الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلنا لأصحابنا (اركبوا فِيهَا بسمِ اللهِ مَجْراها ومُرْسَاها)، ثم أُرخي شراعها، ورُفعت مرساها، وسارت بنا في ذلك البحر العُبَاب، تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب، وتمثلت بما قال بعض أهل الآداب:
تأمل حالَنا والجوّ طلقٌ
…
محياهُ وقد طفَل المساءُ
وقد جَالَت بنا عذراءُ حبلى
…
يجاذِبُ مِرْطَها ريحٌ رخاءُ
ببحرِ كالسّجَنْجَل في صفاءٍ
…
تُعاينُ وجهَهَا فيه السماءُ
القسطنطينية
ولم نزل نسير ونحن جلوس، وهي تتبختر بنا تبختر العروس، وتجول بنا خلال ذلك البحر وتجوس، تارة بإبطاءٍ وطوراً بإسراع، وحيناً بمجاديف وآونة بأشراع، وذلك البحر قد راق نعتاً، ورق وصفاً، والأمواج به تعطف صفاً وتنقصف قصفاً، وتأتي خاضعة إلى البرّ فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا وتثنى عن الإلمام به عطفاً، وتستحي تارة فتبدي له تملقاً ولطفاً، إلى أن أرسينا بمرسى قُسْطَنْطِينيّة العُظْمى، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى، فتلقانا الأمين سِنَان جلبي أمين الصقالة، وعظّمنا وأجلّنا غاية العظمة والجلالة، وأحلّنا منزلته وحلاله، وكان مولانا السيد أسبغ الله ظلاله، وختم بالصَّالحات أعماله، قد أرسل
إليه بسببنا رسالة، وأزاح عنه بمعرفتنا الجهالة، فحييناه بالتحية والسلام، ودخلنا المدينة بسلام، وذلك حين نشر الأصيل رداءه المذهب، وتقوّضت خيام الضياء ومدت سرادقات الغيهب:
والشّمسُ تَنفضُ زعفراناً في الرّبا
…
وتمدّ فوقَ الماء سيفاً مُذْهَبَا
ومعلوم أنّ هذه المدينة دار الطمأنينة وقاعدة الرُّوم وأم المدائن ومقر الملك، ومركز دوران الفلك، ومحطّ الرحال، ومآل الترحال، ومعدن الفخار، وموطن الرؤساء والكبار، ومنبع الإقبال، ومربع الآمال، ومنتهى المقاصد والمطالب، ومشتهى القاصد والطالب، ومظهر شموس السعادة، ومقر جيوش السيادة، آيات محاسنها لم تزل بألسن السمّار متلوة، وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين النظّار مجلوّة، من أجلّ ما فُتٍحَ من البلاد، وأعظم ما استخلصته يد الصلاح من الفساد، كم خطبها عظيم من ملوك الزمان، وأمهرها مواضي المشرفيّة وعوالي المران، وهي أشدّ ما يكون إباءً وأقوى ما يمكن منعه واستعصاء إلى أن قصدها من ادخر
له ذلك الفتح في خبر طويل الشرح، وهو المرحوم السعيد الشهيد السُّلطان محمد خان بن مراد خان، ووالد السُّلطان بايزيد بوأهم الله غرف الجنان، بمزيد العفو والغفران، وذلك في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فذلّت له صعابها، وخضعت لسطوته رقابها، ولان جماحها وتسنى انفتاحها وأعلن فيها بالتهليل والتكبير، وصُرح فيها بالصلاة على البشير النذير، وقامت بها قامات المنائر، وارتفعت فيها درجات المنابر، وأخرست
النواقيس، ونطق بالتأذين على رغم إبليس، وخُطَّت بها المساجد والمدارس، وعمرت بأوقات الخيرات بعدما كانت دوارس، ونصب الدِّين المحمدي خيامه، ورفع الشرع الأحمدي على قللها أعلامه، وبُدلت من الإنجيل بالقرآن، وعُوضت من الرهبان بعلماء الايمان، فأصبحت شموس الدِّين بآفاقها مشرقة، وسحب اليقين بجنباتها مغدقة. وبها من الأئمة الأعلام، وعلماء الإسلام، من العرب والعجم والأرْوَام، ما يتجمّل به الزمان، ويفتخر به العصر والأوان. ومن الجنود الوافرة والأمم المتكاثرة ما يُعزّ به الدِّين ويذلّ به الطغاة المعتدين والبغاة المفسدين، وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى بعضَ من اجتمع بنا من أعيانها وأهليها وقطّانها. وبها من المساجد والجوامع، التي هي لأنواع الخيرات جوامع، ما تقرّ به أعين الموحدين، وتزداد به عبادة المتعبدين، ومن العمارات العظيمة ذات الصدقات الجسيمة والمبرات العميمة ما هو جار أجره إلى يوم الدِّين، ويشهد لفاعله أنه من المحسنين المهتدين. ومن أجلّها المساجد الإحدى عشرة الفائقة المتقاربة المتلاصقة، البديعة الحسنة الرائقة، المنسوبة إلى السُّلطان محمد المشار اليه، أسبغ الله تعالى ملابس رحمته ورضوانه عليه، وهي المدارس الثمانية اللاتي مدرسوها أعظم مدرسي الرُّوم، ولكل منهم أجزل أجر وأجل معلوم، والتاسعة العمارة التي يطعم بها الفقهاء والمتفقهون، ويحلها وينزل بها المقيمون والقاطنون، والمسافرون والظاعنون، وتجري عليهم الأطعمة صباحاً
ومساءً، ويعم خيرها من لا يحصى رجالاً ونساءً، والعاشرة الجامع المعظم السامي الرفعة، المتسع الرقعة، التي تقال فيه الخطبة، وتقام فيه الجمعة، ويجرى في هذه الأماكن من الخيرات ما لا يمكن حده، ولا يحصر عده، والحادية عشرة المارستان وهو مدرسة على كيفية
العمارة. وبها امام مراتب وبجوانبها الحجرات المتعلقة بالمرضى، وهو من أعجب الأشياء لا يُرَى أحسن منه بناء، ولا أبدع إنشاءً، ولا أكمل انتهاء في الحسن وانتماء، ولا أكثر خيراً، ولا أحسن شرباً وميراً، وفيه من قناطير الأشربة والأكْحَال الرفيعة المطيبة، والأدوية الحسنة المعجبة، وسائر المعاجين المعمولة على القواعد الطبية والقوانين إلى ما يضاف إلى ذلك من لحوم الطيور والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها، مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحلّ فيه من غطاء ووطاء، ومشموم ومدرور وشبه ذلك على ما هو معد على أكمله هنالك، وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين والنظّار العارفين والخدّام المتصرفين كل ماهر في معالجته، موثوق بعدالته، مسلّم إليه في معرفته، غير مقصر في تصرفه وخدمته، ويحصل منه كل يوم من التفرقة على الصادرين والواردين ما لا يدخل تحت ضبط حيسوب، ولا يحيط به دفتر ولا مكتوب، وفي مبانيه الرائقة، وصناعاته الفائقة، وطرره الرهيبة ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول والألباب، ما يفتن النفوس، ويكشف البدور والشموس، ويعجز عن وصفها خطات الأقلام في ساحة الطروس.
وأمّا مسجدها الأعظم أيا صوفيا الذي كان كنيستها العظمى فهو من أعظم معاهدها وأجلّ مشاهدها، يحار النظر فيه، وينحسر دون تصور قوادمه وخوافيه، ذو أبنية غريبة جميلة، وأعمدة عجيبة جليلة، وقبّة عظيمة محيرة للعقل في التربيع والتسديس والتثمين والتدوير والتقويس، فكم من بناء داخل بناء وقوس داخل آخر،
وكم من إحكام وضع، وتحديق صنع، كاثر بذلك بها إرم ذات العماد
وفاخر، فلا يحيط به نظر ولا تفكر، ولا يحكيه عقل ولا تصور:
تجاوزَ حدّ الوهم واللّحظَ والمنَى
…
وأعْشَى الحجى لألاؤه المُتَضَاوِي
فتنعكس الأفكار وهي حواسرٌ
…
وتنقلبُ الأبصارُ وهي خواسي
وقد كان بها صور أجسام عجيبة الأشكال والأجرام، وقد طمس أكثرها وبقي أثرها، وبها مسجد آخر كان كنيسة أخرى يقال له أيا صوفيا الصغرى ذو أبنية غريبة وأشكال عجيبة، ولكن ليس كالذي سبق ولا يقاربه ولا يناظره في جلالته ولا يناسبه، فما كل صهباء خمرة، ولا كل حمراء جمرة، ولا كل سوداء تمرة:
وما كل دارٍ آنست دارَةَ الحما
…
ولا كل بيضاء الترائب زينبُ
وبها من المباني الهائلة، والأسواق الحافلة، والمرابع الرائعة، والمصانع الناصعة، والقصور الشاهقة، والمساكن الرائقة، والمسالك المتسعة، والربوع المبدعة، والمرامي العالية والمراقي السامية، ما تحار فيه الأوهام، وتكلّ دون وصفه الأقلام:
هي القصورُ البيضُ لا ما حدّثوا
…
هي القصورُ البيضُ لا ما حدّثوا
تختطف الأبصارُ من لألائها
…
تختطف الأبصارُ من لألائها
وبها من المفترجات الظريفة، والمنتزهات اللطيفة، والرياض النضرة، والمروج الخضرة، والأزهار الزاهرة، والأشجار الباهرة، ما هو نزهة النفوس، ومسرة العبوس، وبهجة الخواطر، وقرّة النواظر، ومن محاسنها أيضاً أنّ بكل بيت منها روضاً وبئراً يفيض منها الماء فيضاً:
فالجوّ رقراق الشعاع مفوفٌ
…
والماءُ فياض الآتي معسجدُ
والروضُ في حلى الربيعِ كأنما
…
نَطَف الغمائِمَ لؤلؤٌ وزبرجدُ
وبها من الآثار القديمة، والأعمدة العظيمة، والمعالم الجسيمة، والمراسم المقيمة، ما
يذهل الألباب، ويستولي عليها منه العَجَب العُجَاب.
فلما دخلناها في الوقت المذكور، وركنا إلى الاكتنان والوكور، نزلنا أولاً كما أشار مولانا السيد في عمارة المرحوم السُّلطان محمد، شمله الله تعالى برحمته وتغمد، فشاهدنا منها أعظم مشهد وأكرم معبد ومعهد، وخيرات تدلّ على رحمة منشئها وتشهد، وحضر خادم المكان فتفقد مصالحنا وتعهد، وأخلى لنا مكاناً متسعاً فضياً وأفرد، وفرش لنا فرشاً موطاً موطد، وبتنا هناك بأنعم ليلة وأسعد، على مهاد وطى ووطاء ممهد، غير أنّ لواعج الأشواق لا تهمد، ونيران الفراق لا تنطفئ ولا تخمد، بل تتزايد ضراماً وتتوقد، وتتأطد وتتأكد، وكلما جمعنا شمل النوم تبدد، أو
عقلنا نادَّهُ تفلت وتشرد، والقلب كلما آلمه القلق رفع عقيرته وأنشد:
هل إلى أن تَنَامَ عيني سَبيلُ
…
إنَّ عهدي بالنومِ عهدٌ طويلُ
وقد توارد على القلب تقلقان، أنتجهما تحرقان، وأوجبهما تشوقان، أحدهما إلى الأهل والأولاد والأوطان، والثاني إلى مشاهدة مالك الروح والجنان والفؤاد السيد الكريم عبد الرحيم، والثاني أغلب وللأرق أجلب وللب أسلب، إذ لا يقاس الشاهد بالغائب، ولا يلتحق أفراد الجمع بقوة الواحد، ولا الداني الدار بالبعيد المزار:
وأبْرَحُ ما يكون الشوقُ يوماً
…
إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ
وقد طال ذلك الليل مع قصره وعَسْعَس، وسألته عن صبحه فقال لو كان حياً لتنفس، كما قال المنشد وهو ابن مُنْقِذ رحمه الله تعالى:
ولرُبَّ ليل تاهَ فيه نجمُهُ
…
قضيتهُ سهَراً فطَالَ وعَسْعَسَا
وسَألتهُ عن صُبحهِ فأجابني
…
لوْ كانَ في قَيدِ الحياةِ تَنفَّسا
فلما تنفس الصباح بعد ما أيسناه، وتحققنا أنّه في قيد الحياة، وأظهر نوره في الآفاق وسناه، وانجاب طيلسان الليل، وشمر للفرار من النهار الذيل، وستر كافور الفجر مسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على الأنجم الثواقب، قصدت منزل
مولانا المشار إليه، للسلام عليه والمثول بين يديه، فوجدته قد جدّ به ذلك المرض، وأثر في جسمه بعد ذلك الجوهر العرض، وأثقله حمل عبئه وبهض، فلما رآني اجتهد في القيام ونهض، فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وحنَّ كل منّا حنين المغرم المشتاق، وحمدنا الله تعالى على ما منّ به من التلاق، وتسابقت شهب الدموع من الآماق، وتراكضت جارية في جوانب الأحْدَاق، وتراكمت من العيون سُحبها، وقضى من النحيب نحبها، وأنشدت لبعضهم:
ولما وقفنا للسلام تبادرت
…
دموعي إلى أن كدتُ بالدمع أغرقُ
فقلتُ لعيني هل مع الوصلِ عبرة
…
فقالت ألسْنَا بعدَه نتفرقُ
ولبعضهم:
ووقفتُ بين تأملٍ وتململٍ
…
يبدو السرورُ على فؤادي الجازعِ
حيرانَ لا أدري لقربٍ رائق
…
أذري المدامعَ أم لبعدٍ رائعِ
ثم جدّد البكاء بالانتحاب الزائد، لفراق شيخ الإسلام الوالد، فحرك لواعج أحزان لم تفتر ولم تهمد، وأضرم نيران أشجان لم تنطف ولم تخمد، فأخذ كل منّا من ذلك حظه وبلغ منه نصيبه، واسترجعنا وحوقلنا من تلك المصيبة، وتوجعنا وتألمنا من رشق سهامها المصيبة، ثم أخذنا نجول في ميادين مذاكرة، ونخوض في بحار محاورة، ونستخرج كمائن محادثة، ونستفتح خزائن منافثه، ونجتلي أبكار أفكار، ونجتذب أهداب آداب، ونقيد شوارد فوائد وأوابد فرائد، فمضى لنا من ذلك يوم:
أشفُّ من الليالي في صفاءٍ
…
وأحلى من معاطاةِ الكؤوسِ
فلما استوت شمس ذلك اليوم، ومالت الرؤوس وقت القَيْلُولَة للنوم، خرجنا من عنده للسلام على صاحبنا وصديقنا وحبيبنا الشيخ الأوحد والإمام الأمجد ملا حاجي جلبي عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، هو صدر من صدور أئمة الدِّين،
وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، محافظٌ على الكتاب والسُّنَّة، قائمٌ بأداء الفرض والسُّنَّة، حاملٌ لأعباء صلاح الأمة، باسطٌ للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، ذو أوْرَاد وأذكار يعمّر بها مَجَالسه، وأحوال وأسرار يغمر بها مُجالسه، وجدّ في العبادة، وجهد في الزهادة، ومواظبة صيام، وملازمة قيام:
يقضى بنفع الناس سائرَ يومِهِ
…
ويجفوه في جنحِ الظلامِ مضاجِعُ
فينفكّ عنه يومُهُ وهو ذاكرٌ
…
وينفكّ عنه ليلُهُ وهو راكعُ
فبادرته بالسلام عليه والذهاب إليه لعلمي بأنه ضعيف البُنْية، قديم السن عسر المشية، فقابلني بالرحب والترحيب، وعانقني معانقة الحبيب الحبيب، وترحّم على شيخ الإسلام وبالغ في الثناء وابتهل في الدُّعاء، ولم يدع شيئاً من أنواع الإكرام وأصناف الاحترام وأجناس التلطف في الكلام، فلم أرَ أحسن من لقائه، ولا أزين من ولائه، ولا أجلى من محادثته، ولا أحلى من منافثته، فلم أدر أأرد أم أرود، وافد على مجالس جود أو مجال سجود، وقد كان هو اجتمع بشيخ الإسلام في بلاد الشَّام حين قدمها قافلاً من الحِجَاز، وفاز بمشاهدته كل مفاز، فأكرمه وواخاه وخالله ووالاه، وشهد كل منهما في الآخر أنه ولي الله، فلبثنا عنده وقتاً نجوب في أرجاء المؤانسة ونجول، ثم ودعناه ومضينا إلى محل النزول، وأرسل هو خلف شخص من أكابر الرُّوْم، ليعلم صاحبنا الوزير بالقدوم، فأعاد الجواب بأنّه فرح بذلك وسُرَّ به، وابتهج غاية الابتهاج بسببه، وأن ميعاد الاجتماع به يوم الجمعة بكرة أو يوم الخميس عشية لتنقضي ضيافة السُّلطان بسبب مهم ختان أولاده للأمراء والينكجرية، وهذا المشار إليه هو الهمام المرتضى والحسام المنتضى، حسنة الأيام وغيث الأنام، غمام الندا الهاطل، وحِمَام العدا العاجل، ناظم شمل الفريق، وفاتح باب الأزمة والضيق، جامع أشتات المعالي ومحرز شرط الكمال،
فلم يصلح إلاّ له المقر الكريم العالي الأميري الكبير الوزير المشير العالم العادل الفاضل الكامل الممهدي
المشيدي الذخري العضدي، زعيم جيوش الموحدين، عاضد الغزاة والمجاهدين، آصف الدهر وفريد العصر ووجيد المصر وفخر القطر، وسم العداة وآفة الجُزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور بالبيض والسمر، عين الوزراء العظام، ورأس الأمراء الفخام، وأشدهم بأساً وأقواهم جأشاً، مولانا الوزير المعظم والمشير المفخم إياس باشا:
ذو عزمةٍ كالتماعِ البرقِ واقدةٌ
…
تجىءُ من نُصْره بالعارضِ الهطْلِ
لولا السعوُد التي نيطت بهمتِهِ
…
لكنتُ أنسبها بُعْداً إلى زحلِ
أدام الله سعده، وحرس بعين العناية مجده، ما دارت الأفلاك وسبحت الأملاك، وهو ممن له محبة واعتقاد تام، في سيدي الوالد شيخ الإسلام، وقد حضر إلى عند الوالد حين كان بكلربكي بالشَّام متخشعاً متواضعاً طالباً للبركة والدُّعاء، راغباً في اللحظ والإمداد، ملتمساً للصحبة والوداد، ولم تزل الصحبة بيننا وبينه من ذلك الزمان، والمكاتبات تتردد بيننا وبينه في كل حين وأوان، فوفينا له بما وَعَدَ به وشَرَطَه،
واجتمعنا به بكرة الجمعة في بستانه بر الغَلَطَة، فحصل منه غاية التعظيم، ونهاية التبجيل والتكريم، وتلقاني إلى خارج الدار، وهو مظهر للسرور والاستبشار، فبادر كل منّا لصاحبه وسابق، وصافح واستلم والتزم وعانق، وحيّا بأطيب السلام، ووانس بأعذب الكلام، وسألني عن جماعة من أهل الشَّام، وترحم وترضّى على سيدي شيخ الإسلام، وتألم لفراقه وتوجع وحوقل لتلك المصيبة واسترجع ثم قال: هو باق وسره ما فات، فإن من خلف مثلك ما مات، فإنك نعم الخلف، كما كان رحمه الله نعم السلف، ونعتني بالعلم والفضل التام، وشهّرني بذلك عند الخاص والعام، وسألني ابتداءً منه فيما لنا من الحاجات والأشغال، لتقضى بإذن الله تعالى على أكمل الأحوال، والله تعالى هو المأمول، في المقاصد
كلها والمسؤول، في قضاء الحاجات جلّها وقلّها، وسألني عن محل النزول فقلت له الآن في عمارة السُّلطان محمد ويريد مولانا السيد أن ينزلنا عنده؛ فقد أخلى لنا مكاناً حسناً وأفرد، فقال: تقدمنا السيد وسبق، وإلاّ فنحن كنا بذلك أحق. وحصل منه من التواضع والرقة ما لا يعبر عنه ولم يصدر في حق أحد غيرنا منه ولله تعالى الحمد أهل الثناء والمجد، ثم اجتمعت به ببيته بالمدينة ثاني مرّة، فبالغ في الإكرام والمبرّة، وأظهر غاية البشر والمسرّة، وأهديت له مهاداة الأحباب، مُصْحَفاً معظماً بخط ابن البَوّاب، وبُرْدَة لطيفة، وسُبْحَة بَلُّور ظريفة، فقابل ذلك بالإقبال والقبول والتقبيل، وأنزل منزلة الكثير ذلك النزر القليل، وقرأ في المُصْحَف في أماكن عدّة، ثم قرأ بعض أبيات من البُرْدَة، وسألني عن معناها، فأجبته بأجوبة ارتضاها، وسألني: هل المعوذتان من القرآن قطعاً أو هما من قبيل التعوذ؟ فقلت له:
هما من القرآن قطعاً. وأمّا ما نقل عن ابن مَسْعود أنّه أسقطهما من مُصْحَفه وأنكر كونهما قرآناً؛ فعنه أجوبة منها أنّ هذا النقل لم يصح عن ابن مَسْعود كما قال الفخر الرَّازيّ وابن حزم في المحلى وغيرهما، وعليه شيخ الإسلام محيي الدين النوويّ، ومنها أنّه إنّما أنكر كتابتهما لا كونهما قرآناً، لأنّه كانت السُّنَّة عنده أن لا يكتب في المُصْحَف إلاّ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به، وعليه القاضي أبو بكر وغيره، واستحسنه ابن حَجَر ورد الجواب الأول بصحة النقل عن ابن مَسْعود بإسقاطهما من مُصْحَفه من طريق أحمد وابنه وابن حبّان والطبرانيّ وغيرهم، ومنها أنّه لم يستقر عنده القطع بأنهما من القرآن، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره، لكنهما لم تتواترا عنده لا أنهما تواترا بعد ذلك، لما يلزم عليه من أنّ القرآن أو بعضه ليس بمتواتر في الأصل، وهذا الجواب لابن الصبّاغ وهو حسن. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مَسْعود أنّ المعوذتين ليستا من القرآن
لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين رضي الله عنهما فأقام على ظنه، ولا نقول إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار، ومما يؤيد قوله رواية الدارقطنيّ والبزار عنه أنّه كان يحكِ المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوّذ بهما فأعجبه ذلك جداً وسألني في كتابته، ثم عَنّ لي كتابة شرح مختصر لطيف على البُرْدَة، فكتبته في مدّة يسيرة، وسميته الزُّبْدَة، وآخر على آية الكرسي محرر مطوَّل، ففرغ في مدة يسيرة وتكمل، وبيّضت للوزير نسخة بالأوّل، ففرح بها غاية الفرح، وسرّ كثيراً وانشرح، ثم اجتمع به قاضي العسكر قادري جلبي، فكلمه
وأكد عليه بسببي وقال: كل (ما هو) متعلق به فهو متعلق بي، وأمره بالاعتناء بشأني من كل الوجوه، وقال: ليس لي صديق في الشَّام إلاّ هذا الرجل وأبوه، وأمرني بالاجتماع بالقاضي المشار إليه للمعرفة به والسلام عليه، فأكرم غاية الإكرام، وبالغ في التعظيم والاحترام، ووعد بقضاء الأشغال على التمام، وصار بيننا وبينه صحبة ومودّة ومحبة، واجتمعت بمولانا الوزير، والمدبر المشير، قسيم المشار إليه، وتاليه وعاضده ومواليه، المقر الكريم العالي المولوي الأمير الكبير الزعيم المشير الذخري العضدي الممهدي الموطدي، فخر الملوك والسَّلاطين، ذخر الفقراء والمساكين، آصف الزمان وفريد الأوان، ضالة الناشىء الناشد، وبغية القاصي العاضد، وحديقة الرأي الرائد، غيث الندى الغائث، وليث الوغا اللايث، مولانا قاسم باشا الوزير الثالث:
خلّى له عن طريقِ المجدِ حاسدُهُ
…
ومرّ ساحلَ صوبَ العارض الهَطِلِ
حلمٌ وعَزْمٌ ورأيٌ محصدٌ وندا
…
سبحان جامع هذا الفَضْلِ في رجلِ
فأهّل غاية التأهيل، وبالغ في الإكرام والتبجيل، والتمس ما لنا من الضرورات والمهمات، ليسعى في قضائها على أكمل الحالات، والله تعالى هو المأمول
والمقصود والمسؤول. وصار بيننا وبين المشار إليه صداقة ومحبّة ومودّة ومؤانسة وصحبة، والله
تعالى يعاملنا وإياه بخفي ألطافه ووفي عونه وإسعافه بمنه وكرمه آمين).
هذا كله وأرباب الدولة مشتغلون بمهم الخِتَان، المتعلق بأولاد مولانا السُّلطان، وليس ثم موكب ولا ديوان، واستمر ذلك مدة وأيّاماً عدة، استوعبت غالب شهر ذي القعدة، فلما انفتح الديوان مفتتح ذي الحجة الحرام، اهتم الوزير بحاجتنا غاية الاهتمام، والتمس منا كتابة ورقة بما نطلبه، وما نحن بصدده، فكتبناها فسلّمها هو لقاضي العسكر بيده، وأكد عليه بسبب ذلك ووصى، فبادر ذلك سفر السُّلطان إلى مدينة برصاه وصحبه إبراهيم باشا الوزير الأعظم، ثم كان عودهما في أواخر شهر المحرم، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما جرى بعد ذلك من بلوغ المرام، ثم العود الى بلاد الشَّام إن شاء الله تعالى، ولنلتفت الآن الى سياق التنقلات فى المنازل الرُّوميّة والتفضلات الرحيميّة، فأقول:
لمّا نزلت بعمارة السُّلطان محمد، وانفردت بذلك المكان المفرد، وصرت بين أهل تلك المدينة كالشامة البيضاء فى الثور الأسود، أعاني الغربة وأقاسي الكربة، لا أجد مألفاً ولا صديقاً ولا أنيساً ولا شفيقاً ولا رفيقاً رفيقا، فاستوحش قلبي، وطاش لبي، وزاد كربي، وعظم خطبي، وضاق صدري، وقلّ صبري، وترادفت عليّ هموم، وتواردت لديّ غموم، من ذلك فراق الوالدة والأولاد والأهل، وارتكاب خطة أمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، ودخولي في أمر لم أعتده، وشأن لم آلفه ولم
أرتده وأعهده، وكنت سمعت من متمعقلين بالشَّام بأنّ هؤلاء الأروام لا يعرفون مقدار أحد، ولا يلتفتون إلى من صدر أو ورد، فزادني ذلك فرقاً، وأكسبني وسواساً وقلقاً، فألقى الله سبحانه على الجنان، ما نطق به اللسان، وأبان عنه البيان، وجرى به البنان، فقلت:
إلى الله في كل الأمور توسلي
…
بهادي الورى المختار أشرفَ مُرْسَلِ
محمدٍ المبعوثِ من آل هاشمٍ
…
إلى الخلْقِ بالدين القويمِ المكمَلِ
لقد خُصَّ بالإرسالِ حقاً بآخِرٍ
…
كما خُصَّ في الإنشاءِ خلقاً بأولِ
رفعتُ إليه قصتي من حوادثٍ
…
وَهَى جَلَدي منها وقلَّ تحمُّلي
ألا يا رسول الله أني عائذٌ
…
بجاهِكِ من خَطْبٍ عَراني مُجلّلِ
فراقٌ لأولادي وأمي وعشرتي
…
وأهلي وأصحابي وداري ومنزلي
وتشتيتُ شملي في البلاد وغُربتي
…
بغير شفوقٍ لي عليه مُعوّلي
وقَصْدِي لحاجاتٍ أروم قضاءَِها
…
سريعاً وأخشى أنها لا تعجّلِ
ويخفِقُ من إخفاقها القلبُ سيدي
…
ويؤنِسُه علمي بأنك موئلي
وخوفي من كيدِ الحسود ومكرِه
…
ومن قصدِه بغياً إصابةَ مقتلي
ومن ذلّ نفسي عند إعراض مدبرٍ
…
وفتنةِ تعظيمٍ لإقبالِ مقبلِ
وكثرةِ تردادي لبابٍ محجّبٍ
…
عزيزٍ إليه كلّ وقتٍ تَوَصُلي
ومن رؤيتي غيرَ الإله وفعلهِ
…
لدي كل حالٍ مجمل ومفصّلِ
فقوتي منها الله ثم وسيلتي
…
محمد الهادي النبي المفضَّلِ
فليس على غيرِ الإله توكلي
…
وليس بغير الهاشمي توسُلي
فببركة التوجه إلى الله الملك العلام، والتوسل بنبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لم يقابلنا أحد من الأكابر إلاّ بغاية الإكرام والتعظيم والتبجيل والاحترام، والله تعالى هو المأمول في نجاح المطالب وبلوغ المآرب إنه سبحانه لا يخيب من توكّل عليه، والتجأ في كل أموره إليه، وكان من تمام السعد والتوفيق، الانتماء إلى جناب الجَنَاب الكريم العريق، الصَّديق الصديق، بل الشقيق الشفيق، بل الركن الوثيق، والسيد على التحقيق، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى
كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفَّل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدِّين بل نمي الدِّين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت أساس، وارتفع بالفضل على سائر الناس، كيف وبانيه عمّ النبي صلّى الله عليه
وسلم أبو الفضل العباس، فهو ابن عمّ من ختمت به الرسالة والنبوة، وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوَّة، السيد الكريم والسند العظيم الإمام بدر الدِّين أبو الفتح عبد الرحيم، فأنزلني بمنزل جوار منزله، وأنهلني من صافي منهله، وأغدق عليَّ سبب فضله وتفضله، فأقمنا بذلك المنزل حيناً من الدهر نحو شهر ونصف شهر، ثم انتقلنا إلى مكان نفيس لطيف حسن أنيس، أخلاه لنا داخل داره، بالقرب من مكانه الذّي هو مقيم به وجواره، فلم نزل مدة مقامنا في حماه وجواره، فكان لنا جاراً كجار إبي دُواد، وغمرتنا منه بوالغ نعم وسوابغ أياد، وأنالنا من شمول لطفه ولطف شمائله ما برَّد الكبد وأثلج الفؤاد، ومن القرب إلى حضرته ما خفف عن القلب حرّ نيران البعاد، أخالُني بمجالسته جليس القَعْقَاع بن شَوْر، وأقتطف من مؤانسته أنيق ثمر وأعبق نور، وأجتني من مفاكهاته الجنيات ما هو ألذ من فاكهة الجنات، وأتحلى بزلال بحره المتدفق الجاري، وأتجلّى بعقد نظمه الفائق على الدّرر بل الدراري، وأجمع من زهر منثوره ما فاق عَرار نجد، وسما على شذا البان والرند، وأربى على عرف النرجس والورد، وأنبسط في داره تبسطي في داري وأبلغ،
وأتنعم في ظلال جواره بأخفض عيش وأرفع وأرفغ، وأتفيأ من ظلاله أورف ظل وأسبغ، فألفى منه ركناً عظيماً، ومأوىً كريماً، وأباً براً رحيماً، فكان حكاية بعض ذلك الحال ما أنشده طفيل الغَنَويّ، فقال:
جزى الله خيراً جعفراً حين أزْلَقت
…
بنا نعلُنَا في الواطئينَ فَزَلَّتِ
أبَو أن يَملُّونا ولو أنّ أمَّنا
…
تُلاقي الذي يَلقَوْنَ منا لمَلّتِ
هُم خَلَطونا في النفوسِ وألجأوا
…
إلى حُجُراتٍ أدفَأتْ وأظَلَّتِ
وقد كتبت عنه أشياء تفوق الحصر، وكتب عني أشياء قصد بها حصول الرفعة والجبر، فمّما كتبته عنه واستفدته منه مؤلَّفه شرح المقامات، وهو عجيب في بابه، ولم يكمل إلى الآن. وشرحه على الخَزْرجيّة، وهو جامع حسن، وشرحه على شواهد التلخيص المسمّى بمعاهد التنصيص، وقد لخصته في منزله في مختصر سميته تقريب المعاهد، وغير ذلك من مؤلفاته ومروياته، وحكى لي عن بعض مشايخ الكبار أنّ العالمة المحدثة فاطِمَة بنت المنجا التَّنُوخِيَّة كانت متزوجة برجل دونها في الفضل، ثم تغاضبا وتفارقا فلامها بعض تلامذتها على فراقه، فأنشدت:
لما رأيتُ الودَّ منه قد انقضى
…
وأراد حبلَ الوصل أن يتمزَّقَا
فارقتُه ونفضتُ من يدهِ يدي
…
وقرأتُ لي وله وأن يتفرَّقَا
ونقل بلفظه وقرأته بخطه ما حكى أنّ الرشيد أجرى الخيل يوماً بالرَّقّة، فوقف متلوماً حتى طلعت، فإذا في أولها فرسَان في عنان، فتأملهما فقال: فرسي والله، ثم تبين وقال: وفرس ابني عبد الله، فجاء الفرسَان أمام الخيل، فرسه السابق وفرس المأمون المُصَلِّي فسرّ بذلك. قال الأصْمَعي: فقلت للفضل يا أبا العبّاس هذا من أيّامي فاحتل بأن توصلني فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الأصْمَعي قد أعدَّ في أمر الفرسين شيئاً يزيد به سرور أمير المؤمنين، فقال هات يا أصْمَعي. قلت: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم وفرساكما كما قالت الخَنْساء، وقد قيل لها كدت تفضلين أخاك على أبيك:
جَارَى أَباهُ فأقْبَلا وَهُمَا
…
يَتَعاوَرَانِ مُلَاءةَ الحُضْرِ
وَهُما كأَنَّهُما وَقَد برَزَا
…
صَقْرانِ قد حَطَّا على وَكْرِ
حتى إذا جدَّ الجراءُ وقَدْ
…
ساوت هُنَاكَ العُذْرَ بالعُذْرِ
وَعَلَا هُتَافُ النَّاسِ أيُّهُما؟
…
قَالَ المُجِيبُ هُنَاكَ لا أدْري
برقتْ صفحةُ وَجْهِ والدِهِ
…
ومَضى عَلَى غراتِهِ يَجْري
أوْلى فأوْلى أنْ يُسَاوِيَهُ
…
لوْلا جَلالُ السِِّنِّ والكِِبْرِ
قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا قولها مُلَاءَة الحُضْر، يعني به غبرة الفرسين اللذين أثاراهما جعلتهما كأنهما يرتديان بها ويتجاذبانها.
ونقل أن عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين كانتا تحت مُصْعب بن الزبير فحجتا معاً ومحملاهما متعادلان، فأنشد حادي عائشة:
عائشَ يا ذاتَ الحِمالِ السِّتين
…
لا زِلْتِ مذ عِشْتِ كذا تَحُجِّين
فأجابه حادي سُكينة:
عائش ما ذي ضَرَّةٌ تشنوكِ
…
لولا أَبوها ما اهتدى أبوك
فقالت عائشةُ لحاديها: أكفف، والقصة مشهورة.
وحكى لي عن الشيخ العَلَاّمة زين الدِّين الأسديّ أنّه حكى له عمن نقل عن قاضي القُضاة صدر الدِّين المناويّ أنه قرأ قول الخَنْساء في أخيها:
ولوْلا كَثرَةُ البَاكينَ حَوْلي
…
عَلَى أمواتهم لقَتَلْتُ نَفْسي
ومَا يَبْكُونَ مثلَ أخي وَلكِنْ
…
أُسلّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي
فصحفها وما بيكون بتقديم الباء الموحدَة، واحتج به على جواز إدخال الباء على الفعل المضارع كما هو في ألسنة العوام، فذكر ذلك للركراكيّ قاضي القضاة المالكيّ فأظهر استحسان ذلك، وحَسَن له أن يذكره بحضرة السُّلطان وكان في نفسه منه شيء، فلما ذكر ذلك بحضرة السُّلطان، قال المالكيّ: لعلّ هذا تصحف على مولانا، وإنما هو يبكون بتقديم الياء المثناة من تحت، فخجل صدر الدِّين، ويقال إنّ ذلك كان سبب موته والله تعالى أعلم.
وأنشدني للعلاّمة المُحَقِّق الشيخ شهاب الدِّين بن شُقَير التُّونسيّ رحمه الله:
سائلي عن قضيتي في البراغيث
…
خُذ الشرحَ إن أردتَ التّقصّي
نحن فيها ما بين قَتْل وفتْلٍ
…
وهي فينا ما بين قَرْصٍ ورَقْصِ
وذكر أنّه أنشده أيضاً لنفسه أو غيره يهجو، وهو نوع لطيف:
جماعةٌ كلّهم قشورُ
…
ما فيهم واحدٌ لبابُ
رابعهم كلبهم ولكن
…
من حيثُ ما يبدو الحسابُ
وأنشدني لسيدي الوالد شيخ الإسلام رضي الله عنه مما أنشده إياه، وكان قد رآه راكباً في موكب السائر شخصاً أسود يقال له عبد القادر العدويّ:
لما رأيت البدرَ سائر أسوداً
…
في موكبٍ متلاطمِ الأمواجِ
ناديتهم لا تعجبوا من شأنِه
…
البدرُ يسري مع ظلامٍ داجي
وحكى عن سيدي الوالد رضي الله عنه وأمدّنا بمدده في الدنيا والآخرة، أنّ ممّا وقع له معه وهو نازل عنده في بيته مختفياً في قَيْطُون بيت ابن حجر ببركة الرطلي من القَاهِرَة أنه كان كثيراً من الليالي ما يوقظه للقيام، ويسمع صوته عند رأسه يقول: يا هو قم. وبينه وبينه ثلاثة أبواب مغلقة، وأنه كان كثير التغلّق إذ ذاك، فقال له هذه خلوة حصلت لك فلا تخرج منها حتى تبلغ الأربعين فكان كذلك.
وحكى لي عنه رضي الله عنه أنه حكى له أنه كان مغرماً بحب الجمال، فأراه الله تعالى في عالم الحسن صورة حورية، فانتسخ ذلك من قلبه بالكليّة، وأخبرني أنه كان جالساً بحضرته يوماً، رضي الله عنه، فدخل رجل يقال له وفا الجوهريّ وهو من محبيه وهو متغير الوجه فسأله عن حاله، فقال: يا سيدي رأيت الليلة مناماً وأنسيته، فقال له رضي الله عنه وهو يضحك: أُخبرك به؟ فقال: نعم، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخبرك أن أجلك اقترب فتيقظ لنفسك، فصرخ وفا
صرخة كادت روحه تخرج معها، وقال: نعم، هكذا والله رأيت، ثم قام من المجلس وهو مضطرب متواجد، فما كان إلاّ دون الشهر ومات وفا
المذكور. وحكى لي عنه أيضاً غير ذلك، وكراماته رضي الله عنه أكثر من أن تُحْصَر، وقد ذكرت منها جانباً في القصيدة القافيّة التي رثيته بها، وسأذكرها قريباً إن شاء الله تعالى.
وأخبرني عن قاضي القضاة محب الدِّين بن الشِّحْنَة عمن ينقل عنه من أهل العرفان والعلم، أنّ من قرأ آية الكرسي إحدى عشرة مرة عند قصده حاجة أو دخوله على كبير، فإنه يقضي حاجته ويعظم في عين ذلك الكبير، ولم يزل في حرز وحماية ونجاح مقصد وكفاية، (وقد نقلت ذلك أيضاً عن بعض من اعتقد فيه الصلاح، وذكر أنها تقرأ سبع عشرة مرَّة)، ونقل عن بعض الصلحاء من أهل مِصْر أنه من قرأ بعد العُطَاس فاتحة الكتاب ثم قوله تعالى:(قال من يُحيى العِظَامَ وَهيَ رَمِيم، قل يُحيها الذي أنشأها أول مَرَّةٍ وهو بِكلِ خلقٍ عَليم) ومرّ بلسانه على أسنانه جميعها، فإنها تحفظ من الآفات، ولا يصيبه منها سوء، ومما أنشدنا إياه من نظمه، فسح الله في أجله، ونفع بعلمه قوله، وهو معنى مخترع:
أحبُّ من البريّةِ كلَّ سَمْحٍ
…
قريب المستقى سَهْلَ القيادِ
إذا ناداه مُفْتقِرٌ لبرٍّ
…
أجابَ نداهُ قبل صَدَى المنادي
وقوله مضمناً:
دَعْ الهوى واعزُمْ على
…
فِعْل التُّقى ولا تَسَلْ
فآفة الرأي الهوى
…
وآفة العَجْز الكَسَلْ
وقوله أيضاً:
افعلْ جميلاً وانْسَه تُحصِه
…
من سرِّه يدري ونجواه
فإن أسنى حُلَّة لامرئٍ
…
أن يفعلَ الخيرَ وينساه
وقوله وقد جلس فوقه في مجلس بعض الرؤساء جاهل:
إن يقعد الجاهلُ فوْقي ولمْ
…
يَرْعَ ذمامَ العلمِ والأصْلِ
فالشمسُ يعلو زُحَلٌ أوجَها
…
وهي على الغاية في الفضلِ
وقوله:
كثير من الخلان يبدي تملقاً
…
وفي قلبه داءٌ من الشر موبقُ
كبحرٍ أُجاجٍ لا يسوغُ مذاقُهُ
…
يُرِيكَ صَفاءً قاعُهُ وهو مغرِقُ
وقوله:
في الدهر قومٌ ملئت نفوسُهم من خبثِ
أجدُّ في فراق ما قد ألِفوا من رفثِ
اغسل رجلي فإنك نويت رفعَ الحدثِ
وقوله:
حالُ المقلّ لم يزلْ
…
يشكو اضطراراً مَسَّهُ
يقول لما ضيفه
…
يُذْهب عنه أُنسهُ
إنّ الذي يزورني
…
يظلمني ونفسَهُ
وقوله:
يا واهباً غفرانَه لمن أعزّ شأنه
…
هبْ لفؤادي قوةً تزِدْ به إيمانَه
حتّى يقول دائماً لمن يرى جثمانه
…
سبحانه سبحانه سبحانه سبحانه
وقوله:
أرى الدّهرَ يسعِفُ جُهَّاله
…
فأوفرُ حظّ به الجَاهِلُ
وانظر حَظِي به ناقصاً
…
أيحسَبُنِي أنني فاضلُ
فأجبته بديهة بقولي:
أعَبْدَ الرحيمِ سَليلَ العُلا
…
ويا فاضِلاً دونه الفاضِلُ
أتَعْتَب دهراً غداً موقناً
…
بأنك في أهله الكامِلُ
وقوله أحجية:
يا سيداً قد تسامى
…
عن كلِ شين ومقتِ
ما بنورِه منتهاها
…
مرادف غِبَّ وقتِ
فأجبته بقولي:
يا سيداً ذا نعوت
…
علَتْ على كل نَعْتِ
لعلّ آخر صَادٍ
…
بما تحاجيه يأتي
وبقولي أيضاً:
يا بحرَ علم وجودٍ
…
لكل غادٍ وصَادِ
لعل ذا اللغز يأتي
…
في ختمٍ سورة صادِ
ومن الغرائب ما سمعه في المنام، وقد مات السُّلطان سليم خان، وأُخْفِي موَتُه إلى أن يحضر ولده سليمان:
قُل لشياطينَ البغاة اخسئوا
…
قد أوتي الملك سُلَيمان
وأخبرني أنه رأى نفسه في المنام وهو ينشد ويشير للأديب علاء الدِّين ابن مُلَيك وكان حيّاً:
هذا الأديبُ لص نشَّال
…
في كلّ بيتٍ كمْ لو خزيَهْ
يبطُّ يشْرُطُ ويشْتَالُ
…
وَيْش يعملوا أهلُ قطيَهْ
وكتب لبعض الأكابر وقد التمس منه حاجة ففوّض قضاءها لرجل اسمه صالح قوله:
يا مظْهرَ الآمل والمرتجي
…
ومَفْخَر الحامِد والمادحِ
خالص ودي لم يكن فَاسِدَاً
…
فلا تَكِلْ أمري إلى صالحِ
وكتب لقاضي قُسْطَنْطِينيَّة سعدي، وقد عَمَّر منزلاً وسكن فيه يوم النيروز قوله:
يا عظيماً دونَه شمسُ الضحى
…
بدليل قطٍ ما فيه خفا
هي بالمنزل تعطى شرفاً
…
وبك المنزل يُعطى الشرفا
وأنشدني أول اجتماعي به في بيته بمنزلة القُسْطَنْطِينيّة في هذه الرحلة قوله:
عَجِبَ الأنامُ لنورِ قُطْرٍ زُرْتَه
…
يا ذا العُلا والمجدِ والتمكين
فعجبتُ من إعجابهم وأجبتهم
…
لمَ لا يُضِيءُ الكونَ بدرُ الدينِ
وأنشدني من قصائده الطوال، حرس الله ذاته من عين الكمال، شيئاً كثيراً كتبت منها جملة في غير هذا الكتاب، واخترت أن أذكر هنا منها ما أَرْسَلهُ لشيخ الإسلام الوالد ضمن كتاب وهو قوله:
يا فؤادي وأين مني فؤادي
…
لستُ أدريه ضلَّ في أي وادِ
شُعَبُ الحبِ قد تشعّبَ قلبي
…
في ذراها وغابَ عنه الهادي
يا خليليّ إن تَمُرَّا بلَعْل
…
فانشداهُ ما بين تلك الوهادِ
وهو في قبضةِ الغرامِ أسيرٌ
…
دون فادٍ أو هالك دون وادي
ليس غيرُ الصّدى يردُّ جواباً
…
لي عنه في حالةِ الإنشادِ
كلما قلتُ أينَ ضَلّ فؤادي
…
رَدّ لي منه أينَ ضَلّ فؤادي
كم ليالٍ سهرتُها وسميري
…
في دُجَاها زُهْرُ النجومِ البوادي
أذْرَعُ الأفْقَ بين شرقٍ وغربٍ
…
بجفونٍ تعافُ طيبَ الرَّقَادِ
أحسنتُ صَنْعةَ البديعِ فوافتْ
…
بِجِناسٍ بين السّها والسُّهاد
وكذاك الطِباق لاح فصبري
…
في انتقاصٍ ومَدمعي في ازديادِ
والصباح استعار من هَجْرِ حُبي
…
حُلّةً أورثته طُولَ التمَادِي
فترى الطّرفَ في ارتقابِ سناه
…
مثل رُقْبَى أهِلّةِ الأعيَادِ
لو بدا لي وجهُ الرَّضِيّ لأغْنَى
…
عن سناه بنورهِ الوقّادِ
سيدٌ لم يزلْ يَمُدّ مواليه
…
بفيضٍ من أغزرِ الأمدادِ
ولعبد الرحيم رَحْمَى لَديْهِ
…
هو في ظلها وثيرُ المِهَادِ
لم يزلْ منه لي نتائجَ لطفٍ
…
غادياتٌ تفوقُ سحَّ الغوادي
والتفاتٍ بخاطرٍ حائلٍ ما
…
بين حالي وبين أهلِ العنادِ
وسلوكٍ على طريقٍ قويمٍ
…
مُوصِل هَديُه لنهجِ الرشادِ
لستُ أنسى لياليا بِحمَاهُ
…
بتُّ فيها قريرَ عينِ الودَادِ
راتعاً من ولائها في برودٍ
…
نَسْجُها محكمٍ بِصُنْعِ الأيادِ
وظلالٍ من فيضِهِ سابغاتٍ
…
لم يزلْ في جبرها فيَّ امتدادِ
وتلافٍ لمّا بدا من تلافٍ
…
بصلاح يزيل عَيْثَ الفسادِ
ليتَ أيامُنا المواضي تفدّى
…
بالبواقي من جالباتِ البعادِ
فله في الحَشَا اضطرامُ لهيبٍ
…
ليس يُطْفى بغير نيل المرادِ
حقّق الله في التلاقي رجاءً
…
هو للنفس أشرفُ الأزوادِ
وأزاحَ الأعذارَ عنه وحيَّا
…
وأراح الفؤادَ ممّا يعادي
يا وليِّ الوجودِ عَطفاً على من
…
هو من مُنْتداك في خير نادِ
ما له غيرُ ظلِّ جودك ظلٌ
…
فهو يعدو به على كلِ عادِ
دمتَ للعالمين بحرُ علومٍ
…
يرتوي منه كلّ صادٍ وغادي
ولشيخِ الشيوخ نجلك سعد
…
ذو نمو من مالك الإسعادِ
ومعاليه قرّة لعيونٍ
…
من نوالٍ وسخنة للمعادي
ما أذيل اللقاء من يوم بين
…
وأعاد السرور لطفَ المعادِ
وما كتبه أيضاً لشيخ الإسلام أيضاً ضمن مطالعة وأراد إرسالها صحبة مولانا حاجي جلبي حين قدم الشَّام حَاجّاً، ثم لم يتيسر إرسالها معه فأرسلها صحبة غيره، واختصر منها الأبيات المتعلقة بالمشار إليه:
هل لي إلى سُبل اللقاءِ وُصُولُ
…
لأرى وحبل مسرتي موصولُ
وتقرّ عينٌ طالما باتت به
…
والجفن معها بالقذا مكحُولُ
ويقرّ قلبٌ دائم خفقانه
…
ويصحّ جسْمٌ بالأسى مَعْلولُ
وأقولُ غفرا للذي جَنَتِ النّوى
…
وأحيدُ عن ذمّي لها وأحولُ
وأرى الذي فوقَ العنان محلُّه
…
رأي العَيان وينقضي التخييلُ
وتزولَ أوهام الحُلُوم وينتهي
…
شبه يحقّق دَرْكَها التأميلُ
فهنالك الآمالُ يذهبُ عينُها
…
ويفوت وسواسٌ بها ويزولُ
وأرى محيّاه رضياً كاسمه
…
عني وبرغمِ حاسدٍ وجهولُ
فهو المنى والقصدُ والسؤلُ الذي
…
أبغيه والمرجوّ والمأمولُ
يا من به وبحبِهِ وولائه
…
أحيا وأُقْبَرُ لستُ عنه أزولُ
عودتني بلطيف برٍّ عادةً
…
كم عادَ لي مما تُعِيدُ جميلُ
ترتاحُ روحي عندَ لقياها كما
…
يرتاحُ من روح الشّفاءُ عليلُ
ويهزُّني عند إذكاري لطْفها
…
طربٌ كما هزَّ الحكيمَ شمولُ
وأظلّ مرتقباً طلوعَ سعودِها
…
رُقْبى الهلال وقد أطلَّ حلولُ
والآن إبطاءُ سيبها في سحّه
…
وغَدَتْ رياض الأنس وهي محولُ
وذوتْ غروس أنت غارسها ومِنْ
…
شأن السحابِ تكرم وهطولُ
فابلل بها رَمَقاً متى أهمَلْتَه
…
حُقَّ الفناء وحُتّم التَحْويلُ
ولأنت أكرم شيمة من أن يرى
…
لك سائل والدمع منه يسيلُ
واهنأ بلقيا سيد فرع الورى
…
عِلْماً وقد طابت لديه أصولُ
متفرّدُ جمعت حسان خلالِهِ
…
غرراً لها زهرُ السّماءِ حُجولُ
عرف المعارفَ قد تضوّع نشرهُ
…
منه وبقولهِ عليه دليلُ
حَسْبُ المشيد به اختصارُ حديثه
…
متعمداً فالشرحُ فيه يطولُ
يهوى لقاكَ بالسَّماع وقد أبى
…
إلاّ العيان فجدَّ منه رحيلُ
وإذا التقى البحران قُلْ في مجمعِ
…
البحرين مهما شئت فهو قليلُ
والعبدُ في حال التلاقي راغبٌ
…
في دعوةٍ تعطى المُنَى وتُنيلُ
لا زلْتَ ظلاً سابغاً يأوي لهُ
…
من كان في طلبِ الخلاصِ يجولُ
ولنجلك البدريّ أسنى رتبةٍ
…
تسمو إليها هِمّةٌ وتميلُ
ويدومُ كهفاً للأنام وملجأً
…
في ظلّه تأوي الورى وتقيلُ
ما سُلَّ سيفُ الفجرِ من غِمْدِ الدُّجى
…
وَبَدا بكف الشّرقِ وهو صقيلُ
وما كتبه له أيضاً ضمن مطالعة من أدرنة:
مُحبّك فيك كما تعهدُ
…
من الودِّ والشوقِ بل أزيدُ
يرى كلّما بعدت دارُه
…
صباباته عنه لا تبعدُ
ومهما تقادَم عهدُ اللقاء
…
جديداً تلهفُهُ يوجدُ
فأنَّى وكيف ومن أين
…
للدنوِّ سَبيلُ إذا يُقْصَدُ
وكم بيننا جبلٌ شاهقٌ
…
تخلّلَ ساحَته فَدْفَدُ
وسد من المنع أسوارة
…
تسوّرها قطّ لا يحددُ
ولكن إذا جاء عونُ الإله
…
تسهّلَ ما كان يستمردُ
فيا واحداً في العُلَى والنهى
…
وهل فيهما غيرك الأوحدُ
رضي القلبِ منك منأى الذي
…
له طولُ دهري استرفدُ
فكُنْ كاسمك المجتبى إنه
…
لطِبْق مُسَمّاك إذ يوردُ
ولا تخلني من دعاءٍ بهِ
…
رجائي قويٌّ لما أقصدُ
فلي مددٌ منه أحيا به
…
وبعد الممات إذا أُلحَدُ
بقيتَ من الله في نعمةٍ
…
تفوق يدَ الحصر إذا تُعْدَدُ
ونجلُك بحرُ العلوم الذي
…
يزيدُ على البحرِ إذ يزبدُ
ولا زلتما نيرّي دَهْرِنَا
…
عَظيميهِ ما وُجِدَ الفرقدُ
وكتب إليه وامتدحه بقصائد أخرى كثيرة، ذكرتُ غالبها في غير هذا الكتاب، وكتب إلى المرحوم ملك الأمراء كافل المملكة الشَّاميّة الأمير أركماس، وقد لبس
خلعة:
قد أمكنتْ فُرص الإقبال فانتهزِ
…
وحُلْ موعَدها بالسَّعدِ فانتجزِ
واركَبْ إليها براقَ العزم وامضِ لها
…
كالبرقِ يومضُ خِفَافاً على نَشِزِ
واجذبْ عنانَ الأماني غيرَ محترسٍ
…
وخذ بفودِ المعالي غيرَ مُحترزِ
واهززْ بكفِ اقتدارٍ كل ذي ميسٍ
…
واطعنْ به كلَّ قلب غير ذي ميزِ
وأمدد يمينك للاجىء بمكرُمَةٍ
…
وابسطْ يسارك للمسترْفِد العوزِ
وسُسْ بحزمك ما في الناس من مرحجٍ
…
ورُضْ بعزمكَ حدّ الجامحِ النَشِزِ
وحاذرْ الخلقَ واصحبهم على دخلٍ
…
ولا تدع حالةَ المستوفزِ الحَفِزِ
واستعمل الحزم في كلّ الأُمور فمَنْ
…
يضيّعِ الحزم لم يظفرْ ولم يَفُزِ
واهنأ بخلعة عزّ بالوفا ورَدَتْ
…
وبالهناء قد غَدَتْ مرقومةَ الطرزِ
واخلَعْ بلُبْسك إياها قلوبَ عِداً
…
وجُوههم قبحت من شدّة الشَّمزِ
وأعذرْ بفضلكَ في تقليل عدّتها
…
فالعذرُ أوضحُ من شمس على وَشَزِ
ضاقت عليَّ قوافيها ألم ترني
…
أتيت بعد نفيس الدُّر بالخَرَزِ
لو كان لي بَسْطُ عيشٍ كان لي لسنٌ
…
لذي البلاغة لم يحوج ولم يَعُزِ
يا مَنْ بأخلاقه فاتَ الملوك عُلا
…
كما تفاوت بين الصّدرِ والعجزِ
ومن بنائله أحيا الوجودَ كما
…
يحيي الحَيا حين يهمي ميتُ الجُرزِ
دُمْ وابق واسلمْ وجُزْ في دولةٍ وعُلا
…
ما لم يحاوله مخلوقٌ ولم يَحُزِ
واستجلها بنتُ فِكْرٍٍ في مروط سنا
…
لغيرِ مجدكِ لم تُملَكْ ولم تُحزِ
زائيةٌ لم تدعْ مرمى لذي غرضٍ
…
ولو أتى ببسيطِ القولِ والرّجزِ
كفيلةٌ للذي يأتي يعارِضُها
…
أن لا يعود بغيرِ الهزؤ والطّنزِ
واسمحْ لها بقبولٍ منك يجبرها
…
ولو بلَحْظٍ من الإيماءِ والرمزِ
وكتب إلى القاضي سعدي بن عيسى قاضي القُسْطَنْطِينيّة:
قرّتْ عيون العُلا مُذْ بتَّ راعيها
…
وبالثناء شَدَتْ إذْ صِرْت داعيها
ومنك قد أشرقت أيامها وغدت
…
من مدّها بالسنا بيضاً لياليها
وكيف لا يبهج الأيام سؤود مَنْ
…
سمت معاليه عن قرم يساميها
لا تسألن سوى علياه عنه تصب
…
فالدار تنبئ عن مقدار بانيها
كأنه نسخة في المجد مثبتة
…
ومن عداه دخيل في حواشيها
انظر بعينك في الأشخاص هل تر من
…
يولي المعالي سواه أو يُواليها
واستخبر البيض عن مقدار همته
…
تُخبرك بالعجز منها عن مَواضِيْهَا
واستفهم السُّمر عن أدنى عزائمه
…
تجبك عن كنه علياها عَواليها
يا من يقيس جداه بالسحاب أفق
…
فالبحر يعجز عنها إذ يُجَارِيْها
جدواه مال وجدوى السحب جود حيا
…
فالفرق كالصبح يبدو في دياجيها
أكرم به بشراً أنشأه بارئه
…
على خلال تعالَتْ عن مُبَاريها
آثاره لكن بالتفصيل مفصحة
…
عن حسن ظاهرها منه وخَافيها
من أين ما جئتها تظفر بمخبرها
…
أمن قوادمها أم من خَوافيها
تبارك الله كم من آية ظهرت
…
من مجده وفم الأيام تَاليها
يكفيك أن عطاياهُ وأنعمه
…
تجيب قبل صدى عافٍ يُناديها
ما فيه عيب سوى أن الوفود له
…
تنسى بتأهيله قربى أهاليها
أقامه الله للأيام يظهر ما
…
محت يد الدهر من آثار عَافيها
إذا تأملته حق التأمل يا
…
من ليس في قلبه بلوى يُناجيها
تظن أن كرام الناس قد نشروا
…
والأرض جادت على الدنيا بما فِيْها
يا واحد العصر صبح الفضل منك بدا
…
كالشمس في الظهر لا شيء يُواريها
من مغرب الكون للشرق المنير فلا
…
يرى لعلياك ذو مجد يُوازيها
أين الثرى والثريَّا في كثافته
…
ونورها وتجليها بزاهيها
تعلم المكرمات الناس منك فقد
…
أصبحت مرشدها فيهم وهَاديها
كم عاطل الحال مثلي مسه كرم
…
من منتداك فأمسى وهو حَاليها
وكم شكى قسوة الأيام ذو كربٍ
…
فما انثنى عنك إلاّ لان قَاسِيْها
وراضها منك تدبير ومرحمة
…
فأبدلته بوصل من تَجَافِيْها
وكم غدت سحب الإحسان ممسكة
…
وجود كفك يُغني عن غَواديها
إيه لعمري قذفت الأنام بما
…
حويت من رتبٍ أعيت مَراقيها
وحزت من شيم شام اللحاق بها
…
لمعُ البروق فلم يلحق هَواديها
وسدت بالسؤود المحض الذي عمرت
…
ربوعه لك أخلاق تُعانيها
وسعيك الجد في تأثيل مكرمةٍ
…
بين البرية مشكور مَسَاعيها
دم وابق واسلم لمعروفٍ تجدده
…
بين الأنام لمثريها وعَافيها
في دولة بدوام السعد دائرة
…
والله باللطف والإسعاد حَاميها
واهنأ بنور وزعام عائداً أبداً
…
إليك منه مسرات تواليها
في صحة واغتباط وانبساط يد
…
فيما له النفس تهوى من مَراضيها
وما لذاتك في الدنيا وزُخْرُفها
…
شيءٌ يساوي علاها أو يُدانيها
يا من بعليائه الأمثال سائرة
…
ما بين حاضرها تبدو وبَاديها
في مثل ذا اليوم يهدي القادرون إلى
…
أربابهم غرراً تسمو غَواليها
وليس لي غير مقدور الثناء فلي
…
فيه حدائق قد طابت مَجانيها
إن أدعها لك في حمدٍ وفي مدحٍ
…
جاءت إليّ مطيعات قَوافيها
ففيه أهديت أبياتاً إذا قبلت
…
أربت على دُرَرٍ تزهو مَرائيها
عسى تهب لها ريح القبول فلا
…
يُرَى لها شاعر يوماً يُحاكيها
وعش لمجدٍ يرى الأنامُ منكَ بهِ
…
مفاخراً تملأ الدنيا مَعاليها
وسعد نجلك ممدود الظلال فلا
…
يُرَى لعليائه نقص يُشَانيها
في كل لمح له مجد يجددهُ
…
محمود أخلاقه اللاتي تُراعيها
ما رنحت عذبات الرند بارحة
…
وما ترنم في الأدواح شَاديها
ونظمه ونثره لا يعدُّ ولا يحصى، وفضائله وفواضله لا تحدُّ ولا تستقصى، وهذا القدر كاف، وبما قصدناه واف، وممّا حصل منه من الخير العام والجبر التام وغاية الأنعام، ما ألزمني بإملائه عليه، أحسن الله تعالى إليه، بعد أن أحجمت عن ذلك، وحق لمثلي أن يكون عن مثل ذلك مُحْجِماً، ورقى دمي حياءً وخجلاً، حتى لا تجد منه محجماً، وأستعفيته فما أعفى. ولم يزل جازماً ومصمماً، فأجبته إلى ذلك وإن كان فيه متهكماً، فمما كتبته بخطي وخدمت به حضرته الكريمة قصيدتي القافيّة التي رثيت بها سيدي شيخ الإسلام الوالد، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل فردوس الجنة منقلبه ومثواه، المسماة بنفث الصدر المصدور وبث القلب المحرور، وقد تقدمت الإشارةُ إليها، والوعدُ بها، وهي هذه:
قلبٌ يذوب وأدمع تتدفق
…
والجسم بينهما غريق مُحْرقُ
وجوانح فنيت ضناً ومرائر
…
شقّت وحق لمثلها يتشققُ
وتنفس الصعداء ناراً من جوى
…
كبد تقطع بالأسى وتمزقُ
أواه من حدث تذوب له الحشا
…
وبدونه الأرواح منا تزهقُ
ومصيبة عمت وطمت فالورى
…
من خطبها في نار كرب تقلقُ
والجو أظلم والبلاد تضوحت
…
والأرض ترجف والصخور تفلقُ
لم لا وشمس العلم غابت في الثرى
…
أبداً وفي يوم القيامة تشرقُ
وضياء عين الكون زال لفقدها
…
إنسانها فإلى العلا لا ترمقُ
والبحر غاض ودره متألق
…
والبر فاض وسره متدفقُ
قسماً بجوهر دره المكنون أو
…
بمصون سر نشره يستنشقُ
وبطيب عرف من علوم نشرها
…
في الكون في كل المعالم يعبقُ
وبحبل عرفان به مستمسك
…
وإلى الوصول به له متعلقُ
ما ذقت طعم النوم بعد فراقكم
…
إلاّ لماظاً أو خبالاً يخنقُ
أو لحظة فيها أراكم فأجبروا
…
بدوامها وعلى العبيد تصدقوا
إني لأعلم أنكم لم تغفلوا
…
عن عبدكم حتى بكم يستلحقُ
وأنا بذا مستبشراً لكنني
…
من حجب حسمان الثرى متقلقُ
فلعل يرفع ذا الحجاب بسرعة
…
وأفك من قيد الجسوم وأطلقُ
إني سئمت من الفراق وإنني
…
من مر طول زمان مرا فرقُ
ليس المرؤة سادتي أن تتركوا
…
ناراً بعبدكم تشب وتحرقُ
أو تتركوه بعدكم يا منيتي
…
بسهام أغراض المصائب يرشقُ
أو تتركوه للبلاء متعرضاً
…
فلقد غدا بولائكم يتدرقُ
بل خلصوه من شوائبِ دهرهِ
…
فعليه أنتم منه حقاً أشفقُ
والعبد عبدكم ورقُ جنابكم
…
والقصد منكم أنه لا يعتقُ
منوا بقرب لا يقول وربما
…
من الفتى وهو المغيظ المحنقُ
بل أنت راضٍ يا رضيّ ولم تزل
…
عينُ الرضى منكم إليه تحدقُ
حاشاكم أن تغمضوها عنه أو
…
أن تصرفوها بالقلى أو تطرقوا
يا سادتي لولاكم ما كان لي
…
فضل به بين الورى أتخلقُ
كلا ولا ذكر ولا صيتٌ ولا
…
قد شاع أني في العلوم محققُ
كلا ولا ألقيت درساً مبهجاً
…
قيدت فيه أوابداً لا تلحقُ
كلا ولا أبديت بحثاً فاتحاً
…
باباً إلى التحقيق قد يتطرقُ
كلا ولا جمعت تصانيفي التي
…
سارت مسير الشمس ما يتفرقُ
كلا ولا بالشيخ ادعى في الورى
…
كلا ولا وفقت في ما أنطقُ
كلا ولا ألبست ثوب جلاله
…
متجدداً طول المدا لا يخلقُ
والظن فيكم أن فيضكم الذي
…
قد عمني قدماً دواماً يغدقُ
حاشاكم أن تجزروا والمدد الذي
…
عم العوالم سيبه المتدفقُ
حاشاكم أن تتركوني ساعياً
…
فيما لعل السعي فيه يخفقُ
حاشاكم أن تقطعوا عاداتكم
…
يا سادةً عاداتهم لا تخرقُ
والخرق للعادات من سيماهم
…
والعهد منهم دائم والموثقُ
أو لم تقم عشراً بلا قوت ولا
…
حدث وأنت بوارد مستغرقُ
هلا تركت المالكيّ بمجلس السُّلطا
…
ن مطروحاً صريعاً يشهقُ
لما بغى عدواً عليك ولم يفق
…
حتى غدا مثواه لحد ضيقُ
أنجزت في الفيقى ما أوعدته
…
لما بغى عدوا فقلت سيشنقُ
أنت الذي في نحو عام لم تزل
…
من نزر مال باتساع تنفقُ
هلا سمعت صريخ نور الدِّين من
…
أرض الحِجَاز وكان باسمك يصعقُ
وبِمصْرَ تخبر أنّ خالتك التي
…
تدعى بزينب قد نعتها جلقُ
في يوم ماتت مثلما أخبرتهم
…
بوفاة أولاد وأنت مصدقُ
أخبرتنا أن الجراكسة انقضت
…
أيّامهم من قبل أن يتمزقوا
وذكرت غربتهم وأن غرابهم
…
بالبين بينهم يحوم وينعقُ
وذكرتَ أن الرُّوْم تملك ملكهم
…
مع أنهم لم يثبتوا أن يلتقوا
والشّام تسلب منهم كالشعر سُلَّ
…
من العجين وما به ما يعلقُ
أو لم تخبرني بأن أخاك لا
…
يبقى سبوعاً وهو حيٌ يرزقُ
مع صحةٍ وسلامةٍ فبدونهِ
…
قد ضمّه لحد عليه مطبقُ
أو لم تخبر أنّ زيداً لم يرح
…
فعراه سقم فهو منه معوقُ
أو لم تخبرني برؤيا المصطفى
…
كشفاً وأسرار بوجهك تبرقُ
بشرتني بالفتح والإقبال والعرفا
…
ن يا قطب الوجود المطلقُ
فلي الهنا أن تم ذلك سيدي
…
والله أنك عارف ومحققُ
ولكمْ كرامات وخرق عوائد
…
ظهرت ظهور الشمس لمّا تشرقُ
ولكمْ تصانيف تعد كرامة
…
لكم إلى أمثالها لم تسبقوا
يا بحر جوهرك الفريد لعقد كت
…
ب القوم واسطة علاها رونقُ
لب العوارف والرسالة إذ غدا
…
فيها العشرى الأمام يدققُ
أوضحتَ برهاناً به ودلائلا
…
وفتحت كشفاً بات ما يستغلقُ
أو ليس نظمك سيدي الثلثين في
…
يوم يكون كرامة تتحققُ
يا برّ عرف النفحة المسكيّ لم
…
تُسْبَق له أبداً كما لا تُلحقُ
يا حبر هذبت الأصول بنظمه
…
درراً لوامع صنعها متأنقُ
مع سبك جمع الجوامع السبكيّ إب
…
ريزاً به عقد الجواهر ينسقُ
طابت فروع أنت جامع أصلها
…
بالدر تثمر واللآلي تورقُ
لخصتَّ تلخيصاً ومصباحاً معاً
…
وفوائداً مع ما بها يتعلقُ
في نحو كراس بأعذب منطق
…
وبحسنه نظماً تهذب منطقُ
ألفتَ شرحاً للصدور عليهما
…
فتفسحت نوراً فلا تتضيقُ
حلّيتَ عقد الخزرجي وجيده
…
بالجود فهو مقلد ومطوّقُ
ولك المداخل في السماء بهيئة
…
كسيت بهاء ضؤها يتألقُ
ونظمتَ عقداً في العقائد جامعاً
…
لجواهر نسقت بعرف تنسقُ
وسلكتَ في الأثر الشريف بسلك
…
ك الدرر اللطيف مسالكاً لا تطرقُ
وقلائد العقيان في تلخيصها
…
نظم عجيب مستجاد مونقُ
نظم اللالىء المبدعات بصنعه الخ
…
ط المؤنق صنعهُ متنمقُ
والأرتماطيقي علم قل من
…
يدريه أو رسماً له يتحققُ
صنفتَ فيه مصنفاً ما مثله
…
حسنا كضوء البدر بل هو أشرقُ
وجمعتَ في علم الفلاحة جامعاً
…
لملاحة فيه الفلاح محققُ
أفصحتَ في نظم الفصيح وفائت
…
عن حر معنى لفظه يترققُ
وكشفتَ أستار الحروف وسرها
…
كشفاً به رتق المغيب يفتقُ
وفتحتَ عين القوم بالتنبيه عن
…
أسرار نوم وهي كنز مطبقُ
وبنات فكرك في العلوم عقائل
…
كملت جلالاً حسنها يتعشقُ
ولقد جلوتَ لنا غوامض سرها
…
كالشمس يجلوها علينا المشرقُ
يا محسناً في قوله وفعاله
…
وصفاته في الكل أنت موفقُ
فالحسن والإحسان من أخلاقكم
…
خُلِقَا وضدهما لكم لا يخلقُ
يا هادياً طرق النجاة بلطفه
…
وبذي الجهالة في الهداية يرفقُ
يا داعياً لله في أوقاته
…
وعلى عباد الله طُرا يشفقُ
يا عارفاً بالله حقاً غارفاً
…
من بحر توحيدٍ كؤوساً تدهقُ
يا غارقاً في لجة والسؤ لا
…
يعروا امرىء في صفو ذكر يغرقُ
يا مخرجاً منه نفيس جواهر
…
لم يحوها إلاّ الذي يتعمقُ
يا ناصراً دين الإله وكاسراً
…
جند الضلال وحزب من تزندقُ
يا موضح الحق المبين بحجَّة
…
فضحت حكيما بالسفاه يشقشقُ
من ليس تأخذه ملامةُ لائم
…
في الله أو يثنيه قدم أحمقُ
يا راقياً في كل علم ذروة
…
لا يعتليها من لها يتسلقُ
فتحتَ له أبواب مقفلها كما
…
فتقت له من سرها ما يرتقُ
يا كاشفاً في كل علم مُعضلاً
…
من أسره مكبول جهل مطلقُ
يا من غدا من سر تأويل بدا
…
في نور تنزيل الهدى يتخرقُ
يا حافظ العصر الذي لحديثه
…
إعلان أسرار لمن يتذوقُ
للسنة الغراء نصرك لم يزل
…
للحق يظهر والضلالة يمحقُ
يا شافعيّ العصر شافي عي ذي
…
حصر غدا من حصره يتأوقُ
يا من بأصل الفقه كان مؤسساً
…
لقواعدٍ ليست بنقض تطرقُ
نحو الرضى أتم من عمرو ومن
…
زيد وأعلم من يزيد وأوثقُ
لأبي الأسيود ظالم خلفاً غدا
…
عدلاً فمن هو أحمر أو أزرقُ
قد فاقَ في علم العروض خليله
…
ولديه أبحره غدت تترقرقُ
يا من فصاحته لديها يعرب
…
عجمي لفظ لا يبين فينطقُ
تركت بلاغتهُ ابنَ وائل باقلاً
…
في عيه وهو الخطيب الأشدقُ
يا من له في الشعر نسج محكمٌ
…
وسواه فهو مهلهل وممزقُ
إن امرء القيس الأمير عبيده
…
وجريرهم رقّ له وفرزدقُ
يا أيها الحيسوب من عن نفسه
…
وهي الرضية باحث ومدققُ
أنت الذي لعمى القلوب مبصر
…
ولدائها أذكى طبيب يحدقُ
يا سيداً حَازَ الكمال بأسره
…
في كل فن سابقاً لا يلحقُ
ثوب التجلد سيدي متخرقٌ
…
وبقرب وصل يرقع المتخرقُ
والقلب مني بالفراق مُفَرَّقٌ
…
وبجمع شمل يجمع المتفرقُ
والهم يغزوني بجمع جموعِهِ
…
فإذا انقضى جيش تبدا فيلقُ
ولدفعه أعددت جند تحقَّقي
…
منكم له مددٌ كبحر يدفُقُ
من سركم سور له وحماكم
…
حصن وفيضكم عليه خندقُ
وأنا بسابغ درعكم متحصنٌ
…
وبسابل من ذيلكم متوثقُ
وبسابق من لحظكم متدرعٌ
…
وبلاحق من حفظكم متدرقُ
وبكامل من سركم متشبثٌ
…
وبشامل من سركم متعلقُ
لكن باب القلب عن فرحٍ بما
…
لا يقتضي قرباً إليكم مغلقُ
وبقربكم ووصالكم فرح ومس
…
رور إليه مستهام شيقُ
وبحيكم وفنائكم مسترهنٌ
…
طوبى له إن كان رهناً يغلقُ
والصدر منشرح لبث صفاتكم
…
لكنه عن شرح بثي ضيقُ
عجباً له لم لا يقد وتحتهُ
…
نيران تزفر باللهيب وتشهقُ
هل ذاك من جلدٍ به أو قسوة
…
أوقَدَّ حتى ما به ما يحرقُ
بل ذا لحفظِ الله حيث مقركم
…
فيه فلا سوء له يتطرقُ
أنت المبارك حيث كنت كما بذا
…
خوطِبْتَ بالكشف الذي لا يمدقُ
وحِمَاك حصن لا يضام من التجأ
…
يوما إليه ولا بضرّ يرهقُ
يا مرتجٍ من فتح باب مرتجٍ
…
باب الحمى العالي الذرى لا يغلقُ
ثم أمنّا يا داخلاً فيه ولو
…
أنّ الدماء من كل فج تُهْرَقُ
وأسخر بمن يبغي أذاك وسهمه
…
بالبغي عدواناً عليك مفوقُ
فالمكر سيئه يحيق بأهله
…
والسهم من ذي البغي فيه يمرقُ
لا تأرقنَّ من خوف سطوة حاسدٍ
…
إنّ الممنَّع بالحمى لا يأرقُ
للسلم فيه مع السلامة مَشْرقِ
…
والأمن منه مع الأمانة مُشْرقُ
والله إنَّ حمى الرضى لمانعٌ
…
لا يستطيع له عدو يخرقُ
لا يعتدي سبع عليه مثلما
…
لا يعتلي عدواً عليه محلقُ
والله إنَّ حمى الرضى لجامعٌ
…
حرباً وسلماً مهلك أو مشفقُ
بر لمن والاه روضٌ مثمرٌ
…
وعلى الذي لاواه قفر سملقُ
بحر لراجيه فرات مغدقٌ
…
ولمن يناوئه أجاجٌ مُغْرقُ
والله إنَّ حمى الرضى لهامعٌ
…
جوداً به كل المعاهد تلتقُ
فالفضل للآفاق منه شامل
…
لكن بفاضل في العطاءِ ويافقُ
فالكل من أهل الحمى يعطى على
…
حسب المقام وليس فيه مملقُ
والله إنَّ حمى الرضى لساطعٌ
…
بسنا بِهِ بصر البصيرة يبرقُ
نور على أهل الهداية مشرق
…
كالشمس تُشرق في الضحى بل أشرقُ
يهدي به الله إلى سبل الهدى
…
في ليل جهل بالضَّلالة يغْسقُ
والله إنَّ حمى الرضى لنافعٌ
…
حيث الخلائق في القيامة تغرقُ
بعد النبيين الرضى مُشَفعٌ
…
بالصالحين وذي الشهادة ملحقُ
والعاملين بعلمهم مع أهل تص
…
ديق يرافقهم ولم يتفرَّقوا
والله إنَّ حمى الرضى لواسعٌ
…
عن كل أهل الأرض لا يتضيقُ
فيه الضعيف مع القوى وذو الغنى
…
وكذا الفقير وذو الحجى والأخرقُ
فاقصد حماهُ تَفُزْ بكل سلامةٍ
…
إن الحوادث للحمى لا تطرقُ
وقصيدتي الخائية المعجمة، المنبئة عن شرح الحال والمترجمة، وهي مرثاة فيه رضي الله تعالى عنه أيضاً، وهي:
عقد التصبر بعد بُعدك يفسخ
…
والقلب من حمل الأسى يتفسَّخُ
وجوى الجوانح من جوائح دهرنا
…
نيرانه تذكو ولا تتبوَّخُ
والبين يصرخ بيننا بجموعهِ
…
رفقاً بنا نفساً فهل مستصرخُ
أذهبت عين زماننا فضيائه
…
بظلام جهلٍ من عماهُ ينسخُ
وخفضت رتبته بوهنٍ بعدما
…
قد كان يعلو بالرضى ويشمخُ
فاجبر مصابك يا زمان بنشر ما
…
أبقاه من طيب به تتضَّمخُ
من كل علمٍ كان فيه مُفْرداً
…
وبه له قدم التقدم يرسخُ
ومعارفٍ وفرت له سهماً وما
…
من عارفٍ إلاّ ومنها يرضخُ
وعوارفٍ في الدين أبدت حُجَّة
…
للحق تجبر والضلالة تُفْدَخ
ومؤلفاتٍ في الفنون فرائد
…
أبداً تدون في الطروس وتنسخُ
ودوام فيضٍ ليس يجزر مَدُّهُ
…
غدقٍ مريع في العَوالم ينضخُ
ومكارم لم يُحْص عَدَّ صنوفها
…
مع الاختصار مترجم ومؤرّخُ
لم ينقطع عمل الرَّضِيّ فعلمُهُ
…
للخلق والأكوان سيل يَجْلخُ
أو بدر أو شمس الضحى أو أنجمٌ
…
تهدي بليل أو جبال شمخُ
عمَّ العباد دينهم وسريَّهم
…
وكذا البلادُ مضيقها والسربخُ
لم ينفه إلاّ حسود جاهل أحمق
…
أعمى البصيرة أو أصم أصلخُ
كم من إمام في العلوم مفننٍ
…
قد قام دون مقامه يَتَدرْبخُ
والجود منه جرى كبحر زاخرٍ
…
ما عَنْ عُمُوم الكون مِنه بَرْزخُ
أو كالسحاب الرطب أرخى في الملا
…
أهدابه لم يخل مِنه فرسَخُ
الملا والوقف منه جرى ففي أوكارِه
…
أمناً أقام معششٌ ومُفَرخُ
والثالث الولد الذي هو صالحٌ
…
أرجو بأني لستُ منه أُسْلَخُ
فالفيض من إمدادِهِ قد عمّني
…
فغدوت أعشب إذ حَسودي يسبخُ
وبخمس عشرة قد بلغت نهايةً
…
وبسبع عشرة أنني متسيخُ
وعصرت من لب المعاني دُهْنَه
…
إذ للنوى والقشر غيري يرضخُ
ولبست ثوب جلالةٍ من غير ما
…
دنسٍ وحاشَا أنه يتَوسخُ
عنوانُ ذاك مُبَشرٌ أنّ الرجا
…
حق وليس لباطِلٍ يتجوَّخُ
هذا وتقصيري عريضٌ طائل
…
وأنا بسيري في مَدَاهُ أملخُ
إني لأخشى من قيامي في غدٍ
…
في موقفٍ لم يُلْفَ فيه مصرِخُ
ومعنفٌ لي بالذنوبِ وقائل
…
ماذا صنعت بعلمنا ومُوَبخُ
لكنني أرجو بجَاهِ مُحَمَّدٍ
…
من قَدْره يعلو الأنام وَيَبْدُخُ
هادي الورَى وشفيعهم في الحشر إذ
…
في الصور إسرافيل يَوما يَنْفخُ
تطهير نفسي من ذنوبٍ دَنَّستْ
…
لصَحائفي وغدت بها تتلطخُ
وعلى الصراط ثبات أقدامي إذا
…
أقدام أهل الشر عنه تََزْلخُ
وأرافق العلماَء منهم والدِي
…
في ظل عرشٍ للهجير يبوّخُ
تحت اللواء الأحمدي وحوضُه
…
شربٌ لنا يروي الفؤادَ وينقخُ
ونجاور الرحمن في فردوسِهِ
…
وهو المقام الأقدس المتزمخُ
ونرى الإله على الدوام وَوَجْههُ
…
بادٍ فبخ بخ ذاك منه يبخبخُ
وعلى النبي محمد من قد زكت
…
أعراقه شرفاً وطابت أسنخُ
والآلِ والأصحاب من بسيوفِهم
…
محقوا رؤوس الكُفْر لما دوَّخوا
أزكى صلاة مع سلام لم يزل
…
في الكون عرف شذاه مسكا ينضخُ
وقصيدتي التائية المثلثة، الجامعة لأسماء من قيل فيه إنه من المبعوثين لتجديد دين الأمة في رأس كل قرن، وهي هذه:
قد صحّ في الأخبار أنّ الهنا
…
في أولٍ من كل قرنٍ باعثُ
من جدَّدَ الدين القويم وقد رأوا
…
عمر الخليفة أولاً يا حارثُ
والشَّافِعيّ برأس قرن بعده
…
ويقال إنّ الأشعريّ الثالثُ
والأستراباذيّ قيل ورجحوا
…
إنّ السريجي الإمام الوارثُ
والأسفراينيّ مع سهل قَضَى
…
في رابع فقضى بكلٍ باحِثُ
ورأيت من عَدَّ الإمام الباقلا
…
نيَّ المجدّد وهو قولٌ ثالثُ
والخامس الطُّوسيُّ حجتُنَا فكمْ
…
خفيتْ بطيب ظُهور ذاك خبائثُ
والفخر سادسهم أو الحبر الإما
…
م الرافعيَّ فذاك غيثٌ غائثُ
والسابع الشيخ الإمام ابن دقي
…
ق العيد جَزْماً فهو ليث لائثُ
والثامن البلقينيّ قد بعثت على
…
إعطائه هذا المقامَ بَواعثُ
أو أحمد الغَزِّيُّ جدّي فهو من
…
جادَتْ له عند الجدال مباحثُ
أو حافظُ العَصْر العراقيُّ الذي
…
زالت بنُصْرته الحديثَ حوادثُ
أمّا السُّيوطيُّ الجلالُ فمن يَقُلْ
…
هو تاسعٌ لهم فما هو عَابثُ
ولئن حلفت بأنّه شيخي الإما
…
م الشيخ زين الدِّين ما أنا حانثُ
فيه أغاث الله جل عباده
…
فلجأ له العافي ولاذ اللَاّهثُ
وأظن أنّ العاشر المهدي أو
…
عيسى يجيء بدين قرن حادثُ
فالأمر أقربُ ما يكون فقد بَدَتْ
…
أشراط الأخرى والمسيرُ حثاحثُ
فالعالم المحمودُ مدحورٌ وذو الجه
…
لِ الظلومُ كذئب سُوءٍ عائثُ
والكذب فاشٍ والأمانة ضُيّعَتْ
…
والشر ناشٍ والمعاهِدُ ناكِثُ
والقبض للعلم ابتَدَى أوَما ترى
…
قبضَ الأئمة وهو خطبٌ كارثُ
والعلم يرفع إذ أهينَ ورَفْعُهُ
…
في الأرضِ إن لم يبق منهم لابثُ
وأنشدته من قصائدي غير ذلك، وهذا القدر كاف ذكره هنا، وأنشدته من المقاطيع جملة مستكثرة منها قولي ونقله بخطه الكريم:
أقولُ للصبح حين أجرى
…
عوائداً منه بالفراق
لا أشكر السعي منك حتى
…
تكون لي رائد التلاق
وكذا قولي في مقابلة هذا المَعْنَى أيضاً:
شكرتُ سعي الصباحِ لمّا
…
وافى بشيراً بالاجتماعِ
وقلتُ غفراً لما جنته
…
يَداك في حالةِ الوداعِ
وقد مرّ الأوّل في أوائل الرحلة وسنعيد ذكر الثاني عند محله إن شاء الله تعالى وقولي، وهو أول شىء نظمته مطلقاً:
يا ربّ يا رحمن يا الله
…
يا منقذ المسكين من بلواه
امنن عليَّ وجُد بما ترضاه
…
بجميل فضل منك يا الله
وقولي:
قد هتفت ورقاء ليلاً فهيّجت
…
لواعج شوق فالدموع سَواجمُ
ذبت وبيت الله لو كنت صادقاًَ
…
لمّا سبقتني بالبكاء الحمائمُ
بعد أن أنشدته بيتي أبي العبّاس أحمد بن يحيى بسندنا إليه، وهما:
لقد هتفت في جُنح ليل حَمامَةٌ
…
إلى إلفها شوقاً وإني لنَائمُ
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً
…
لمّا سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ
وقولي:
من رام أن يبلغ أقصى المنى
…
في الحشر مع تقصيره في القُرَبْ
فليخْلص الحبّ لمولى الورَى
…
والمصطفى فالمرءُ مع من أحبْ
بعد أن أنشدته بيتي شيخ الإسلام ابن حَجَر رحمه الله تعالى بسندنا إليه، وهما:
وقائل هَل عمل صالح
…
أعددته يدفع عنك الكربْ
فقلت حسبي خدمة المصطفى
…
وحبهُ، فالمرءُ مع من أحبْ
فطرب لمقطوعَيَّ طرباً موصولاً بسرور، وارتاح لهُمَا ارتياح الصادي بعد الصدور، وترنَّح لسماعِهمَا ترنح الغصن النشوان، وقال عنهما وعن إماميها ليس الخبر كالعيان، وليس كل إمام يستحق التقديم، ولا كل إنسان تجوز عليه الصلاة والتسليم، وأنشدته أيضا قولي ملغزاً:
إذا ما اشترت بنت أباها وعتقه
…
به مستقر ثم أعتق عبده
وعن بنته قد مات ثم ابن عمه
…
ومات بلا ورَّاثٍ العبدُ بعده
فهل يرث المعتوق ذي البنت وحدها
…
أو البنت وابن العم أو هو وحده
وجواب شيخ الإسلام الوالد عنه بقوله:
يجوز ابن عم للعصوبةِ ماله
…
وليس لبنت ما تحاول قصده
وميراثها بالعتق من بعد عاصبٍ
…
بنفس نسيبٍِ حيث قدرت فقده
وقد غلطت فيه قضاه ميؤن قد
…
غدت أربعاً والحمد لله وحده
وأنشدته منها غير ذلك وقد قيد كثيراً منها بخطه، وكتبت له ملغزاً:
يا إماما له الفضائل تُعْزَى
…
وهماماً أضحى لراجيه كنزا
ما بسيط حروفه ليس تحصَى
…
وهو حرفان لا سوى أن تجزَّا
كل جزءٍ منه استوى القلبُ إمّا
…
جاَء معنى أو جاَء للفظ يُعزَى
نصفه ربعه ولا ربعَ فيه
…
وسوى الخمس منه ما تم أجزا
واذا ما تصحَفَ البدءُ منه
…
فهو وَصْفٌ لكامل نال عِزَّا
أضمر القلب غادةً إن تُصحِفْ
…
آخراً فهو قولها حين تهزا
وعلى حمل صخرة ذو اقتدارٍ
…
ثم عن حمل إبرة سَام عجزا
هاكه واضحاً بدون خفاءٍ
…
لغزه ظاهرٌ وإن كان رَمْزا
دُمْتَ في رفعة وحفظ إلهى
…
لك دوما حصناً حَصيناً وحرزا
فأجابني عنه أسبغ الله ظله بقوله:
زادك الله بالدراية عزّاً
…
فلقد قمت للهداية كنزا
يا بديع الألفاظ غُرَّ المعاني
…
صار منك البيان للدهر طرزا
من يجاريك في العلوم يجاري
…
اليم والمجد من تجرِية يهزا
إن لغزاًَ أرسلته فاق بدر الت
…
م حُسْنَا وأورث الفكر عَجْزا
من يفتش فليس يلقى له ثَمَّ نظي
…
راً فقد تفرَّد رَمْزا
ثم من يبتغي مضاهاته لا
…
تسمع الأذنُ منه في ذاك ركزا
وتراه وقد تحيّر ممّا
…
نابه للفرارِ يَجْمز جَمْزَا
من يطق يلمس السماَء ويأتي
…
بالدراري حتى يحاكيه لغزا
قلت لما أجبت عنه إذا ما
…
إبل لم تكن لديَّ فمِعْزى
غير أني بالستر منه وثيق
…
فإليه كل الفضائل تُعْزَى
دام في نعمة وظل سعود
…
ما أمال النسيم غُصناً وهزا
ثم كتب هو إليَّ لغزاً، فقال:
يا من غَدا وكواكبُ الجوزاءِ
…
تعنُو لرتبته لَدى العلياءِ
ما اسم تَرَاهُ مثلثاً ومسدساً
…
وبه تبين غوامض الأشياءِ
حَرِفْ وصَحِفْ آخراً منه يكن
…
فعلاً لمن يأتيك بَعْدَ مَساءِ
ومتى تحرف فاءه مع عينِهِ
…
كانَتْ مواقِعهُ كما الحلواءِ
ويكون ظرفاً إن تصحف فاَءه
…
ويجوز منك جَلائل النَّعْماءِ
ومتى تُحرفها تجدْهُ مُسَارِعاً
…
فيما تُحب على أتمِّ وَفاءِ
وبقلبه تلقاهُ سَبَّاقاً إلى
…
شىءٍ تعينهُ بدون عناءِ
وإذا حذْفتَ اللام من مقلوبه
…
تلقاهُ فعل الخائف المتنائي
واقلبه يبقى فعل شىء تلقه
…
يدنو ويبعدُ من حذارِ لقاءِ
واسم لشىء فيه رفقٌ بينٌ
…
يُزْهيك منه حذاقة الإيواء
وانظرْ إليه وحَلّهِ بجَواهِرٍ
…
من لفظك المخصُوص باللآلاءِ
واسلم ودم في دولةٍ وسعادةٍ
…
ما عُوقِبَ الإصباحُ بالإمساءِ
فأجبته عنه بقولي:
ألغَزْتَ لي يا سيّد الفُضَلاءِ
…
في العَصْر بل يا أوحَدَ العُلماءِ
في اسم يكون مثلَّثاً ومسدَّساً
…
ومع التعمي عمدة البُصَراءِ
فيه من السر البديع عجائبٌ
…
وغرائب تبدو بدون خفاءِ
يلفى مثنىً في الوجودِ ومُفْردا
…
مع أنه يسمو عن الإحصاءِ
لا همزَ فيهِ ومن عجائبِهِ يُرَى
…
والهمز فيه شاملُ الأجزاءِ
حَرّفْ لأوسطِهِ تجده أولاً
…
أو آخراً من غالب الأشياءِ
ولختمه صَحّفْ وحَرّفْ ما بقي
…
منه يَُكنْ في البحر والبيداءِ
وإذا عَكَسْتَ فمن نباتٍ تلقه
…
أيضاً وحلى الغادة الحسناءِ
وتراه للممنوع جاء مُحَللاً
…
إذ لامُه صارتْ مكانَ الفاءِ
وتراه رأي العين وثبا ظاهراً
…
مع نقل آخره لعين الراءِ
هذا جواب اللغز يا من مجده
…
سام عن الأمثال والنظراءِ
لا زلت في عز وسعد ما زهى
…
نجم بأرض أو سما بسماءِ
(وذكرت له أنه رُفِعَ لي سؤال قديماً صورته:
ما قولكم يا سيد الفقهاءِ
…
في العَصْر يا أوحَدَ العلماءِ
يا شيخ الإسلام الذي ألفاظه
…
زين الدروس وحلية الإفتاءِ
في مشكل أمر النبي ونهيه
…
جَامعاً في جلسة الإقعاءِ
ما الجمع بينهما، وهل صحَّا مَعاً
…
أو لا، فبيِّن ذاك يا مولاي
لا زلتَ كَهْفاً للأنام وملجأً
…
ما عُوقبَ الإصباح بالإمساءِ
وبقيتَ في عزٍ وسعدٍ دائم
…
وسعادة لا تنقضي وهناءِ
فأجاب بأنهما صحيحان وأنهما محمولان على معان، فذكرت أنّ جوابي موافق لما ذكره، أسبغ الله ظلّه ومدّ عمره، ومعنى الجواب:
من بعد حمد الله ذي الآلاء
…
حمداً كثيراً جَلّ عن إحصاءِ
قد صحّ عن هادي الأنام محمد
…
أمر ونهيٌ منه عن إقعاءِ
والجمع بينهما بأن الأمر في
…
شيء وأنّ النهي في أشياءِ
فالأمر وضع الأَلْيَتَيْنِ بباطن
…
الأقدام وافر منها كالاستلقاءِ
والنهي للوركين تجلس ناصباً
…
فخذيك مثل الذئب والعواءِ
وأبو عُبَيْدَة زاد وضع يديه مع
…
هذا بأرضٍ أو نجود وطاءِ
أو غير هذا والكراهة قد حكوا
…
في الكل عن جمع من الفضلاءِ
هذا جواب محمد الغَزِّيّ مَنْ
…
يرجو مِن الرَّحمن خير عطاءِ
ثم الصّلاة على النبي وآلهِ
…
والصحب والأتباع والعلماءِ)
وأنشدته لشيخ الإسلام الوالد مما استجد له من النظم بعده جملة، وكتبَ غالبها بخطه، فمن ذلك قول شيخ الإسلام مورياً:
قولوا لمن يُنكر ما
…
ينكرهُ من حالتي
النصح حقاً لك أن
…
ترجع عن ملامتي
وقوله رضى الله ناظماً للحديث الشريف، وهو من أحسن ما قيل وأبلغ:
قال محمد رسول الله قولاً صادقا
تركتُ فيكم واعظين صامتاً وناطقا
الموت والقرآن كُنْ بصدق هذا واثقا
وقوله رضى الله عنه:
وحقك ما قلبي بغيرك مُغْرَمُ
…
وأنت بصدق الحال يا ربّ أعلمُ
أزلت النوى عني برحمتك التي
…
بها أنت بي مني أبرّ وأرحمُ
وكرمتني حتى جمعت تفرقي
…
وأفنيتني عني فمن منك أكرمُ
لك الخلقُ والأمر الذي عمّ حُكمهُ
…
وجوداً وإبداعاً وحكمك محكمُ
وما ثم إلاّ أنت يُخْشَى ويُرتجى
…
ويُقْصي ويَدْني كيف ما شاء يحكمُ
ويا فوز من بصَّرته فرأى الهدى
…
وصَارَ عن السرّ الخفي يترجمُ
ويا ويل من أعميته فهَوَى إلى
…
حضيض به نارُ الجهالة تَضْرمُ
وكل لما قدرته متوجهٌ
…
بعزْم عليه جازمٌ ومصمّمُ
وذلك فيه حكمةٌ ومحجةٌ
…
على ذي ضلال حيث لا يتظلمُ
تباركت يا مولى الموالي مقدَّساً
…
عن الشرك والشك الذي يُتوهَّمُ
تعززت يا الله عن وصف واصفٍ
…
يحوم على كنهٍ يجل ويعظُمُ
وما عارفٌ إلاّ الذي صَارَ فانياً
…
وما هو إلاّ مُسْلمٌ ومُسَلّمُ
إلهي كما أفقدتني الغير مُوجداً
…
وجوداً به كلُّ العوالم تَعْدَمُ
أدم لي الفنا حتى أكون بلا أنا
…
بجنة رضوان الرضى أتنعَّمُ
وقوله رضي الله عنه:
يا غياثي وملجأي وعياذي
…
أنت ربي وسيدي وملاذي
يا إلهي من لي سواكَ مُغيثٌ
…
يتولى من الأذى إنقاذي
فأجرني إذ لا سواكَ مُجِيرِي
…
وأعذني إذ لا سواك مَعَاذِي
قد تركتُ السوى انتباذاً وطرحاً
…
فأدم لي ترك السوى وانتباذي
والتذاذي في الفقد فيك فحقق
…
فيك فقدي حتى يدوم التذاذي
واتخاذي عبداً به يا هنائي
…
أن أودي إليك شكر اتخاذي
فمعي حيث كنتَ فيَّ شهودي
…
وبقلبي إن كُنتَ فيه لواذي
فأنلني احترام حضرة أنْس
…
غيبتني عن حرمة الأستاذِ
واسقني صرف كأس منة فضل
…
يا غياثي وملجأي وعياذي
وقوله رضي الله عنه:
إني من الله في رعايَةْ
…
مذ لاحظتني عين العنايَةْ
ومذ حماني من السوى لم
…
أزل من السوءِ في حمايةْ
قولوا لمن ظل في ضلال
…
هلكت فارجع إلى الهدايةْ
ما تنتهي عن أذاك إلاّ
…
أن ينتهي فيك للنهايةْ
يوقعك الله في نكال
…
أضعاف ما رُمت من نكايةْ
ويك اتق الله ليس ممّا
…
يُوقعه فيك من وقايةْ
ما غاية الظلم غير خزيٍ
…
ولعْنَةِ الله لا لغايةْ
يا من نوى أنّ عليّ يجنى
…
عليك قد حقت الجنايَةْ
من مالك الملك سيدي لي
…
جاهٌ عظيم ولي ولايةْ
وآية الحق نَصْرُه لي
…
بسطوة وهي أي آيةْ
كُفيت بالله وهو حسبي
…
وهو تعالى فيه الكفايَةْ
وقوله رضي الله عنه (قديماً ولا مزيد على قوافيه):
الله حسبي على قوم عليّ بَغَوْا
…
وبالأباطيل في عرضي المصون لغوا
قوم إذا سَمِعُوا عني الجميل عموا
…
عنه وصَمُّوا وإلاّ فتشوا وصَغَوْا
وإن رأوني بضر سرهم ضَرَري
…
وإن رأوني بخير أزبدوا ورغوا
يا رب عاملهم بالعَدْلِ منك وخُذْ
…
حقي وحقق بهم ما حَاولوا وبَغوا
يا رب قد مكروا فامكر بهم عجلاً
…
فإنهم حَسَدوني وافتروا وبَغَوْا
يا رب إني ضعيفٌ يا قوي ومَنْ
…
سِوَاك يأخذهم أخذ الذين طغوا
وقوله أيضاً رضي الله عنه، وهو مجربٌ للفرج:
يا رب من كل الوجوه تضيّقت
…
واشتد من كل الجهاتِ المخرجُ
إن لم تُفَرّجْها بفضلٍ واسعٍ
…
عنّا وإلاّ من سواك يُفَرِّجُ
وقوله رضي الله عنه، وقد قاله في عالم برزخي، وأصبح يحفظه:
إني من حيث الجسوم
…
والرسومُ والصورْ
كأسطر دلت على
…
آي المعاني والسورْ
وهي حروفٌ ما لها
…
معنى سوى عين الأثرْ
لو كنت روحاً لم أزل
…
عطلت كل معتبرْ
وما عرفت أزلاً
…
بالعقل أين المستقرْ
أو كنت من جسم فقط
…
من كان يدري ما الخبرْ
وقبل كانت طينتي
…
ليست تُبالي بسقَرْ
فائتلفا فاشفقا
…
بالوهم من حر الشرَرْ
وما على كل إذا
…
عرفت حقا من ضَرَرْ
ولنختم ما ذكرناه هنا من درر ألفاظه الثمينة بقوله رضي الله عنه:
قد بانَ بالكشف أن لا بغير الس
…
تر والصفح الجميل اعتصامْ
وبانَ لي أن ليس للعبد مع
…
سيده إلاّ الرضى والسّلامْ
وقد عمّت البركة هذه الرحلة بما سقناه من كلام قطب الأنام، جَمَعنَا الله تعالى به
في دار السلام، بجاه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
ومما أخذه عني مولانا المشار إليه قاصداً به الجبر، وتعظيم القدر كتابي المسمى بالدّر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكتابي المسمى بالبرهان الناهض في نيّة استباحة الوطيء للحائض، وقد أهديت له نسخة بهما، فجبر بقبولهما، وأظهر الاستبشار بحصولهما، وأحاط عِلْمَاً بما فيهما، وقرأهما من قوادمهما إلى خوافيهما، وشرحي المعجز العجيب السهل القريب، الذّي لم أُسْبَق بحمد الله إلى مثاله، ولم ينسج مؤلف على منواله، مع سهولة المدارك، ووضوح المسالك، الموضوع منظوماً مع المزج على ألفية ابن مالك، مع توفيته ببيان مقاصدها وشروحها بل بمقاصد قواعد العربية وتوضيحها المسمّى بالبهجة الوفيّة بحجة الألفية ومختصره اللطيف الجامع الوجيز (المسمّى بدار تم الخصاصة عن قارىء الخلاصة)، وقد شرعت في كتابته
في منزله العزيز، وغير ذلك من المؤلفات، وهي الآن بحمد الله زهاء سبعين مؤلفاً، ومما نقله عني ما أخبرته به بسندي إلى قاضي القضاة تاج الدِّين السُّبكيّ أنه كان يوماً في مجلس والده شيخ الإسلام تقي الدِّين وجرى ذكر الحَريريّ وأنه ترنم يوماًَ في خلوة بقوله في المقامات:
من ذا الذي ما ساء قَطْ
…
ومن له الحسنى فَقَطْ
وأنه سمع هاتفاً يقول ولم يرَ شخصه:
محمد الهادي الذي
…
عليه جبريل هَبَطْ
قال فقلت بحضرة الشيخ الإمام كان ينبغي أن يجيب بقوله:
وذاك فرد نادر
…
أعذر فيه للغلط
وإن ممّا عُدَّ من محاسن الشيخ شمس الدِّين بن عَدْلان شيخ الشَّافعيّة في زمنه أنه سئل هل الأفضل أبو بكر أم علي؟ وكان في مكان لا يمكنه فيه التصريح بمذهب أهل السُّنَّة، فقال: عليُّ أفضل القرابة وأبو بكر أفضل الصحابة، انتهى. ولا شكّ
أن أفضلية الصحابة يَلزم منها أفضلية القرابة، فإن القرابة الصحابة قد دخلوا في المفضولين وغيرهم معلوم فضل الصحابة عليهم فتأمله، وهو أحسن من جواب ابن الجوزيّ حيث قال: أفضلُهما من بنتهُ تحته لما سئل من أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أعلي أم أبو بكر، فإن فيه إيهاما، ولذلك لما خاف من الاستفسار نزل عن كرسيه في الحال وأنشدته لأبي نصر الفارابيّ رحمه الله:
أخي خل حيّز ذوي باطل
…
وكن بالحقائق في حيزِ
فما الدار دار مُقامٍ لنا
…
ولا المرءُ في الأرض بالمُعْجِزِ
يُنافسُ هذا لهذا على
…
أقلَّ من الكَلِم المُوجزِ
وهل نحن إلاّ خطوطٌ وقَعْنَ
…
على نقطةٍ وقْعَ مُستَوفِزِ
محيطُ العوالم أولى بنا
…
فماذا التزاحُمُ في المَرْكَزِ
فنقل جميع ذلك مع غيره، وسألني عن وصل الوتر هل الأفضل أن يكون بتشهد أو بتشهدين؟ فقلت: القاعدة أنّ ما كان أكثر عملاً أو أشق كان أفضل، لكن ذكر جماعة من أصحابنا أنّ فعله بتشهدٍ واحد أفضل لخبر أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وقال: لا تشبهوا صلاة الوتر بصلاة المغرب.
وسألني عن مسألة الاغتراف فأوسعت له تقريرها، وذكرت له أنّ ملخص ذلك أنّ الصحيح من المذهب سَنُّها، وأنها بعد النيّة في الغَسْل، وبعد غسل الوجه في الوضوء، وهل تعتبر الغسلة الأولى فيه فقط أو الغسلات الثلاث خلاف مشي ابن عبد السلام على الأول والزركشيّ على الثاني، والأول هو الذي اعتمده شيخ الإسلام الوالد، والثاني هو الذي مالَ إليه شيخنا شيخ الإسلام زكريَّا واخترته في شرحي الكبير على المنهاج والاحتياط مع الأوّل، وأنشدته لشيخ الاسلام زين الدِّين خطاب:
أوجبَ جُمْهُور الثقات الظرافْ
…
عند التوضيء نية الاغترافْ
من بَعْد غَسْل الوَجْه من بَلْعِهَا
…
فماؤهُ مُستعْملٌ لا خلافْ
ووافق الشَّاشيّ ابن عبد السلام
…
في تركها والبغويّ ذا العفافْ
وابن العجيل الحبر أفتى على
…
إهمالها والحبرُ فتواه كافْ
وسألني عن بيع المرتد ما الرَّاجح فيه؟ فقلت: صحته كما صححه النوويّ في كثير من كتبه ويؤخذ تصحيحه من المنهاج أيضاً، فقال: من أين؟ فقلت: من قوله في باب الخيار ولو قُتل بردةٍ سابقة ضمنه البائع في الأصح فسُرَّ بذلك، وأنشدته لشيخ الإسلام الوالد رضي الله عنه سؤالاً ملغزاً، وهو:
أيّها الشيخ الفقيه أجب
…
عن سؤالي وأبن ما خفى
أي شيءٍ بيعه جائز
…
وهو لا يُضْمَن إن أتلفا
وجوابي عنه بإشارته رضي الله تعالى عنه بقولي:
يا إماماً في العلوم غَدَا
…
راقياً من العُلا غُرَفَا
خذ جواباً عن سؤال بِهِ
…
زاد قدري في الورَى شرفا
ذاك مرتد فقد صحَّحُوا
…
بيعه وأهدره إنْ أتلفَا
وسألني عن لغزٍ سمعه وهو نجس العين يطهر نجس العين، فذكرت له أنّ شيخ الإسلام الوالد سألني عنه في بيتين وهما:
يا سيداً هو بفقه في الورَى يشتهر
…
أوضح لنا ما نجس لنجس يطهر
وإني أجبته بقولي:
هذا الذي سألت عنه هو فيما يظهر
…
نجس دبغٍ دابغٌ بهِ الإهاب يطهر
ويمكن الجواب عنه أيضا إذا لم يقيد النجس بنجس العين بمّا أشرت إليه في قولي:
إذ خلط ماء نجس بمثله فيطهر
…
إن قلتين بلغا ولم يكن تغير
واستجازني لولده النبيل العريق الأصيل اللبيب النجيب الحسيب النسيب الشِّهَابيّ أبي العبَّاس أحمد، ولأولاد ولده المذكور وهم: الموفقي عبد الرَّحمن، والسيدة
راضية تاج الشرف، وعينهم ورأسهم النجمي أبو الفرج محمد، كثَّرَ الله تعالى وتبارك من هذه السُّلالة الزكيّة وبارك، وقد أجزتهم بالشرط المعتبر عند أهل الأثر، جميع ما يجوز لي روايته وتصحّ نسبته إليّ ودرايته، وكتبت له صورة استدعاء باستجازته لولدي أحمد شهاب الدِّين وأخوته، أنشأهم الله تعالى نشوء الصَّالحين، وجعلهم من حزبه المفلحين، ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أطلع بدر دينه المُشرق من مشرق آيات كتابه العزيز، وأعجز
الفصحاء والبلغاء بإعجاز فصاحته وبلاغته غاية التعجيز، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، فورّثوهم العلم الفائق على الدّر والإبريز، وعمّهم بتوفيقه لهداية عباده وخصّهم بالتقديم والتبريز، وأظهرهم على أسرار شريعته بما مُنِحوا من صدق التصوير وحسن التمييز، وأظفرهم بآثار حكمته فلمحوا وجه الأمر والنهي والتجويز، وأرشدهم لسلوك مجاز حقيقته وأبهج بعموم كرمه المُجاز منهم والمجيز.
أحمده حمد من لم يشهد سواه من بلوغ سن التمييز، وأشكره شكر من غمرته نعمه وعطاياه من وقت النشأة وإلى حين التجهيز، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي مخلصها من فنون الهلكات، وتحلّه من حصون النجاة في حرز حريز، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله المختص بجوامع الكلم ذات المعنى البسيط واللفظ الوجيز، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ما نسج ديباج المعاني على منوال البَيَان حُلَلاً بديعة التفويف والتطريز، أمّا بعد:
فالمسؤول من فضل مولانا البر الإمام الأفضل، والبدر التمام الأكمل، والبحر الطّام الذي هو مع أمنه البارد العذب، والحبر الهُمَام الذي هو للأحبار رأس وغيره
كعب، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفّل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدِّين بل نمي الدِّين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت أساس، كيف وبانيه عمّ النبي صلى الله عليه وسلم أبو الفضل العبّاس، فهو ابن عمّ من ختمت به الرسالة والنبوّة وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوّة، فعمرت باطنه
وظاهره، وغمرت وارداته وخواطره، فبرز في سماء الكمال بدراً منيرا، وظهر من فحول العلماء ملكاً مهيباً وسيداً كبيراً، وبلغ في فنون العلوم قصب السبق عند النضال، وصال في ميادين البلاغة الواسعة الشاسعة وجال، مظهراً ما اختفى على غيره من غوامضها ومجلّيا، ومطرزاً من إبريز ألفاظه الرائقة حللها ومحلّيا، فما من إمام وإن تقدم عصره إلاّ وتأخر عنه مُصَلّيا، وتقدم بين يديه (خاضعاً و) مسلّما:
تلك المكارمُ لا أرى مُتأخراً
…
أولى بها منهُ ولا مُتَقَدّما
قد غمر ألباب الفصحاء ببحر بيانه الزاخر، وسخر بها حين سَحَرها بسحره الحلال، فنادته يا أيها الساحر يا أيها الساخر، ونهض برهاناً جليّاً ودليلاً قوياً على كم ترك الأول للآخر، من جمع الله له بين العلم والعمل، ومنحه من كل فضل فوق بلوغ الأمل، ووهبه مع شرف الذات شرف الخصال وخصال الشرف، وجعل شرفه في الخير حُجّة على من قال لا خير في الشرف:
شَرفٌ يَطلُّ على السِّماكِ وسؤدد
…
كالصبح لا يسع العدا إنكاره
مولانا السيد الكريم، والسند العظيم، شيخ المسلمين بدر الدِّين أبو الفتح عبد الرحيم العبَّاسيّ الشَّافِعيّ، أدام الله تعالى إسباغ ظلاله، وأصحبه التوفيق والتسديد في سائر أقواله وأفعاله، التفضل بإجازة ولد كاتب هذه الأحرف أبي الفضل أحمد
شهاب
الدِّين وأخواته خديجة وجُوَيْرِيَة وأصيل، ومن سَيُحَدِّث له من الأخوة على مذهب من يرى ذلك جميع ما يجوز له وعنه روايته، وما تصحّ إليه نسبته ودرايته، وما له من تأليف وجمع وترصيف، على اختلاف أنواع ذلك وأصنافه، وتعدد نعوته وأوصافه، من إيجاز وإسهاب، وانتقاء واقتضاب، وشروح ومتون، ومنثور ومنظوم في سائر الفنون، مردفاً ما يُسْديه إليهم من التفضّل والفضل، بما أسداه إلى أبيهم من قبل، وإن تفضّل مع ذلك بذكر مولده ومنشئه وبلده، وأسماء أعْيَان شيوخه الأئمة، وعلماء الدِّين وهُدَاة الأمة، وتعداد بعض أسماء تآليفه النافعة، وتصانيفه الجامعة، مطرزاً ذلك بما يَصُوغه من مناظيمه البارِعَة، ومقاطيعه الرائعة، وبعض أسانيد مروياته إن تيسر، فهو من فضله ومن أهله، ونرجو أن يكون في محله، والمرجو من الله تعالى أن يحقق الأمل، ويرزقنا الخلوص في القول والعمل، والله يمدّ ظله الوريف، ويديم سعده الشريف، ويوفقنا وإياه لما يزلف لديه، ويتطول بكرمه على تقصيرنا يوم العرض عليه بمنه ويمنه آمين.
فكتبَ في جواب ذلك:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنار ببدر الدِّين أفق المعارف، وجعله في حرم الفضائل كعبة مجدٍ يحجها البادي والعاكف، وصيَّره للعُلُوم ركناً يستلمه كل ساعٍ وطائف، فما شهد معانيه أحدٌ إلاّ طرب وزَمْزَم، ولا شاهد رفيع مقامه مُمَارٍ إلاّ صلّى على النبي وسلّم، واستمسك بالعروة الوثقى من وفائه وتذمم.
أحمده حمد معترف بالعجز والتقصير، وأشكره شكر مغترف من بحر فضله العذب النمير، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تقضي لقائلها بالجَنَّة، وتكون له من الموبقات جُنَّة، وأشهد أنّ سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وحبيبه وخليله، المبعوث إلى سائر الأمم، والمنعوت بشيم المحاسن ومحاسن الشيم،
صلّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وخواصه وأحبابه، ما استمد قلم لكتابة
إجازة، ورقم به بليغ بلاغته وإعجازه، وبعد:
فإنّ المرء وإن يكن في نفسه حقيراً، وعن تسنُّم رتب العلوم لا يألو توانياً وتقصيراً، فربَّما يُشْهَد فيه بلوغ إلى صهوات العلوم، ورقي إلى أسنى درجات المنثور والمنظوم، فضلاً من الله ومِنَّة، وستراً لما بباطنه أجنَّة، وشُعَاعاً من نور عالم انعكس إليه، فرأى فيه ما هو مقرّر لديه، ولولا ذلك لما سُئل الفقير، مع ما جُبل عليه من العجز والتقصير، من علَاّمَة الزمان، ونادرة العصر والأوان، البحر ابن البحر، وأجلّ مفاخر الدهر، شيخ الإفتاء والتدريس، وقُرَّة عين مولانا محمد بن إدريس، العَلَاّمة ابن العَلَاّمة، المخصوص بالتقدم في المراتب العلمية والإمامة، الشيخ الإمام المُحَقِّق المُدَقِّق بدر الدِّين أبي البركات محمد بن المرحوم الشهيد السعيد شيخ الإسلام رضي الدِّين أبي الفضل محمد بن مولانا الشيخ الإمام العَلَاّمة شيخ المسلمين رضي الدِّين الغَزِّيّ العَامريّ الشَّافِعيّ. من جَعل الله منهاجه للطالبين إرشاداً، وللرَّاغبين في مُهمّاتِ الدِّين توفيقاً وسدادا، كم رفع للرافعيّ علماً منشورا، وأحيا لمحيي الدِّين النوويّ ذكراً كان مقبورا، وسقى الرَّوضة من فضله عذباً نميرا، وأصبح روض اليمنى لسحائب فوائده ممطورا، والمنهج القويم بمهذَّب أبحاثه واضح المسالك، وأضحى العزيز بلفظه الوجيز سهل المدارك، وأبحاثه المفيدة بغرائب تدقيقها قوت الأرواح، وتآليفه الفريدة ببديع بيانها عروس الأفراح، فرع فاق الأصول، وغاص على درر الأصلَين فحصل على أعظم محصُول، ووشح ألفية ابن مالك بجواهر نظمه ونثره، وأتى من نيّر فوائده بما لا ينكر من نور بدره، وفك مأسور الإفهام بتقييده المطلق، حين فتح الله عليه بفتح المغلق، كم أبدع في تأليفاته وأغرب، وأدهش في مصنفاته وأعجب، ورصَّع من دُرّها النضيد وجوهرها الفريد في صفائح صحف الفضائل، ما أعجز الأواخر ولم يأت بمثله الأوائل، فلله دره من عالم
حَاز قصب السبق في ميادين العُلوم، وملك أزمَّة أفانين المنثور والمنظوم حسب البليغ العجز عن أوصافه لو جاء بالزهر الزواهر تزهر، أو حاول الشعرى لدى اشعاره قالت علاه إنه لا يشعر، لا زالت فوائده غرراً في جبهات الطروس، وفرائده درراً تتقلد بها نفائس النفوس، ما جرت جياد الأقلام في ميادين الكلام ببديع النظام، وها أنا ممتثل أوامره المُطَاعَة فيما أشار إليه حسب الاستطاعة من الإجازة لريحانة أُنسه، وثمرة غرسه، ونور بدره، وضياء شمسه، الشِّهَاب المتوقد ذكاؤه، النامي سناه والسامي سناؤه، شِِهَاب الدِّين أبي الفضل أحمد أسعد الله جده، وحباه فوق ما حبا به أباهُ وجدَّه، ولأخواته ومن سَيُحَدِّث له من الأخوة المأمول وجودهم من منح الله المرجوة، وقد أجزت له ولهم أن يرووا عني جميع ما التمس مني بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، إجازة عامّة وخاصّة، وعلى كل فرد مما تجوز عني روايته ناصَّة، وأمّا مولدي (ففي سحر يوم السبت رابع عشري شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع وستين وثمانمائة بالقَاهِرَة المعزّية حمى الله حماها وحرسها ورعاها:
بلادٌ بها نيطتْ عليَّ تمائمي
…
وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي ترابها
وقد أدركت بها وبغيرها من العلماء العاملين والأئمة المجتهدين من لم يسمح الدهر بمثاله، ولم ينسج على منواله، وكلهم أجازني بما تجوز له روايته، وما تصح إليه نسبته ودرايته، فأول من فتق لساني بذكر الله تعالى من برع أبناء زمانه مجداً
وجلالاً وفضلاً وأفضالاً، الشيخ الإمام العَلَاّمة والحبر البحر الفهّام، صاحب التصانيف المشتهرة، والتآليف المعتبرة، شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن برهان الدِّين النشائي المالكي قاضي القُضاة بالديار المِصْرِيّة، أسبغ الله تعالى ظلاله وختم بالصَّالحات أعماله، ولم أزل في رعايته وتربيته وعنايته وبركته إلى أن فرّق الدهر بيننا بالاغتراب سنة أربع وعشرين وتسعمائة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة محيي الدِّين الكافياجيّ الحنفي، تغمده الله برحمته ورضوانه وعفوه السابل وامتنانه، أجازني بمؤلفاته، وكتبَ بخطه أنها زهاء مائة مؤلَّف.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة أمين الدِّين الأقْصَرَائيّ الحنفيّ، شملته سحائب الرضوان والعفو والغفران.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة قاضي القضاة محبّ الدِّين بن الشِّحْنَة الحنفيّ، لا زالت سحائب الغفران هامعة، وأنوار الرضوان لديه لامعة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة سيف الدِّين الحنفيّ، تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنته.
ومنهم الشيخ العَلَاّمة قاضي القضاة شمس الدِّين محمد الأَمْشَاطيّ الحنفيّ، أمده الله بمدد الرحمة، وأسبغ عليه بذلك جلابيب النعمة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة قاضي القضاة برهان الدِّين إبراهيم اللَّقانيّ المالكيّ، لا زالت الرحمة تغشاه ولا تفارق مثواه.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة قاضي القضاة ولي الدِّين محمد السُّيوطيّ الشَّافِعيّ، غشيته سحائب الرضوان، وضفيت عليه جلابيب الغفران.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلَاّمة قاضي القضاة شرف الدِّين موسى بن عيد الحنفي، وهو السعيد الشهيد، حباه الله من غفرانه بالمزيد، قرأتُ عليه كثيراً، ووردت من علومه عذباً نميراً.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلَاّمة سِراجُ الدِّين عمر العبَّاديّ الشَّافِعيّ، رحمه الله رحمةً واسعة، وأمطر عليه سحائب عفوه الهامعة.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلَاّمة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد الجَوْجَريّ الشَّافعيّ، حفّه الغفران والعفو والامتنان، أجازني بمروياته ومؤلفاته، ومنها شرحه
على المنهاج، وشرحه على الإرشاد.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة جلال الدِّين محمد البَكْريّ الشَّافِعيّ رحمه الله، قال لي من لفظه: أنا عريق في صداقتكم، فإنني صديق جدك لأبيك وصديق جدك
لأمك، وممّا أجازني به نكته على المنهاج وحاشيته على الرَّوضة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن قاسم الشَّافِعيّ، دامت عليه الرحمة، وتمّت له بالمغفرة والنعمة، ومما أجازني به جميع مؤلفاته.
ومنهم الشيخ الإمام حافظ العصر المسند الرُّحْلَة المحدّث فخر الدِّين عثمان بن محمد الدِّيَميّ الشَّافِعيّ سقى الله تعالى بصوب الرحمة ثراه.
ومنهم الشيخان المسندان المعمران نجم الدِّين الصحراوي والهَرسَانيّ، سمعت عليهما صحيح البُخَاريّ كاملاً بالجامع الأزهر، بحق روايتهما له عن العراقيّ عن الحجّار، وذلك سنة سبع وسبعين وثمانمائة.
ومنهم الشيخ المسند المعمّر المحدّث الرُّحْلَة بدر الدِّين حسن بن نبهان، تغمده الله بالرحمة والرضوان، قرأت عليه جميع صحيح البُخاريّ في مجالس متعددة في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة، وأجازني به بحق روايته له عن عائشة بنت عبد الهادي عن الحجّار.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة برهان الدِّين إبراهيم بن ظَهِيْرة الشَّافِعيّ، قاضي مَكَّة المُشَرَّفة عند قدومه إلى مِصْر سنة ثمان وسبعين وثمانمائة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلَاّمة محمد القَلْشَانيّ قاضي الجماعة بتُونِس المحروسة عند قدومه إلى مِصْر للحج سنة ثمان وسبعين وثمانمائة تغمده الله برحمته.
ولنختم من لقيته من العلماء بمسك ختامها، ووسطى نظامها الشيخ الإمام العَلَاّمة الحبر البحر الفَهَّامة محبّ الدِّين محمد بن الغرسي خليل البصرويّ الشَّافِعيّ، سقى الله ثراه، وجعل الجنّة مثواه، قرأت عليه كثيراً، وأخذت عنه علماً غزيراً،
وأجازني بمروياته ومؤلفاته، وخصَّني بها، ودفعها إليّ هي ومسوداتِهِ جميعها في مرض موته. ومن تآليفه قطعة على المنهاج من أماكن متفرقة، وقطعة على الإرشاد كذلك، وشرح ألفية العراقيّ في علوم الحديث، وشرح ألفية البرماويّ في الأصول، وشرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح القواعد الكبرى لابن بسام، وشرح الخزرجيّة في العروض وهما شرحان كبير وصغير، وشرح المنفرجة وغير ذلك. نفعني الله بمصاحبته وتربيته ورعايته، فرحمه الله رحمة واسعة، وأمطر عليه سحائب عفوه الهامعة، هذا ما حضرني من أسماء شيوخي، وثمّ آخرون مثبتون فيما هو غائب عني الآن. وكلهم أجازني بمروياته وتأليفاته ومصنفاته وكتب لي خطة بذلك.
وأمّا ما وقع لي من تأليف، فإنه شيء يُستحى من ذكره، ويرغب في إخفائه وستره، بالنسبة إلى ما عند الفقير من العجز والتقصير، فأعلاها وأجلّها وأغلاها شرح البُخَاريّ الذي ألفته بالدّيار الرُّوميّة سنة خمس وست وتسعمائة، وشرح آخر مبسوط وصلت فيه إلى صلاة الليل، وشرح على مقامات الحَريريّ جاوز النصف، وقطعة على الإرشاد في الفقه، وشرح شواهد تلخيص المفتاح، وشرح الخزرجيّة في العروض، وإيَّاها سودت به وجه الطروس، وأفنيت به أرطالاً كثيرة من النفوس، مما يسمّى شعراً، ومما يشبه أن يُدعى نثراً، فهو شيء لا أرضى إثباته، ولا أستحسن أبياته، وإن تداولته الأقلام، وولع برقمه كثير من الأنام، فمنه:
إن رمت أن تسبر طبع امرئٍ
…
فاعتبر الأقوال ثم الفِعالْ
فإن تَجْدْهَا حسنت مخبراً
…
مِنْ حَسَنِ الوجه فَذَاك الكمالْ
ومنه:
عذرت أخا الجهالة مذ رآني
…
وأولاني جفاً منه وذلا
رأني لا بعيني أدمي
…
فأدبر مُعْرضاً عني وَوَلى
ومنه:
يا مشتري العبد الرقيق بماله
…
هلا اشتريت الحرّ إذ هو أجدر
إنّ العبد ليس بشاكر لك نعمة
…
والحرّ يحمد ما فعلت ويشكر
ومنه:
حالُ المقلّ ناطقٌ
…
عَمَّا خفي منْ عيبهِ
فإن رَأيتَ عارياً
…
فلا تَسْل عَنْ ثوْبهِ
ومنه:
أحبّ من البرية كل سمح
…
قريب المستقى سهل القيادِ
إذا ناداه مفتقرٌ لبرٍ
…
أجاب نداه قبل صدى المنادي
ومنه:
إذا ما كنتَ في قوم غريباً
…
فَخَاطبهمْ بقول يُستَطابُ
ولا تأسف إذا فَاهُوا بفُحش
…
غريبُ الدار تنبحهُ الكلابُ
ومنه:
كثير من الخلاّن يبدي تملقاً
…
وفي قلبه دافن الشر موبقُ
كبحر أجاج لا يسوغ مذاقه
…
يُريك صفاء قاعه وهو مغرقُ
ومنه:
يا مَنْ بنى دَارَهُ لدُنْيا
…
عَاد بها الربحُ منه خُسْرَا
لِسَانُ أحوالها يُنَادي
…
عَمَّرت داراً بهدم أخرى
ومنه:
يا منكراً فعل الجميل
…
إذ مت بأعظم خزيةِ
لم لا تكون مذمماً
…
وفعلت فعلتك التي
ومنه:
أرى الدهر يسعف جُهَّاله
…
فأوفر حظّ به الجاهلُ
وانظر حظي به ناقصاً
…
أيحسبني أنني فاضلُ
ومنه:
إذا ما تصدّى ظالم للأذى
…
فكن على ما تبدى منه أجر صابر
ودعه وما يلقاه من شؤم بغيه
…
وكِلهُ إلى فِعل الجدود العواثر
ومنه:
إن يقعد الجاهلُ فَوْقي ولمْ
…
يَرْعَ ذمامَ العِلم والأصلِ
فالشمسُ يَعلو زُحَلٌ أوجَها
…
وهي على الغاية في الفضلِ
وأمّا القصائد المطوّلات، فقد تفضل مولانا المشار إليه بكتابة كثير منها، فلا حاجة إلى الإطالة بذكر شيء منها، وقد آن أن أحبس عنان القلم عن الجري في هذا المضمار، وأكفكف من غلوائه خيفة العثار، وأن أوْصف بمِهْذار أو مِكْثار، وهو يسأل العفو عمّا بهذه الأُليفاظ من الزلل، وإصلاح ما غشيها من الخلل، لا زال من رقم باسمه، وزبر برسمه. سعيد الحركات، مزيد البركات، رفيع الدرجات، دائم المسرات، ما دامت الأرض والسموات، قال ذلك وكتبه العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد العبَّاسيّ الشَّافِعيّ غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه، وذلك يوم السبت سابع عشر شوال المبارك سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بمدينة القُسْطَنْطِينيّة المحروسة، الحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد اعتنى بحاجتنا مولانا قاضي العسكر المنصور أتمَّ اعتناء، فعاجلنا سفر السُّلطان، أدام الله إسباغ ظله على الأكوان إلى مدينة بروسا المحمية، فنوينا الإقامة بمدينة القُسْطَنْطِينيّة لهذه القضية، فاستمرينا في منزل مولانا السيد المشار إليه، أدام الله إسباغ ظلّه عليه، نتملى بمشاهدة طلعته البهيّة، ونتحلا بسماع ألفاظه
العليّة، ونحن لا نملّ من المقام، ونرى أشهرنا كأنها أيام، إلى أن فشا الطاعون بالبلدة، وقاسى الناس من أهواله كل شدّة، وفُقِدَ جمعٌ من الأحباب، فتعوذنا بالله من ذلك المصاب، ولم يصر المقام بها من المستطاب، فعزمَ مولانا السيد المشار إليه على السفر منها إلى بعض البلاد
الخالية من الكدر، وأن يستصحبنا معه ولا بدّ في ذلك السفر، فاستخرنا الله تعالى في ذلك والسلوك معه حيث شاء من المسالك.