قُرَشَي

وجهه في نظري

كلّ صباحٍ وعشي

ثم يصلون السُّنَّة ثم يصعد الخطيب ويفعل أفعالا كثيرة بعضها مخالفة للسنّة من ذلك عدم الاتكاء على سيف ونحوه ثم تركه السلام، ثم الخطبة بأوازٍ عال وأنغام، ثم الدق على درج المنبر بالرجل حالة الهبوط والصعود، ثم الالتفات يميناً وشمالاً في القيام والقعود، وكان نزولنا خارجها بذلك المرج، بعد أن أحطنا علماً بالدخل منها والخرج. واجتمعنا هناك برجل جاء بعدنا في البحر من أهل الشَّام، فاستخبرناه عن الأهل والأصحاب فأخبرنا بأنهم طيبون وبلغنا منهم السلام، فزاد تحريك وجد لم يكن بالساكن، وأكد مؤكد شوق لتلك الأحباب والأماكن، ففاضت الدموع من الأجفان، واشتعل القلب بالنيران، وتمثلت قول بعضهم في

ص: 106

هذا الشأن:

يا ساريَ الليلِ هل من رامةٍ خبرُ

فإنني لسواه لستُ أنتظرُ

بالله ربِكَ أخبرني فها كبدي

تكادُ من ذكرهم بالوجدِ تنفطرُ

أحبابُ قلبي وأخواني وأهلُ مني

روحي إذا طَربْتُ والسمع والبصرُ

أعندكم أنني من بعدِ فُرْقَتِكم

لا استلذّ بما يهوى له النظرُ

ترى أراكم على بانات كاظمةٍ

والعذلُ قد غاب والأحبابُ قد حضروا

ويجمعُ الله شملاً طالما لعبتْ

به الليالي ولم يسعفْ به القدرُ

ثم رحلنا من ذلك المكان بين الصلاتين والدموع تسقي تلك الأباطح، والأنفاس تتصعد من لهب الجوانح، فما سرنا إلاّ يسيراً من ذلك المكان حتى مررنا بحمام حامي المياه بغير إسخان، ولم نزل في حث السير والسرى، وعصيان الراحة وودع الكرى، وجول مهامة وبراري، وجوب فياف وصحاري:

ألوي الضّلوعَ من الولوعٍ بخطرةٍ

من شَيْمِ بَرقٍ أو شميمِ عَرارِ

وأُنيخُ حَيْثُ دُمُوعُ عَيني مَنْهَلٌ

يَروي وحَيثُ حشايَ موقدُ نارِ

ص: 107

فلم نزل في حط وترحال، ووَخْد وإرْقَال، إلى أن وصلنا إلى محلة ابن أوكي وقت الضحى العال، من يوم الأحد ثالث عشرين شوال، وهو مرج كبير ذو عشب كثير، قد بسط الغيث به بساطاً أخضر، بحيث لا يكاد شيء من سواد أرضه يُرى، وبجانبه قلعة لطيفة منقورة في جبل عالية الموضع سامية المكان مرتفعة المحل، وهو معد لرعي الخيول السُّلطانية وتربيتها وإصلاح شأنها وتنميتها، وبأسفله اصطبلات برسم تلك الخيل تُصان بها وتأوي إليها في الليل، ثم رحلنا وقت الظهيرة من تلك المحلَّة المذكورة، ولم نزل نسير وقد جَدَّ المسير، وحمى الهجير، وكاد أن يبلغ الغبار الكثير الفلك الأثير، فلما تضمخ جيب الأصيل بالعبير، وسقطت الشمس من الغرب على خبير، بعد أن عراها من خوف هول ذلك الحال اصفرار، وأعقبت من شفقها في الأفاق لون الاحمرار، وصلنا حينئذ إلى محلة أرمني بازار، وهي قصبة حسنة العمارة، بها مسجد لطيف ومنارة، فنزلنا بظاهرها منزلاً تشتهيه الأنفس وتلتذه الأعين، وتسبح من حسنه الأفواه والألسن، فسيح الأرجاء، واسع الأنحاء، صحيح الهواء، به أعين زائدة الخصر والعذوبة، فوق الغاية المطلوبة والحالة المرغوبة، وبتنا في مقعد هناك معظم عال، مركب

على عين تجري بماء عذب زلال، فلما ابتسم ثغر الأفق بعد الوجوم، وفاض نهر المجرة على حصباء النجوم، نبهنا أيدي المطي عن سنة السكون، وحركنا منها ما كان مبنياً على السكون، ورحلنا من ذلك

ص: 108

المكان المركب على العين صبيحة رابع عشرين الشهر، وهو يوم الاثنين في وهاد وتلال، وحجارة ورمال، وغياض وأشجار، ومياه كالأنهار، ودَرْبَنْدَات هنالك وعرة المسالك بعيدة المدارك، كثيرة الهبوط والصعود، والتهائم والنجود، والغبار يكحل بإثمدة الأبصار، فيكاد أن يفقدها حاسة الإبصار، ويدخل في الخياشيم، فيحول بينها وبين روح النسيم، ويكسو الأجساد ثياباً لم تعن فيها يد خياط، ولم يلج فيها سم الخياط، حتى يدع البياض سواداً، ويدر على الملونات من قتامة رماداً، فلم نزل نحثّ مطايا السير والسرى، ونُريق من كاسات العيون طلا الكرى، ونحن كما قال بديع الزمان، وعلامَّة هَمَدَان:

كأنا على أرجوحةٍ في مَسيرنا

لِغَورٍ بنا تَهْوي ونَجدٍ بنا تَعْلو

كأن السُّرى ساقٍِ كأن الكرى طِلاً

كأنّا لها شَربٌ كأنَّ المُنى نَقْلُ

كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فَمٌ

كأنَّ الفلا زادٌ كأن السُّرى أكْلُ

كأنَّ ينابيعَ الثرى ثديُ مرضِعٍ

وفي حِجْرها منِّي ومن ناقتي طِفْلُ

حتى وصلنا إلى مدينة ينكي شَهْر، يوم الثلاثاء خامس عشرين الشهر، وهي بلدة نضيرة لطيفة صغيرة، جميلة المنظر، جليلة المخبر، ذات أسواق موفورة، ومساجد معمورة، وخارجها نهر كبير، ذو ماءٍ كثير، عذب زلال نمير، خضناه وقطعناه، وركبناه وما رهبناه، واستصحبناه وما استصعبناه، وهو يلتوي تحتنا

ص: 109

التواء الصِلال، وينسل في تلك الأراضي أي انسلال، ويدور بجوانبها دور الهلال، ويتراءى بين الشقائق كأنه العذار في الخد الوسيم، ويلبس درعاً محكمة الزرد من نسج النسيم، كما قيل:

حاكَت الرِّيحُ على الماء زَرَدْ

أيُ دِرْعٌ لقتالٍ لوْ جَمَدْ

فنزلنا بها بعمارة عتيقة، محكمة وثيقة، حسنة أنيقة، وكنّا قد سبقنا القوم في ذلك اليوم، ثم سرنا (إلى أن نزلنا) بمرج فسيح الأرجاء، واسع الفضاء، ذو مرعى غزير، وربيع كثير، ونهر كبير:

وقد غَشِىَ النّبتُ بَطحاءهُ

كبَدوِ العِذارِ بخدٍّ أسِيْلِ

وقد ولَّتِ الشّمسُ مُجْتَثَّةً

إلى الغربِ تَرْنو بطَرفٍ كَحيلِ

كأنّ سَناها على نَهْرِهِ

بَقايا نَجيعٍ بسَيفٍ صقيل

وبتنا هناك مجاورين لذلك النهر، ليلة الأربعاء سادس عشرين الشهر، ثم رحلنا

ص: 110

منه عندما نصل خضاب الليل، وشمّر زنجيه للهرب من رومي الصباح الذيل، ولمع صارم الفجر من الشرق كلمعان البرق، وسرنا في دروب محجرة، ودَرْبَنْدَات مضجرة، وشعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية من الأنيس مقفرة، ومسالك عسرة وعرة، إلى عقبة ينخفض عنها طرف العقاب، ويعسكر دونها جيش السحاب، بها أشجار لا تعد ولا تحصى، ولا يدرك الأدنى منها والأقصى، فلم نزل نجوب كل مسلك وطريق، تارة في السعة وتارة في الضيق، إلى أن وصلنا وقت الضحى الأنيق، عند تعالي وجه الشمس الشريق، من يوم الأربعاء إلى مدينة أزْنِيْق، وهي مدينة عظيمة المنظر حسنة المخبر، ممتعة بالروض الناعم والنسيم الأعطر، من أحسن البلاد الرُّوميّة أزقة وأسواقاً، وأكثرها فوائد وأرزاقاً، وأوضحها بياضاً وإشراقاً، وأبدعها اتصالاً بالبساتين والتصاقاً، وأملحها مرسى، وأمنحها أنسا، وأينعها روضاً، وأترعها حوضاً، معتدلة الهواء، سامية البناء، واسعة الفناء، ساكنة المساكن، مكينة الأماكن، لائحة المباهج، واضحة المناهج، صافية الزلال، ضافية الظلال، معشبة الشعاب، عامرة الجناب، مرنة الرباب، هامرة السحاب، سابغة المدارع، سائغة المشارع، سافرة المطالع، وافرة الصنائع،

وهي مخصوصة بعمل الصيني الرُّوميّ وبه تعرف، وهو ألطف من معمول الصِّيْن وأظرف، وبها فاكهة كثيرة حسنة، وقد رأينا بها قراصيا ملوّنة ما بين بيضاء وشقراء

ص: 111

وسوداء وحمراء، وبخارجها بحرة كبيرة، وبها أسماك كثيرة، وقد جُسْت خلال هذه المدينة، وجُزت في أماكنها المكينة، ورأيت العجب من محاسنها الجمّة المستبينة، فدخلت بها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت قلب الطائع والكاره، ثم نزلنا بظاهرها على نحو نصف ميل، بمرج أريج وظل ظليل، قد نسجت به يد السحب بسطاً عجيبة التلوين، غريبة التكوين، نقوشها تفوق الحبر، ويكاد يضاهي الزّهر ما فيها من الزهر، فيا له من بلد ومنزل عزيز، بديع التفويف والتطريف والتطريز:

كلّ المنازلِ والبلاد عزيزةٌ

عندي ولا كمنازلي وبلادي

فأقمنا هناك إلى وقت الظهيرة، حين قبض النهار ظله وبسط حروره (وهجر برده وواصل هجيره)، ثم قطعنا مرحلة قصيرة بين أشجار كثيرة ومياه غزيرة، وبتنا بساحة وادٍ حللنا به، بين ظُفْر التوحش ونابه، لا تعرف جنوبنا من المضاجع قراراً، ولا تطعم عيوننا النوم إلاّ غراراً، إلى أن قضي الليل نحبه، وغوَّر الصبحُ شهبه، ففوقنا سهام العزم، وأطرنا عن زنده شرار الحزم، وسرنا في دروب ضيقة المناهج، ودَرْبَنْدَات وعرة المدارج، ومفاوز ومهالك ومسالك يضل فيها السالك:

ومهامةٍ كالبحر لا أثرٌ

للمقتفي فيها ولا سَنَنُ

لو سار فيها النَّجْمُ ضلَّ بها

حيران لا شامٌ ولا يَمَن

ص: 112

تضيق من رؤيتها الصدور، وتنفر من وحشتها النفوس غاية النفور، كثيرة الأشجار، وغالبها لا ثمار له ولا أزْهَار، وهناك مكان يُعْرف باغش تنكز ومعناه بحر الشجر، لا يصدق وصفه عقل ويكفي شاهد البصر، وقلت:

عَهْدِنا البحرَ من مَاءٍ

ولم نعهدْهُ من شجرِ

وليس العَقْلُ يقبل ذا

ك ويكفي شاهدُ البصرِ

شهدْنا فيه أمواجاً

من البلُّوطِ والشّمرِ

ومن أثْلٍ ومن ضالٍ

ومن أرْزٍ بلا ثمرِ

وأجودُها إذا اعتبرتْ

بلا نفعٍ ولا ضررِ

به سُفن ركبناها

لنقضي نهمةَ السَّفرِ

من الخيلِ السوابحِ فيه

بالآصال والبٍكَرِ

تسير بها مجاديفُ

القوائم سرعةَ البصرِ

سنابكُها لها شررٌ

كقدح الزندِ بالحجرِ

إذا أدجَت بعثيرها

أعاضَتْ عن سنا القمرِ

ص: 113

فلم نزل نغوص في عبابه، ونرقى على ثبجه رقى حبابه، ونخلط بدك الحوافر جنادله بترابه، هذا وحكم الحرّ لم ينسخ، وإهابه لم يسلخ، والريح تهب سموماً، وتهدي إلى القلوب سموماً، والغبار متراكم متراكب، تكاد أن لا تبين معه الشمس فكيف الكواكب، مع أن الشمس ليس لها في ذلك المحل مواكب، ولا محامل ولا مراكب، ولا تبلغ من تلك الأشجار إلاّ رؤوس المناكب، ولا تنسج عليها إلاّ كنسيج العناكب، فما قطعناه إلاّ بعد جهد جهيد، وتعب شديد، وعناء ما عليه من مزيد، ثم لم نزل نقطع مسالك ضيّقة ومتسعة، ومناهج منخفضة ومرتفعة، نصعد على التهائم ونغور في النجود، ونسلك كل مسلك لم يكن بالمعمور ولا بالمعهود، ولا كان مسلكاً إلاّ للذئاب واللصوص والأسود، إلى أن وصلنا ضحوة يوم الجمعة المشهود، إلى بلدة أزنكميد ويقال لها أزنكمود، ثم نزلنا خارجها بنحو نصف ميل لكي نستريح ونقيل، ونخفف عنّا ذلك العبء الثقيل، بمكان خضر الأرجاء والنواحي، بهج المرابع والضواحي، وفيه ماء جارٍ، وأشجار جوز كبار، فقوي فيه الحرّ واشتد، واحتدم واحتدّ، واعتدى واعتدّ، وتمادى وامتدّ، وتنفست في ذلك

المكان الجحيم، وصار الماء أبرد منه ماء الحمام كأنما سيق من الحميم.

فبينما الناس في التهاف والتهاب، واضطرام واضطراب، وغرق من العرق، وحَرَق من الحُرق، وقد تستروا بظل فروع الأشجار والورق، واتخذوا أغصانها من سهام الشمس درق، وإذا بالحمزاويّ قد عزم على الرحيل والمسير، فضج من ذلك الصغير والكبير، واستنجد بي بعضهم في التواني قليلاً والتأخير، لتنكسر سورة ذلك السعير، وكنت قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قبل ذلك الوقت بيسير، فقلت

ص: 114

لهم: لا خوف إن شاء الله تعالى ولا حذر، ولا ضرّ ولا ضرار ولا ضرر، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم مصاحبٌ لنا في السفر، فلمّا سرنا هبّت الرياح، فتنفست من تلك الكرب الأرواح، وعاودها الروح والارتياح، وكان هبوبها من طلائع الرحمة، ومقدمات كشف الغمة، ثم أبرقت السماء فسلت مذهب نصولها، ورعدت فضربت مبشر طبولها، وجعل السحاب يعبىء كتائبه، والرباب يرتّب مواكبه، ثم ترادف البرق والرعد، وأنجز بالإغاثة بالغيث الوعد، ثم صوّب صوب الغمام سهامه، ثم لبس الجو لحرب المحل لأمَه، فلم يبق قطر إلاّ وقد نفذت فيه تلك السهام، ولا أفق إلاّ وقد علاه من خيوط الوَدْق مثل القتام، ثم تتابع رشق القطر، واتصل الهمل والهمر، وسالت الأودية كالأنهار، وجرت السيول تحت أرجلنا متواترة التيّار، وانشقت السماء بصاعقة، لم تزل القلوب منها وجلة خافقة، وسقطت في البحر كالشهاب في سرعة مروق النشاب، ثم لم تلبث السماء أن أقلعت، والأرض أن شربت ماءها وبلعت، والسحب أن تكشفت وتقشعت، وعاد الفصل إلى طبعه، ورجع الوقت إلى وضعه، وكان النهار قد عزم على الرحيل، ورفل في برد الأصيل:

وبدا لنا تُرسٌ من الذَّهب الذي

لم يُنْتَزَعْ من مَعْدن يتعَمُّلِ

مرآة تبر لم تُشَنْ بِصياغة

كلا ولا جُليتْ بكفِّ الصَّيْقَلِ

ص: 115

تسمُو إلى كَبِدِ السماءِ كأنما

تبغي هُناكَ دفاعَ خطبٍ مُعْضلِ

حتى إذا بَلَغتْ إلى حيث انتهتْ

وقَفتْ كوقْفة سائلٍ عن مَنْزِلِ

ثم انثنتْ تبغي الحدورَ كأنها

طيرٌ أَشَفَّ مَخَافةً من أجْدلِ

فوصلنا حينئذٍ إلى خان وسيع، في مرج وربيع، وعشب مخصب مريع، وعيون جارية، وبالقرب منه أطلال بالية، وعروش خالية، وآثار أسوار عالية، وقصور مستهدمة، تدلّ على أنها كانت مدينة معظمة، فنزلنا هناك ولم يحصل بحمد الله من ذلك المطر كبير ضرر، ولا عظيم أثر، بل خفف حر القلوب، وأزال تلك الكروب، ولبَّد المسالك والفجاج، من التراب الثائر والعجاج، فبتنا بذلك المحل بعد أن تفقدنا الأحمال، وأصلحنا الأحوال وذلك ليلة السبت تاسع عشرين شوال، فلمّا تَفَرَّى عن وجنة الأفق عذار الغيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، عزمنا على الترحال وشددنا على الدواب الأحمال، ثم سرنا فوصلنا إلى بلدة كثكثيبزه وقت الزوال، وقد بلغت الشمس من مرتقاها درجة الكمال، واستقامت مقيمة ميزان الاعتدال، وهي بلدة عامرة ذات خيرات غامرة ونعم ظاهرة (وأمم متكاثرة)، وبها أسواق متّسعة، وعمارة تقام فيها الجمعة، عظيمة الآثار مزدهاة، عديمة الأنظار والأشباه، منسوبة لمصطفى باشا الوزير رحمه الله، وبظاهرها مرج أفيح، للناظر فيه مسرح، وللخاطر مسنح ومشرح:

ولقد نزلتُ به وكفُ ربيعِهِ

في نسجِ حُلَةِ نوره يتأنقُ

ص: 116

وشذا خيوطِ المزنِ يرسلها الحيا

إبَراً وأكمامُ النباتِ تفتقُ

فأقمنا بذلك البلد بقية اليوم ثم ليلة الأحد، فلمّا أسفر نهاره، وحمدت آثاره وتكلم عصفوره وترنّم هزاره، وفاخر شيحه بعرفه عراره، حييناه بصلاة الصبح، وأملنا من الله الصلاح والنجح، وفارقناه غير مذمم، ويممنا إن شاء الله تعالى خير ميمم، وما زلنا ذلك النهار نساير السبيل حيث سار، ونأخذ تارة اليمين وتارة اليسار، بين

جنات معروشات وغير معروشات، وأراضٍ موشات بالربيع منقوشات، وبطاح وأدواح، ومروج فساح، وانبساط وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على درر الحصباء انسحاب وانسياح، وروضات يعترى ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، ووجنات جنات ريقها نداً وثغورها أقاح:

وأرضٌ من الحصباءِ بيضاء قد جرت

جداولُ ماءٍ فوقَها تتفجرُ

كما سَبَحت تبغي النجاةَ أرَاقِمٌ

على روضةٍ فيها الأقَاحُ منورُ

إلى أن تداعى بنيان النهار في الانهيار، فوافتنا الرحمة من سائر الأقطار، بوافر الغيث ومديد الأمطار، فاستبشرنا وحُقَّ لنا الاستبشار ودخلنا حينئذ مدينة أُسْكُودَار، وداعي الفلاح يدعو إلى الصلاة الوسطى، فازداد القلب بذلك سروراً

ص: 117

وبسطاً، وأجبناه بصلاتها من غير توان ولا إبطاء، وأُسْكُودَار بلدة لطيفة حسنة ظريفة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ضوؤها صقيل، ومجتلاها جميل، ونسيمها أرج النشر عليل، يمتد أمامها بسيط أنضر، وبساط أخضر، قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه وتحتف بها بساتين ملتفّة الأشجار يانعة الثمار، والبحر الأعظم القُسْطَنْطِينيّ ينساب بين يديها، وينعطف عليها، ويحنو إليها، ويعنو خاضعاً لديها، وبها مساجد وضيّة وعمارات فضيّة وأسواق حسنة وخانات مستحسنة، ومنها يُركب في المُعدّية إلى المدينة العظمى القُسْطَنْطِينيّة، فعدى الحمزاويّ بالخزانة ومن معه من القوم بعد العصر من ذلك اليوم، واستخرت الله تعالى في الإقامة بها بقية اليوم، وهو يوم الأحد ثم من تلك الليلة إلى الغد، فنزلت بمن معي بعمارة هناك على الساحل، وأرحنا الأبدان والرواحل، فتلقّانا خادمها بالتأهيل والترحيب، وأنزلنا في مكان بها متسع رحيب، فلمّا أسفر وجه الصباح وحَيْعَل داعي الفلاح واستنار وجه المحجة بعدما كان بسواد الليل منتقباً، وابتهجت الأنفس بقدوم فجر كان مرتقباً، وتخلق الكون بردع الشمس، وحُمد ظهورها في ذلك اليوم كما حُمد

بالأمس، ورد علينا مشرف شريف، وكتاب عال منيف، من مولانا وسيدنا المقر الكريم الإمام العَلَاّمة شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم، مضمونة الاعتذار عن عدم تلقيه بحمى شديدة بنافض تعتريه، وأنه هيّأ لنا منزلاً، ولكن ننزل في عمارة

ص: 118

السُّلطان محمد أولاً، حتى يجتمع بالوزير مولانا إياس باشا، ثم يستأذنه في النزول بذلك المكان أو حيث ما شاء، وصدَّر الرسالة بقوله الحمد لله وهو على جمعهم إذ يشاء قدير:

وقدْ يَجْمَعُ اللهُ الشّتيتينِ بَعدَمَا

يَظُنَّانِ كلَّ الظَّنّ أن لا تَلاقِِيَا

مرحباً بالحبيب ابن الحبيب السيد ابن السيد الحبر الأريب، ذي المجد والمفاخر المأثورة، والجد والمناقب المشهورة، إمام المؤمنين وشيخ المسلمين:

قدِمتَ خيرَ مَقْدَمٍ تحمدُهُ

ويُمْنِ طالعٍ كذا تشهدُهُ

يا خير من خُلف عن خير خَلف

ما زلتَ تحيى ما حيا سحب درف

قرّت ببقياك عيون البَشَرِ

كما لها درّت عيونُ البِشْرِ

زينك الإله ذو الجلالِ

بحليةِ الجمال والكمالِ

ليس يُرى لمجدك انصرامُ

ما كرت الشهورُ والأعوامُ

ففعلنا كما أشار، وصعدنا المُعدّية عصر ذلك النهار، وهو يوم الاثنين مستهل شهر ذي القعدة، تفاؤلاً بأن الحظ قد أبرز سعده، والسعد قد أنجز وعده، وأنّ الوقت لنا إن شاء الله تعالى في إقبال، ونجاح سعي وبلوغ آمال، فلما ارتقينا من ذروتها أعلاها،

ص: 119