الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر الرحلة الأزنكمودية
ثم لمّا سافرَ السُّلطان، وتعطّل من قضاء الأشغال المهمّة الديوان، وكان الهواء قد تغيّر، والجو بالوخم قد تكدّر، وظهر الوباء ونشا، وكثر الطاعون وفشا، وتحوّل النسيم سَموماً، وصارت المياه سموماً، وانقلب زلالها حميما، ومن يتبرد بها محموما، ولا يسأل حميم حميما، فَوصِفَتْ لنا بلدة أزنكمود بلطافة الهواء، وعذوبة الماء، وقلة الوباء، وطيب البقعة، وارتفاع الرقعة، وتناهي الرفعة، وسلامة الطبائع، وسعة المرابع والمراتع، وكثرة المنازه وأنواع الفواكه، فاستخرنا الله تعالى في السفر إليها والحلول لديها، إلى أن يعتدل الزمان ويعود السُّلطان. فتوجهنا إليها صحبة المولى السيد المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، وخرجنا من المدينة، ونزلنا في السفينة ضحى يوم الاثنين المكرم ثاني عشر شهر الله المحرم سنة سبع وثلاثين وتسعمائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وركبنا ذلك البحر وما رهبناه، واستصحبناه وما استصعبناه، وسرنا فيه في أطيب هواء، وأحسن استواء، وقد سكن هائجه وركد مائجه، وصلح مزاجه وحسن علاجه، وتلك تجاريه المشية تتبختر تبختر الجارية الناشية، وتنساب في الجناب كالحُبَاب، وتأتي من الحركة في صورة السكون بالعجب العُجَاب، فتحسبها جامدة وهي تمر مرَّ السحاب، ثم سكن الريح حتى كأنه ميت، وصار البحر كأنه قعبُ لبن أو زيت:
قد كانَ بحراً قبل ذلك زاخراً
…
فغدا بذلك وهو برّ مقفر
وكان النهار قد قضى، ووفى دينه وقضى، وذهب مُهرولاً ومَضى، وأشرف القمر
وأضاء، فأرسينا حينئذ بالقرب من ساحل قرية يقال لها قِزِلْ اضا، فبتنا هناك والليل مزهر السراج، لابس من نور القمر أبيض الدِّيباج، وقد رقّ ذلك البحر وراق، وحلا وصفاً وإن كان مرّ المذاق، وأشرقت جنباته غاية الإشراق:
كأن الشعاع على متنه
…
فرندٌ مصفحة سيفٍ صدي
وأشبه إذ درجته الصبا
…
برادة تبرٍ على مبردِ
فلما هبّت بعد سكونها الصبا، وهبّ من نومه الصباح، واستتر نور القمر واختفى، وبدا نور الفجر ولاح، نشر من المركب بُنوده، وقلّد شراعه وأحكم شدوده، ثمّ رحلنا وسرنا، وأشرع ذلك الشراع فأشرعنا، وخفقَّ ذلك الجناح فطرنا، فلم نزل نسير وذلك المركب يكاد يطير وذلك البحر:
تتكسر الأمواج فيه فتنثني
…
بيد الصبابة مبيضة أعطافها
فكأن شهب الخيل قد غرقت به
…
فطفت على أمواجه أعرافها
فلما انتصف ذلك النهار، ظلمنا ذلك البحر وجار، وكان أمسى مس القرين بعد أن كان نعم الجار، ثم أزبد ورَغَا، وتعدّى وطغى، وعتا مفسداً وبغى، ورام ما لم ينله وبغى، واشتدت به الرياح وعصفت، وأتت به الأمواج من كل جانب واختلفت، واضطرب وتكسّرت وانقصفت، وصار السير به في حكم الحُرْمة بعد
الإباحة، فألقينا المراسي وقت العصر بوسط الباحة؛ لكي يحصل لنا من تلك الحال الراحة، فما ازداد القلب إلاّ خوفاً وفرقا، والعين إلاّ سُهَاداً وأرقا، والحلق إلاّ غُصةً وشرقا، والفؤاد إلاّ اضطراباً وقلقا، وقد أثارت الريح من الموج حنقا، ومشت عليه خبباً وعنقا، فأعادته كالبنان، وأصارت المركب فوقه يتلاعبُ كقضيب البان، حتى آليت ألاّ أودعها تحية، ولا يورثني هبوبها أريحيَّة.
وبتنا ليلة الأربعاء بين تلك الأمواج، ونحن في غاية الاضطراب والارتجاج، وأقمنا بذلك المحل إلى أن قوضت خيام الليل ورحل، وسَل صارم الفجر من قرابه، وتجلّى النهار في جوهري أهابه، وأسفر من المشرق وجه الشمس يُوح، فجرت بنا السَّفينة في موج كالجبال كجري سفينة نوح. ومما جربنا فيه الفكر في هذا الحال، وجرى به اللسان فنطق وقال، أبيات على وجه المطارحة، وهي لتلك الأحوال شارحة، وفي تلك الميادين سارحة، فقلت بيتاً ثم قال بيتاً إلى آخرها:
لي:
أزبد البحر هياجاً ورَغى
…
وتعلى وتعدّى وطَغى
له:
قلت لمّا جدّ فينا عَزمه
…
وجميل الصبر منّا استفرغا
لي:
وبنا قد أُنشبتْ أظفاره
…
ولنا كشّر ناباً قد شَغَا
له:
وبغى إصلاح ما يحملنا
…
بفساد الحال لمّا أن بغا
لي:
ربنا سخّره وأصرف شره
…
وأنلنا من حباهُ المُبْتَغى
له:
وانثر الريح رخاء سجسجا
…
وأعد ظلّ الأماني مسبغا
لي:
وأرحنا من أذى مركبه
…
فهو عن مقصدنا قد روَّغا
له:
وتوانا عن منايا لاهيا
…
عن هوان بلُبان مضغا
لي:
بحبال جرّها في مَوجه
…
في جبالٍ مدّها لن يفرغا
له:
وبإيعاد عظيم قد هَذا
…
وهو في لج عباب دَلَفا
لي:
فبسلم قد لقينا حربه
…
وهو قد شبّ لنا نار الوغا
له:
فهو أعمى ما رآنا أبكم
…
لم يجبنا بل أصم ما صَغى
لي:
لشهي الأكل قد أحرمنا
…
ولصافي شربنا ما سوّغا
له:
ورجاء القلب في اللطف غدا
…
واثقاً في دفع ضرّ بلغا
ولم نزل نسير ونمور في مواسط تلك البحور، طوراً في الصعود وطوراً في الحدور، إلى أن رجع البحر إلى الموادَدَة والمصافاة، بعد تلك القسوة والمجافاة، ووافى بريح طيبة أحسن موافاة)، فما كان إلاّ سُويعاتٍ يسيرة وأشرفنا على البلدة، واستبشرنا بالفرج بعد الشدّة، ثم أكملنا أبيات المطارحة بعد مُدة، فقلت:
فاستجاب الله منّا وكفى
…
شر شيطان الأسى إذ نزغا
له:
وحبانا بِره في بَره
…
وإلى ما يُبتغَي قد بلَّغا
لي:
فنعمنا في رياض الأنس في
…
رفعةٍ مع خفض عيش رُفغا
له:
فلهُ الحمد على ما خصَّنَا
…
من هباتٍ ظلها قد أسبغا
لي:
وعلى المختار منه دائماً
…
صلوات كل حين تُبْتَغى
وعلى الآل مع الأصحاب ما
…
أفل النجم دجى أو بَزَغَا
ثمّ أرسيْنا بمرساها عندما انطبق جفن الظلام على عين الشمس ومضى اليوم مضي أمس، وكان استقرارنا بتلك البلد الأنيس منتصف المحرم ليلة الخميس، فحللنا منها المحل المودود وحللنا بها المشدود والمعقود، وجددنا بمعاهدها العُهود، ووفا لنا الدهر بالعود إليها الوعود، فتبدل الكدر بالصفاء، وأيام الجفاء بليال الوفاء، ونزلنا في بيت صاحبنا الحاج مصلح الدِّين مصطفى، فوجدناه غائباً في تطلب عبد له قد أبق، وركب في الفرار طبقاً عن طبق، فتلقانا أهله وأولاده بالترحيب والتأهيل والتكريم والتبجيل، وأنزلونا بغرفة لطيفة حسنة مرتفعة، فتركنا هنالك ما معنا من الأسباب
والأمتعة، وأقمنا هنالك في أنزهِ مكان إلى وقت الصلاة من يوم الجمعة، فصلّيناها في مسجد البلد الجامع، وهو مسجد متسع لكل أهل البلدة جامع، إذ لا جمعة بها في سواه، ولا خطبة فيما عداه، فوجدناه مسجداً عتيقاً فضياً أنيساً أنيقاً، ذا أبنية متينة
وعمارة مكينة، وهو مرتفع في أعلى المدينة، يُصعد إليه ويُرقى في أطول طريق وأرفع مَرقى، وأمّا خطيبه ففي الأسْمَال غاية، وفي الإعجام آية، وفي التبديل والتحريف نهاية، مع ما يضاف إلى ذلك كما قيل من سوء الاعتقاد وتبديل القرآن كالنطق بالظاء مكان الضاد، وذكره أحاديث لا نعرفها، وصدور تُرَّهاتٍ منه لا نقدر نصفها، فقضينا ببطلان تلك الصلاة، وقضيناها ظهراً ولا قوة إلاّ بالله، ولما قضيت الصلاة انتشرنا في أرض تلك البلدة وأضافنا من الأصحاب بها عدّة، فلم نزل نَجْوب في أطرافها، ونجول في أكنافها، ونتفرج في مفترجاتها، ونتنزه في
متنزهاتها، وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت، وبيّنت من صنعة الله وصبغته ما بيّنت، فغدت تتبرج في ملابس عبقرية، وتتأرج بأنفاس عنبرية، وتشمخ على غيرها من البلدان بارتفاعها، وتفتخر على مجاوريها بحصانتها وامتناعها، وتزهو بطيب هوائها ومائها، وتسمو بجدّة رونقها وقدم بنائها، وتستحل طيب فواكهها، وتستجل عرائس منازهها (وتقسم بعلو هضابها أن لا تفوز الثريا برشف رضابها) وقد استدار بها البحر استدارة السوار بالزند، وألبس ذلك الجسم حلل العرار والرند، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، وكتب بخضاب الربيع على نقاء ذلك النهد،
ثم آب الحاج مصطفى من غيبته، وقرب المسافة من أوبته، وحيَّانا بسلامه وتحيته، ثم أعادنا إلى منزله وعَقْوَته، بعد أن عقد في قسمه علينا وأَلِيَّتِه، (فعدنا إليه) وحللنا لديه في تلك الغرفة المذكورة آنفاً، فشاهد منها مشارقاً للإنس ومشارفا، وهو يهدي إلينا من تحف هداياه لطائفا، وقد أحاط بنا من سائر الجهات بستان ذو أفياء وأفنان، (وزهور مدبّجة الألوان)، عرائس مسرحات زاهية، وعرائش كرمات عالية، ذات قطوف دانية، ونسيم معطار، وحفيف أشجار، وتغريد أطيار، من شحرور وهزار، يهيج كل منها لوعة الصب النازح الدار، ويضرم في قلبه من أشواقه لاعج النار، ويطير بقلبه أنّى طار، كما قال في الإنشاد ابن حصن كاتب المعتضد ابن عباد:
وما هَاجني إلاّ ابن وَرْقَاَء هاتفٌ
…
على فَننٍ بين الجزيرة والنَّهرِ
مفستقُ طوقٍ لازورديُّ كلكلٍ
…
ومُوشى الطُّلىَ أحوى القوادم والظفرِ
أدارَ على الياقوتِ أجفانَ لؤلؤٍ
…
وصَاغ على الأجفانِ طَوْقاً من التبرِ
حديدُ شَبَا المنقارِ داجٍ كأنَّهُ
…
شَبَا قلمٍ من فِضةٍ مُدَّ في حبرِ
توسَّدَ من فرع الأراكِ أريكةً
…
ومَالَ على طيِّ الجناحِ مَع النحْرِ
ولما رأى دَمْعي مُراقاً أرابَهُ
…
بُكائي فاستولى على الغُصُنِ النضرِ
وَحَثّ جناحَيْهِ وصفَّقَ طائراً
…
وطار بقلبي حيثُ طار ولا أدري
ولم نزل هناك ليالي وأياماً آمنين، وأعيان المدينة يهرعون إلينا مسلمين وداعين وملتمسين للدُّعاء ومؤمنين ومعظمين ومبجلين ومكرمين، ونحن في لذّة عيش، سالمين من الكدر والطيش، لولا ما يعترضه من تذكر البلاد، والتألم لمفارقة الأهل والأولاد، فكان كلّما هنئ العيش تنغَّص، وكلّما ازداد الأنس تنقَّص، وكلما هممنا ببسط وانشراح أدركنا بسيط هم وأتراح، كما قيل:
مُنغصُ العيش لا يأوي إلى دعَةٍ
…
منْ كان ذا بلدٍ وكان ذا ولدِ
والساكنُ النفسِ مَنْ لم ترضَ همتّه
…
سُكْنى بلادٍ ولم يشكو إلى أحد
ولولا ما مَنَّ به تعالى من مجالسة مولانا السيد ليلاً ونهارا، وتملينا بطلعته السعيدة عشياً وأبكارا، وتحلينا بدرر ألفاظه ومؤانسته مساءً وأسحارا، لتفتت القلب جداداً وانفطر الكبد انفطارا، فكنت أرتاح بروح مؤانسته ارتياح اللهفان للنسيم البليل، وأشفى بمكالمته كَلْم القلب العليل، وأروى برؤيته ما به من الغليل، وأدخل في الليل حالة السكون بقلب خافق فيه من الأدواء دخيل، وأتلقى المنام بطرف شحيح بالكرى بخيل، وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنباً أجعله سبباً
للسلو أو عيباً أركن به إلى الراحة والهدوء قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض عليّ من حسناتها ما جلى به ظلام الليل الحالك، ولولا أني أرجع إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وأعلل النفس بتنفس الكرب بقرب الإياب، لأمسيت أثراً بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين:
البينُ جرَّعني نقيعَ الحنْظَلِ
…
والبين أثكلني وإن لم أُثكلِ
ما حسرتي أَن كنتُ أقضي إنما
…
حسرات قلبي أَنني لم أفعلِ
نقِّل فؤَادك ما استطعتَ من الهوى
…
ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُهُ الفتى
…
وحنينُهُ أبداً لأولِ منزِلِ
وهذه عادة الأيّام في اعتقاب تجميعها بتفريقها، وإسراقها كل نفس بريقها، لا تجمع شملاً إلاّ شتّته، ولا تصل حبلاً إلاّ بتّته، من أطاعها عصته، ومن داناها أقصته، ومن وصلها قطعته، ومن نزع إليها نزعته، ومن أرضاها أغضبته وأحرجته، ومن سكن دارها أزعجته وأخرجته، بصَّرنا الله تعالى بمعايبها، وأعاذنا من بلاياها ومصائبها بمنه وكرمه آمين، إنّه أرحم الراحمين.
ومما فتح الله به في تلك البيوت من الأبيات، ولولا تقريض السيد المولى لها لما
استحقت الإثبات، قولي:
أتُرى لمُغْرى بالغرام مواسي
…
أم من سقام شفه من آسي
أو من دواءٍ عله يشفيه أو
…
من رقية تحميه من وسواسِ
إني ومن يهواه إمّا هاجر
…
أو مبعد أو سَاكن الأرماسِ
وزمانه قد عظه بنوائب الأني
…
اب بل وضوارس الأضراسِ
شوق وحزن واغتراب مع ضنى
…
جسدٍ وبُعد الدار والإفلاسِ
وببعضها يفنى الحمول فكيف مَع
…
تحميل ذي الأنواع والأجناسِ
فالروح فيه في السياق وجسمه
…
بالٍ وفي الأحشاء حز مواسي
والعظم عار ليس يمسكه سوى
…
جلد ومن لهب الجوانح كاسي
والقلب ذاب فماؤه دمعاً جرى
…
ودخانه يجري مع الأنفاسِ
والطرف طول الليل لم يطرف وإن
…
يغمض فيرجع حَاسراً كالخاسي
يجري على متن النجوم بسرعة
…
والنجم كالمشدود بالأمراسِ
فالطَّرف في جولاته كالطِرف في
…
ميدانه والنجم كالبرجَاسِ
والليل مثل السيل في إقباله
…
لم يحص بالمكيالِ والمقياسِ
أو مثل بحر مزبد متلاطم
…
أمواجه مثل الجبال رَوَاسي
أو عسكر كسر الصباح وجنده
…
لما علاه بسطوة وببأسِ
وأظنه ماسوره إذ ليس من
…
حسن له يُرجى ولا إحساسِ
فلقد ألفتُ سواده وغدوت من
…
طول المدا لبياض صبح ناسي
وإلى إلهي أشتكي ما ألتَقي
…
ممَّا أعاني حمله وأقاسي
وإليه في كل الأمور توسلي
…
بمن اجتباه من جميع الناسِ
هو أشرف الخلق الذي قد طهرت
…
أخلاقه من سائر الأدناسِ
هادي الأنام شفيع مُذْنبهم غَداً
…
عون الغريب وللفقير مُواسي
من أظهر الدين الحنيف بسطوة
…
أمسى بها إبليس في إبلاسِ
فعسى صباح للمنى يأتي بتف
…
ريج الكروب السود بَعد اليأسِ
وعسى نهار بالتداني مشرق
…
يمحو دجى ليْلِ التنائي الماسي
إني لأرجو ذاك يحصل عاجلاً
…
وتراض خيل الحظ بعد شماسِ
وتُرى بوادي السعد وهي حواضر
…
وتُرى عواري الجد وهي كواسي
ويُرى جنى روض الأماني دانياً
…
فلقد تبدا ذاوي الأغراسِ
وتعود كالأعياد أيام الوفا
…
وتُرى ليال القرب كالأعراسِ
وتفيق عين الدهر بعد منامها
…
ويرق قلب من جفاه قاسي
ويفي بحق ضائع متذكراً
…
لعهوده من بعد طول تناسي
ويمن ربي باجتماع الشمل مع
…
أهلي بأسنى حالة وأناسي
في منزل أركانه بُنيت على
…
تقوى من الله بخير أساسِ
فالباب ليس بمرتح عن مرتج
…
روح الإله على مدا الأنفاسِ
عودتني بجميل لطفك سيدي
…
في كل نائبة كطود راسي
ورحمتني في غربتي بمؤمل
…
وأزلت ما بي بالوزير إياسِ
عضد الملوك وساعد لهم بَدا
…
كالعَيْن للوزراء بل كالرأسِ
بحرٌ جَرَى عالي الذُّرى غيث الورى
…
ليث السُرى عند الندا والبأسِ
ورحمْتَ عَبْدَك إذ لجأت به إلى
…
عَبد الرحيم السيد العباسيِ
فبه تبدَّل كربة بمسرة
…
وتعوض الإنحاس باستئناسِ
مولى تردا بالكمال موزراً
…
من كل محمود بخير لباسِ
فرع لدوحة بيت آل محمد
…
مترنح بجني وطيب غراسِ
بحُلى الفوائد والفرائد والعوا
…
ئد والمحامد والمشاهد كاسي
فرد لأنواع المحاسن جامعٌ
…
بالبشر بذكر مشهد العَبَّاسِ
نور النبوة لائح في وجهه
…
زاهٍ كما المشكاة والنبراسِ
وأجُلُه عن ضرب أمثال وعن
…
تخييل أشكال وذكر قياسِ
ماذا يقول مفوه في وصفه
…
لو أنّه يُعطى ذكاَء إياسِ
إنّ البديع بما حواه لعاجز
…
عن حصره بالنقش في القرطاسِ
لا زال محفوظاً بعين عنايةٍ
…
تغني عن الحفاظ والحراسِ
ولمجده خضر السعادة دائم
…
باق بسؤددهِ بقاء الياس
ولمجده ظل السيادة وارف
…
ما أمتدّ ظل في رياض الآسِ
فلما وقف مولانا السيد المشار إليه، أسبغ الله نعمه عليه، على هذه الأبيات، أجابني عليها بأبيات أبيَّات، فقال:
قسماً بخير الخلق مولى الناس
…
وبِعَمِه وصفيه العبّاسِ
ما مثل در قد نظمت عقوده
…
متناسق الأنواع والأجناسِ
وافا فأهدى للمسامع حسنة
…
شنفاً حيث شرفاً بغير قياسِ
وبما تبدّا من بديع بيانه
…
قد صيَّر الأفكار في إبلاسِ
لو صُورت زُهراً معاني لفظهِ
…
كانت لكيوان كتاج الرأسِ
أو قايست أنواره شمس الضحى
…
أضحت كما المشكاة والنبراسِ
سبحان مبدع فكرة قد أبرزت
…
ما فيه من غرر وحُسْن جناسِ
عالي الطباقِ فمتنه عن سَافِلٍ
…
عارٍ ومن حُلَلِ البلاغة كاسيِ
تنشى معانيه بلطف فنونها
…
ما ليس ينشئه سلاف الكأسِ
ويعيد روح الأُنس روح بديعه
…
من بعد ما قد غاب في الأرماسِ
ويرد روض البشر أخضر يانعاً
…
زاهي الروابي بعد طول يباسِ
فترى به ورق الفصاحة صُدَّحاً
…
وكأنها القينات في الأعراسِ
وإذا شذا قمري فضل بيانه
…
ما معبد في روضة المقياسِ
لله ناظم درة الغواص في
…
لجج العُلوم بفكره الغطاسِ
فهو الذي فرع الشيوخ بعلمه
…
والعمر غض في أجد لباسِ
وله معارف ليس ينكرها سوى
…
من يبتلى في العقل بالوسواسِ
ومؤلفات شاهدات أنهُ
…
بالبحر غير مشبه ومُقَاسِ
عن فضله حدث ولا حرج فما
…
ينفيه إلاّ ذو الشنار الخاسي
من ينكر الشمس المنيرة غير من
…
هو للعمى في حالتيه يقاسي
لا غَرْوَ أن يعي مجاري فضله
…
تعيى البغال بجرية الأفراسِ
إني لأرفع مجده عن نعته
…
ببديع أوصاف مضت لأناسِ
وأجله أن أستعير لذاته
…
من حلم أحنف أو ذكاء إياسِ
ورث المحامد كابراً عن كابر
…
وبنى علاه على أجلّ أساسِ
لله در أب له قد كان في
…
أوج العلا الطود الأشم الراسي
ما أن رأت عيناه مثل جَلاله
…
وخلاله كلا وَرَب الناسِ
حلم له رضوى يخف ومقول
…
يدع الجواهر وهي في أبخاسِ
وطويل باع في العلوم مديدة
…
ببسيط وافره الأنام يواسي
وسماحة تدع ابن برمك مادراً
…
وترد حاتم في قلاً وتناسي
وولاية قرت عيون أولى الولا
…
وبها عيُون أولى العناد خواسي
ونصائح تدع الغوى مرشداً
…
ويلين منها كُل قلب قاسي
وله كرامات تَعذَّرَ حَصْرُها
…
كالقطر والأمواج والأنفاسِ
من ذا يحاول عشر عشر نعوته
…
لو يضرب الأخماس في الأسداسِ
والله إني عن وفاءِ حقوقه
…
في غاية الإقتار والإفلاسِ
فله من المولى الكريم مواهب
…
تكسُوه بالرضَوان خير لباسِ
ولأوحد العلماءِ وارث مجدِهِ
…
رتب تُرى فوق السماك رواسي
وقباب سعد لم تزل علياؤها
…
مشدودة الأطناب والأمراسِ
وبكل لمح يستجد سيادةً
…
تدع الحسود بحالةِ الخناسِ
عذراً سليل المجد عن نظم امرءٍ
…
قد رق من جور الزمان القاسي
إن ابن سبعين لمعذور إذا
…
ما فكره أضحى كعود عاسي
فكن الرَّضِيّ بن الرَّضِيّ بن الرَّضِيّ
…
بما أتى من فاقد الإحساسِ
وتلق بالبشر الذي عودته
…
ما قد بدا من مخلص عباسي
ولئن تكن نزراً ركيكاً سافِلاً
…
فالستر منك لدائه كالآسِ
جمحت قوافيه فلما راضَهَا
…
بك أذعنت من بعد فرط شماسِ
وغدت بفخر المدح فيك رفيعة
…
ولها منابر في العُلا وكراسي
وبَدَت تجرُ على جَرير مرطها
…
وأبي فراس مفخراً ونُؤَاسِ
وعلى حبيب قد تعذر وصلها
…
وابن الحسين اخى الندا والبأسِ
لا زلت ترقى للمعالي دائماً
…
وفضاؤها لعلاك كالبرجاسِ
ولمجدك العالي الثناء من الورى
…
يجري كما الأوقاف والأحباسِ
ولعيشك الخضر المنعم حافظ
…
من أن يردّ رجاؤه للياسِ
ما فوقت أيدي اليراع بوشيها
…
مبيضةَ الأطراس بالأنقاسِ
ثم كتب لي لُغْزاً زاده الله تعالى رفعة وعزاً:
يا من غدا لب العلوم حاوياً
…
وبجواهر البديع حاليا
ما اسم ثلاثي تُرَى حُرُوفه
…
ثلاثة وقد ترى ثمانيا
وهو على استوائه فعل وإن
…
عكسته كان كذاك باديا
وإن حذفت أولاً منه يُرى
…
فعلاً يكون ذاهباً وجاءيا
وإن تحرفه فذو الذوق يحُد
…
عنه ويُلْفَى لأساه قاليا
وإن عكسته تَراه صالحا
…
من بعد ما كان مهيناً واهيا
وكله في حَال قلبه يُرى
…
فعلاً به تحصلُ المَرَائيَا
وإن أزلت عينه أقام في
…
مقامه ولا يكون نابيا
وإن قلبته تَجده رقةً
…
يحكي الذي بالسقم أضحى باليا
وإن جعلت لامه فاءً لهُ
…
كان لما تزبرُه مساويَا
وإن قلبته فشىءٌ حامضٌ
…
يُأكل منه حاضراً وباديا
وإن لثلثيه اعتبرت تلقهُ
…
أمر لمن غدا بربع ثاويَا
واسم لبلدة تناءت دارها
…
ودونها كم قطعوا فيَافيَا
وهو إذا اعتبرته حقيقة
…
تراه شيئاً نائياً ودانيَا
يوجد في أرض العراق مثلما
…
يوجَدُ في أرض الحجاز ناميَا
وفي خراسان إذا طلبتهُ
…
يلفى وفي الروم يكون وافيَا
ومصر والشام ففيهما لَهُ
…
مآثر قد عدمت مُضَاهيَا
فاقبله لغزاً قد أتى من مخلص
…
لم يَبرح الدهر عليك ثانيَا
وحُلَّه وحله بجوهر
…
من لفظك الجزل بقيت سَاميَا
منعماً في ظلّ عيش لم يزلْ
…
عليك دوماً سَابغاً وضَافيَا
فأجبته عنه، وألحقت به لُغْزَاً فقلت:
يا من بِدُرّ العلم أضحى حاليا
…
وفكره للمشكلات جَاليَا
أبديت لي لغزاً بديعاً لم يزل
…
قدري به بين الأنام رَاقيَا
في اسم ثلاثي متى فصَّلتهُ
…
صَارَت به أحرفه ثمانيَا
وإن عكست لفظه فاسم لما
…
يكون من نفس الجريح باقيَا
وإن تصحفه محرَّفاً فمشر
…
وب غدا التركي منه حاسيَا
وإن حذفت صدره وكرر الب
…
اقي فمن صخر تراه زاهيَا
وصحف الباقي محرفاً تجد
…
ذا الذوق عنه لا يكون قاليَا
وإن عكسته فأمر من يرى
…
للنوق حالة الرحيل حَادِيَا
وإن ترخمه بتصحيف فذا
…
عضواً لأعضاءِ يكون حاويَا
وإن حذفت عينه محرَّفا
…
تجده في فصل الشتاء آتيَا
وهو بأرض الهند يلقى جَاريا
…
ومن وراء النهر يُلفى ساريَا
أيضاً وفي الغرب يلوح مثلما
…
يظهر في الشرق جلياً بَادِيَا
هذا وما اسم ذو ثلاث أحرف
…
وهو لسبع قد يكون وافيَا
وذو هدى بهاؤه لا يختفي
…
ترى به وصفاً لنا مساويَا
وظاهر وإن تصحفه اختفى
…
وفي جهات البر يبقى جاريَا
محذوف غير منه شىءٌ ضدهُ
…
محذوف فاءٍ فيه كان ثاويَا
محرفا ودان فونان إذا
…
حَرفت أولاً وأيضاً ثانيَا
وإن نقلت أولاً لآخر
…
فهو سبيل كم أعان عانيَا
وإن نقلت آخراً لأوسطٍ
…
أمسى الفقير من آساه شاكيَا
وإن تصحف ذا فمحظور به
…
ترى الغوى كل وقت لاهيَا
هاك الجواب ثم لغزاً سَافِلاً
…
وللمعالي بالقبول رَاقيَا
فحلِه بحله الحِل لهُ
…
يَحُل في أوج السماءِ سَاميَا
لا زلت في عز وسعد دائم
…
مَا رَادَفت أيامنَا الليَاليا
فأجابني، أمتع الله بحياته، عن لُغْزي هذا بقوله:
يا بدر دين الله يا من غدا
…
لكل فن في الورَى حَاوِيَا
ألغزت في اسم شامخ قدره
…
ما زال في أوج العُلا عاليَا
إن قلت بدر فهو أزهى سنا
…
إذ بك أضحى للسهار راقيَا
كم فيه در عقده لم يزل
…
عند الذي يخبره غَاليَا
وفيه رد لحسودٍ يُرَى
…
بحسنه بين الورَى خَاسيَا
وفيه بُر نبته مخصب
…
وفيه بِر لم يزل جاريَا
لو سَافر الراغب بُرْداً له
…
لعُدَّ في درب الوفا وانيَا
كم فيه للظمآن بُرْد يُرى
…
من بَرَد يروى به صَافيَا
أحسن من تحبير بُرد غدا
…
به يماني يُرَى كاسيَا
لو ابن بُردٍ رام نظماً له
…
أعيى وأضحى عجزه بَادِيَا
أو النواسي غدا بالذي
…
أحدثه العجب به ناسِيَا
أو الوليد اعتد ما صَاغه
…
في كل نوع عبثاً واهيَا
والمتنبي غدا عاجزاً
…
بمعجز أضحى به غَاوِيَا
أو المعري تعرى عن الرش
…
د ولم يلق له هِادِيَا
وليس بِدعاً ذاك ممن غدا
…
بمجده عُطل العُلا حَاليَا
لا زال في سعدٍ وفي نِعْمَةٍ
…
ما لاحَ نجم في الدجى زاهيا
ثم كتبت له لُغْزَاً، فقلت:
يا من صفا في العلم مورد شربه
…
لما تروّى من مناهل عَذبه
ما اسم ثلاثي معمى لم يزل
…
تبصره في شرق الوجود وغربه
هو صامت أبدي ويلفى ناطِقاً
…
لكن برمز في الكلام لعُجْبه
هو ظاهر خاف وليس به يُرَى
…
غشٍ ولكن غشه في قلبه
وإذا حذفت الصَّدر منه تلقهُ
…
جمعاً لمن يلقى الصدور بحربه
وإذا تصحف فهو أمر شامخ
…
مع نعت جمع مشرف في حزبه
ومع الزيادة آخراً يُلفى به
…
بلد زهَى بين البلاد بخصبه
وإذا تصحف فاسم خود كاد أن
…
يقضي بها مَعْشُوقُها من حُبّه
وإذا جعلت الفاء لاماً فهو ما
…
يُبدى المتيم من محاسن حبه
وإذا تصحف قلبه فقبيلة
…
في البدو عُدت من أماثل عُرْبه
فامنن بحل اللغز يا براً بلا
…
مثل ويا بحراً سَما عن مشبه
يا من إذا الأعلام عدت كان مَع
…
أعيَانهم كالبدر صحبة شهبه
واسلم ودم في نعمة لا تنقضي
…
ما انهل قطر من مواقع سُحبه
فأجاب عنه بقوله:
يا من غدا والعلم مورد شربه
…
يصفو كما تصفو مَوارد حبه
ألغزت في لغز بديع لم يدع
…
فضلاً لدى فهم اللبيب وَلبه
ومنعته نطقاً فأصبح صَامِتاً
…
وعتا على فكر الأريب بحجبه
وغدا يلوح ويختفي والغش من
…
أفعاله متمكن في قلبه
حاولت جهبذ فكرتي في رده
…
غَزلاً وفسخ معاقد من عجبه
فبدا له غُزُّ يحاول منعهُ
…
عَمَّا أراد ولا تني في حربه
وأراه عزاً شامخاً من معشر
…
عز الطلائع أصبَحوا من حزبه
لو أدركته من كُثّير عَزَّة
…
فكَر لأبعد عن مَواقع قربه
ولو استجاش لنصره وعلا لما
…
أغنت ودام على الإباء بشعبه
لله غزة ربع ناظمه لقد
…
أبدت لنا بدراً زهى في شهبه
وبه دمشق تشرفت أرجاؤها
…
لما أناخَ بها مطايَا ركبه
وغدت به تبعاً لمصر تجول في
…
حلل الفخار بما ارتوت من عذبه
نشر العلوم بها فأصبح ما انطوى
…
منها جلياً وادعاً في سربه
فعساه يلفى كالرَّضِيّ أبيه بالش
…
عر الذي وافا بذمه عُرْبه
لا زال في سعد وعزٍ ما زَهَا
…
بَدر الدجى في شرقه أو غربه
وكتب لي لُغْزَاً أيضاً، وهو:
يا واحد العصر الذي
…
أوصافه لا تحصر
ما اسم ثلاثي غدا
…
معروفه لا يُنكر
ليس بحسن جسمه
…
وبالعيون يُبصر
يمضي ولا رجل له
…
مضاء طرف يحضر
ويختفي في جوفه
…
المحبوب والمستنكر
قد خف لكن قلبه
…
ليس عليه يقدر
متى تصحف فاَءه
…
به كثيراً يُسْبر
وإن حذفتها يكن
…
له شؤون تزبر
وإن تصحف عينه
…
فاسم لشىءٍ يكبر
وتارة يكون فعلاً
…
حاله مقدر
وتارة حرفاً لما
…
يحيد عَنه المخبر
وإن قلبته يكن
…
خير متاع يخبر
وإن تصحف فاَءه
…
واللام لا تعتبر
يختصُ بالفعل وعن
…
فحواه لا يقصر
وإن تحرف فاءه
…
ولامه تُختصر
يختصُ بي معروفه
…
ولى حياة يقصر
وإن تصحف لامه
…
وعينه لا تذكر
فهو مباح لك يا
…
من للقلوب يجبر
فحله محله
…
فهو الفريد الجوهَر
واسلم ودم في نعمة
…
ليس لها تغير
دورية آخرها
…
أولها لا يفتر
ما لاح ليل ومحا
…
دجاه صبح مسفر
فأجبته عنه، وألحقت به لُغْزَاً أيضاً، فقلت:
يا سيداً أوصافه
…
مثل النجوم تزهرُ
ألغزت لي في اسم غدا
…
للكون طراً يغمر
ليس يحسُّ جسمه
…
والعين فيه تستر
أوله كآخر
…
ليس به تغير
يطول مع أساه
…
ومع سرور يقصر
وهو مطيع ربه
…
لكن تراه يكفر
متى تصحف فاؤه
…
فهو لسبر مصدر
واسم لألة لها
…
يَخسر من قد يَخسر
صحّف وحرّف فاءه
…
أو عينه يختصر
يُعم أشياء كما
…
بالسبر أيضاً يأمر
وجاء فعلاً للذي
…
من الملال يحسر
وأمر ذي سخاوة
…
للضيف لما يحضر
ترخيمه بالعطف أو
…
بالمطل قد يفسر
وإن تصحف فاءه
…
فهو لنار أثر
أو عينه ترى به
…
باقي فعل يذكر
وإن تصحفهما
…
اذهب أمراً يحذر
هذا وما مربع
…
مع أنه معشر
مسير ميسر
…
مبشر ومنشر
كماله لا يختفى
…
وهو بعين يبصر
إن تحذف الزائد
…
فهو بعباب يزخر
والرد بالسوء لمن
…
يسأل منه يؤثر
متى حذفت صدره
…
منه السقوط يحدر
وإن أزلت جوفه
…
فآكل لا يفتر
وإن ترخمه أتى
…
بعكسه إذ تأمر
وقلبه اسم عاقد
…
ووصف شىء يحضر
وإن تصحف فاءه
…
فهو نبات عطر
وثم أوصاف له
…
بين الورى تشتهر
فحل عقده بعقد
…
دُرّه لا يقدر
لا زلت في سعادة
…
أوصافها لا تحصر
دوريَة أفلاكها
…
دائرة لا تفتر
ما لاح نجم مزهر
…
وفاح نجم مزهر
فأجابني عن لُغْزي بقوله:
يا من غدا مثل اسمه
…
لما دجى ينور
ألغزت في شىء غدت
…
نعماؤه لا تحصر
مرخماً حرفه
…
تلقه نهى لا يقدر
وإن تصحفه يكن
…
منه بهاء يزهر
وإن أعدت لامه
…
حباك روض نضر
واعكسه فهو راهب
…
مما جناه يحذر
وإن حذفت ثالثاً
…
منه عراه بهر
واقلبه فهو الرعب
…
من قلب جبان ينفر
فهاك حل اللغز من
…
مقصر يعتذر
واسلم ودم في نعمة
…
ما لاح ليلاً قمر
وكتبت له لُغْزاً أيضاً، فقلت:
يا أوحد العصر يا
…
من عليه شكري وقف
ما اسم ثلاث حروف
…
وإن عكست فحرف
وتارة هو فعل
…
لذلك الاسم وصف
فأجابني بقوله:
يا من لمجد علاه
…
بكر المعاني تُزف
ألغزت شيئاً بديعاً له
…
القلوب ترف
كم مال عن ذي كمال
…
وللجهول يحف
وكم به جاء فتح
…
وكم به حَل حتف
وإن ترخمه يأتي
…
له معاني تصفِ
وإن ترخم وتقلب
…
يَلوح من ذاك حرف
وفاءه أحذف تجده
…
اسماً به جاء عرف
واعكسه تشهده حرفاً
…
والنهي منه يشف
لا زلت ترقى المعالي
…
ما دام يَطرف طِرف
ولم نزل بذلك المكان المذكور، ننشر من الإنشاء زهر منثور، وننظم من القصائد درر بحور، ونحلى من نواشي الطروس بلآليء السطور، معاقد خصور ولبات نحور، وأتمتع من ذلك السيد المولى بمجالسته، وأتمنع إلاّ عن مسامرته ومؤانسته، وأرتشف من نمير زلال مفاكهة أحاديث أحلى من ارتشاف الرضاب، وأغترف من بحر علومه فوائد لها عندي اقتضاء واقتضاب:
أحاديث أحلى في النفوس من المُنَى
…
وألطف من مرّ النسيم إذا سرى
فيا لها من أيام غرر جلت غسقاً وتعالت نسقاً، وبثت من علوم ونشت من منثور ومنظوم، وذكرت أيامنا بالبلاد الشَّاميّة، التي هي بالمحاسن موشية، وبعكوفنا فيها على العلم بكرة وعشية، فهناك كم من صارفة حرفت وعارفة عرفت وعقيلة عقلت وكلمة رمقت فومقتْ ومقلت فنقلت، قد ناب فيها عن والدتي هذا السيد أباً شفيقاً وعن أخوتي أخاً برّاً شقيقاً:
شقيق أخاء لا شقيق أخوةٍ
…
نسيب صفاء إن ذكرت نسيبا
بل سيد ومولى ومالك الرق والولاء، ومنقذ بشريف فضله وتفضله نفساً أشرفت على البلاء، يؤنسني في وحشتي تلك مأنسة، ويقدّمني في كل الأمور على نفسه، بل هو الروح الروحانيّة والنفس الإنسانيّة، والقلب لكنه السليم من الانقلاب، والعين لكنها القريرة بالأحباب، قد رفعت من صدق الاتحاد الاثنينية بيننا، ولولا ملاحظة السيادة والعُبودية لقلت له: يا أنا، استغفر الله تعالى، بل نلحظ مقام
العُبودية ونحفظ رتبة السيادة ونقف على قدم الخدمة بين يديه متأدبين كما هو جاري العادة، ويكون هذا الموقف إعزازاً لا إذلالاً، ولا نتخذ كل وقت سوء الأدب ادْلالا، لا زال مقامه كل وقت شريفاً، وشرفه عالياً على كل شرف منيفاً، وظلّه في الآفاق صافياً وريفا، وسعده وارداً ورائداً من الإقبال منهلاً وريفاً، فلم نزل مقيمين هناك بذاك المكان إلى أن عاد السُّلطان من جَوْب تلك البلدان، وضرب له بظاهر تلك البلدة الخيام، وكان ذلك أواخر شهر المحرم الحرام، واستمر به المقام هناك ثلاثة أيام، ثم عَنَّ له الركوب من هناك في البحر المالح لمّا رأى في ذاك من المصالح، فبطل أعمال الركائب وأعمل ركوب المراكب، وعدّى الى القُسْطَنْطِينيّة محل تخت مُلكه في القارب، فما مضى ذلك اليوم وغده حتى ضمته سراياه وبلده، ثم تلاحقت به العساكر تترا، وتألفت مسرعة براً وبحرا، وكنّا قد سئمنا هناك من المقام، وإن لم
يسأموا منّا أهل ذلك المقام، وآل الإكرام منهم الى الإبرام، وإن لم نبلوا من صحبتنا أقصى المرام، فأجمعنا على الرحيل وأزمعنا، ولم تك هناك الخيل معنا وليس ثمَّ محمل ولا مركب غير ما حملنا إليها
من ذلك المركب المنسوب إلى الرئيس لطفي، وحاله في النذالة والسفاهة غير مخفي، وإلاّ المركب المنسوب لابنه ماميه، ساق الله ما يستحقه إليه، فأرسلنا وراءهما بسبب ذلك، وذكرنا لهما ما هنالك، وشرحنا لهما جليّة الخبر، وقلنا: إن كنتم تهيأتم للسفر وإلاّ فهنا مراكب أُخَر، وقصدنا تقريب الرجعة والمضي إلى القُسْطَنْطينيّة سرعة، فقالوا: قد تكاملت أمورنا ولكن اصبروا علينا إلى يوم الجمعة، فمضت الجمعة ولا حس ولا
خبر، ولا عين لهما ولا أثر، ولا أسفر وجه واحدٍ منهما ولا حضر، ونحن في غاية القلق والضجر، فأرسلنا إليهما وأكّدنا في الحضور عليهما فحضرا واعتذرا، وذكرا أنّ السفر ولا بدّ يوم الاثنين، فجاء ذلك اليوم ولا عين ولا خبر وليس إلاّ الكذب والمَيْن، ونحن نقول: هما أين؟ هما أين؟ فغضبنا من ذلك وحردنا، وأكّدنا عليهما بسببه وشدّدنا، فحضرا وأجمعا ووعدا بأنّ السفر ولا بد يوم الأربعاء، وأقسما على ذلك وتقطَّعَا، فحضر الأربعاء ولم يحضرا ولم يُشاهدا ولم يُنظرا ولا خبر منهما ولا مخبر عنهما، فأيقنَّا أن ليس واحد منهما مُسْلِمَا، ثم انقضى ذلك اليوم ومضى، ونحن نتقلى على جمر الغضا، ونمزج الغيظ بالرضى، وقد ضاق علينا ذلك الفضاء، وصار صبرنا كأمس مضى.
ومضت بعد ذلك مدة، وأيام عدّة، ثم حضر أحدهما معتذراً، مستكيناً بما جرى مستغفراً، وعاهد ووعد وذكر بأن يوم الأحد ولا بد يكون السفر، فانْتُظر ذلك الأحد أحدّ انتظار، إلى أن وافى بوعده ذلك النهار، ثم مضى يوم الأحد، ولم يحضر منهما أحد، ولا أنجز ما عَاهَد عليه ووَعد، ثم حضرا بعد أيّام، وقالا: قد
استحيينا منكم ونحن نصدقكما الكلام، فإنّ مركب لطفي لم يتم، ومركب ماميه أشرف على التمام، ويكمل وسقه ولا بدّ يوم الخميس، (ويحصل من الكروب التنفيس)، ويكون نزولكم فيه بخير يوم الجمعة وقت التَغْليس، وأقسموا على ذلك قسماً لا يفجر من كان مسلماً، فارتجينا بذلك تنفيس الكروب، وقلنا قد يصدق الكذوب، فارتقبنا ذلك رقبى الهلال، ولم نشكو في انتظاره من الكلال، فلم
نزل بذلك الحال حتى حَلّ ذلك الوقت وَحَال، ومضى يوم الجمعة بالتمام والكمال، وتصرّمت بعده عدّة ليال، فتزايد الكرب، وذاب من نار الانتظار القلب، وضنى الجسد والفؤاد، من خلف الميعاد بعد الميعاد، فذكرنا ذلك لقاضي البلد، فأحضرهما وتوعد، وأنكر عليهما وتهدد، وبالغ في ذلك وشدّد، وأبرق في إيعاده وأرعد، فقالا: لا عذر لنا بعد اليوم، ولا إنكار ولا لوم، ويوم الثلاثاء من كل بدّ يركب القوم، ويأخذ مركبنا في السير والعوم، وحلفا على ذلك وعاهدا، وبالغا في أيمانهما وعهودهما وأكدا، فحضرا يوم الثلاثاء يُحثان في المسير احتثاثاً، ويُظْهران أنهما لا يُبْديان للعهد انتكاثا، وقالا: لم يوافق هذا النهار ريح موافق ولا رُزكار، وبعد يومين تنصلح الرياح غاية الانصلاح، ويحصل رُزكار مواتٍ للرواح، وفي يوم السبتّ يكون السفر على البت، فجاء السبت وانصرم، واتقدّ جمر القلب واضطرم، ثم مضى يوم الأحد ولم يحضر منهما أحد، فلمّا كان ضحى يوم الاثنين حضر أحد الاثنين واعتذر بما لن ينفعه، عذراً ما كان أصقعه، وقال: نرسل في الغد صندلاً لنقل الأسباب والأمتعة، فلم نصدقه من كثرة ما كذب، وأقمنا جدّه مقام اللعب، فلمّا انجلى وجه الصباح وتهلل، ظهر لنا من بُعدٍ ذلك الصندل، ففرحنا به فرحنا بالمواسم، وانتظرنا وصوله للثغر وثغر كلّ منا باسم، وما علمنا أنّ هذا الفرح يعقبه بؤس، وهذا البشر بديله عبوس، فأنزلنا فيه في تلك الساعة
الأسباب والأمتعة والجماعة على أنّنا نبكر لهم صباحاً، ونركب معهم غدواً ورواحاً،
فأمطرت السماء تلك الليلة مطراً غزيراً، صارَ منه الوادي غديراً، واستمر يوم الأربعاء ثم ليلة الخميس معاً، ثم أسفر وجه الخميس ووجه الجو في غاية التعبيس، وعيون المزن ذارفة، وسقف الأفق واكفة، والقلوب من ذلك راجفة واجفة، الى أن تعالى النهار، وكاد جرف الصبر ينهار، فكف حينئذٍ الوبل، وتنازل الى مرتبة الطل، والشّمس من خلل السحاب تظهر كالحسناء في النقاب أو مثل عذراء تبرز وتستتر بالخباء، أو كما قال الشريف ابن طباطبا:
متى أبْصَرْتَ شمساً تحتَ غَيمٍ
…
ترى المرآةَ في كفِّ الحسُودِ
يُقَابلُها فيكسبها غِشَاءً
…
بأنفاسٍ تزايدُ في الصُّعُودِ
فعزمنا على الرحيل، والتجول في برد الأصيل، وخرجنا وقت العصر من تلك المدينة، قاصدين في زعمنا الركوب في السفينة، وذلك يوم ثامن عشرين صفر ختم بالخير والظفر، وأخذنا في السير والترحال، والقلب في غاية الأوجال من تلك الأوحال والأحوال، فلمّا وَصَلنا إلى قرب الساحل التي السفينة به، تلقّونا الجماعة، ومالوا بنا إلى قرية هناك بقربه يقال لها ينكيجه باللغة الرُّوميّة، ومعناه الجديَّدة بالتصغير في اللغة العربيّة، وقالوا لنا: استريحوا هنا في هذا المكان، وعرّفنا الجماعة أنّه كذب في قوله وَمَان، فنزلنا هناك ببيت عالٍ من الدفوف، متخرق الحيطان والسقوف، تتناوح به رياح الجنوب والشمال، من العلو والسفل واليمين والشمال، فلم نزل بذلك المكان ثلاثة عشر يوماً، لا نجد بالنهار راحة ولا نذوق بالليل نوماً، ونحن في أسوء الأحوال، وأشدّ الأوجال، من تلك الأمطار والأوحال، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد وفرغ الجهد، ووقع الثلج على الجبال حوالينا، ووصلت
سهامه إلينا، وقلنا الحمد لله اللهم حوالينا ولا علينا، وهذان النذلان يعدانا بمواعيدهما المعروفة، ويجريان من الكذب على عوائدهما المألوفة، ويعاهدان ثم يخلفان، ويكذبان فيما عليه يحلفان، فلم تزل تلك دعواهم، أضعف الله قواهم،
وضاعف بلواهم وأبعدهم وأخزاهم (وعاملهم بعدله وجزاهم)، فما أجرأهم على النفاق وأجراهم، فبينا أنا أقاسي من ذلك حزناً وحربا، وأتنفس الصّعداء غموماً وكربا، وألاقي من تلك الأهوال وصبا ونصبا، وأكاد أتميز غيظاً وغضبا (وقد بلغ السيل في الحالين الزبا)، وضاق الخناق، واشتد الوثاق، وتزايد الإغراق والإحراق، وبلغ إلى حدٍّ لا يستطاعُ وصفه ولا يطاق، فما راعني إلاّ البشرى بوصول خيلنا، وسوقها من فضل الله سوقاً لنا، فاستخرت الله تعالى في السفر في البحر وصمّمت، وعزمت عليه وعزَّمت وجزمت، وكان قد تنجز أمر ماميه حقيقة في تلك الساعة، وعزم على الركوب في سفينتهِ السيد ومن معه من الجماعة، وعرض علينا ماميه الركوب فيها عرض الكرماء فأنشدته:
ما أنت نوح فتنجيني سفينته
…
ولا المسيح أنا أمشي على الماء
وممّا جرى على اللسان فيه وفي أبيه ما أنشدته على البديه، وهو قولي:
إنّ يقل المريض ثلث مالي
…
لا نذل النساءِ والرجال
نصرفه في الحال إلى مَاميه
…
لكن أبوه يدعي عليه
يَقول هذا خلقي وطبعي
…
فالمال أستحقه بالشرع
حينئذ يقول ماميه له
…
لقد خبرتُ فرعه وأصله
وقد حويت كثره وقله
…
وقد وردت عله ونهله
وقد بقي لي دائماً جبلَّهْ
…
وخصلة طبعَية وخُلَّهْ
فالمال أستحقه من دونكا
…
فلا تمدنَّ إليه عينكا
فعند ذا يغضب لطفي منه
…
ولم يزل معنفاً بلعنه
يَقول أنت غاصبٌ حقوقي
…
في كل وقت مظهراً عقوقي
يَقول ماميه إذا طلبت
…
حقي فما أن لك قد عققتُ
يَقول لطفي كيف قلت حقي
…
وذلك الوصف أتم خلقي
ألست من يوعد ثم يحلف
…
خمسين ألف قسم ويخلف
قال ابنه لقد رأوني أكذبا
…
منك بإجماع وألعن أبا
وقد تركبت عَليك الحجّة
…
وظهرت منها لي المحجّة
إنّ العقوق يقتضي استحقاقي
…
إذ هو من نَذَالة الفساق
فما ذكرته هو الدليلُ
…
قد قامَ لي عليك يا جهولُ
وأنت إن كذبت إذ واعدتا
…
فللذي فعلت ما وصَلتا
ألست قد نبذتُ بالعراء
…
السيد الشريف ذا العَلاء
عين الأماثل ورأس الناس
…
عبد الرحيم السيد العباس
مع كبر المقدار والسن ولم
…
أرع له الحقوق أصلاً والذمم
ومعه ذاك الغريب الشامي
…
مع أنه المفتي بأرض الشام
فشاط لطفي عند ذا القول وقال
…
من بعد أن آلمه ذاك المقال
أليس تزعم بأنك ابني
…
فقد أخذت ذا الطباع عني
وقد نقلته جميعاً مني
…
فإنه قبلك كان فني
وثم عندي منه أصناف أخر
…
وثم أوصاف لدي تُدَّخر
وأنت لم تدر سوى ما قد ظهر
…
ولست تعلم الذي عندي استتر
وكنت قد نويت أني أنفعك
…
ببعض ما عندي ولست أمنعك
فإنّ عندي منه ما لن يفرغا
…
قط وما بَلَغت هذا المبلغا
قال له ماميه بل عرفتُ ما
…
عندك باديا وما قد تكتما
ثم اكتسبت الضعف من سواكا
…
غير الذي اقترحته من ذاكا
فالآن قدري فيه فوق قدرك
…
هذا وما بلغت نصف عمرك
فسل من الأنذال عن مقالي
…
يعترفوا بالمقام العالي
فذل لطفي حين قال ذلكْ
…
وصار وجهه كليلٍ حالكْ
ثم أتاه بكلام حسن
…
وبمقال لين لا خشن
وقال يا ابني يا أخا المروة
…
ويا أبا الرُجلة والفتوة
والقصد بالمروة النذالة
…
والقصد بالفتوة السفالة
قد فقت فيهما جميع الخلقِ
…
وقد سلخت خُلقي وخَلقي
فانت يا قُرَّة عيني مني
…
فقد تيقنت بأنك ابني
فاسمع كلامي وارع لي تعليمي
…
وارفع مقامي واسع في تكريمي
فقال: كلا لست أعطي حقي
…
أو بعضِهِ لأحد في الخلقِ
وإن تكن أبي فمن كمالِ
…
سفالتي مَنْعُك من ذا المال
فعند ذا رفع كل أمره
…
لبعض من له بذاك خبره
قال هما كفرسي رهان
…
أو كشريكي شركة العنان
فإن هذين بلا محالهْ
…
رأسان قدوتان في النذالةْ
وإنني والله لست أعلمُ
…
أيهما في ذلك المقدمُ
إن قلت ماميه ففيها أمة
…
أو قلت لطفي فهو نذل الأمة
فإنّ هذا الذل مع أصالته
…
أعظم حجة على سفالته
وذلك الجفاء من ماميه
…
نذالة ظاهرة عليْهِ
والصلح قالوا سيد الأحكام
…
وهو اعتماد سائر الحكّام
والرأي أن تصطلحا وتقسما
…
جميع ذا المُوصَى به بينكما
فأنتما أنذل هَذي الأمّة
…
فافترقا على رضى بالقسمة
ومما قلته في لطفي العنيد، ونحن في ذلك الحال الشديد، الذي ما عليه من مزيد:
عامل الله بعَدْل
…
أنذل الأقوام لطفي
وتولانا بفضل
…
وتلافانا بلُطْفِ
ثم ركبت من ذلك المكان، أنا ومن معي من الصبيان، وصحبنا معنا ما قلّ من
الأمتعة، وتركنا بقيتها في المركب مودعة، وودعنا مولانا السابق في الذكر المتقدم بالذِكر وداعاً استولى على القلب واستعلى على الفكر، وفارقته بالجسم والقلب له مصطحب، وأنا ضاحك من ودع ذلك المحل ومن وداع ذلك الحال منتحب، وتذكرت بوداع ذلك الصاحب الحبيب وداع كل صاحب وحبيب، وبهذا الفراق والنأي القريب فراق كل ناءٍ قريب، وأنا أتململ بين نار قلب في نهاية الاضطرام، وماء طرف منسجم غاية الانسجام، وأتمثل بقول علي بن هشام:
يا مُوقِدَ النارِ يُذكيها فيخمدُها
…
قُرَّ الشتاءِ بأرواحِ وأمطارِ
قم فاصطل النار من قلبي مضرَّمةً
…
بالشوقِ من مهجتي يا موقدَ النارِ
ويا أخا الذودِ قَدْ طَالَ الظماءُ بها
…
ما يعرف الرَّيُّ مِنْ جَدْبٍ وإِقتارِ