المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا عليّ السلام، فتبعتهما - المطالع البدرية في المنازل الرومية

[بدر الدين الغزي]

الفصل: السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا عليّ السلام، فتبعتهما

السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا عليّ السلام، فتبعتهما فذهبا وأسرعا في المشي وهربا، ثم وقفا يتوامران ويتشازران ويتشاوران، فسقت وراءهما فسقط أحدهما في بعض تلك الوهاد سقطة عظيمة هلك منها أو كاد، وحار الآخر وخاص، ثم ولى مدبراً وله خصاص، ولم نزل نسير مستعدين ونسري مجدين في تلك الفدافد والفيافي ونحن كما قال الرُّصافي:

ومُجِّدين في السُّرى قد تَعَاطوْا

خمرات الكَرَى بغيرِ كؤُوسِ

جَنَحُوا وانحنوا على العِيْسِ حتَّى

خِلتُهُمْ يعتبون أَيْدي العيسِ

نَبَذُوا الغُمْضَ وهو حُلْوٌ إلى أنْ

وَجَدوهُ سُلافةً في الرءُوسِ

‌حماة

فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلاّ وقد أشرفنا على مدينة حَمَاة، جعلها الله تعالى في حفظه وحِمَاه، تتلع إلينا أجياد قصورها وغرفاتها، وتبسم عن ثغور أسوارها، وفلج شرفاتها كالعذارى شدت مناطقها، وتوّجت بالإكليل مفارقها، فحمدنا عند الصباح السرى، ونفَّرنا عن وكر العيون طير الكرى، ثم دخلنا المدينة حين أشرق وجه الشمس مسفراً ضاحكاً مستبشراً من يوم الأحد رابع عشر في شهر رمضان، ونزلنا خارجها على نحو نصف ميل ببستان، ذي زهور وفينان، وأغصان تتمايل تمايل النشوان، ومذانب تسل

ص: 49

السيوف، وترى لنفسها على الأنهار المشفوف، وتخترق من مكللات الثمار الصفوف، وتدور على سوف الغصون كالخلاخل، وتلتوي بها التواء اللسان المجادل، ودولاب يحن الحنين الجوار، ويضرم في القلب المشوق حرّ الأوار، ويَهيج لوعة الصب المغترب النازح الدار، كما قيل في نعته:

ودولابٌ إذا أنَّ

يزيد القلب أشجانا

سقى الغصن وغناه

فما يبرح نشوانا

فما مضى من حين النزول إلاّ القليل، حتى عزم القاضي وصمم على الرحيل، فأرسلت اليه كلاماً خشنا، وقلت: هذا الذي تفعله ليس حسناً، فإن رحلت أقمت أنا بالبلد، ثم لا يتبعك من غير جماعتك أحد، فأخر بسبب ذلك الرحيل والمسير إلى ثُلث الليل الأخير، ثم ركبت ودخلت المدينة قاصداً جامعها الكبير، ثم قصدت زاوية القطب الرباني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلانيّ، أعاد الله علينا من بركاته وأمدنا بمدده، وفيها الآن جماعة باقية من ذريته وولده، فتلقانا منهم الشيخان الفاضلان والشابان الكاملان الشيخ بركات والشيخ عبد القادر ولدا الشيخ العابد

العالم العارف بالله تعالى الشيخ قاسم وأخوا شيخ الزاوية الآن صاحبنا الشيخ الكامل العالم العامل ذي الإخلاص والصفاء والصدق والوفاء الشيخ أبو محمد وفا، فابتهجا بنا وأنزلانا بأعلى الزاوية في الرواق، وكان الشيخ وفا قد خرج حينئذٍ

ص: 50

إلى تلقّينا بالوطاق، فما مضى ساعة من حين التلاق حتى حضر فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وحَنَّ كل منا حنين المغرم المشتاق، وأنَّ أنين الموجع الأحشاء من ألم الفراق، فيا له من صديق وأخ للروح شقيق:

نسيب إخاءٍ وهو غير مناسب

قريب صفاء وهو غير قريب

ثم دخلنا إلى خلوة هناك مطلة على العاصي، وقبالتها ناعورة ينصب منها الماء إلى الأداني من الزاوية والأقاصي، وهو مكان بهج مستظرف مستنزه فرج، ثم أحضر الشيخ وفا المنشور المكتتب له بالمشيخة بعد أخيه، ورضا أخويه المذكورين بما رقم وزبر فيه، فكتبت عليه تقريظاً وأجزته بما يجوز لي وعني روايته أيضاً، وقدَّم رجل من جماعته فُتيا صورتها رجل عمَّر طبقة على مكان موقوف بغير إذن من مستحقي الوقف ولا ممّر لها إلاّ منه، ثم وقفها على نفسه ثم على ذريته، فهل يصح وقفها أم لا؟ وما الحكم في ذلك؟ فكتبت عليها: الحمد لله اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، لا يصح الوقف المذكور، بل ولا يجوز عمارة الطبقة، إذ لا مسوغاً شرعياً وهي ملك لأربابها، لكنها غير محرمة فتزال أو تبقى بأجرة مِثْل إن كان في ذلك مصلحة للوقف، ثم لا يحكم بأن وقفها صحيح إذا أُبقيت بأجرة لأنا حكمنا بإبطاله أولاً لا بوقفه، إذ الوقف لا يحتمل الوقف والله الموفق.

ص: 51

ولم نزل نسرح في روضٍ من ذلك الاجتماع، ونشرح ما وجدناه من البعد والانقطاع، ونجول في ميادين بحوث ونقول، في أنواع العلوم المعقول منها والمنقول، ونتجاذب أطراف أخبار، ونتذاكر مذاكرة ألطف من نسيم الأسحار،

حتى هرم شباب ذلك النهار، وأخذ بنيانه في الانهيار، وأذنت الشمس بالغروب وانثنى قوس حاجبها وهو محجوب، وحلّ من الصيام الإفطار، وذرّ إثمد الليل في عيون الأقطار، فصلّينا بالزاوية صلاة المغرب، ثم قدّم لنا سماطاً عن كرم شيم مقدمه معرب، مشتمل على كل نوع مفتخر معجب، ثم ودّعنا هو وإخوته ومن حضر، وقرأوا الفاتحة ودعوا لنا بجمع الشمل بعد قضاء الوطر، وأرسلوا معنا إلى المخيم خمسة رجال بأسلحة من قسي ونبال، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت من ودعت لا عن تعوض، وصدروا من الوداع ووردت، واجتمعوا في تلك البقاع وانفردت، (وأتهموا في بلادهم وأنجدت)، وسرت:

ولوجدي من العَروض بسيطٌ

ومديدٌ ووافرٌ وطويل

لم أكن عارفاً بهذا إلى أنْ

قَطَّع القلب بالفراق الخليل

وتمثلت وقد جدَّ العزم بقول أبي المغيرة بن حزم:

ص: 52

واجدٌ بالخليل من بُرحَاء الش

وقِ وجدانَ غيره بالحبيب

إن قلبي لكم لكالكبد الحرّا

وقلبي لغيركم كالقلوب

ثم بتنا بذلك البستان المذكور، وتلك الناعورة بالقرب منّا تحن وتدور، وتنجد في طلب الماء وتغور، كما قيل:

ناعورةٌ مذعورة

ولهانة وحائرة

الماء فوق كتفها

وهي عليه دائرة

بل من هذا القبيل:

باتت تِحِنّ وما بها وَجْدي

وأحنّ من طرب إلى نجدِ

فدموعها تحيى الرياضَ بها

ودموع عينيّ أحرقت خدي

ولك أن تقول:

باتت تحِنّ وما بها كَرَبي

وأحنّ من شوق إلى حبي

ص: 53

فدموعها تحيى الرياضَ بها

ودموع عيني أحرقت قلبي

ولك أن تنشد:

باتت تحِنّ وما بها شَجَني

وأحنّ من شوق إلى وطني

فدموعها تحيى الرياضَ بها

ودموع عيني أحرقت بدني

ومدينة حَمَاة هذه من أحسن بلاد الشَّام، وألطفها، وأملحها، وأظرفها، وأنزهها، وأترفها، وبها قلعة شامخة، عالية باذخة، حصينة مانعة، مكينة واسعة، مليحة الأبراج والأبواب، لكنها الآن خراب، وبالمدينة جوامع ومساجد ومآثر ومعاهد ذات بهاء ورونق، ومعظمها منقوش البناء بالحجر الأبلق، مستدير بها العاصي على غالبها من الشرق والشمال، وتتناوح فيها مهاب رياح الجنوب والشمال، وتحفّها بساتين من غالب الجهات، وروضات طيبة النبات ذات ظل ظليل وماء سلسبيل، تنساب بها الجداول انسياب الأراقم بكل سبيل، وتهدي حياة النفوس تحيات أنفاسها الصحيحة بنسيمها العليل، وتتجاذب نواعيرها وهي من ألم الأحزان باكية، ومن تزايد الوجد والأشجان شاكية، كيف وقد فارقت من الأغصان مآلِف، ومن الرياض معاهد ومقاصف، ومن الحمام الهواتف مقاعد للسمع ومواقف، ودارت طائعة في خدمة العاصي، وسقت بما يجري من عيونها الداني من الأرض والقاصي، فلا غرو أن هيجت بحنينها الأحزان، وذكّرت الغريب حنين أهله فأثارت عنده لواعج الأشجان.

ص: 54

وحَماة وشَيْزَر مخصوصتان بكثرة النواعير العظام دون غيرهما من بلاد الشام، وما أحسن ما قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في طرديته:

أحسِنْ بوجهِ الزمنِ الوسيم

تعرف فيه نضرةَ النعيمِ

وحبذا وادي حَماة الرحبُ

حيث زهى العيش به والعشبُ

أرض السناء والهناء والمرج

والأمن واليمن ورايات الفرج

ذات النواعير سقاه الرب

وأمهات عَصْفه والأبُّ

تعلمت نوحَ الحمام الهتف

أيام كانت ذات فرع أهيف

لا عَيْب إلاّ أن معناها الهنى

ينسى أخا الغربة حبّ الوطن

وكلها من الحنين قلب

وكيف لا والماء فيها صب

لله ذاك السفح والوادي الفرد

والماء معسول الرضاب مطرد

يصبو بها الرائي فكيف السامع

ويحمد العاصي فكيف الطائع

ص: 55

إذا نظرت للربا والنهر

فارد عن الربيع أو عن جعفر

محاسن تلهي العيون والفكر

ربيع روضات وشحرور صفر

أمام كل منزل بستان

وبين كل قرية ميدان

أما رأيت الوُرْقَ في الأوراق

جاذبة القلوب بالأطواق

ومما قاله ابن حجة الحَمَويّ فيها:

مرج حَمَاةٍ بنواعيره

زاد على المقياس في روضته

فاغتاظ نمور دِمَشْق لذا

فقلت لا أفكر في غيضته

وله فيها:

بوادي دِمَشْق الشّام من أيمن الشط

وحقك تطوي شُقّة الهم بالبَسْطِ

بلاد إذا ما ذقت كوثر نيلها

أهيم (كأني قد ثملت باسفنطِ)

ص: 56

ومن يجتهد في أن في الأرض بقعة

تشابهها قل أنت مجتهد مخطي

وصوب حدْيثيَّ ماءها وهوائها

فإنّ أحاديث الصحيحين ما تخطي

إلى أن يقول:

ومذ مدَّ ذاك النهر ساقا مدملَجاً

وراح بنقش النبت يمشي على بسطِ

لوينا خلاخيل النواعير فالتوت

وأبدت لنا دوراً على ساقه السبطِ

وظرف من قال يهجوها وأهلها:

عمَّ الفسادُ حمى حَمَاة فمردها

ورجالَها ونساؤهن جميعا

شبه النواعير التي يهوونها

من مسَّه العاصي يدور سريعا

(رجع إلى سياق الرحلة) ثم رحلنا من ذلك البستان حين مضى من الليل الثلثان، فلم نزل نسري ونُدْلِج ولا نعول على غير المسير ولا نعرج، إلى أن أسفر وجه الصباح المبتلج، فوافينا في الطريق عُرْبان مُدْلج، وهم نزول على بعض تلك الجبال، ومعهم خيل وجمال، فلاقونا عند الإشراق، وباعونا من لبن النياق، ورأى بعضنا امرأة منهم تقطع من زرع، فقال: لا يحل لك هذا في الشرع، فقالت

ص: 57

يعيش (رأس مُدْلج) لا عدانا بره وخيره، يحلل لنا هذا وغيره، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ثم سرنا فلما تكامل من النهار شبابه، واستنار وجهه وصفى إهابه، أفضى بنا إلى خان شَيْخون المسير، وهو مكان موحش معطش، يُسقى فيه من بئر على بعير، فلمّا انهار ذلك النهار، ومال الظل وامتد، وحمى الحرّ واشتد، واحتدم حموه واحتد، أخذنا في أهبة الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، ولم نزل نسير في تلك الفيافي وهجيرها يلفح، وزفيرها لا يكف عنّا ولا يصفح، إلى أن حان وقت المغيربان، واختفت الشمس عن العيان، فوصلنا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، وذلك في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان، فنزلنا بها بمكان مخوف كثير السُّراق والذؤبان، وبتنا بها وقلوبنا تخفق فَرَقاً وتطير وَجَلاً، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلاً.

وقد كانت المَعَرَّة مدينة كبيرة وانتشأ بها من العلماء جماعة كثيرة، وناهيك بأبي العلاء رأس النبلاء وعين الفضلاء، وزَيْن الأدباء، وفخر الشعراء، والشيخ العَلَاّمة الفهامة زين الدِّين بن الورديّ، أفقه الشعراء، وأشعر الفقهاء، وأنبه الظرفاء، وأظرف النبهاء، وكفاه برهاناً على كماله وحجة نظمه الحاوي المسمى بالبهجة، وغيرهم من الأفاضل والأعيان الأماثل، وأما الآن فقد تعوضت من ذوي

العلم بذوي الظلم، ومن أهل الفضل بأهل الجهل، ومن الأماثل بالأراذل، ومن الفقهاء بالسفهاء، ومن الحداق بالسرّاق ومن أهل الأداب بالذئاب في الثياب، وعامة أهلها الآن لصوص إلاّ ما أخرجه من التعميم الخصوص، فأقمنا بها سواد الليل ثم رَحّلْنا البغال والخيل ورحلنا منها عند ظهور نجم الصبح الثاقب. وحدور ضده المراقب،

ص: 58

وذهاب الفجر الكاذب، وإياب ضده المعاقب، ذي الألقاب الغرّ والمناقب، فوصلنا وقت الضحى الأعلى إلى منزل سراقب، وهو منزل رحيب، ذو مرعى خصيب، قد أخذ من الحسن والإحسان أوفر نصيب، غير أنه كثير الطُّرار والطراق، جم اللصوص والسُّراق، فلما حان وقت الظهر وآن، رحلنا قاصدين قرية زيتان، فوصلناها ونزلنا بها:

والشّمسُ تَجنَحُ للغروبِ مريضَةً

والليلُ نحو مغيبها يتطلَّع

بمكان نضر المنظر حسن المخبر يدور به النهر الواصل من جهة حَلَب، وهو في العذوبة والخفة غاية ما يُطلب، فصادفت الخواطر فيه مرتعاً والبهائم مرعى ومربعاً، وبتنا به تلك الليلة وهي ليلة الأربعاء ثم نسخ الهجوع الهجود، وانتهى المقام مع انتهاء قيام نبي الله داود، فأزمعنا على السرى وعزمنا على رفض الكرى، فسلكوا بنا طريقاً عسراً عسراً، ودرباً بعيداً محجراً، وسبيلاً وعراً مضجراً، متعدد التهائم والنجود، متزايد الهبوط والصعود، حتى تعبت الرجال والخيل، وولى الليل مشمر الذيل، وبرق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، وتتابعت راياته في الأفق الشرقي حتى:

كأن سوادَ الليل والصبحُ طالعٌ

بقايا مجالِ الكُحْلِ في الأعينِ الزُّرقِ

ص: 59